الحوار المتمدن - موبايل



= ما هي الانسانية ؟

رمضان عيسى

2018 / 2 / 13
حقوق الانسان


تصوَّر أنك رأيت شخصاً وهو يوسع آخراً ضرباً وإيلاماً، ولم تقع يدُه على أداةٍ إلَّا وهاجمه بها ، بينما الآخرُ، يحاولُ الهربَ ولكنه لم يستطع، فأصابه اليأسُ وإستسلم لِقدرِه، بينما الآخر لا زال يهاجمه ...... فماذا تفعل ؟ طبعاً لا بد أن تتحركَ لمساعدةِ هذا الإنسان الذي أعيته الحيلةُ للهرب، وتدعو المهاجمَ إلى العفوِ والرحمةِ، والتوقفِ عن إيلام الآخر ، والعفو عنه ، فهو أخوك في الإنسانية !! لماذا كان هذا الموقفُ منك رغم تصورك أنه ممكن أن ينالك أذىً من المهاجم بسبب موقفك هذا ؟ كان هذا الموقفُ منك لأن الموقفَ قد حرك في داخلك كوامنَ وجدانية، وعواطفَ إنسانية جعلتك تندفعُ للمساعدةِ ومحاولةِ إيقافِ الألم الذي يتعرض له إنسان ، وأنك ساعدته كإنسان ، ولم تسأل عن جنسيتِه أو دينِه !! وتنسى المخاطرَ التي قد تحدثُ لك نتيجةً لموقفِك الإنساني هذا !!
هذه هي الإنسانية !! فالإنسانية هي الوجدان ، هي المشاعر ، النوازع الداخلية التي تدفعك كإنسان إلى مساعدةِ الآخر، المظلوم، المحتاج، الجائع، المريض، المضطهد، الضعيف، الخائف ... لتأخذ بيده إلى برِّ الأمان !! الإنسانية هي النبع الإنساني الصافي، هي القاسم المشترك بين بني الإنسان، وهي أشملُ رباطٍ بين كائناتٍ عاقلةٍ على هذه الأرض !!!
- وهناك روابطُ أُخرى بين بني البشر ولكن أقل شمولية، مثل رابط القومية، واللغة، أو رابط الدين، أو الحزب، أو الجنس، أو الروابط الأُسرية بين الآباء والأبناء ...... ومثل هذه الروابط غيرُ دائمةٍ في أغلبِ الأحيان ، فسرعان ما تتفكك أمام الصراعات الطبقية أو المذهبية في داخل البلد الواحد، أو صراعات التكتلات داخل الحزب الواحد، أو تصارع الأبناء على الميراث ...!!
فرغم هذه الصراعات بين بني البشر إلا أن رابط الإنسانية يبقى الرابط الأشمل الذي يحاول أن يتمسك به المظلوم لإسترداد حقوقه من الظالم، والعبد في محاولاته للإنعتاق من عبودية السيد، والفلاح من الإقطاعي، والبروليتاري في نيل حقوقه من البرجوازي، والفقير في صراعه مع الغني برفعه شعار " كن إنساناً " !! .. والأفضل في رأينا أن يرفع شعار" صِرْ إنساناً " ، أي عليك بالتطور للوصول إلى " السوبر إنسان " . فرابط الإنسانية يجعلنا نبذل المساعدة دون إنتظار مقابل ، أما في الروابط الأخرى، فكل شيء بثمن، وقد تكون روابط ظرفية تحكمها الفوائد المشتركة في وقتٍ محدد !!!
الإنسانية هي الموقف من الآخر، هي إختبار لكلِ دينٍ وملةٍ ومعتقدٍ وقوميةٍ ونظامِ حكمٍ وشخصٍ في هذا الزمن، فهي مقياسُ الإقتراب من الإنسانيةِ من عدمِها !! ليس بالكلام، بل بالفعلِ والممارسة !!

فالإنسانية يولد الإنسان وهو يحمل واجباتِها وعواطفَها التي تَخلق لدى الانسان ميلاً إلى الإنسان الآخر، ميّلاً للمحافظةِ على بقائِه من خلال المحافظة على الآخر، على حياةِ الآخر .... كان هذا سائداً في مراحل التكون الأُولى للمجتمعِ الإنساني، أي في مرحلة المشاعية التي كان الحصولُ على الغذاءِ يجري من الطبيعة مباشرةً ، ولم تكن مملوكةً لأحد ....ولكن هذا المَيل الوجداني الإنساني تشوه بعد ظهور المِلكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإنقسام المجتمع إلى طبقاتٍ متناحرة فيما بينها، إستطاعت فيها الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج من تسييد أخلاقها وقوانينها على جموعٍ غفيرة من البشر .

إن إنقسامَ المجتمع إلى أسيادٍ وعبيدٍ قد ألغى الكينونةَ الإنسانية للإنسان، وساواها بالأشياء المملوكة، وأصبح العبدُ فيها أداةً في يد السيد تُباع وتُشترى، وأُسقطت حرية الانسان بترسيخ قوانين تجعل من العبوديةِ نظاماً سائداً للعلاقاتِ بين مكوناتِ المجتمع من أسياد وعبيد . وفي زمن التشكيلة الإقطاعية إرتبطت طبقة الأقنان والفلاحين بالأرض، وأصبح فيها الفلاحُ بشخصه وأفراد أسرته وسيلةً لخدمةِ الاقطاعي طول حياته !! وفي التشكيلة الإقتصادية الرأسمالية ، مُنح الإنسان العامل بعضاً من الحرية الشخصية، ولكنها كانت شكلية، فهو حر في إختيار السيدِ الذي سيشتري منه قوةَ عمله. فالعامل لكي يعيش عليه أن يبيع قوة عمله عند أحد البرجوازيين الذي يمنحه أُجرة إسمية ، بالكاد تكفي حاجاته هو وأسرته .
من هنا ففي كل هذه التشكيلات الإقتصادية الإجتماعية لم تطفو على السطح العلاقات الإنسانية ، بقدر ما كانت علاقات إقتصادية جافة تم فيها إختزال قيمة الإنسانِ ومساواتِه بالأشياء المملوكة، أو القابلةِ للإستخدام !!
كما كان لظهور الأديان وتنوعها بما للمشتغلين بها من سطوةٍ نفسيةٍ ترهيبيةٍ إكتسبوها بإدعائِهم أن لهم علاقةً مع الغيب وملحقاته من جن وملائكة وشياطين وسحرة، فقد إشترك ممثلوها مع الطبقات السائدة في إرهاب الغير، وبهذا كان لممثلي السلطات الروحية والزمنية دورٌ في ترسيخ فرز المجتمع إلى طبقاتٍ سائدةٍ ومسودة، وتعميق فكرة القدرية الإلهية في أوساط الجموعِ الغفيرة من الناس. وكثيراً ما كان الملوكُ والخلفاءُ والأمراءُ والولاة يمارسون الحكمَ بقوة السلطتين ، بإعتبار أنهم من نسل مقدس، أو أنهم وكلاءُ " اللهِ " في الأرض ، وأن من الأقدارِ أن " اللهَ " إختارهم أن يكونوا ملوكاً على الناس !! .
وزاد هذا التشويه مع تنوع الأديان التي تنظر إلى أتباع الديانات الأُخرى نظرة عدائية تنزع من الآخر حقة في الحياة الحرة الكريمة .
كما أن ظهور القوميات التي وضعت الحدود السياسية .، مما أدى إلى تفشي فكرة النمطية في النظر إلى الآخر ذو الجغرافيا المختلفة ..!! وهذا أدى إلى إخفاءِ النوازع الإنسانية الخيرية الصادقة في العلاقات بين بني الإنسان، وطغيان النوازع الشريرة والحروب الطاحنة بين الأمم والشعوب على مر التاريخ ، فالحروب ومبرراتها تشويهٌ للإنسانية، وخروجٌ عن السليقةِ والطبعِ الإنساني الصافي ..!!

وتبقى الإنسانية هي الحقيقة الرائعة ، هي النزوع الإنساني الصافي، هي الشمس التي تذوي أمامها كل الروابط الأُخرى، سواء كانت قومية أو دينية ..!! إنها احساس ، واقتناع وتفاعل !!
الإنسانية ليس لها موظفون مميزون لهم سطوة على الآخرين !!
والإنسانية ليست دين تؤمن بقوى خارقة، تراقب وترصد وتتوعد وتعاقب وتَرهب، وتأمر الإنسانَ بغزوِ الآخر المُختلف وإستباحة أملاكة وإستعباده ، وتضعه بين خيارات أحلاها مر !! الإنسانية ترفض تقسيم المجتمع الى سيدٍ وعبد ، ترفض الإستعبادَ للآخر المُختلف ، ترفض التمييزَ بكافةِ أشكاله على أساسٍ ديني أو قومي ، أو اللون أو الجنس ، أو الجغرافيا ...
الإنسانيةُ مشاركةٌ وجدانية ، سلوكٌ إنساني راقي ، تعاطفٌ مع الإنسان المظلوم ، كإنسان !!الانسانية أخلاق متجذرة في الضمير ،إنها قيم راقية تدفع الانسان للتفاعل الايجابي مع الآخر ....
= جوهرُ الإنسانية مشروطٌ بالوعي والحرية !! الوعي في أن رابطةَ الإنسانية هي أرقى الروابط التي يجب أن لا يتقدمها أو يطغى عليها، أيٌ من الروابط الأُخرى ، الوعي الذي ينزع الزيف عن الروابط الأخرى التي تشوه العلاقات بين بني الانسان .. وأن يكون للانسانِ مطلق الحرية في ممارسة هذا الوعي في علاقته مع الآخر المختلف معه في الرأي، أو المُعتقدِ أو القومية .
الإنسانيةُ هي إستنهاضُ كل إنسان لمساعدة كل إنسان وقع عليه ظلم ، أو إنتُقصت حقوقُه كإنسان !!

الإنسانية تفترض الحرية للإنسان ، وهذه الحرية مقدسة، قداسة الإنسان ، ولا تخضع للمساومة ، ولا للبيع ، ولا للإختزال تحت أي سبب ، أو أي ظرف من الظروف !! حرية الإنسان في العيش بحرية وإمتلاكه لجسده وعقله دون إرهاب من الغير، من السلطة أياً كانت دينية أو مذهبية، أو عاداتية !!

الإنسانية هي التحرر من سلاطين الأرض، وسلاطين السماء، ووكلاء السماء في الأرض .
الإنسانية هي تعظيم الإنسان وقوته العلمية والجسدية والنفسية، وتهيئة الإمكانات المادية للعيش بأريحية على هذا الكوكب .
-الإنسانية أنت وأنا، هو وهي ، وهي دون أية إضافات تزرع الإختلافَ والتمييزَ بين بني الإنسان !!

الإنسانية عطاء دون مقابل ، هي السعادة في المساعدة ... وشعارها : " أنا أستمتع بأن أراك سعيداً " ، وتعيش في سلام بدون ألم !!
الإنسانية لا تفترض العنف من أجل إظهارها وتعميمها ، إنها تعني وتسعى لبعث النوازع الخيرية داخل النفس البشرية ، وبالمقابل تسعى لمجابهة العنف ضد الإنسان بتعريته، وكشف مصادر تمويله، وأماكن نموه، وفضح مبرراته الفكرية والعاداتية، والمظاهر الإجتماعية التي يتولد منها ويترعرع فيها ..!! = هناك مثال صارخ وواضح ونموذج للإنسانية في التطبيق، وهو إنسان ، ولم يُستورد من الفضاء، أو يأتينا بكتبٍ من الآلهه ، شخص عاش بيننا، وغادر عالمنا، شخص شهدت له الشعوب والزعماء بهالته الإنسانية الرائعة، إنه نيلسون مانديلا، الذي كان قدوة في العفو عن ظالميه، وقاد بلاده إلى طريق السلام الإجتماعي بعد أن كان مثالاً صارخاً للتفرقة العنصرية !!
وأخيراً ، يبقى السؤال : هل تأتي الإنسانية لك على طبق من فضة ، أم أنها مثلُ كل الأمنيات تحتاج لنضال ومجاهدة من أجل الحصول عليها ؟ نعم ، تحتاج الإنسانية لنضال من أجل إزالة التشويه الذي أصابها على مرِ التاريخ البشري، من النزعات القومية والمذهبيات الدينية، وما جاءت به من أوامر من الآلهة شوهت الوجدان الصافي للإنسان تجاه أخيه الإنسان ...
كما أن هناك من لا يقبل ل" الإنسانية " أن تُبعث وتسود العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان في هذا الزمن ، ويحاولون بالإرهاب ونشر الفتاوي المذهبية والتي تُفرق بين بني الإنسان !! فالنضال من أجل " الإنسانية " يتطلب الوعي والمجاهدة والتكاتف والإنتصار للإنسانية ليس على المستوى القطري ، بل على المستوى العالمي ....







اخر الافلام

.. غادة والى تزور جمعية المستقبل للمكفوفين بالإسماعيلية.. ونزيل


.. ستديو الآن | باكستان تقضي بإعدام مغتصب وقاتل زينب


.. خفر السواحل التونسي ينقذ عشرات المهاجرين




.. باكستان تقضي بإعدام مغتصب وقاتل زينب


.. غادة والى تزور جمعية المستقبل للمكفوفين بالإسماعيلية.. ونزيل