الحوار المتمدن - موبايل



الإنتهازية والوصولية وثقافة التقاليد البالية الممزوجة بثقافة التقاليد المرعية ( 6 )

سعيد الوجاني

2018 / 2 / 13
مواضيع وابحاث سياسية



الانتهازية والوصولية وسيادة الثقافة الشعبية البالية الممزوجة بثقافة التقاليد المرعية ، هي من أهم عوامل عرقلة بروز وتبلور لوعي طبقي / اجتماعي جماهيري شعبي .
ففي المجتمعات البتريركية والبتريمونيالية ، حيث دائما الرعايا يتشبثون بالراعي الأب ، لحمايتهم من شرور الحياة وعواقبها ، فإنهم في تفكيرهم ، وحركتهم ، وثقافتهم البالية الممزوجة بالتقاليد المرعية ، يغرفون من الأصول الاجتماعية المبنية على الخوف والتواكل ، وتفويض كل ما يتعلق بالشأن العام ، للأب الراعي المدرك بحقيقة الأشياء ونواميس الكون ، والمتمتع بالبركة الإلهية الحائلة ضد كل المصائب التي تخيف الرعية .
لذا فان التمازج بين التقليداني الماضوي ، وبين تكييف ( العصرنة ) المفترى عليها في دولة بتريركية أبوية ، يوظف في جعل الرعايا ينتظرون دائما عطف الراعي ، في أشكال مختلفة كتقديم صدقات متكررة ، وإعانات مادية لمواجهة ظرف طارئ كالثلوج ، او المصائب ، او كل ما يخيف الرعية من هول الحياة وضنك العيش .
ففي هذا النوع من المجتمعات الفاقدة لسلطة القرار ، ولجرأة الاختيار ، واستقلالية الكلمة ، فكل شيء أصلا يتم ضمن التقاليد الخرافية والتقاليد المرعية ، لذا فهم يوظفون رموز الخوف في سيرتهم ، وفي تقاليدهم ، وفي أمثالهم ، مثل البُومْ ، الغراب ، الأفعى ، الثعبان ، الذئب ، عيشة قنديشة ، الأولياء ، الصالحين ، القبور ، البركة ، الليل ... الخ . كما تجد الرعايا يتسابقون إلى الساحات والأسواق ، لسماع الأزلية ، وحكايات خيالية من الجن الأسود ، الى الجن المسلم ، الى الجن النصراني ، الى سيف دويزل وعاقصة والنمرود ، الى علي بن ابي طالب وهو يلوح بسيفه يمينا فيقطع ألف رأس يهودي ، ويشير بسيفه يسارا فيقطع ألفي رأس يهودي حتى وصلت الدماء الى ما فوق عنق الحصان ... الخ .
ان سيادة عقلية التواكل ، والخرافة ، والتشبث بالقصص ، وبالأزليات ، والحِكِيْ الذي يحيل على العصور الغابرة ، تجد فيه الرعية متعة نفسية تجعلها تعيش القرون المنسية ، أي أنها خارجة عن دائرة الزمن وقوانينه الصادمة .
ان الثقافة الشعبية البالية الممزوجة بثقافة التقاليد المرعية السائدة بالدولة البتريركية البتريمونيالية ، هي مجموع القيم الماضوية ، والتقاليد البدوية ، والأعراف ، والممارسات التي تمتح من الحظيرة ، ومن العشّة أنْوالة ، ومن الخيمة ( الخيام انتفت ) . ان هذه الثقافة التي فشلت في ان تصبح مدينية ومدنية وعقلانية ، رغم ولوجها الإدارة ، أسقطت تلك القيم البالية ( أهْلينَ ) الأهل القبيلة بالإدارة ، التي تحولت وفي ظرف وجيز منذ سبعينات القرن الماضي ، الى نسخة ومرآة لما يجري بالحواشي والمحيطات . فأصبح تقلد المسؤوليات والمهام ، يأخذ بالاعتبار الانتماء القبلي ن والعادات ، والممارسات الضيقة ، وليس الأهلية والكفاءة والمقدرة .
وعندما تزاوجت هذه الممارسات القبلية مع ممارسات متناقضة بسبب اختلاف مكان التعليم والتعلم ، ( مدينة بادية ) تحولت الإدارة الى حلبة للصراع بين الاتجاهين ، ومع الكثرة والوفرة الغازية للإدارة من الهامش والمحيط ، سيطر البدو الحاملين للماضوية وفرضوا استمرار نفس العادات والتقاليد التي تمتح من الماضوية والأركاييكية ، فأصبحنا نعيش شمكرة الإدارة ، وشمكرة الشارع ، وشمكرة المدينة ، ( لكْلوشارْديزازْيو دوُ لدْمينيسْطْراسيو ) .
إذن هل يمكن ان نتحدث في دولة بتريركية باتريمونيالية أبوية عن ثقافة شعبية ؟
إذا كانت الثقافة الشعبية هي مجموع ما تمارسه الجماهير الشعبية في مختلف الميادين ومجالات الحياة الاجتماعية ، -- فالأرجح ورغم ظهور أحزاب برجوازية صغيرة حاولت ان تنتفض ضد الماضوية والتقليدانية -- ، ان ليس كل مكونات الثقافة الشعبية ، كانت خلال الستينات ، والسبعينات ، وحتى الثمانينات تقدمية ، او تحررية تخدم تحرير الجماهير الشعبية ، كما يعتقد اليوم الشعبويون الذين يؤلّهون كل ما هو شعبي ، او بالأحرى كل ما يعتقدونه ذلك .
ان السبب في ذلك ، هو كون الثقافة الشعبية ، لا تشكل في مجملها ثقافة مضادة ، للثقافة الماضوية التقليدانة للبتريركية الباتريمونيالية ، بل انها من حيث مكوناتها الأساسية ، وفي غياب عوامل تطويرها ، وتكوينها كثقافة مضادة ، تذوب من حيث لا تدري في الثقافة السائدة ، ومن هنا يأتي تشجيع الطبقة السائدة لبعض مكونات الثقافة الشعبية ، ومحاربتها وقمعها لمكونات أخرى .
ان الثقافة الشعبية المائعة ، عندما تؤكد على وحدة الشعب ، وعلى ضرورة التضامن الشعبي بين كل الشعب ، وعلى قيم الإحسان ، ومساعدة الغني للفقير ، ونبذ الصراع والتفرقة التي تنخر المجتمع ... الخ ، ولا تحصر ممارسة هذه القيم في إطار المُضطَهدين والمستغَلين ، بل تدفع باتجاه شمولها لكل المغاربة ، فتؤدي الثقافة الشعبية الممزوجة مع التقاليد المرعية ، الى إخفاء الفوارق الاجتماعية ، والتناقضات الطبقية ، ومن ثم كهكذا ثقافة رجعية ، تساهم بدور اكبر ، في عرقلة بروز وتبلور وعي المستغَلين بمصالحهم ، وتعرقل إدراكهم لأعدائهم الطبقيين ، فضلا عن كونها تسعى الى الحد من احتدام الصراعات الاجتماعية التي تفرق بين " الإخوة " . فهي بذلك تشجع على طلب الصدقة بدل المطالبة بالحقوق أسوة بالطبقات السائدة .
ولئن كانت بعض هذه القيم ايجابية نوعا ما ، طالما بقيت ممارستها محدودة في إطار الطبقات المسودة الفقيرة ، ووُظّفت في نضال هذه الأخيرة ضد أعداءها الطبقيين ، فان نفس القيم تتحول الى عوامل سلبية ، حالما تشمل كل المغاربة دون تمييز ، وتخدم مصلحة استمرار سيطرة ، وسيادة الطبقات المستغلة .
وتشكل الايدولوجيا / الفكر الغيبي الذي يؤطر للدولة البتريركية البتريمونيالية ، والذي يتنافى مع العقلانية ، والتفسير العلمي للظواهر الطبيعية ، والاجتماعية التي تُردُّ الى فعل قوة لا مرئية تتجاوز إدراك / عقل البشر .. ، عاملا يعيق بروز وتبلور الوعي الطبقي / الاجتماعي لدا الطبقات المسودة ، ما دام الاستغلال والفوارق الطبقية / الاجتماعية ، والاضطهاد والظلم ... الخ ، ظواهر اجتماعية يستحيل على العقل فك ألغازها ، وإدراك أسبابها الحقيقية . إنها في هذا المنظور الغيبي ، من تدبير قوى تتجاوز البشر ، ولا مجال للخوض فيها .
وفضلا عن ذلك ، إن تأكيد هذا الفكر / الايدولوجيا على " وحدة الأمة " ، وعلى اعتبار ان تتجاوز الفوارق الاجتماعية ، او بالأحرى الحد منها ،هو تعتيم وعي الطبقات الاجتماعية المستغَلة ، وتخدم في آخر المطاف مصلحة الطبقات السائدة وهيمنتها الاجتماعية .
( يتببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببع )







اخر الافلام

.. نحو 6.5 مليون سوري يواجهون انعدام الأمنِ الغذائي | الليلة


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية


.. واشنطن وطهران.. انتقادات وتهديدات متبادلة




.. الحصاد-سوريا والقوات الأميركية.. الجبير ينطق عن الهوى


.. الحصاد-ذكرى استعادة سيناء.. صعوبات إنسانية وأمنية