الحوار المتمدن - موبايل



ذٰلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: مَتَى يَحِينُ لِلطُّغَاةِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا؟

غياث المرزوق

2018 / 2 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


حِينَمَا يَنْتَهِي القَانُونُ، يَبْدَأُ الطُّغْيَانُ.

جون لوك


لَسْتُ سياسيًّا، ولا أنا بِمُحَلِّلٍ سياسيٍّ، ولم يُسَاوِرْني أيُّ تَوْقٍ أو تشوُّفٍ إلى أن أتحلَّى بأيٍّ من هٰتَيْن الصفتَيْن، حسبما تقتضيهِ الحاجةُ أو حتى الرَّغبة. ولكنِّي أكتبُ، في هذه المقالةِ، عن مسألةٍ تكادُ أن تمسَّ كلَّ فردٍ من أفرادِ الشعبِ السوري في محنتِهِ الجحيميةِ والأسطوريةِ، هذا الشعبِ العظيمِ الذي اختارَ، بمحضِ إرادتِهِ، أن يقفَ شامخًا في وجهِ نظامٍ طُغْيَانِيٍّ ظالمٍ دامَ أكثرَ من خمسةٍ وأربعينَ عامًا. وكان هذا الوقوفُ الشعبيُّ المقدامُ والمُشَرِّفُ قد بدأ، بالفعلِ، وفي بدايةِ ما كان يُسَمَّى، آنَئذٍ، بـ«ثورة الربيعِ الدمشقيِّ» Damascene Spring قبل خمسةَ عَشَرَ عامًا، أو يزيد. إذْ طرحتْ تلك الثورةُ، في أسماعِ الوطنِ العربيِّ وما وراءَهُ أيضًا، أغلبيةَ الشعاراتِ والأهدافِ التي طرحتها «ثوراتُ الربيعِ العربيِّ» في تونس وليبيا ومصر (وبالإضافة إلى اليمن والبحرين، إلى حَدٍّ ما). حتى أنَّ ما كان يُعْرَفُ، بعدئذٍ، بـ«ثورةِ البرتقالِ الأوكرانيِّ» Помаранчева Pеволюція، التي اندلعتْ من خلالِ سلسلةٍ من الاحتجاجات، في أواخر العام 2004 وأوائل العام 2005، قد عَكَسَتْ كذلك مَشْهَدَها التاريخيَّ، أو مشاهدَها التاريخيةَ، بشكلٍ أو بآخَر. وعلى الرَّغمِ من أنَّ هذا الوقوفَ الشعبيَّ العارمَ كانَ يتَّسمُ بطابع سلميٍّ على أكثرَ من صعيدٍ، إلاَّ أنَّ «ثورةَ الربيعِ الدمشقيِّ» هذه لم يَكُنِ الحظُّ حَلِيفَهَا، بأيِّما هيئةٍ كانتْ، وبالأخصِّ قدَّامَ ما كان، وما زال، يحتازُهُ النظامُ الطغيانيُّ الحاكمُ من مالٍ سياسيٍّ مُهَرَّبٍ ومن آلاتِ قتلٍ مستورَدة. فجاء اندلاعُ «الثورةِ الشعبيةِ السوريةِ» في مطلع العام 2011 بمثابةِ «حتميةٍ تاريخيةٍ» لا بدَّ منها، لا بمثابةِ استمرارٍ لِنُشُوبِ «ثوراتِ الربيعِ العربيِّ» في تونس وليبيا ومصر، فحسْب، كما يظنُّ عددٌ لا بأسَ بِهِ من المحلِّلين والمعلِّقين. فكما أنَّ «الانتفاضةَ الشعبيةَ الأوكرانيةَ» (الأخيرةَ) قد تبدَّتْ بوصفها اسْتِتْمَامًا موضوعيًّا لـ«ثورةِ البرتقال» التي واجهت ثورةً مضادَّةً و«بَلْطَجِيَّةً» فُلُولِيَّتَيْنِ وفَاشِيَّتَيْنِ بغطاءٍ روسيٍّ مباشرٍ، فإنَّ «الثورةَ الشعبيةَ السوريةَ» (الراهنةَ) قد تجلَّتْ، بدورها هي الأُخرى، باعتبارها اسْتِكْمَالاً موضوعيًّا لـ«ثورةِ الربيعِ» التي واجهت قمعًا مضادًّا و«تَشْبِيحًا» مَافْيَوِيَّيْنِ وطائفيَّيْنِ بغطاءٍ روسيٍّ مباشرٍ كذلك.

وكلُّنا يعلمُ، في هذه القرينةِ، كم كان الطَّاغيةُ الابنُ يميلُ مُتَعَشِّقًا ومُتَحَمِّسًا إلى استخدام ذلك «المجازِ الفُقَاعِيِّ» في عددٍ من المناسبات، كمثل عبارتِهِ «التاريخية» التي تفوَّه بها في خطابِهِ الشهير، في دار الأوپرا بدمشق، «ثورةُ الربيعِ، كما هو فصلُ الربيعِ، عبارةٌ عن فقاعةِ صابونٍ سوفَ تختفي»، أو كمثل عبارتِهِ «التاريخية» الأخرى التي نطق بها في حوارِهِ الأكثرِ شهرةً مع قناة «روسيا اليوم» باللغةِ الأُم، «الأكاذيبُ بشأني فقاعاتُ صابونٍ قصيرةُ العمرِ، [تمامًا كثورةِ الربيع]»، إلى آخرِهِ من تلك العبارات «الفُقَاعِيَّة». ثَمَّةَ، إذن، عداءٌ اصطلاحيٌّ من نوعٍ جِدِّ خاصٍّ بين فصلِ الربيعِ والطَّاغيةِ الابنِ، عداءٌ اصطلاحيٌّ مردُّهُ، في الأصلِ، إلى بداياتِ اندلاعِ «ثورة الربيعِ الدمشقيِّ» الآنفةِ الذكر. إذ عمد إعلامُ هذا الطَّاغيةِ الابنِ إلى إلصاقِ أقذعِ الشتائمِ وأقبحِها بهذا «المجازِ الربيعيِّ»، وإلى حدِّ أنَّ فصلَ الربيعِ ذاتَهُ، على اعتبارِهِ فصلاً سريعَ الزَّوالِ كـ«الفُقَاعَةِ» ذاتِها، أصبحَ شتيمةً في حدِّ ذاتِهِ. وهكذا، فقد ظلَّ خطابُ الطَّاغيةِ الابنِ يعيدُ على الأسماعِ خطابَ الطَّاغيةِ الأبِ في المسائلِ الجوهريةِ كافَّةً، ولكنْ بتغييرٍ أسلوبيٍّ لافتٍ للنظرِ، من لغةِ «الاستعلاء» و«الاستكبار» لدى كاتبِ خُطَبِ الطَّاغيةِ الأخيرِ إلى لغةِ «الحذلقة» و«الفذلكة» لدى كاتبِ خُطَبِ الطَّاغيةِ الأول. غيرَ أنَّ الثورةَ الشعبيةَ السوريةَ التي انفجرت، حينما «أَتَاكِ الرَّبِيعُ الطَّلْقُ يَخْتَالُ ضَاحِكًا»، قد وضعتِ الطَّاغيةَ الابنَ، ها هنا، أمامَ محكِّ مصيرٍ كان، وما زال، أبعدَ عاقبةً بكثيرٍ من لغةِ الشتائمِ التي ألصقها هو وإعلامُهُ بفصلِ الربيع. وليست فصولُ «فقاعاتِ الصابونِ» تلك، في الواقعِ، سوى أبكرِ الفصولِ التي اجترَّها هذا الطَّاغيةُ الابنُ، ولا رَيْب.

في هذه البلادِ العربيةِ الحزينةِ، لم يتوقَّفْ أزلامُ النظامِ الطُّغْيَانيِّ الحاكمِ، أيًّا كان، عن خِدَاعِ الشعوبِ، وذلك من أجلِ استمرارِهِم في البقاءِ في سُلْطَتِهِم المُطْلَقَة، ولم يتوقَّفْ هؤلاءِ الأزلامُ أيضًا عن التَّضْلِيلِ السَّافرِ بأنَّهم ليسوا من «العَمَالَةِ» للأجنبيِّ، ولا حتى من «التَّبَعِيَّةِ» لهُ، في شيءٍ. وما الغايةُ المَرْجُوَّةُ من هذا الخِدَاعِ ومن هذا التَّضْلِيلِ، في الحقيقةِ، سوى تكبيلِ الشعوبِ المغلوبةِ على أمرِها، وإكراهِها من ثمَّ على التخلِّي حتى عن التطلُّع إلى حريَّاتِها المُسْتَحقَّةِ، بذريعةٍ أو بأُخرى. فليسَ مُسْتَبْعَدًا، إذن، أن تكونَ تلك الأنظمةُ الطُّغْيَانِيَّةُ الحاكمةُ، بأسرِها، قد توصَّلتْ إلى هذه الغايةِ المَرْجُوَّةِ، بوسيلةٍ أو بأُخرى، وذلك استئناسًا بما أدْلَتْ بِهِ الكاتبةُ البريطانيةُ آني بيزَنْتْ، مرَّةً: «لا تَتَخَلَّى الشُّعُوبُ عَنْ حُرِّيَّاتِها المُسْتَحقَّةِ إلاَّ تَحْتَ وَطْأَةِ الخِدَاعِ وَالتَّضْلِيل». ولكن، ويا لَلْعَجَبِ، ما إن يبدأُ التدخُّلُ الأجنبيُّ المباشرُ، أو غيرُ المباشرِ، في شؤونِ هذه الدولةِ، أو تلك الدولةِ، وخصوصًا في أزمنةِ «الثوراتِ الشعبيةِ»، أو «الحُروبِ الأهليةِ»، حتى يفتضحَ أمرُ هذا الخداعِ وهذا التضليلِ، قبلَ أن يفتضحَ أمرُ أيِّ شيءٍ آخَر – وكان التدخُّلُ الإيرانيُّ والروسيُّ في شؤونِ سوريا على الملأ، وكان التدخُّلُ الأمريكيُّ و/أو البريطانيُّ، كذلك، من وراءِ الكواليس. من هنا، يتجلَّى نفاقُ الغربِ «الديمقراطيِّ»، أكثرَ ما يتجلَّى، في سَعيِهِ وراءَ «إنقاذِ» طُغَاةٍ لمْ يَحِنْ لهم، بعدُ، أن يتعلَّموا من ذٰلِكَ الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ الذي تَعَامَى بِهِ أسلافُهم من الطُّغاةِ، وقد تلقَّوا نهايتَهم الوخيمةَ، لا مَحَالَ، وسواءً كانتْ هذه النهايةُ اِقصاءً أم اعتقالاً أم حتى إعدامًا أو قتلاً. ومن هنا، أيضًا، يتجلَّى نفاقُ الغربِ «الديمقراطيِّ»، أكثرَ ما يتجلَّى، في ذلك التناقضِ الكبيرِ بين التصريحَيْن الأمريكي والبريطاني حولَ التعاملِ «الحَمِيمِ» مع الموضوعِ السوري، تحديدًا، ذينك التصريحَيْن اللذين خَلَصَا إلى نتيجةٍ مفادُها ليس الحفاظَ على النظامِ الطُّغْيَانيِّ الحاكمِ في سوريا (لمآربَ إمپرياليةٍ معروفةٍ) فحسْب، بل كذلك – والأنْكَى من ذلك كلِّهِ – تَمْوِيهَ فحوى العلاقةِ العضويَّةِ المعقَّدةِ بين تلك «الديمقراطياتِ» الليبراليةِ الغربيةِ وبين هذه الديكتاتورياتِ الأوتوقراطيةِ «العربيةِ»، أينما حلَّت.

ومَعَ الإقرارِ الرَّسْمِيِّ الذي أقرَّتْ بِهِ بضعةٌ من هذهِ الديكتاتورياتِ الأوتوقراطيةِ «العربيةِ» بأنَّ منظَّمةَ ما يُسَمَّى بـ«حزبِ الله» إنَّما هي منظَّمةٌ إرهابيةٌ بامتيازٍ، صَارَ واضحًا أكثرَ من أيِّ زمنٍ مَضَى بأنَّ المشروعَ الأمريكيَّ لم يفشلْ في تعاملِهِ «الحَمِيمِ» مع الموضوعِ السوريِّ، على الإطلاق. لكنَّهُ تظاهرَ بالفَشَلِ الذَّريعِ عن عمدٍ وعن درايةٍ، وبالأخصِّ أمامَ تمدُّدِ وتَمَادِي المشروعِ الإيراني برعايةٍ «أشدَّ حَمِيمِيَّةً» من المشروعِ الروسي، بحيثُ إنَّ هٰذين المشروعَيْن الأخيرَيْن – والأهمُّ من ذلك كلِّهِ – أدَّيَا ما أدَّيَاهُ بما يتواءَمُ ومصالحَ المشروعِ الصُّهْيُوني بالذات. وفيما يتعلَّقُ بالثورةِ الشعبيةِ السوريةِ منذ بواكيرِها، على وجهِ التحديد، فإنَّ ما يُعْرَفُ الآن بـ«اللاءاتِ» الأمريكيةِ الثلاثِ كانتْ، وما زالتْ، أسوأَ، لا بلْ أشدَّ وطأةً، بكثيرٍ من «الڤيتو» الروسيِّ الذي تكرَّرَ أكثرَ من ثلاثِ مراتٍ، ولا شكَّ. ففي حين أنَّ كارثةَ «الڤيتوهاتِ» الروسيةِ قد أسفرتْ عن قتلِ وعن تشريدِ المواطناتِ والمواطنينَ السوريِّينَ الأبرياءِ بمئاتِ الألوفِ أمامَ آلاتِ الموتِ العشوائيِّ، فإنَّ طامَّةَ «اللاءاتِ» الأمريكيةِ الثلاثِ قد أفضتْ إلى قتهلم وإلى تشريدهم بالملايين أمامَ آلاتِ الموتِ العشوائيِّ نفسِها. ذلك لأنَّ أولى هذه «اللاءاتِ» الأمريكيةِ قد حالتْ دونَ إنشاءِ منطقةِ «حظرٍ جويٍّ» من أجلِ حمايةِ الشعبِ السوري الأعزلِ من القصفِ الوحشيِّ المتواصلِ من طرفِ النظامِ الطُّغْيَانيِّ الحاكمِ، وبمشاركةِ أحلافِهِ وميليشياتِهِ المعروفة. وذلكَ لأنَّ ثانيةَ هذه «اللاءاتِ» الأمريكيةِ قد منعتْ من تشكيلِ «جيشٍ وطنيٍّ» حقيقيٍّ قوامُهُ من الضُّباطِ والجُنود الذين انشقُّوا عن جيشِ النظامِ الطُّغْيَانيِّ الحاكمِ بأعدادٍ هائلةٍ، مِمًّا أدَّى إلى شَلِّ حركةِ هؤلاءِ المنشقِّين شَلاًّ تامَّا. وذلكَ لأنَّ ثالثةَ هذه «اللاءاتِ» الأمريكيةِ قد حظَّرتْ على مَنْ تبقَّوا مِمَّا سُمِّيَ بـ«الجيش الحُر» احتيازَ أيٍّ من الصواريخ المضادَّةِ للطيران، مثلاً، بغيةَ التَّصَدِّي الفعَّالِ للقصفِ الوحشيِّ المتواصلِ، الآنفِ الذكر. وقد ردَّدتْ تحليلاتٌ سياسيةٌ كثيرةٌ أصداءَ هذه «اللاءاتِ» الأمريكيةِ الثلاثِ، بنَحْوٍ أو بآخرَ، حينذاك، بيدَ أنَّها لمْ تَسْتَرْعِ الانتباهَ والاهتمامَ الكافيَيْن إلاَّ بعدَ أنْ سَبَقَ السَّيْفُ العَذَلَ، ويا للأسف!

وبسببٍ من هذا القَتْلِ البَهِيمِيِّ ومن هذا الدَّمَارِ الجَحِيمِيِّ، دونَ غيرِهِمَا، باتَ الكثيرُ من بناتِ وأبناءِ هذا الشعبِ السوريِّ العظيم، في الدَّاخِلِ والخَارِجِ، يعتقدونَ اعتقادَ المُتَيَقِّنِينَ بأنَّ الثورةَ الشعبيةَ السوريةَ هذه لمْ تحقِّقْ لهم أيَّ شيءٍ، البتَّة، مِمَّا كانوا يتوقونَ إليهِ من حريةٍ ومن كرامةٍ ومن عدالةٍ اجتماعيةٍ. ولكنَّ الواقعَ الفعليَّ، حتى بكلِّ كآبتِهِ وبكلِّ مرارتِهِ وبكلِّ قماءَتِهِ، إنَّما يقولُ لهم دونما تردُّدٍ أو تلكُّؤ: «فعلى الرَّغْمِ من أنَّ هذه الثورةَ الشعبيةَ السوريةَ تبدو، في ظاهرِ الأمرِ، أنَّهَا تسيرُ من «آلٍ سَيِّءٍ إلى مآلٍ أسوأ»، إلاَّ أنَّهَا قد حَقَّقَتْ، على الأقلِّ، هدفَيْن أساسيَّيْن لم تحقِّقْهُمَا أيَّةُ ثورةٍ، أو انتفاضةٍ، شعبيةٍ فعليَّةٍ على هكذا نظامٍ طُغْيَانيِّ ظالمٍ منذ أكثرَ من خمسةٍ وأربعينَ عامًا – حتى لو تظاهرَ طاغيةُ هذا النظامِ باسْتِتْبَابِ القانونِ (كنقيضٍ للطُّغْيَانِ)، وحتى لو أصدرَ، في الآونةِ الأخيرةِ، مرسومًا تشريعيًّا يقضي بمنحِ عفوٍ شاملٍ لكلِّ مواطنٍ حملَ السلاحَ، أو حازَهُ لأيِّ سببٍ من الأسباب، ولكلِّ مواطنٍ كان فارًّا من وجهِ العدالةِ، أو كان متواريًا عن الأنظارِ، ثمَّ بادرَ إلى تسليمِ نفسِهِ بأسرعِ وقتٍ ممكنٍ، مع ذلك». ويمكنُ إيجازُ هذين الهدفَيْن الأساسيَّيْن، على النحو التالي:

أولاً، تقليصُ الفوارقِ الماديةِ و/أو المعنويةِ بين «الحاكمِ» و«الرَّعِيَّةِ»: إذ لمْ تبقَ صورةٌ للطاغيةِ الابنِ، أو حتى للطاغيةِ الأبِ، إلاَّ وتمزَّقتْ ثمَّ تهشَّمتْ، ولم يبقَ تمثالٌ أو صَنَمٌ لأيٍّ منهما إلاَّ وتصدَّعَ ثمَّ تحطَّمَ، في غضون السنتَيْن الأولَيَيْن من الثورةِ الشعبيةِ، وبغضِّ الطَّرْفِ عن أولئك المؤيِّدين الجَلِيِّين، أو الخَفِيِّين، الذين لا يَعْدُونَ أنْ يكونوا طُفَيْلِيَّاتٍ مرئيةً، أو لامرئيةً، ليس غير.

ثانيًا، تقليصُ الفوارقِ الماديةِ و/أو المعنويةِ بين «الغنيِّ» و«الفقير»: إذ أنَّ الأغلبيةَ الساحقةَ من أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسَهم مِنْ «طبقة الأغنياء»، بِمَنْ فيهم أولئك الذين كانوا يسْعَوْن وراءَ الانتماءِ إلى هذه الطبقة، لم يكونوا يَتَمَنَّوْنَ ثورةً شعبيةً كهذه، في الحقيقةِ، وذلك لأنَّها أفقدتْهم الكثيرَ ممَّا كان يميِّزُهم عن «طبقة الفقراء والمُعْدَمين»، كالمالِ والنفائسِ والعقاراتِ، وغيرها.

فأما الذين لا يملكون حتى شَرْوَى نَقِيرٍ، فكلمةُ الحَقِّ تقولُ لهم، بالطَّبْع: «لا تَخَافُوا وَلا تَجْزَعُوا وَلا تَقْنُطُوا، وَقُولُوا إنَّ اللهَ مَعَنَا». ولا أعني، بأيِّمَا عبارةٍ كانتْ، ذلك «اللهَ» الذي لم تَفْتَأْ كلُّ الطوائفِ تنظرُ إليه نظرتَها الأُحاديةَ والنهائيةَ دونَ سِواها، والذي لم تَنْفَكَّ تقتتلُ باسمهِ أعنفَ الاقتتالِ حتى هذه اللحظة.

وأما الذين آثَرُوا أن يكونوا عبيدًا للطُّغَاةِ، وما بَرِحُوا ينافِحُون بكلِّ ما أوتُوا من عَزْمٍ وتحمُّسٍ عن عبوديَّتِهم هذه، فأقولُ لهم، كما قال بنجامين فرانكلين، ذاتَ مرَّةٍ: «مَنْ يُضَحِّي بِحُرِّيَّتِهِ المُسْتَحَقَّةِ مِنْ أَجْلِ أَمْنِهِ، لا يَسْتَحِقُّ حُرِّيَّةً وَلا يَسْتَحِقُّ أَمْنًا».

وأما الطُّغَاةُ الأغبياءُ أنفسُهُم، فأقولُ لهُم كما قال أزْدَشِيرُ بنُ بابك، ذاتَ يومٍ: «وَلَئِنْ رَغِبَ الحَاكِمُ عَنِ العَدْلِ، طَوْعًا أَمْ كَرْهًا، رَغِبَتِ الرَّعِيَّةُ عَنِ الطَّاعَةِ، لا مَحَالَ».

فَمَا الذي تَرْتَقِبُونَهُ، أيُّهَا الطُّغَاةُ الأغبياءُ، حِينَمَا تَرْغَبُ الشعوبُ عَنِ هذه الطَّاعَةِ؟

*** *** ***

دبلن، 13 شباط 2018







اخر الافلام

.. موسكو تصف اتهامات واشنطن بالهراء


.. عملية --الفيصل-- لمواجهة القاعدة بحضرموت


.. الحصاد- ليبيا.. تحديات في ذكرى الثورة




.. الحصاد-سوريا.. مقتل مرتزقة روس


.. الشرق الأوسط وعلاقات أميركا وأوروبا والسلاح النووي بمؤتمر مي