الحوار المتمدن - موبايل



تصاعد الصراع فى الشمال السورى بين تركيا وأمريكا

رياض حسن محرم

2018 / 2 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


لعل المنطقة الوحيدة فى سوريا التى تعتبرها الولايات المتحدة نقطة إرتكاز لها وتعطيها مجالا للمناورة والضغط على مختلف أطراف الصراع للإحتفاظ بدور مؤثر فى تحديد الحل النهائى، هى تلك المنطقة الممتدة من كوبانى حتى الحدود العراقية التى تبسط أمريكا يدها عليها بعد هزيمة داعش فى الرقة، إعتمادا على الدور الرئيسى لحلفائها الأكراد فى منظمة سوريا الديموقراطية "قسد" وقوات حماية الشعب والمرأة ذات الأغلبية الكردية، حيث كان لتلك القوات الدور الرئيسى على الأرض بينما بقى الدور الأمريكى وقوات التحالف فى القصف جوا وتقديم الإستشارات العسكرية، من هنا فإن تلك العملية التركية المسماة "غصن الزيتون" ماهى الاّ محاولة للقضاء على القوات الكردية ودفعها بعيدا، مستعينة بحلفائها من "الجيش الحر"، فى مواجهة مباشرة ضد تلك القوات التى تدعمها وتحميها الولايات المتحدة.
إثر إعلان الولايات المتحدة عن تدريب قوة حدودية قوامها 30 ألف مقاتل أغلبهم من المقاتلين أكراد الذين تصنفهم تركيا كـ"إرهابيين" بينما تدعمهم أمريكا، وقد بدأ تصاعد المواجهة بين الطرفين الحليفين "تركيا وأمريكا" بعد الطلب التركى الرسمى بانسحاب القوات الأمريكية من منبج تمهيدا لإجتياحها ورفض الجيش الأمريكى الرضوخ لذلك التهديد، ما أثار الإحتمال بنشوب نزاع مسلح غير مسبوق بين حليفين عضوين فى الناتو، بدئا من العمليات العسكرية التركية فى 20 يناير الماضى فى منطقة عفرين السورية التى يسيطر عليها الأكراد شمال غرب محافظة حلب، ورغم أن الحملة التركية تهدف بشكل رئيسى إلى ضرب أى كيان كردى قد يثير نزعة الانفصال لدى الأقلية الكردية فى سوريا وإنتقال عدواها الى الداخل التركى، فإنها تهدد بالأساس التواجد الأمريكى بتلك المنطقة، علما بأن قرار التحالف الدولي بتشكيل تلك القوة، صادر عن الولايات المتحدة الأمريكية في الأساس، ليس فقط لأنها تتزعم هذا التحالف الذي تأسس بالأساس لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا، ولكن أيضا لدعم حلفائها من الأكراد.
تتباين المصالح الأمريكية — التركية في سوريا، حيث تركز واشنطن " كما هو معلن"على هزيمة داعش، بينما تحرص أنقرة على منع الأكراد من الحصول على الحكم الذاتي بما يدعم المتمردين الأكراد في تركيا، ورغم أن التحالف الاستراتيجي بين الدولتين لأكثر من سبعة عقود فإنه مهدد بالإنفضاض، ذلك بالرغم من محاولة أمريكا تبرير موقفها من القوى الكردية "لحلفائها فى أنقرة" بأنها لا تريد ان تترك هذه الأحزاب السياسية والمسلحة ـ حتى ولو كانت إرهابية من جانب تركياـ لصالح النفوذ الروسي في سوريا، وبالتالي كانت المطالب الأمريكية أن يتفهم الأتراك أن المصلحة الأمريكية للتحالف تكتيكيا مع الأحزاب الكردية، ودعمها بالسلاح الثقيل، ولكنها تضمن عدم استعمال ذلك السلاح ضد تركيا، بل أكثر من ذلك، أن سيكون هذا الدعم مرحليا، فينتهي بعد انتهاء الحاجة إليه، وستستعيده مرة أخرى. وسواء اقتنعت السياسة التركية بذلك أم لم تقتنع، وهي تعلن عدم اقتناعها، فإنها لم تستطع منع الدعم العسكري الأمريكي والتحالف مع الأحزاب الكردية التي تهدد الأمن القومي التركي، ليس ذلك فقط ولكن تركيا عندها قناعة بأن الولايات المتحدة ليست بعيدة عن الإنقلاب الذى حدث فى تركيا وتتهم "فتح الله جولن" المقيم بكاليفورنيا بأنه العقل المدبر له، بينما هو لا يزال ينال الحماية من الادارة الأمريكية الجديدة، هذا الشك الذى غذاه بوتين بالقول " إن تنظيم غولن لا يمكن أن يقوم بهذا الانقلاب، دون أن يكون لدى الاستخبارات الأمريكية علم بذلك".
إن قرار إدارة ترامب بناء قوة حدودية في شمال شرقي سوريا تكون نواتها الأكراد، هو ظاهريًا للحماية من عودة ظهور تنظيم داعش بينما "تظن تركيا ومعها آخرين" أنها مجرد حجج لحاجة أخرى فى نفس يعقوب، ورغم أن أمريكا لم تعلن مباشرة عن تشكيل تلك القوة بل أوكلت الإعلان عنها للناطق باسم التحالف الذى لم يكتف بذلك بل ذكر فى الإعلان أنه تم تدريب الدفعة الأولى من تلك القوة، ولعل ذلك ما أشعل الموقف سريعا ودعا أنقرة للتحرك بعجلة لمحاولة إحتلال عفرين وذلك للفصل بين تواصل القوات الكردية حتى لا يصبح سهلا إستكمال ما يسمى بإقليم "روجوفا" أو منطقة الحكم الذاتى للأكراد، القرار الأمريكى يحاول بشدة تثبيت الخريطة الفصائلية للوضع القائم في سوريا خلال الفترة المقبلة، إلى حد توصيف البعض القرار بأنه “تكريس التقسيم"، وربما كان تجاوب الموقف الروسى وحتى موقف النظام السورى مع الخطوة التركية لضرب الأكراد "دون الإعلان عن ذلك"، لأن مصلحة النظام الروسى هو عدم تقسيم سوريا وإفشال المخططات الأمريكية، بينما تعمل على دق أسافين بين تركيا وأمريكا من جهة، ومعاقبة الأكراد لتحالفهم مع أمريكا من جهة أخرى، ويقال أن روسيا وافقت على عملية عفرين مقابل أن تتغاضى تركيا عن قصف روسيا للمعارضة السورية في محافظة إدلب.
فى الوقت الذى تعتبر فيه أمريكا حامية لأكراد سوريا فإن تركيا تعتبرالأكراد في العراق وسوريا تهديدا لأمنها القومي، وتصنفهم كجماعات إرهابية وتعتبرهم إمتداد لحزب العمال الكردستاني بقيادة "عبد الله أوجلان" الذى تناصبه العداء، وتدور معركة إستئصال لحزبه داخل تركيا وخارجها، وقد كان لإختيار أمريكا لهذ التوقيت لتشكيل تلك القوة سببان، أولهما أنها ترغب في وضع موطئ قدم لها بشكل كبير في سوريا، والحيلولة دون تقزيم هذا الوضع، بالإضافة الى محاولتها تفكيك التواجد الروسي، وهنا لا يمكن إغفال الرغبة الأمريكية في مواجهة النفوذ الروسي المتزايد في سوريا على مدار السنوات القليلة الماضية، فإن مسألة دعم الأكراد تمثل أهمية قصوى لدى أمريكا، باعتبارها الجهة التي يمكن دعمها لتكون بمثابة ذراع لها، لعدم وجود روابط أو طمأنة للتنسيق مع الفصائل المسلحة الأخرى لأن أغلبها محسوب على التيار الإسلامي، كما أن ذلك "من وجهة نظرها" يسبب ضغطا على تركيا، إن أمريكا بهذه الخطوة، تحاول الضغط على أنقرة لعدم المضي قدما في حربها على الأكراد في تلك المنطقة، إذ تحاول واشنطن وضع إطار شبه رسمي أو شرعي للقوات الكردية، بدعم منها بشكل مباشر، وما يعقد من الأزمة ويجعل من الهجوم التركي على الأكراد خصومه مع أمريكا، وبالتالي قد تتريث أنقرة في استمرار هذه الهجمات، ولكن أمريكا لم تضع فى حسابها أن تتمادى تركيا فى مشروعها حتى ولو أدى ذلك الى ضرب علاقة التحالف القائم بينهما، وقد زعمت أنقرة إن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)، وقيادة منظمة "بي كا كا" الكردية الانفصالية، كانوا قد استكملوا في وقت سابق عملية تدريب 400 مقاتل، في معسكر "صباح الخير" جنوبي محافظة الحسكة (شرق)، وبيّنت أن منظمة "بي كا كا" تطلق اسم "جيش الشمال" على تنظيم تسميه البنتاغون والسي آي إيه باسم "حرس الحدود"، ويعتبر الشمال الشرقي من سوريا نقطة صراع بين القوى الدولية، التي تريد تعزيز موقعها على الخريطة السورية؛ وهم تركيا وإيران وروسيا وأمريكا، صحيح أن التحالف الحالي بين أنقرة وطهران وموسكو في سوريا قوي، لكنه مرحلي، وأن لحظة الفراق مهما بعدت فسوف تأتي، لذلك تحاول أنقرة قدر الإمكان إيجاد جيوب آمنة تحمي مصالحها في سوريا.
تتواصل أهمية الشرق السوري في تركيبته الديموغرافية، ورغم وجود أغلبية عربية من السكان هناك، فإن فيه أكبر تجمعات للسوريين الكرد، خصوصاً في محافظتي الحسكة والرقة، كما أن بين سكانه نسبة من المسيحيين السوريين من الآشوريين - السريان والأرمن، إضافة إلى جماعات عرقية أخرى بينهم التركمان، كل ذلك ميّز تلك الرقعة ودفع مختلف الأطراف للتصارع حولها، كما أن الولايات المتحدة تريد من حضورها ذاك تعزيز وجودٍ لها في شمال شرق سوريا من خلال قوات كردية انفصالية حليفة لها، لفرض تحكمٍ سياسي واقتصادي، وقطع خط الوصل الإيراني من إيران عبر العراق إلى شاطئ المتوسط في لبنان، بعد أن تعززت سيطرة نظام الأسد على معظم سوريا بدعم حلفائه الروس والإيرانيين، وتعتبر أمريكا أن الحرب على داعش قد انتهت وباتت هناك مرحلة جديدة هي مرحلة حصاد النتائج، فأمريكا لا تعنيها المعارضة ولا يعنيها النظام، لديها مشروع تريد تحقيقه، وإلا لما كانت تدخلت في الساحة السورية وجعلت من حرب داعش شماعة، واختارت الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني (الانفصالي) حليفاً لها.
لاشك أن الاضطرابات التي عمَّت أرجاء المنطقة عقب الثورات الشعبية المتتالية، والتوتر في مصر والحرب الداخلية فى سوريا وليبيا، وبقاء الوضع على ما هو عليه في العراق، وانشغال السعودية بما يحدث في اليمن والتصعيد مع إيران، قد مهد الطريق أمام قوى إفليمية كإسرائيل وتركيا وإيران أن تتمدد فى المنطقة بسهولة أكثر، وأن تفرض شروطها على بقية الأطراف، وقد كان لدى الاكراد علاقات قوية مع واشنطن وموسكو وطهران، حمتهم حتى وقت قريب من اندفاعات واعتداءات تركية ضدهم، إلا أن الأمور تبدو مختلفة اليوم، إذ تشعر تركيا أنها قادرة أكثر على استهدافهم في منطقة عفرين، ولو أن دون ذلك أثمان على تركيا أن دفعها، وقد جاء التهديد التركي للكرد من أكثر نقاطهم ضعفاً، وفي لحظة بالغة الحرج والخطورة، صحيح أن علاقتهم بواشنطن قوية، إلا أن موقفهم مع موسكو وطهران ودمشق ضعيف، وعفرين كما هو معروف تقع ضمن منطقة تأثير روسيا وإيران اللتين تجمعهما مع تركيا عملية أستانة، والهدف هو عزل عفرين والتضييق عليها، ومنع القوات الكردية من الوصل الجغرافي بين مناطق سيطرتها و"كانتوناتها"، وهذا ما يجعل من عفرين عتبة في مسار تركي طويل ومعقد، يهدف ليس لإجهاض الكيانية الكردية فحسب، وإنما لتحقيق أوسع سيطرة ممكنة في شمال سورية أيضا، ورغم الصعوبات الكثيرة والخسائر الفادحة التى تواجه الأتراك فى معركتها الحالية فإن تركيا أكثر ثقة تجاه عمليتها، وذلك لأن أنقرة تعلم أن موسكو وطهران أكثر اهتماماً بتفاهمات أستانة، وقد حاولت إدراج تفاهمات تمكنها من إرسال قوات وإقامة قواعد عسكرية في إدلب وأجزاء من ريف حلب، كما أنها واثقة أن الولايات المتحدة لن تقدم دعماً كبيراً للقوات الكردية في عفرين، وقد أخبرتها بأن علاقتها "تكتيكية" مع القوات الكردية، فيما تركيا هي حليفها الموثوق والإستراتيجى، وأيضا فإن دمشق ربما تفضل "احتواء" المشروع الكردي، أو مجرد الضغط عليه، حتى لو كان ذلك بيد عدوها تركيا، فلا بأس من توجيه ضربة للقوات الكردية التي أخذت تواجه الجيش السوري، بوصفها ذراع برية لقوات التحالف، مع العمل على "احتواء" اندفاعة الكرد تجاه أمريكا عن طريق التضييق عليهم في عفرين.
إن لدى القوات الكردية خبرة قتالية عالية، وهي تعرف كيف تقاتل الجيش التركي، الذي سبق أن حاول مباشرة أو عن طريق قوات موالية له السيطرة على تل رفعت ولم يتمكن من ذلك، كما أن سيطرته على مناطق عديدة كان يتم في إطار تسويات وتوافقات وليس مواجهات عسكرية فعلية. وقد ردت القوات الكردية على التهديدات التركية بأنها مستعدة للعمل على "تحرير مدينتي جرابلس وإعزاز من الاحتلال التركي"، وأن تداعيات المواجهة يمكن أن تنتقل إلى داخل تركيا نفسها.
عموما ليس أمام الكرد سوى الدفاع عن أنفسهم ومنطقتهم بنفس طويل، ومن الضروري التفاف الشعب الكردي في منطقة عفرين حول المقاتلين البواسل، الذين يبدون مقاومة بطولية قل نظيرها، وربما تأتى الرياح بما لا تشتهى السقن التركية ويعود الجيش التركى أدراجه مثخنا بالجراح، ذلك ممكن وعلينا الإنتظار.







اخر الافلام

.. إيران.. ورغبة واشنطن بإطاحة النظام


.. اليمن.. حماية الملاحة الدولية من خطر ميليشيات الحوثيين


.. أجواء مدينة القدس في رمضان




.. محمد هنيدي يخص تفاعلكم بحوار عن أرض النفاق والحبة التي يتمنى


.. سلاح المقاطعة: -خليه يريب- المغرب نموذجًا | السلطة الخامسة