الحوار المتمدن - موبايل



رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -4-

علي دريوسي

2018 / 2 / 14
الادب والفن


نظرت إلى ساعة معصمي، ها قد مضت دقيقتان على موعدي مع مجد ولم يأتِ بعد، عليَّ إذن أن أغادر مكاني، كنت متوتِّراً نوعاً ما، ضغطتُ بأصابعي على ربطة الخبز، نظرت حولي للمرّة الأخيرة علَّني ألمح الشخص الذي قد يكونه مجد.

كان مجد يكبرني بعقدٍ من الزمن، كان في نهاية عقده الثالث تقريباً، لا أذكر أنّي رأيته في حياتي إلا مرتين، في المرة الأولى رأيته عندما كنت في الصف الثالث الإبتدائي، دخل إلى صفنا وأخبرنا باِسمه وبأنَّ معلمتنا الرئيسية مريضة وسينوب عنها ويكون معلمنا البديل ليومِ واحدٍ، لعلّه عمل آنذاك كمعلمٍ وكيل بصورة مؤقتة لتغطية الشواغر في مدارس المحافظة، هذا إلى جانب دراسته في كلية الطب في الجامعة، مضت حوالي ست سنوات قبل أن أراه للمرة الثانية وهو يسير وقوراً في موكب المشيعين القلائل وراء جَنَازَةِ إحدى النساء الفقيرات في الضيعة التي كان قد أشرف على تطبيبها مجاّناً خلال فترة مرضها، كما أخبرتنا عمتي فيما بعد.

كان مجد شاباً شامخاً بقامةٍ رشيقةٍ صلبة، جسده أسطواني الشكل صغير نسبيَّاً بمَنْكِبَيْن ضيقين، نصفا جسمه متساويان بالطول، وجهه صارم وعيونه زرقاء، أنفه حاد ضيق وبارز، حليق الذقن، يعانق عنقه بشالٍ أنيق، ويضع قُبَّعَة شتوية بُنِّيّة اللَّون على رأسه، يرتدي سُتْرة رجاليّة رسميّة رمادية غامقة اللَّون فوق كنزة صوف وبنطلوناً قماشيّ بلونٍ فاتحٍ. بدا من سِيمائِهِ أنّه ينتمي إلى تلك الشريحة الاِجتماعية قليلة العدد ممن أعلنوا اِنتمائهم المخلص واللامشروط لجيش الفقراء البسطاء في بلدهم، كما كان حال بعض المعلمين الأوفياء في المدارس من أجيالٍ سبقته، كان أكثر ما يميزه هو مشيته الآلية المنتصبة، إذ كان يمشي وكأنَّه مُقَيَّد اليدين والرجلين، بالإضافة إلى حركة فكيه، إذ أنَّه حين يتكلّم يتولَّد لديك الإحساس بأنَّ عظم فكه السفليّ يحتوي عظم فكه العلويّ لا العكس.

باِختصارٍ شديد كنت قد شكَّلت وخزَّنت في ذاكرتي عن الطبيب مجد صورة تشبه صورة الخُلْد الديناميكي خلال النهار والليل، والمتكيِّف كلياً للعيش في أنفاقٍ تحت سطح الأرض لا يغادرها إلا في فتراتٍ محدّدة، فقط في ظل غطاءٍ من الظلمة حين يتطلَّب الأمر، كان مجد يشبه الخُلْد الذي كنا ونحن أطفال نبحث عنه في حقول وجبل الوادي الأحمر دون أن نراه مباشرة لكننا كنا نرى تلك الأكوام الترابية المتتابعة التي بوساطتها كنا نَسْتدلّ على ممراته ووجوده. وعندما كبرنا صار جلّ همنا وحلمنا ينحصر في الاِنتماء لمملكته، مملكة المَنَاجِذ.

قلت لنفسي: "إذنْ لن يستطيع مجد المجيء للموعد، أرجو ألا يكون قد تم اصطياده".

كانت الرسالة التي وصلتني من حلقته قبل يومين، تحديداً مساء يوم الجمعة بعد اِختتام دورة ألعاب البحر المتوسط، واضحة تتضمَّن موعدين: "الموعد الرئيسي - المكان: أمام مدخل سينما الدنيا. الزمان: الساعة الرابعة والربع ظهر يوم الأحد بتاريخ 27.09.1987. ملاحظة: إذا تأخر الرفيق مجد عن الموعد أكثر من دقيقتين ينبغي أن تمشي باِتجاه المركز الثقافي ثم الوقوف أمام مكتبة كردية. إذا لم يكن بانتظارك هناك، عليك مغادرة المكان بأقصى سرعة. الموعد الاِحتياطي - المكان: أمام مدخل نقابة المهندسين. الزمان: الساعة العاشرة صباح يوم الإثنين بتاريخ 28.09.1987، مع الرفيقة فاتن، لا تقلق، ستتعرّف رفيقتنا عليك. ملاحظة: يجب عليك إحراق الرسالة".

أشعلت سيجارة ومشيت إلى مكتبة كردية، لم أجده هناك، لكني وجدت السؤال في واجهة المكتبة، ساعتئذٍ قرَّرت قراءة الرواية للكاتب الأردني غالب هلسا. همست لنفسي: "سأجدها حتماً في مكتبة صديقي عبَّاس".

من أمام مدرسة جول جمّال صعدت إلى باص البلدية وعدت إلى البيت وبعض الفضول يعتريني للقاء فاتن، لرؤيتها وسؤالها عن سبب تأخر مجد. وقعت عينايّ على ربطة الخبز السياجيّ الأبيض، شعرت بجوعٍ جميل يداعب بطني، اِبتسمت ووددت اِلتهامها في الباص، لكنني ومن باب التهذيب تراجعت في اللحظة الأخيرة وأجلت حاجتي إلى حين وصولي.
*****
يتبع







اخر الافلام

.. بتحلى الحياة – مسلسل كل الحب كل الغرام - الممثلة منى كريم


.. فيفى عبده و ريكو و رجب حميدة و ماجدة زكى بعزاء الفنان -محمد


.. عزت العلايلى وأحمد صيام وكمال ابو رية و فاروق الفيشاوى عزاء




.. شرح الجزء الثاني من مادة اللغة الألمانية للصف الثاني الثانوي


.. الشروق | مبادرة «ما تيجي نلونها» تحول مترو الأوبرا إلى جزء م