الحوار المتمدن - موبايل



الاخلاق في اللغة والاسلام والفلسفة والشعر

مهند طلال الاخرس

2018 / 2 / 15
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الاخلاق هي الفِطرة، وهي صفة مقترنة بالإنسان، وتحمل في طياتها اسباب بقائه، وكلما تراجعت الاخلاق إنتكست الانسانية واصيب الانسان في اساس وجوده الفطري.
وكما يقول مصطفى صادق الرافعي:"فإن الأخلاق يدعو بعضها إلى بعض، ويعين شيءٌ منها على شيء يماثله، ويدفع قويُّها ضعيفَها، ويأنف عاليها من سافلها.
إن الطبيعة والبيئة والعادات والتقاليد والموروث والرسالات السماوية والعلم والمعرفة وإجتهادات البشر على الوانهم واجناسهم جائت كلها لتأكيد هذه الحقيقة؛ لأن مدخلات هذا الكون منذ نشأة الخليقة وبعث الانبياء والرسل وطروحات الفلاسفة والصراع بين الخير والشر وتعاقب الثورات التي تحمل فكرة العدالة والحرية والمساواة، تؤكد على حقيقة واحدة مفادها؛ ان الاخلاق هي الفطرة التي يولد عليها الانسان، وهذا بدوره لا يلغي طبيعة وديمومة الصراع بين منظومة الاخلاق ونقيضها، فذلك هو صراع الجنة والنار وتلك هي ثنائية الكون والميزان والسماء والارض والشمس والقمر والذكر والانثى....والانسان والحيوان، وبدون تلك الثناية يفقد الكون بوصلته وتفقد الحياة توازنها.

وعند الغوص في بحور اللغة العربية للاحاطة بمعنى الأخْلاقٌ نجد بأنها جمع خُلُق: وتعرف على انها مجموعة صفات نفسية وأعمال الإنسان التي توصف بالحُسْن أو القُبْح .
والأخلاق في اللغة اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خُلق عليها.
والأخلاق اصطلاحًا: (حالة نفسية تترجم بالأفعال)، أي أن الأخلاق، لها جانبان؛ (جانب نفسي باطني، وجانب سلوكي ظاهري) فالسجايا هي الطباع. والسلوك هو الفعل المترجم لهذه الطباع.
وتدنّي الأخلاق : انحطاطها، ودماثة الأخلاق: سهولة الطبع ولينه، ومكارم الأخلاق تعني: الأخلاق الحميدة .

وعلم الأخلاق : ( الفلسفة والتصوُّف ) أحد أقسام الفلسفة وهو علم نظريّ يحدِّد مبادئ عمل الإنسان في العالم، وغرضه تحديد الغاية العليا للإنسان، أو هو علم بالفضائل وكيفية التحلِّي بها، والرذائل وكيفيّة تجنّبها .
ويقال فلان دمِث الأخلاق، والحلْمُ سيد الأخلاق، "وإِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ" .

وحقيقة الخلق فى اللغة: هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب، لأنه يصبح كالخِلقة فيه، وأمَّا ما طبع عليه الإنسان من الأدب فهو السجية والطبع وعلى ذلك يكون الخلق .

وفي القرآن الكريم هناك أكثر من خمسة وعشرين موضعًا تتحدث وتحث على مكارم الأخلاق بمنهجية محكمة وقواعد راسخة ومنقطعة النظير وبحاجة الى فصول موسعة لشرحها والحديث عنها، لكننا قد نجد ضالتنا في هذا المقال باللجوء الى ماورد في الحديث الشريف في هذا الخصوص حيث ورد فيه: بأنه ليس شيء في الميزان أَثْقلَ من حُسن الخُلُق ؛ والخُلُقُ ، بضم اللام وسكونها : هو الدِّين والطبْع والسجية، ولهما أَوصاف حسَنة وقبيحة.
وعلى جِهة التفصيل لم يترك الإسلام خُلُقًا صالحًا إلا ودعا إليه وأمر به، ونهى عن ضده من الأخلاق، فمثلاً أمر بالصدق والأمانة والكرم، ونهى عن الكذب والخيانة والشُّح والبخل.

فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليَصدُق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليَكذِب حتى يُكتَب عند الله كذابًا".

وعن أبي هريرة قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُن من خانك".

وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجود، يُحب معالي الأخلاق، ويَكره سفسافها".

وقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَخِيهِ: "ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِى، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ"، فَرَجَعَ فَقَالَ: "رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ"؛ صحيح البخاري - (ج 20 / ص 155).

وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ"، فَقَالَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ"؛ صحيح مسلم - (ج 16 / ص 388).

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ شَىْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ"؛ سنن أبي داود - (ج 14 / ص 54).

وقال رجل: "يا رسول الله! ما خير ما أعطي العبد؟" قال:"خُلُق حسن"؛ مصنف ابن أبي شيبة - (ج 6 / ص 87).

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يَألَفون ويُؤلَفون، وليس منا مَن لا يَألَف ولا يُؤلَف"؛ المعجم الأوسط للطبراني - (ج 10 / ص 129).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ الثَّرْثَارُونَ، الْمُتَشَدِّقُونِ، الْمُتَفَيْهِقُونَ. أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِهِمْ؟ أَحَاسِنُهُمْ أَخْلاقًا". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "قُلْتُ: الثَّرْثَارُ: الْمِكْثَارُ فِي الْكَلامِ، وَالْمُتَفَيْهِقُ: الَّذِي يَتَوَسَّعُ فِي الْكَلامِ وَيَفْهَقُ بِهِ فَمَهُ". قَالَ الأَصْمَعِيُّ: "الْفَهْقُ: الامْتِلاءُ"؛ الآداب للبيهقي - (ج 1 / ص 186).

وعن عبدالله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس: "ألا أخبركم بأحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟" - ثلاث مرات يقولها - قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "أحسنكم أخلاقًا"؛ صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 463).

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"؛ مسند الشهاب للقضاعي - (ج 4) .

وفي الفلسفة: اهتمّت المدارس الفلسفيّة عبر العصور بدراسة الظاهرة الأخلاقية ووضع تعريفٍ وتفسيرٍ لها، كما حَاول الفلاسفة وضع ضوابط وأسُس للقيم الأخلاقية عبر العصور.

وتُعرّف الأخلاق فلسفيا: على أنّها مجموعة من القواعد والعادات السلوكية، التي يعتنقها ويؤمن بها مجتمع ما، فتغدو مُلزمةً حتميّة لسلوك الأفراد، ومنظِّمة لعلاقات الإنسان بالآخر والمجتمع، وتختلفُ هذه السلوكات من زمنٍ لآخر ومن مجتمع لآخر.

ومفهوم الأخلاق في الفلسفة؛ يُعرّف الفَلاسفة الأخلاق على أنّها دراسة معياريّة للخير والشر تهتمّ بالقيم المُثلى، وتصلُ بالإنسان إلى الارتقاء عن السلوك الغريزي بمحض إرادته الحرة؛ حيث إنّها ترفُضُ التعريف القائل بأنّ الأخلاق ترتبط بما يحدّده ويفرضهُ الآخرون، وترى أنّها تخصّ الإنسان وحده، ومصدرها ضميره ووعيه.

اما الأخلاق من وجهة نظر الفلاسفة فاخذت بحثا وتعريفا واسعا وأفردو لها دراسات منهجية وبحثية معمقة؛ حيث يرى أفلاطون بأن الاخلاق تتمثّل في كبح شهوات الإنسان، والتّسامي فوق مطالب الجسد بالالتفات إلى النفس والروح وتوجيههما لتحصيل الخير والمعرفة ومحاربة الجهل.

أما أرسطو: فيرى أنّ الأخلاق مُرتبطة بسعادة الإنسان التي هي غاية وجوده، فيعرّفها على أنها الأفعال الناتجة عن العقل، من أجل الخير الأسمى؛ السعادة.

أما كانط: ارتبطت الأخلاق عنده بالإرادة النّابعة من عقل الإنسان الواعي، لا من رغبته، ورأى أنّ التمسّك بالأخلاق وفعل الصواب واجب أخلاقي.
وكانط هو أول من صاغ فلسفة معمقة عن الدين، واستدل من خلال العقل النظري على عدم وجود الله. ولكن بفضل العقل العملي قال ان الايمان يتأسس على الاخلاق، وانها تقود بالضرورة إلى الدين. أي ان الانسان لا يتحلى بالأخلاق لأنه متدين، بل يتدين لأنه أخلاقي.

في حين عرف جان جاك روسو الاخلاق: على أنها الأحاسيس الطبيعية، التي تجعلنا نميّز بين الخير والشر ونتفادى ما يُلحق الأذى بنا وبالآخرين، ونميلُ إلى ما يعود علينا والمجتمع بالنفع، وهي ما تُميّزنا عن باقي الكائنات الحيوانيّة.
وكان روسو يحث على الاعتماد على الضمير للتفرقة بين الطيب والخبيث في المعاملات، وكان يرى أن الأديان جميعها تعمل على توجيه الناس إلى ما فيه خير المجتمع.

أما نيتشه: فذهب الى انّ الأخلاق يجب أن تكون نابعةً من الإنسان نفسه، فعلى كل فردٍ أن يبني عالمه الأخلاقي الخاص، الذي لا يعتمد على العقل وحده، إنما يُمثّل الإنسان كلّه بنقائصه وانفعالاته قبل حكمته.
وفي نفس الوقت يرى نيتشه أن أخلاق الرحمة والإحسان والصبر هي حيلة ابتكرها الضعفاء لكي يخدعوا بها الأقوياء، ولكي يأخذوا منهم مكاسب ومنافع. فالفقراء وقليلو الحيلة ومن لا قوة لهم عندما يفقدون كل وسائل الصراع والمقاومة، يلجأون إلى حيلة الأخلاق لكي يحصلوا بها على المنافع من الأقوياء. وبناء على هذا، قسَّم نيتشه الأخلاق إلى قسمين، أخلاق السادة، وأخلاق العبيد.

وفي المقابل لنظرية نيتشه يرى كارل ماركس أن الأخلاق هي صناعة الأقوياء والمترفين لاستعباد الضعفاء والمعدومين؛ فالقيم الأخلاقية لديه هي انعكاس لعلاقات الإنتاج، والطبقة المسيطرة اقتصاديا هي الطبقة المسيطرة أخلاقيا في كل العصور وكل المجتمعات، سواء كان ذلك في النظام الإقطاعي أو الرأسمالي، فالقيم الأخلاقية مصدرها الطبقة المالكة لقوى الإنتاج.

الاخلاق في الشعر العربي: لم يخلو ديوان العرب(الشعر) عبر عصوره المتراكمة من تناول الاخلاق والحث على مكارمها والتحلي بفضائلها، ولعظم فضائل الاخلاق وسموها لا تكاد تجد شاعر في شتى العصور إلا ونظم القصائد التي تمجد الاخلاق وتحث على التحلي بها والتحذير من مغبة الابتعاد عن منظومة الاخلاق بصفتها أحد أعمدة الوجود الانساني ووجهه البهي والمشرق. وهذا مايتضح بشكل جلي في هذه المقتطفات.
حيث يقول أحمد شوقي :
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوم النفس بالأخلاق تستقم
ويضيف شوقي في قصيدة اخرى:
وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ
فَإِنْ هُمُ ذَهَبْتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا
ويقول ايضا :
وَإِذَا أُصِيبَ الْقَوْمُ فِي أَخْلاقِهِمْ
فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلا
ويقول :
وَلَيْسَ بِعَامِرٍ بُنْيَانُ قَوْم
إِذَا أَخْلاقُهُمْ كَانَتْ خَرَابَا
ويقول معروف الرصافي :
هي الأخلاق تنبت كالنبات
إذا سقيت بماء المكرمات
فكيف تضن بالأبناء خيرا
إذا نشأو بحضن السافلات
ويقول محمود الايوبي:
و المرء بالأخلاق يسمو ذكره
وبها يفضل في الورى و يوقر
ويقول علي بن أبي طالب :
وكُلُّ جراحةٍ فلها دواءٌ … وسوءُ الخلقِ ليسَ له دواءُ
وليس بدائمٍ أبداً نعيمٌ … كذاكَ البؤسُ ليس له بقاءُ
وقال الحطيئة:
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لاَ يَعْدَمْ جَوَازِيَهُ
لاَ يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ
مَنْ يَزْرَعِ الْخَيْرَ يَحْصُدْ مَا يُسَرُّ بِهِ
وَزَارِعُ الشَّرِّ مَنْكُوسٌ عَلَى الرَّاسِ
ويقول عمرو بن الاهتم المنقري:
لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلاَدٌ بِأَهْلِهَا
وَلَكَنَّ أَخْلاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ
ويقول آخر:
إِذا لم تتسعْ أخلاقُ قومٍ
تضيقُ بهم فسيحاتُ البلاد

اما عن الاخلاق في الجاهلية؛ فكانت العرب موطن ومبتدا كل خلق جميل، وكانت موطن كل ما تأسس من الفضائل، وبعكس ما يشاع عنها من انحدار اخلاقها وانحلالها وشيوع الرذائل، وطبعا هذا لا يعني انها كانت مجتمع ملائكي، لكنها كانت دوما تلتزم بقوانين الطبيعة؛ بحيث تُصارع الرذائل، لكي تسود الفضائل، وليبقى الحلم سيد الاخلاق.
قيل لأبي جهل (عمرو بن هشام):
كيف تركت محمدا يخرج من بين أيديكم ليلة الهجرة ويلحق بصاحبه؟
لِمَ لم تكسر الباب عليه وتأخذه من سريره؟
فأجاب: وتقول العرب، روّع عمرو بن هشام بنات محمد وهتك حرمة بيته؟؟؟؟
هل في الطغاة والمستبدين من يستطيع الإرتقاء إلى أخلاق أبي جهل؟







اخر الافلام

.. إعادة تدقيق أصوات الناخبين في العراق


.. قرقاش: ليس أمام الحوثي إلا الانسحاب من الحديدة


.. اليوم العالمي لليوغا تحت شعار- اليوغا من أجل السلام-




.. المقاومة اليمنية تصعد من عمليات تأمين خط الساحل الشرقي


.. ميركل تلتقي العاهل الأردني في عمان وعملية السلام على رأس جد