الحوار المتمدن - موبايل



ليبيا: أحذروا من العسكر ومن العقيد حفتر

سعود سالم

2018 / 2 / 17
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


الذكرى السابعة لما يسمى بثورة فبراير في ليبيا لا تعني فقط مرور سبعة سنوات على هذا الحدث، ولكن هذه الذكرى تعني أيضا إمكانية العودة إلى ما قبل هذا الحدث، أي العودة إلى نظام عسكري متسلط على رقاب المدنيين. ذلك أن الآلة العسكرية قد عادت للدوران من جديد بعد أن زودتها أمريكا وفرنسا وبريطانيا ومصر بالوقود الكافي، تماما مثلما حدث منذ ٧٥ عاما عندما تكون الجيش السنوسي تحت رعاية الإنجليز. يعتبر اليوم التاسع من شهر أغسطس عام 1940 م هو بداية تأسيس الجيش الليبـي الفعلـي، ففـي أثنـاء المعـارك الدائرة بين الجيش الثامن البريطاني وجيـوش المحـور المكونـة مـن الإيطالييـن والألمـان، احتـاجت القيادة العسكرية الإنجليزية إلـى المساندة من قبل عناصر عسكرية أو شبه عسكرية محلية تنضم إلى فرقه المحاربـة، وتكـون كخـطوط خلفيـه يستعين بها الجيش للاتصال بالأهالي المدنيين وتأمين قواعد الإمداد والتموين إلخ. ومن كتائب هذا الجيش الصغير التي شاركت في الحرب، كانت نواة الجيش الليبي الحديث، فبعد نيل ليبيا لاستقلالها في 24 ديسمبر 1951 بدأت الحكومة الليبية في تفعيل الجيش وإرسال البعثات العسكرية للخارج كما أنشأت الحكومة مدرسة عسكرية في مدينة الزاوية عام 1953 لتخريج دفعات سريعة من الضباط إلى حين عـودة المبعوثيـن مـن الخـارج. ولا شك أن العقيد القذافي ونظامه العسكري الذي استمر ٤٢ عاما، هو الشيء الوحيد الذي يمكن لهذا الجيش الليبي أن يفتخر بإنجازه. أما بعد سنة ١٩٦٩، فإن هذا الجيش الذي أنفق عليه القذافي مئات المليارات، كانت مهمته الأولى والأساسية هي حماية النظام وشن بعض الحروب الهامشية على الجيران. أما أثناء الهجوم الفرنسي والأمريكي والبريطاني في سنة ٢٠١١، فقد اختفى هذا الجيش من رادارات التاريخ تماما، حتى عاود الظهور فجأة في صورة جنرال متقاعد، أنقذته المخابرات الأمريكية من الموت في صحراء تشاد، وعاد من بلاد العم سام أثناء الأحداث. إن هذا الجنرال، والذي رقّي نفسه إلى ماريشال، هو القائد الأعلى لما يسميه الجيش الليبي والذي كونه هو نفسه من بقايا الجيش الليبي السابق التابع للقذافي، وهو يسيطر اليوم على نصف ليبيا الشرقية، ولديه مشروع للسيطرة على كل البلاد، لمصلحة الوطن بطبيعة الحال. ونحن هنا نحذر من خطورة هذا الرجل ومن خطورة مشروعه السياسي والذي سيعود بليبيا مرة أخرى إلى الحكم العسكري، وإلى عنف المؤسسة العسكرية الدكتاتورية. ولهذا نرى ضرورة العودة إلى تحليل هذه المؤسسة الجهنمية والتأكيد على دورها القمعي والدموي طوال التاريخ.
أن احد مفاتيح العلاقات الإنسانية الجماعية هو مايسمى “بالعنف“، ليس العنف الفردي المحدود، والذي تركز عليه عادة أجهزة الإعلام المختلفة في أوربا لتضخيم مبيعاتها، كالجريمة والإرهاب. إنما العنف الجماعي المنظم، أي “عنف الدولة“ وعنف المؤسسات الرسمية التابعة لها. والعلاقات الدولية مبنية أساسا على هذا العنف المقنّع تحت عدة تسميات مختلفة، مثل الحرب الوقائية، والحرب ضد الإرهاب، والحرب من اجل الديمقراطية والحرية. هذا العنف المنظم يبدو على الدوام كخلفية مستمرة عبر التاريخ لهذه العلاقات المتشابكة. والمؤسسات العسكرية بكل أنواعها، هي الجهاز، أو الآلة الضخمة التي تواصل بواسطتها هذه الدول استعمال القوة والعنف، من اجل الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية في العالم من جهة، ومن ناحية اخرى من اجل استعباد مواطنيها، واستلاب حرياتهم الأساسية. أن المؤسسات العسكرية الأمريكية، والمؤسسات العسكرية التابعة للدول الرأسمالية بشكل عام، تشكل أولا وقبل كل شيء تهديدا تستعمله هذه الأنظمة لحماية مصالحها الرأسمالية في أية بقعة على سطح الكرة الأرضية. وهي قادرة عمليا بواسطة جيوشها المعدنية الحديثة على ضرب أي موقع وتخريب أية مدينة واحتلال أية دولة أخرى في ظرف أيام أو أسابيع قليلة، وذلك بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية والمادية. هذه الجيوش تشكل العمود الفقري لهذه الأنظمة، وليست مجرد مؤسسات فخرية للمهرجانات السنوية، أو أعياد ميلاد الملوك والأمراء، أو لإحياء ذكرى “الاستقلال“. إن دورها محدد وأساسي، ولا يمكن اعتباره جانبيا أو فرعيا. فالجيش الأمريكي على سبيل المثال، يعتبر أضخم مؤسسة صناعية في العالم، ينتمي إليها أكبر العلماء والخبراء والمهندسين والمخططين، وتخرج من مصانعها احدث أجهزة الدمار وأسلحة الموت. وتصدير هذه الأسلحة، أو على الأقل جزء منها، يعتبر أكبر مصدر للدخل بالنسبة لأمريكا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل وبقية دول أوربا الرأسمالية. ففرنسا على سبيل المثال يبلغ دخلها من بيع الأسلحة عدة مئات من المليارات في السنوات الأخيرة. ففي ٢٠١٦عقدت صفقة مع استراليا بـ٣٥ مليار يورو لتصدير ١٢ غواصة، ٧ مليار يورو ثمن ٤ غواصات للبرازيل، ١٢ مليار يورو ثمن ٣٦ طائرة رافال للهند، ٦ مليار يورو ثمن ٢٤ رافال لقطر، ٥ مليار يورو ثمن طائرات رافال وفرقاطة لمصر، ٣ مليار اسلحة متنوعة للبنان عن طريق السعودية، والقائمة لا نهاية لها. وفرنسا تحاول منذ سنوات الضغط دوليا من اجل رفع الحضر على تصدير السلاح إلى الصين، ليس من اجل عيون الصينيين والصينيات، وإنما من اجل توسيع سوقها المدمرة. أن المؤسسات العسكرية الرأسمالية هي أولا وقبل كل شيء مؤسسات وشركات اقتصادية، وهي في تعاون مستمر وفعال مع بقية الشركات الرأسمالية من أجل السيطرة على السوق العالمية، يساندها في ذلك كل جهاز الدولة ـ وزارة الخارجية، السفارات والقنصليات المختلفة، والمراكز الثقافية والحجرات التجارية ومراكز الصداقة الخ. إنها ليست مجرد دبابات وصواريخ وطائرات تتراكم في المعسكرات ليأكلها الصدأ كما في بلدان العالم الأخرى. والكل يعرف مساهمة هذه المؤسسات العسكرية في الاختراعات الحديثة، والتي آخرها شبكة الانترنت، التي خرجت من جماجم العسكر الأمريكيين. إن محاولة التفكير وتحليل العلاقات الإنسانية على مستوى المجتمعات الدولية المختلفة، تفضي بنا مباشرة إلى حقيقة أولية في غاية البساطة، وهي انه لتغيير العلاقات العالمية، وبنائها من جديد على أسس سليمة وخالية من “العنف“، لابد من التساؤل عن “الجيش كمؤسسة عسكرية“، وعن "ضرورة" وجود مثل هذه المؤسسات على المستوى الدولي وعن دورها الفعلي. فعلى مدى التاريخ، يبدو واضحا أن الجيوش منذ تكونها لا تخدم، ولم تخدم سوى هدف واحد يتيم هو “السلطة“. ولا يوجد أي جيش في العالم لا يخدم، أو يمارس السلطة بطريقة أو بأخرى. وأسطورة الجيوش الشعبية ما هي إلا خرافة نقدمها للشعب الجائع لكي يواصل قيلولته الطويلة دون أن يستيقظ. إن أي شعب من الشعوب لا يحتاج إلى الجيش إلا في ظروف محددة، بل شديدة التحديد. وقد اختفت هذه الظروف ـ على الأقل نظريا ـ تماما من الساحة السياسية المعاصرة، ما عدا بعض الاستثناءات، وذلك حين يكون الاحتلال واضحا، ومتفقا عليه دوليا، مثل حالة العراق، وفلسطين، وبلاد ألباسك وارلندا وكردستان، على سبيل المثال. أي أن الشعوب الوحيدة التي هي في حاجة إلى جيش شعبي لتحريرها من الاحتلال العسكري، هي بالذات الشعوب التي لا تمتلك هيكلا “دوليا“. بمعنى أن أي شعب يتمكن من تحرير نفسه، وبناء الهيكل السياسي الذي يناسبه، لم يعد في حاجة إلى الجيش، أو المؤسسة العسكرية. ذلك ان الجيش كقوة تدميرية هو مجرد وسيلة، وليس غاية في حد ذاته. وعندما يؤدي مهمته التاريخية في التحرير، ليس له سوى أن ينحل ويندمج في المجتمع الذي أنتجه لهذا الهدف الوحيد بالذات. ولهذا السبب لا بد لنا أن نتساءل بجدية عن ضرورة تواجد الجيوش في دول العالم الثالث، وبالذات إذا أخذنا في الاعتبار ما سبق قوله عن تقدم الجيوش الرأسمالية، وشهيتها المفتوحة دائما في الاستحواذ على كل الثروات، والتحكم في مصادر الطاقة، الخ. وحين نأخذ في الاعتبار أن جيوش العالم الثالث لن تستطيع أن تواجه هذه الجيوش، ولا أن تحقق هدفها المعلن في حماية البلاد إذا ما هوجمت من قبل أية دول أوربية، أو أمريكية. ألا إذا افترضنا ـ بسوء نية مبيتة ـ أن مهمة الجيش في هذه البلدان هي حماية السلطة، وقمع الجماهير حينما تستيقظ من غفوتها، ومناوشة الجيران الفقراء كلما شب نزاع بين أميرين. ونحن لسنا إلى هذا الحد من سوء النية، غير أن صورة وزير الدفاع العراقي وهو يصرح عن قرب انتصار جيشه وهزيمة الجيش الأمريكي، رغم الدخان المتصاعد وراءه، والناتج عن بغداد وهي تحترق، ستبقى مطبوعة في الأذهان لعقود قادمة، ستبقى تعبيرا عن فشل هذا الجيش وقيادته، وتعبيرا عن عدم قدرته وعجزه، وأنه لم يكن يمتلك لا الإمكانيات الإنسانية، ولا الصناعية، ولا التنظيمية للقيام بمهمة الدفاع عن العراق. وذلك لأن مهمته كانت مهمة أخرى. وهذا المثال ينطبق بطبيعة الحال على الجيش الليبي وكل الجيوش العربية والإفريقية، كما ينطبق أيضا على بعض جيوش دول آسيا وأمريكا الجنوبية. غير ان اختفاء الجيش العراقي، واختفاء وتحلل الهيكل السياسي، هو الذي وضع الشعب العراقي أمام مسئوليته الوحيدة، وهي الدفاع عن نفسه بنفسه. فبدأ في تنظيم المقاومة، مثلما فعل الشعب الفلسطيني والفيتنامي والجزائري من قبله. ونحن نعرف اليوم، وبطريقة علمية واضحة، أن المنتفع الوحيد من جيوش العالم الثالث، هو العالم الرأسمالي نفسه. إن دول أوربا الكبرى هي التي تبتلع ميزانيات ودخل العالم الثالث، مقابل الحديد والرصاص، هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى، تستعمل الدول الرأسمالية هذه “الجيوش” في شن حروب محلية، أو جانبية لخدمة الرأسمالية نفسها، وجعل مناطق كاملة من الكرة الأرضية في حالة توتر مستمر، وقابلة للاشتعال في أية لحظة تشاء. وتبدو شبكة العلاقات الدولية كشيء بالغ التعقيد، وتحتاج إلى مئات المفكرين والمتخصصين، ليصلوا إلى صورة واضحة وكاملة لهذه العلاقات، بما فيها من مصالح اقتصادية متناقضة، وقوانين دولية، واتفاقات أممية وإقليمية. غير أن الحقيقة كما هي في عريها وبساطتها، واضحة ولا تحتاج سوى إلى حسن النية للوعي بوجودها. ولا نستطيع أن نطالب ـ ولا أقول ندّعي ـ بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة دون أن نضع “الجيش” والمؤسسة العسكرية بأكملها ليس فقط “بين قوسين“، وإنما إلغاءها من الوجود نهائيا، والتخلص من هذه الآلة الجهنمية التي لم تنتج حتى اليوم سوى الجثث والدمار والخراب. في تلك اللحظة فقط يمكن الحديث عن الحرية والديمقراطية والمساواة بين المواطنين. في هذه الحالة فقط يتخلص الإنسان العادي من الخوف المعشش في صدره ورأسه ومعدته. إن الشعب المعاصر الذي يتمكن بإرادة حرة من حل الجيش وتسريحه، ويحطم كل الأسلحة المتراكمة في معسكراته المختلفة، هو الشعب أو المجتمع الذي سيمثل في الواقع، وعلى المستوى العالمي أو الدولي، وعلى المستوى التاريخي، تقدما نوعيا لا تضاهيه أقوى الأسلحة النووية الحاضرة والقادمة. وسيمثل هذا المجتمع قفزة على المستوى الحضاري لا يمكن أن تظل بدون نتائج مستقبلية. غير أنه في انتظار تحقيق هذه المعجزة، اشرب قهوتك، وصلّ للأرض والسماء أن تقينا من شر العسكر ومن شر العقيد حفتر.







اخر الافلام

.. كلمة الرئيس السيسي خلال قمة نيلسون مانديلا للسلام على هامش ا


.. امتدادا للحراك الشعبي في الداخل اللاجئون السوريون ينظمون وقف


.. شراكة بين الروبوتات والنحل بهدف تحسين حماية البيئة وفهم أفضل




.. بريطانيا.. انتخابات حزب العمال


.. ترميم منزل الزعيم جمال عبد الناصر بأسيوط بعد طول انتظار