الحوار المتمدن - موبايل



قراءة في المجموعة القصصية ( غسل العار) لصبيحة شبر بقلم يوسف علوان

صبيحة شبر

2018 / 2 / 19
الادب والفن


في مجموعتها القصصية الجديدة "غسل العار" التي صدرت عن دار "فضاءات" تطرقت القاصة والروائية صبيحة شبر لهموم المرأة، التي تشغل الحيز الأول في اغلب اعمالها السردية، وما تعانيه في العراق – في هذا الوقت بالذات- ونظرة هذا المجتمع الدونية للمرأة، من خلال التضييق على ابسط حقوقها التي تطالب بها؛ من تعليم، وعمل، وكذلك ممارسة دورها الطبيعي في تكوين أسرتها، وبالاخص تربية أطفالها. بعكس ما كان يمنحه المجتمع لها قبل اكثر من خمسين عاما، من هذه الحقوق التي كانت تعتبر بديهية وتمارسها المرأة بكل حرية - بالرغم من ان المجتمع العراقي يعيش في القرن الواحد والعشرون، ويتنعم بكل التطورات التي أوجدتها التكنولوجيا الحديثة؛ من وسائل الاتصال، وملاحقة التطورات التي تحدث في البلدان المتطورة، ويتابع ما تحصل عليه المرأة وتمارسه في مجتمعاتها التي تعيش في الدول المتحضرة.
ان الهوة الكبيرة التي يعانيها مجتمعنا في الوقت الحاضر، تعد مفارقة مضحكة ومحزنة في الوقت نفسه، فقد سادت التقاليد المتخلفة التي حاربها المجتمع العراقي في بداية الخمسينات من القرن الماضي، وكان قد تجاوزها آنذاك، عادت هذه التقاليد الى المجتمع بشدة وعنف أكثر، وباتت عملية التشدد على حرية المرأة، بسبب القيود التي فرضها هذا المجتمع الذي عاد الى تخلفه بملء ارادته! بسبب حروب النظام السابق العبثية والحصار الجائر الذي مارسه العالم باغلب دوله على العراق، ومن ثم احداث ما بعد التغيير في العام 2003 الذي تسلطت فيه مجموعة من الاحزاب الرجعية والطائفية المتخلفة على الحكم في العراق، وعملت على نشر ثقافتها الظلامية وتدميرالبلد في جميع نواحي الحياة، كذلك حملت له الموت والخراب، وأنهاء ما تبقى من بناه التحتية، التي سلمت من العمليات العسكرية التي شاركت فيها جيوش اكثر من دولة. كل هذه المصائب والصراعات الطائفية التي لم تنته، اضافت اعباءا جديدة على الفرد العراقي بشكل عام، وعلى المرأة العراقية بشكل خاص ومؤثر، وزيادة على ما تعانيه من ظلم وقهر. كل هذا تجده في اغلب اعمال الكاتبة السردية بجميع أجناسها؛ الروائية والقصصية والقصص القصيرة جداً. فلم تخلُ اعمال هذه القاصة التي عايشت كل الظروف السابقة وتعرضت الى الاعتقال ومن ثم الهروب الى خارج العراق ولم تعد إلا بعد العام 2004، فجربت الغربة وكتبت الكثير عن الظروف التي عاشتها خارج العراق، ودأبت من خلال قصصها ورواياتها الى القاء الضوء على ما تعانيه المرأة العراقية بجميع مسمياتها؛ الأم والزوجة والأخت. فها هي الأم الأرملة التي تحملت مسؤولية تربية اطفالها بعد ان فقدت زوجها في الحرب او في زنازين النظام السابق او في التفجيرات التي حدثت في كل مكان في زمن الحرب الطائفية البغيضة، وكافحت هذه الأم الأرملة حتى نجحت في ان يصلوا ابنائها الى عمر الزهور لتحصدهم التفجيرات الارهابية اليومية التي توزعت في مدن العراق جميعها دون استثناء.
في اول قصص المجموعة "غسل العار" التي ضمت خمسة عشر قصة قصيرة وبـ103 صفحات لهذه المجموعة التي تناولت الكثير من هموم المرأة العراقية ومشاكلها اليومية. تصور لنا القصة الأولى (الضحية عذراء..) والد زوجة شابة يتهمها زوجها الحاقد عليها بأنها غير باكر. وحيرة هذا الوالد أمام ما تمر به ابنته عاجزاً عن انقاذها أو مد يد العون لها، رغم أنه ليس لديه أدنى شك بأن أبنته بريئة من هذه التهمة الشنيعة التي يلفقها لها زوجها بمعونة أبن عمها الفاشل التي رفضت طلبه للزواج بها. ورغم أن الوالد يعرف ابنته وأنه واثق منها وأنها لا يمكن ان تقوم بما يجلب عليها اللوم. لكنه يقف مكتوف الأيدي أمام هذه التهمة الكفيلة بنبذ مجتمعها لها من دون التأكد من صحة الأدعاء!
تنظر الابنة لوالدها باستغاثة طالبة منه التدخل لنجدتها فهي مظلومة، فيستدعي طبيبا للاستعانة به. غير ان الطبيب يصل متأخراُ: "أطلب الدكتور عادل وأبدأ إخباره عن نوع المشكلة التي تؤرق حياتي يسبقني صوتُ رصاص يندلع وزغرودة منبعثة من زوجة أخي.." (ص 9).
في القصة الثانية (الانتحار) التي تحكي عن معاناة الزوجة التي لاتجد في حياتها الزوجية ما كانت تمني النفس به من معاملة طيبة من زوجها: "كثرت الخصومات بيننا في الآونة الأخيرة، ورغم ان ايامي لم تذق طعم السرور، ولا جربت التوافق، ولا لمست حلاوة اللمسات، التي تنعش الفؤاد، وترعش القلب، وتجعل البدن مرتويا، والعقل هادئا، بل كانت الرتابة تخنق الأنفاس، وارتفاع الصوت، يهدد بالويل والثبور، يئد كل ما حلمت به من جمال" (ص 14).
وعندما يتدخل الابن ليقف مساندا أمه. ينهره والده ويصعد الأبن على مضض درجات السلم الى غرفته.
" أستيقظ في الصباح كل يوم، راغبة في الاستماع، الى كلمات ولد بار عزيز، ولكن ذلك اليوم لم أجده في سريره، بحثت في كل مكان اعتاد أن يذهب اليه، ثم عدت الى غرفته مجددا، كان معلقاً بحبل على الجدار، وقد أبعد الكرسي الصغير" (ص 16)
(الحفيد) قصة الجدة التي تعاني من سلوك حفيدها، الذي يثور لاتفه الاسباب، الميال الى الصراخ واتهام غيره بالجهل، وبسبب سلوكه هذا يهجرها الجميع، فيجعلها ذلك دائمة الخوف، وتحترق بما يثيره من صياح، بينما هو يجد لذة فائقة في ذلك، وهو من البشر الذين يفسرون الرحمة ضعفا والمحبة تزلفا؟: "هل اصنع عالماً متوازنا بما تحمله نفسي من جراح، أم أنسى آمالي الخائبة، لأبدأ في الحلم من جديد أغطس في بحر متلاطم، أفيق منه، على صوت ارتطام باب المنزل بقوة.." (ص 33).
(بائعة الورد) تتحدث هذه القصة عن تضحية زوجة تقوم بعملها اليومي في محل لبيع الورد، لذلك هي مجبرة على الابتسام لزبائنها وأبداء علامات السعادة والحبور، بالرغم من التعاسة التي تعيشها في حياتها مع زوجها الذي لا يهتم لها ولأولادها الصغار. وهي التي لم تعتد القهر والخنوع، في ماضي ايامها الباسمات، فقد نشأت في بيت عز وسؤدد، لكن يقع لها ما لم يكن بالحسبان، تقدم اليها مدعيا الحب وعارضا الزواج فصدقت زعمه دون روية.
ورغم انها تعلم ان زوجها سيء السلوك، لا يعمل ويكثر من سهراته ، يأتيها كل صباح ليأخذ مصروفه اليومي، وليغدق منه على صديقاته العاطلات، إلا أن خوفها على اولادها الذين هم سلوتها في دنياها جعلتها تتحمل هذا الزوج. طلبها اكثر من واحد للزواج بها بعد خلاصها من هذا الزوج الذي لم ترى منه سوى التعب والمشقة، غير أنها لاتستطيع ترك اولادها لأبوهم، الذي لا يعرف الرحمة ولا يفهم معنى الأبوة، وهل تستطيع الشعور بالهناء وهي لا تدري كيف سيعيشون من بعدها، وكيف تتناسهم وهم بضعة القلب ومطلب الحياة.
يدخل الزوج "يعد النقود التي استطاعت البائعة جمعها، يضعها في جيبه: - عندي سهرة عمل هذا المساء.."(ص 36).







التعليقات


1 - قصص من صميم واقع مزري
فؤاده العراقيه ( 2018 / 2 / 20 - 20:08 )
أحييك عزيزتي صبيحة على اسلوبك الشيّق في المتابة ولي فقط ملاحظة بسيطة بخصوص تخلّف مجتمعاتنا الذي عاد ولكن ليس بملء ارادته كما ذكر الكاتب بل هناك اساليب لم تعد خافية علينا بمعونة السلطات الماجورة
اجمل التحايا

اخر الافلام

.. فنانون سوريون يحولون -أنفاق الموت- في جوبر إلى أعمال فنية


.. ثقافة العيب تمنع إحصاء مرضى الزهايمر في فلسطين


.. مزاد في لندن لتذكارات مأخوذة من أهم الأفلام في السنوات الأرب




.. المغرب: موسيقى -العيطة- مع إيقاعات غربية في مهرجان الجاز بال


.. مهرجان الجونة السينمائي بمشاركة نجوم عالميين