الحوار المتمدن - موبايل



إعادة إعمار العراق :دبلوماسية ما بعد داعش

عبد الحسين شعبان

2018 / 2 / 19
مواضيع وابحاث سياسية



في ختام مؤتمر إعادة إعمار العراق الذي انعقد في الكويت 12-14 فبراير (شباط) الجاري (2018)، أعلنت الكويت أنها ستقدّم للعراق مليار دولار على شكل قروض، وستقوم باستثمار مليار دولار آخر للمساهمة في إعادة إعمار العراق. وقال أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح: إن المساهمة الكويتية تأتي انطلاقاً من التزامها بدعم الأشقاء في العراق، وأضاف أن بلاده تدرك حجم الدمار الذي لحق بالعراق جرّاء سيطرة التنظيمات الإرهابية على جزء من الأراضي العراقية" مشيراً إلى أن إعادة الإعمار هي " عمل لن يتمكن العراق من التصدّي له وحده، مما دعانا إلى التوجّه بالنداء إلى المجتمع الدولي بدعوته للمشاركة في هذا العمل وتحمّل تبعاته..."
وحثّ الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش في كلمته، المجتمع الدولي على دعم جهود العراق في إعادة الإعمار بعد الحرب على تنظيم " داعش" ، وقال: إن العالم مدينٌ للعراقيين جرّاء نضالهم ضد التهديد العالمي الذي فرضه تنظيم داعش الإرهابي ودعا إلى دعم العراق بالسياسة والموارد.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت على لسان وزير الخارجية ريكس تيلرسون، أن واشنطن وبموجب مذكرة تفاهم بـ 3 مليارات دولار أمريكي لدعم العراق وذلك عبر مصرف التصدير والاستيراد ووزارة المالية العراقية، ووصف بغداد بأنها " الحليف الأوثق"، وإن الولايات المتحدة تدعم عراقاً مستقراً ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مكافحة الفساد.
من جانبه أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير تخصيص المملكة العربية السعودية مليار ونصف المليار دولار أمريكي لمشاريع إعادة الإعمار في العراق. وقال الجبير في كلمته بافتتاح المؤتمر إن المملكة ستخصص مليار دولار لإعادة الإعمار عن طريق الصندوق السعودي للتنمية ونصف مليار دولار لتمويل الصادرات السعودية للعراق.
وبدوره أعلن وزير خارجية تركيا مولود تشاوش أوغلو أن بلاده ستخصص 5 مليارات دولار للعراق على شكل قروض واستثمارات. كما أعلنت قطر على لسان وزير خارجيتها محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تقديم بلاده مليار دولار عن طريق حزمة من القروض. وأعلنت ممثلة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية والأمنية فيديريكا موغريني استثمار 400 مليون دولار كمساعدات إنسانية لتعزيز الاستقرار والأمن في العراق.
وبلغ حجم الدعم والاستثمارات لإعادة الإعمار في العراق أكثر من 30 مليار دولار وكان وزير التخطيط العراقي سلمان الجبوري قد أعلن في افتتاح المؤتمر أن حاجة العراق لإعادة الإعمار تبلغ 88.2 مليار دولار، وذلك بسبب الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب على الإرهاب وتنظيم " داعش"، وإن هذه التكلفة تستند إلى دراسة أعدّها خبراء عراقيون ودوليون، لافتاً إلى أن " الحجم الكلّي للأضرار والخسائر بالعراق بلغ 45.7 مليار دولار أمريكي".
وكان العراق يطمح إلى تقديم الحاجة العاجلة والفورية لتأمين المستلزمات الأولية لمشاريع الإعمار التي تبلغ 22 مليار . أما المبلغ المتبقي وهو 66.2 مليار فهو لفترة متوسطة المدى وبعضه لفترة أبعد قليلاً.
ومن خلال الأبحاث والدراسات والمشاريع المعدّة فهناك نحو 212 مشروعاً استثمارياً لجميع قطاعات الاقتصاد العراقي، وبعضها مشاريع خاصة بإقليم كردستان، وهو ما ذهب إليه وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان حين دعا إلى عدم استثناء أي منطقة عراقية من عملية الإعمار، خصوصاً إقليم كردستان، وأضاف : لا بدّ من إعمار القرى والمدن والمناطق بكاملها... حتى المناطق التي بقيت خارج سيطرة تنظيم داعش، فقد عانت أيضاً وتحمّلت أكثر من حصتها من العبء، وتضحياتها تدفع إلى التضامن معها.
وأكد الوزير الفرنسي الحقيقة التي أجمع عليها المتحدثون في المؤتمر وهي أن العراق لن يتمكّن من النهوض بشكل دائم ما لم يتقرّر العمل على تعميم الأمن والاستقرار، وأضاف إلى ذلك " المصالحة الوطنية" .
وبالطبع فالمؤتمر والتحضيرات التي وظِّفت لنجاحه كانت تؤكد أن لا إعادة إعمار ولا تنمية دون إعادة الاستقرار وضمان الأمن والطمأنينة للناس وتمكينهم في خياراتهم الحرّة، ولاسيّما بتحقيق السلام المجتمعي والمصالحة الوطنية وتعزيز هيبة الدولة واحترام الحقوق الأساسية للإنسان.
وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد دعا في كلمته " الأصدقاء والشركاء" إلى دعم العراق، مشدّداً على أن تنمية العراق، إنما هي تنمية لكل العراق، مشيراً إلى أن العراق يتطلّع بثقة إلى أن يكون جسراً للتلاقي وساحة للتفاهم لإقامة شراكات حقيقية وتبادل منصف للجميع، لافتاً إلى مزايا قانون الاستثمار العراقي الحالي.
وتشير بعض الأرقام التي نشرتها المنظمات الدولية إلى بعض الحقائق الصادمة عن الوضع العراقي، فمنظمة الأمم المتحدة للطفولة وبرنامج الموئل، يذكر أن ربع أطفال العراق يعيشون في الفقر، وهذا يعني أنهم يعيشون أو يعيش غالبيتهم في الأميّة والتخلّف. وقالت منظمة الصحة العالمية إن الاستثمار لا بد ّ أن ينصبّ على قطاعات الصحة المنهارة فقد لحق الدمار بـ 14 مستشفى و170 منشأة صحية، ناهيك عن تآكل البنية التحتية للعديد من المرافق الصحية في عموم العراق، وليس للمناطق المتضرّرة جرّاء الحرب على " داعش" وما نفذته الأخيرة من عمليات تخريب.
وحسب بعض التقديرات فإن الحاجة لإعادة إعمار قطاع الإسكان تحتاج إلى 17.4 مليار دولار وإن إعادة بناء وترميم البنية التحتية تحتاج إلى 30 مليار ولاسيّما في قطاعات الطاقة والصناعة. وكان القطاع الزراعي قد تضرّر بنسبة كبيرة بلغت أكثر من 40%، ويحتاج إعادة البناء جهوداً كبيرة وموارد كثيرة.
مؤتمر على هامش المؤتمر
وخلال فترة انعقاد إعادة الإعمار في العراق انعقد في الكويت أيضاً مؤتمر لوزراء التحالف الدولي لمواجهة تنظيم "داعش" حضره 74 عضواً وعديد من المنظمات الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وبريطانيا وفرنسا وغيرها .
وانضم المؤتمر الموازي والخاص بمكافحة الإرهاب إلى مؤتمر إعادة الإعمار في العراق، لاسيّما في التفكير لما بعد " داعش"، وخصوصاً توفير المستلزمات الأمنية والسياسية والمجتمعية لإعادة الإعمار. ويعتبر هذا المؤتمر استمراراً لمؤتمر جدّة الذي انعقد في سبتمبر/أيلول العام 2014، أي بعد ثلاثة أشهر من احتلال تنظيم داعش للموصل وتمدّده في مناطق غرب العراق أهمها في محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك وصولاً إلى مشارف العاصمة بغداد، ولاسيّما تهديده لمناطق جنوب بغداد، التي شهدت معارك " جرف الصخر" الشهيرة .
وكان مؤتمر جدّة هو الآخر على مستوى وزراء الخارجية، حيث اتفقت حينها واشنطن والرياض والقاهرة وبغداد وعمان وبيروت والدوحة والكويت والمنامة وأبو ظبي ومسقط على محاربة "داعش" بما في ذلك منع تدفق الأموال والمقاتلين إليها، وتعهدت بإعادة بناء " المجتمعات" التي هدمتها داعش، وهو الأمر الذي يمثل التحدّي الحقيقي للانتصار عليه، ولاسيّما بإعادة بناء الإنسان.
ولعلّ الوعي بأهمية ذلك ينطلق من رؤية دولية لأطروحة التنمية المستدامة، التي لا يمكن تحقيقها دون إحداث تغييرات حقيقية على صعيد الاقتصاد والمجتمع والتربية والثقافة والقانون والصحة والبيئة وفي جميع ميادين الحياة، وبالطبع فذلك يستلزم إدارة أكثر عقلانية في إطار المعايير الدولية للحكم الرشيد وشفافية ومساءلة ومحاربة حقيقية للفساد ووضع حد لظواهر العنف والإرهاب ومنع بقاء السلاح خارج سيطرة الدولية التي ينبغي أن تخضع لها جميع المرجعيات .
إن ذلك ما نعنيه بالدبلوماسية الوقائية لمنع عودة الإرهاب والإرهابيين، الذين استغلوا مظاهر الضعف الشديدة والبطالة والفقر والأمية لكي ينفذوا مشاريعهم الإرهابية.
وإذا كان المؤتمر يمثّل انطلاقة جديدة وجيّدة باتجاه التزام المجتمع الدولي لإقامة عراق آمن ومستقر، وخصوصاً حين تدعم دول الجوار ذلك، بل وتقدم المساعدات والقروض لتحقيقه وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة والمنكوبة، ولاسيّما مدينة الموصل، فلا بدّ من العمل الجاد عراقياً لاستعادة هيبة الدولة وحلّ مشاكل إقليم كردستان بالتفاهم والحوار وتأمين الحقوق وكذلك السعي إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز مخرجات العملية السياسية الفاشلة التي قامت على أساس التقاسم الوظيفي الاثني والطائفي .
وإذا كانت الكويت سخيّة ومعطاءة في التعاطي مع مشروع إعادة الإعمار في العراق، فلأنها تدرك أيضاً بحكم مسؤوليتها الوطنية والإقليمية ، أن استقرار العراق سينعكس على جميع دول المنطقة، وخصوصاً بعد دحر " داعش" عسكرياً، الأمر الذي يحتاج إلى توفير مستلزمات القضاء عليه سياسياً وفكرياً.
وقد كانت الاستضافة الكويتية تأكيداً جديداً على طي صفحة الماضي المؤلمة التي سببتها مغامرة الغزو العام 1990، بل هي خطة عمل مستقبلية للطرفين لإعادة رسم العلاقات على نحو أخوي وسلمي ومن خلال المصالح المتبادلة والمنافع المشتركة، وخصوصاً في إطار المحيط العربي وتعزيز جسور التفاهم والتعاون التي تقوّي من شأن " الجوامع" وتقلّص من حجم " الفوارق" وبالاحترام المتبادل والأهداف المشتركة.
جدير بالذكر إن فعاليات مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق ضمت 1850 شركة من 70 دولة، مثلما شارك فيها منظمات إنسانية ومدنية، ومثل هذه المشاركة الحكومية وغير الحكومية الدولية والعربية والإقليمية، إضافة إلى المنظمات الدولية تعطي رسائل مهمة، على إصرار المجتمع الدولي لبناء علاقات جديدة في المنطقة، ولاسيّما ما بعد داعش بتحديد الأولويات لبناء ركائز السلام والأمن والتنمية ، خصوصاً بأن حصاد الإرهاب والفوضى والاحتراب كان باهظاً على عموم دول المنطقة وعلى المجتمع الدولي.







اخر الافلام

.. قضية -أنفاق حزب الله-.. السلطات اللبنانية تقول إنها ملتزمة ب


.. ليبيا: فايز السراج يزور حقل الشرارة النفطي للتفاوض مع محتجي


.. فرنسا: هل تتمتع -السترات الصفراء- بمصداقية أكثر من الأحزاب ا




.. بلجيكا: ميثاق مراكش للهجرة.. القشة التي قصمت ظهر البعير؟


.. مراسل فرانس 24 في اليمن: خروقات للهدنة في الحديدة بيومها الث