الحوار المتمدن - موبايل



صدام والفخ الأمريكي / غزو الكو يت وحرب الخليج الثانية / الحلقة السادسة عشرة

حامد الحمداني

2018 / 2 / 20
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لقاء جيمس بيكر وطارق عزيز في جنيف
نص رسالة بوش لصدام حسين:
السيد الرئيس: {إننا نقف اليوم على حافة حرب بين العراق وبقية العالم، وهذه الحرب بدأت بقيامكم بغزو الكويت، وهي حرب يمكن أن تنتهي فقط بانسحاب عراقي كامل، وغير مشروط، وفق قرار مجلس الأمن رقم 678. وإنني اكتب لك الآن مباشرة، لأني حريص على أن لا تضيع هذه الفرصة، لتجنيب شعب العراق مصائب معينة، وأكتب لك مباشرة أيضاً لأنني سمعت من البعض أنك لست على علم بمدى عزلة العراق عن العالم نتيجة لما وقع، وأنا لست في مركز يسمح لي بأن أحكم ما إذا كان هذا الانطباع صحيحاً أم لا، وقد وجدت أن خير ما استطيع عمله هو أن أحاول بواسطة هذا الخطاب، أن اعزز ما سوف يقوله وزير الخارجية بيكر إلى وزير خارجيتكم، وحتى أزيل أي اثر للشك أو الالتباس، قد يكون في فكركم، فيما يتعلق بموقفنا، وما نحن مستعدون لعمله.

أن المجتمع الدولي متحد في طلبه إلى العراق أن يخرج من كل الكويت بلا شروط، ودون أي تأخير، وهذه ببساطة، ليست سياسة الولايات المتحدة وحدها، وإنما هي موقف المجتمع الدولي، كما يعبر عنه ما لا يقل عن 12 قراراً صادراً عن مجلس الأمن.

إننا نفضل الوصول إلى نتيجة سلمية!!، ولكن أي شيء أقل من التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 678 هو أمر غير مقبول بالنسبة لنا، ولن تكون هناك مكافئة للعدوان، ولن تكون هناك مفاوضات، لان المبادئ ليست قابلة للمساومة، وعلى كل حال فإن العراق إذا قام بالتنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن، يستطيع أن ينظم إلى المجتمع الدولي، وفي المدى القريب، فإن البنيان العسكري العراقي يستطيع أن يهرب من التدمير، ولكن إذا لم تقم بالانسحاب من الكويت، انسحاباً كاملاً غير مشروط، فإنك سوف تخسر ما هو أكثر من الكويت.
إن ما هو مطروح الآن ليس مستقبل الكويت، فالكويت سوف يتم تحريرها، وحكومتها سوف تعود إليها، ولكن المطروح هو مستقبل العراق، وهو خيار يتوقف عليك. إن الولايات المتحدة لن تنفصل عن شركائها في التحالف، فهناك 12 قراراً لمجلس الأمن، و28 دولة بقواتها العسكرية لضمان تنفيذ هذه القرارات، وأكثر من 100 دولة التزمت بتنفيذ العقوبات، وهذا كله كافٍ ليؤكد لك أن القضية ليست العراق ضد الولايات المتحدة، ولكنه العراق ضد العالم، إن معظم الدول العربية والإسلامية تقف ضدك، وهي جميعها مستعدة لتعزيز ما أقول، والعراق لا يستطيع، ولن يستطيع أن يبقى في الكويت، أو يحصل على ثمن لقاء خروجه منها، وقد يغريك أن تجد راحة في اختلاف الآراء الذي تراه في الديمقراطية الأمريكية، ونصيحتي لك أن تقاوم هذا الإغراء. إن اختلاف الآراء لا ينبغي خلطه بالانقسام، ولا ينبغي لك، كما فعل آخرون غيرك، أن تقلل من أهمية الإرادة الأمريكية.

إن العراق بدأ يشعر بآثار العقوبات التي قررتها الأمم المتحدة، وإذا جاءت الحرب بعد العقوبات، فستكون تلك مأساة لك ولشعبك، ودعني أنبهك إلى أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، أو أي تدمير للمنشآت البترولية في الكويت.
وفوق ذلك فإنك سوف تعتبر مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن أي عمل إرهابي يوجه إلى أي دولة عضو في التحالف، وفي هذه الحالة سوف يطلب الشعب الأمريكي أقوى رد ممكن عليك، ولسوف تدفع أنت وبلادك ثمناً فضيعاً إذا أقدمت على عمل من هذا النوع. إنني لا اكتب لك هذا الخطاب لكي أهددك، إنما اكتبه لمجرد إخطارك، ولست أفعل ذلك لسعادة، فالشعب الأمريكي ليست له معركة مع شعب العراق!!.
السيد الرئيس:
إن قرار مجلس الأمن رقم 678، تحدد فرصة لاختبار حسن النوايا، تنتهي يوم 15 كانون الثاني حتى تنتهي هذه الأزمة دون عنف، واستغلال هذه الفرصة للهدف الذي أتيحت من أجله لتجنب العنف، هو خيار في يدك وحدك، وإني لآمل أن تزن خياراتك، وأن تنتقي منها بعقل لأن كثيراً سوف يتوقف على ذلك}.(9)
جورج بوش

وبعد ذلك تحدث طارق عزيز، موجهاً كلامه إلى بيكر قائلا:
{ لقد ظننت أننا جئنا هنا لنتحادث، وليس لنتخانق}.
ورد بيكر قائلاً: {نعم جئنا لنتحادث، ولكن على أساس}.
ثم سأل بيكر طارق عزيز عما إذا كان يريد هو أن يتحدث أولاً، فأجابه طارق عزيز بأنه يريد أن يسمع منه كل شيء، وتحدث بيكر قائلاً:
{إننا جئنا هنا ليس للتفاوض، وإنما جئنا لنحث العراق، كمحاولة أخيرة للانسحاب من الكويت، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وإن أمامكم مهلة أقصاها يوم 15 كانون الثاني [أي بعد 6 أيام فقط]، وهي بالتأكيد مدة قصيرة، ولكن هذا ليس ذنبنا بل ذنبكم انتم، فقد منحكم مجلس الأمن 45 يوماً، ولم تحاولوا تنفيذ تلك القرارات، واقترحنا أن تقوم بزيارة واشنطن، وتلتقي بالرئيس بوش، وأن أقوم أنا بزيارة بغداد، والتقي بالرئيس صدام حسين، وخيرتكم في موعد زيارتي خلال 18 يوما،ً إلا أن رئيسكم أعتذر عن مقابلتي بحجة انشغاله وارتباطاته بمواعيد مسبقة، في حين كان رئيسكم يقابل شخصيات من السياسيين السابقين، كادوارد هيث، وولي برانت، وناكاسوني، وحتى الملاكم العالمي السابق محمد على كلاي، ومع احترامي لأولئك الساسة، إلا إنني أقول إنهم ليسوا في مراكز المسؤولية، في حين كنت أمثل بلدي، الولايات المتحدة الطرف الرئيسي في الأزمة، وفي فترة من أخطر الفترات التي يمكن أن تقرر مصير السلم أو الحرب، وهو تصرف لا يمكن قبوله.

ثم وجه بيكر إنذاره للعراق من أن انتهاء المدة الممنوحة للعراق دون أن ينسحب من الكويت سيجعل قوات التحالف مطلقة اليد لطرد قواته من الكويت، وعليكم أن تعرفوا أنكم أمام تحالف عسكري قوي يضم 28 دولة، بما فيها عدد من الدول العربية، ذات التأثير الكبير في العالم العربي، كمصر، والسعودية، وسوريا والمغرب، وبدأ بيكر يتحدث عن قوة التحالف الدولي ضد العراق، وما يملكه من أسلحة ومعدات، قائلاً:

{ إن 6 حاملات طائرات، وعلى ظهرها مئات الطائرات، في منطقة الخليج والبحر الأحمر، مع مجموعة كبيرة من القطع البحرية الأخرى المجهزة بصواريخ وتوماهوك، هذا بالإضافة إلى أن العراق محاط بمجموعة من القواعد التي تتمركز فيها أكثر من 2000 طائرة، وليس المهم عدد الطائرات، وإنما المهم نوع التكنولوجيا التي سوف تستعملها قيادة التحالف في تنفيذ ما أوكل لها}. ثم تحدث بيكر عن القوات العسكرية البرية للدول الحليفة، والتي جاوزت 350 ألفاً وعن نوعية سلاحها، وقوة نيرانها، والتي لم يسبق استعمالها من قبل في أية حرب، ثم أنتقل بيكر بعد ذلك إلى النقطة الحساسة في الحديث قائلاً:
{إننا ندرك أن لديكم مخزوناً من الأسلحة الكيماوية، ونحن ننصحكم، وكما نصح الرئيس بوش في رسالته، أن لا تحاولوا استخدام هذه الأسلحة، في أي مرحلة من مراحل الحرب، وإذا ما أقدمتم على ذلك، فسيكون رد الولايات المتحدة حازماً وقوياً، وبالأسلحة غير التقليدية}. وكان بذلك يشير إلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام الأسلحة الذرية والكيماوية ضد العراق.(10)

لقد أسهب بيكر في الحديث عما تملكه قوات التحالف من أسلحة ومعدات متطورة للغاية، ومستعرضاً ما سوف تؤدي الحرب بالعراق من خراب ودمار لم يعرف له مثيلً من قبل، مهددا بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية، وعندما انتهى بيكر من حديثه، التفت إلى طارق عزيز قائلاً: {الآن استطيع أن اسمع ما عندك}.

في تلك اللحظة كانت الأنظار متجهة إلى طارق عزيز، سواء من قبل أعضاء الوفد الأمريكي أو الوفد العراقي، ليسمعوا ماذا سيقول طارق عزيز، بعد كل الذي سمعه من بيكر، حيث تحدث عزيز قائلاً: {إن الصورة التي رسمتها الآن لقوات التحالف ليست جديدة علينا، وليست مفاجئة لنا، فنحن نعرفها من قبل، ونفهم ما تعنيه}.
ثم راح طارق عزيز يذكر بيكر بالدور الذي قام به العراق، لما أسماه بحماية أمن الخليج، ودفع ثمن عمله ذاك ثمناً باهظا، سواء في الأرواح أو الأموال، بالإضافة إلى ما سببته تلك الحرب ضد إيران، من تدهور الاقتصاد العراقي، ثم انتقل إلى جذور الأزمة الكويتية، وأدعى أن العراق بذل جهوداً كبيرة لتجاوز الأزمة مع الحكومة الكويتية، إلا أن حكام الكويت أصروا على موقفهم، مدفوعين بموقف الولايات المتحدة التي حاولت سد كل باب
للتفاهم.
ورد بيكر على عزيز قائلاً:
{ إن صدام حسين قد خدع الرئيس مبارك عندما قال له بأنه سوف لن يستعمل القوة ضد الكويت، ولكنه فاجأ الجميع بالهجوم، واحتلال الكويت}. وحاول طارق عزيز أن يوضح لبيكر أن صدام لم يقل هذا الكلام بالضبط لمبارك، وإنما قال له، سوف لن يلجأ إلى القوة إلا بعد لقاء مؤتمر جدة، وما سيسفر عنه من نتائج.

ثم أنتقل بيكر إلى تهديدات صدام حسين لحرق نصف إسرائيل، ورد عليه عزيز بأن الحديث الذي نقل عن الرئيس صدام حسين مبتور، فقد قال صدام في خطابه إثر تهديد إسرائيل بضرب العراق بالقنابل النووية بأنه سوف يحرق نصف إسرائيل بالكيماوي المزدوج، إذا ما اعتدت على العراق بالسلاح النووي.

ورغم أن لقاء بيكر مع عزيز أستغرق 3 جلسات، خلال ذلك اليوم، إلا أن ما تحدث عنه بيكر خلال 45 دقيقة في بدء الاجتماع، كان هو جوهر اللقاء، فكل ما أراده بيكر، وسيده بوش، هو تحذير صدام حسين من استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ضد القوات الأمريكية والحليفة، مهددا العراق باستخدام الأسلحة النووية. أما أي حديث عن حل للأزمة، فقد فات أوانه، فقد اتخذت الولايات المتحدة قرارها بضرب العراق منذُ بداية الأزمة.
وفي نهاية الجلسة الثالثة، أُعلن عن أن بيكر وعزيز سوف يعقدان مؤتمراً صحفياً في الساعة السابعة حسب توقيت جنيف، بقاعة المؤتمرات بالفندق الذي جرى فيه اللقاء، وفي الموعد المحدد، تحدث بيكر أولاً قائلاً:
{ لقد تحادثت مع طارق عزيز حول ضرورة تطبيق العراق لقرارات مجلس الأمن، وأبلغته أن تنفيذ القرارات غير قابل للتفاوض، وإني لآسف أن أقول لكم أيها السيدات والسادة، إنني لم اسمع اليوم شيئاً يدل على مرونة في موقف العراق، ولا على استعداده للامتثال لقرارات مجلس الأمن، وقد قمت في نهاية اللقاء بالاتصال بالرئيس بوش، أبلغته بكل ما دار في اللقاء}. (11)
وبعد أن أجاب بيكر على أسئلة الصحفيين، تحدث طارق عزيز فقال:
{ لقد جئنا إلى هذا الاجتماع بقلب وعقل مفتوحين، وبنية صادقة، وكنت أتمنى أن يقع هذا الاتصال المباشر بين العراق والولايات المتحدة في مرحلة مبكرة من الأزمة، فأن كل الفرص التي كانت متاحة قد أهدرت، فرصة بعد فرصة، حتى التقينا هنا في هذه اللحظات الأخيرة، وإني أود أن أشير إلى أن الولايات المتحدة تصرفت منذ اللحظة الأولى في الأزمة بطريقة لا تدع مجالاً للشك في نواياها الحقيقية. لقد حدثناهم طويلاً عن قضايانا العادلة، وكان ردهم أنهم يشكون فينا، وقلنا لهم لماذا لا تجربوا؟ لكنهم لم يكن لديهم الاستعداد}.
ثم انتقل طارق عزيز إلى رسالة بوش وما حوته من تهديد ووعيد، بقوله:
{إذا ما قررت الولايات المتحدة الاعتداء على العراق، فإن العراق لا يستغرب ذلك، فنحن نسمع التهديدات كل يوم، وقد قلت للوزير بيكر بأننا سندافع عن بلادنا بكل قوة، وإن الشعب العراقي شعب شجاع، وأن الأمة العربية لن تقبل إخضاع شعبها في العراق، وكسر إرادته، لأن إرادته جزء من إرادتها}.
وبعد نهاية الحديث، وجه إليه أحد الصحفيين سؤالاً عما إذا كان العراق ينوي مهاجمة إسرائيل إذا قامت الحرب؟ وكان جواب عزيز [نعم] . (12)

وهكذا انتهى اللقاء إلى لا شئ، وبدأ العد العكسي لقيام الحرب التي أصبحت لا مفر منها، فصدام ركب رأسه، واقترف خطأً تلو الخطأ، لا بل جريمة تلو الجريمة حتى تراكمت أخطائه وجرائمه، وأوصلت الأزمة إلى هذا الحد الذي باتت فيه الحرب أمراً محتماً.

أما الجانب الأمريكي فقد نصب الفخ لصدام، ليغزو الكويت، لكي تجد الولايات المتحدة المبرر المطلوب لتوجيه الضربة الكبرى للعراق، وعملت بكل الوسائل والسبل لسد الطريق للحل السلمي للأزمة، من أجل إكمال السيناريو الذي أعده بوش للعراق وشعبه، حفاظاً على المصالح الإمبريالية في الخليج، من أي تهديد من جانب العراق مستقبلاً، وليكون درساً لكل من تسول له نفسه تهديد المصالح الغربية في هذه المنطقة الهامة من العالم، التي تنتج أكثر من نصف الإنتاج العالمي من النفط، وتحتوي على أعظم احتياطيات النفط في العالم اجمع.
أما مصير رسالة بوش لصدام حسين، فقد رفض طارق عزيز استلامها، كما رفض بيكر استعادتها، وتُركت الرسالة على طاولة المباحثات،عندما غادر الوفدان القاعة، وأُودعت في خزانة فندق الكونتنانتل.
غادر بيكر جنيف متوجهاً إلى السعودية، ليبلغ الملك فهد بقرار شن الحرب، إلا أنه لم يبلغه بساعة الصفر، لكنه أخبر الملك بأنه سوف يسمع من الأمير بندر، سفير السعودية في واشنطن، موعد ساعة الصفر، بكلمة السر[تصلكم الأشياء التي طلبتموها الليلة].

ومن ناحية أخرى عاد طارق عزيز إلى بغداد، وبصحبته برزان التكريتي، أخو صدام غير الشقيق، حيث قابلا صدام حسين فور وصولهما، وقدم طارق عزيز له تقريراً عما دار في الاجتماع.

وهكذا سارت خطى الحرب إلى غير رجعة، وأصدر الكونجرس الأمريكي قراراً يخول الرئيس بوش استخدام القوة ضد العراق، وصوت لصالح القرار 52 عضواً ضد 47 في مجلس الشيوخ، و250 ضد 30 في مجلس النواب، وبذلك أصبح بوش طليق اليدين، لشن الحرب على العراق.

بوش يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة مقابلة صدام:

في 12 كانون الثاني، دعا بوش السكرتير العام للأمم المتحدة [خافير بيرز ديكويلار] إلى لقائه في كامب ديفيد، على العشاء، وقد اعتذر ديكويار عن تلبية الدعوة بادئ الأمر، حيث أنه كان على وشك أن يغادر إلى أوربا، إلا أن بوش ألحّ عليه لحضور العشاء، وبعدها يكون في حل من أمره.

توجه ديكويار إلى كامب ديفيد، وتناول العشاء مع بوش، وخلال الحديث الذي دار بين بوش وديكويار، طلب بوش من ديكويار التوجه إلى بغداد، والالتقاء بصدام حسين.
حاول ديكويار الاعتذار عن هذه المهمة، قائلاً: {إن الوقت قد فات، ولم يعد هناك متسع لفعل أي شيء}.

وفي حقيقة الأمر، لم يرضَ ديكويار حشر أسمه في الأزمة، بعد أن أخذت الولايات المتحدة زمام الأمور كلها بيدها، وأحس أن ذلك قد يسبب إساءة إلى سمعته، إضافة إلى أن صدام حسين، الذي أصابه اليأس من موقف الولايات المتحدة في لقاء جنيف، لم يعد يعر أية أهمية لأي جهود جديدة، سواء من قبل الأمين العام، أو من قبل أي دولة أخرى. لكن بوش ألحّ على ديكويار أن يسافر إلى بغداد، ولو لعدة ساعات، وأمام ضغط بوش، تراجع ديكويار عن موقفه، ووافق على السفر إلى بغداد.

وبالفعل أرسلت سكرتارية الأمم المتحدة رسالة مستعجلة إلى بغداد، تطلب تحديد موعد للأمين العام ديكويار لمقابلة صدام حسين، وجاء الرد بالموافقة، وتوجه ديكويار إلى بغداد في 13 كانون الثاني 1991، والتقى مساء ذلك اليوم بصدام حسين. وفي بداية الحديث مع صدام، تحدث ديكويار قائلاً:

{ في البداية أريد أن أؤكد لكم أنني لا احمل رسائل من أحد، ولا أعتبر نفسي مبعوثاً لأي شخص. أنا هنا رجل يمثل نفسه، وقد تتذكرون أنني قابلتكم قبل ذلك مرتين، أثناء الحرب مع إيران، وتتذكرون أنني كنت دائماً أحاول أن أقترب من المشاكل، على أساس غير متحيز، وأنا أقابلكم اليوم بنفس الروح، على أنني أريدكم أن تعلموا أنني يجب أن أكون في أوربا غداً، فلدي واجب هناك}.

ثم واصل ديكويار حديثه ليدخل في صميم الموضوع قائلاً:
{ إن العراق عضو في الأمم المتحدة، وهذه المنظمة تعمل على أساس قرارات تصدرها، ومن سوء الحظ أن تاريخ الأمم المتحدة يظهر أمامنا أن هناك قرارات لمجلس الأمن لا تنفذ، ولكن إن هناك قرارات لابد من تنفيذها، وأتصور شعوركم تجاه هذا الوضع، وكصديق لبلادكم، فإن قرارات مجلس الأمن بشأن أزمة الخليج هي من تلك القرارات التي يجب أن تنفذ، ولا نأخذ منها بالمثل السيئ لقرارات لم تنفذ، وأنا أريد إن أساعد لتجنب مواجهة تؤدي بهذه الأزمة إلى الحرب، وأنا لست ساذجاً لأتصور أننا نستطيع أن نحل هذه المشكلة الليلة، وكل ما أريده هو أن تعطني شيئاً أستطيع أن أبني عليه موقفاً يزيـل التوتر، وأن أحـرم دعـاة الحرب من فرصة يضنونها مؤاتية، وهذا هو كلما عندي}. (13)

وكان رد صدام حسين على ديكويار ما يلي:
{ صحيح أن الرأس هو الذي ينظم كل شيء، وسوف أفضي لك بسر، لقد أردتك أن تجئ إلى بغداد، ولا تجئ في نفس الوقت، فأنت السكرتير العام للأمم المتحدة، ونحن أعضاء في هذه العائلة، ونحن بالطبع نريد أن نراك، ونرى الأمم المتحدة تؤدي دورها. لكنني كنت قلقاً من مجيئك في هذه الظروف التي نسمع فيها قعقعة السلاح، فعندما لا تحمل من عندنا ما يرضيهم، فإنهم قد يستعملون مجيئك ذريعة للحرب}. وأضاف صدام قائلاً:

{إن العراق قدم مبادرات كثيرة لحل الأزمة، وكان على استعداد لقبول مبادرات كثيرة، ولكن الرئيس بوش كان يرفض كل واحدة منها بعد ساعة من صدورها، وإن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن هي في الحقيقة قرارات أمريكية، وليست قرارات الأمم المتحدة. إننا اليوم في عصر أمريكي، والولايات المتحدة تحصل على ما تريد هي، وليس على ما يريد مجلس الأمن}.

ثم انتقل صدام إلى الحديث عن مسألة الانسحاب من الكويت قائلاً:
{ إننا لا نستطيع أن نقول كلمة الانسحاب في هذه اللحظة، بينما الجيوش الأمريكية تواجهنا، والحرب قد تقع في ظرف ساعات. وإذا قلت شيئاً عن انسحاب عراقي، دون أن يكون في مقابله شيئاً عن انسحاب أمريكي، فإن كل ما أكون قد حققته في هذه الساعة هو أن أعطي الأمريكيين فرصة لخلق بلبلة نفسية تمكنهم من الانتصار علينا!!}.(14)

وكان رد ديكويار، بعد أن أنهى صدام حديثه أن قال جملته المشهورة: {إنني أشعر أن السيف قد خرج من غمده، وهو مُشهرْ فوق العالم وليس على رأسي فقط}. (15)

وفي اليوم التالي 14 كانون الثاني، غادر ديكويار بغداد عائداً إلى أوربا، ولم يكن قد بقي على الموعد المحدد لانسحاب العراق من الكويت سوى يوم واحد فقط.
وهنا يتبادر لنا السؤال التالي:
هل كانت زيارة ديكويار التي كلفه بها بوش لبغداد تهدف حقاً لمنع الحرب؟
وأستطيع القول بكل تأكيد كلا، ذلك أن كل الذي أراده بوش هو إشعار العالم أن المشكلة ليست بين الولايات المتحدة والعراق، بل بين العراق والأمم المتحدة، وأن الأمم المتحدة قد بذلت جهودها، حتى أخر يوم من الفترة التي منحها مجلس الأمن للعراق للانسحاب من الكويت، ولكن العراق أصرّ على موقفه.
بدأ العالم يحصي الساعات، بل والدقائق، وهي تمر مثل كابوس هائل على العالم، ومرّ اليوم الأخير دون حدوث أي تغيير على أوضاع الأزمة، وبذلك أصبح العالم يترقب ساعة الانفجار.
واتصل الأمير بندر بن سلطان، سفير السعودية في واشنطن، بالملك فهد في اليوم التالي 16 كانون الثاني 1991، وابلغه بكلمة السر[ساعة الصفر لبدء حرب الخليج الثانية].
وفي نفس اليوم، اتصل جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكية، بوزير خارجية الاتحاد السوفيتي، الكسندر بسمرلنك، وابلغه بساعة الصفر، وعلى الفور دعا غورباتشوف القيادة السوفيتية إلى اجتماع عاجل في الكرملين، وعاد وزير الخارجية السوفيتي إلى الاتصال بوزير خارجية الولايات المتحدة بيكر، لينقل له طلب الرئيس غورباتشوف بتأجيل العملية لمدة يوم واحد فقط، لكن بيكر رد عليه قائلاً:
{لقد فات الأوان والعمليات قد بدأت فعلاً} .







اخر الافلام

.. ألغام الحوثيين ... تهدد ميناء الحديدة الاستراتيجي


.. واشنطن تحشر الدوحة في زاوية محاربة الإرهاب


.. نساء في #السعودية ترتدين العباءة على المقلوب #بي_بي_سي_ترندي




.. تفاعل مع الحكم بالسجن على توفيق #بوعشرين في #المغرب #بي_بي_س


.. اعلان في #النمسا يتهم بالعنصرية تجاه #العرب و #المسلمين #بي_