الحوار المتمدن - موبايل



التكسب بالقصيدة العربية

صبيحة شبر

2018 / 2 / 24
الادب والفن


التكسب بالقصيدة العربية

عُرف العرب ومنذ عصر ما قبل الإسلام ، إنهم يعتنون بالشعر ، معتبرين إياه ديوانا لهم، يؤرخ حياتهم ويسجّل مآثرهم ، ويحفظ أيامهم ويخلّد وقائعهم ، وإن كان النثر قد أحرز بعض الاهتمام ، أقلّ مما حظي به الشعر لاعتبارات عديدة، منها إن الشعر أسهل حفظا من النثر ، لهذا لجأ إليه العربي، و اعتنى بناظميه واعتز بهم، مراعيا مكانتهم الكبيرة ، وللشعر فنون كثيرة ،كان من أهمها في عصر ما قبل الإسلام المديح والغزل والهجاء ،والرثاء والوصف والفخر ، وقد عرفت إبان ذلك العصر ظاهرة التكسب بالشعر، واتخاذه وسيلة للحصول على المال ، واشتهر من الشعراء المدّاحين تكسبا : أعشى قيس والنابغة الذبياني، أنهما مدحا ملوك ذلك الزمان، من أجل الحصول على رفدهم ، وتنقّل النابغة الذبياني بين بلاط المناذرة والغساسنة، مادحا كل فريق بالصفات الحميدة ،التي كان يراها من أجمل الصفات والتي تستحق الثناء، رغم ما سادت بين القبيلتين الكثير من مظاهر الخصومة والعداء ، حتى إن النابغة حين مدح ملوك الغساسنة ،غضب عليه ملوك المناذرة فاضطر الى الإعتذار منهم ،بقصيدة مشهورة موضحا الأسباب ،التي دعته إلى الذهاب إلى أعدائهم ولم يكتفي بذلك فقط، إنما تجاوز النابغة في خطيئته، فمدح ملوك الغساسنة رغبة في إنقاذ نفسه من بطشهم ، وخشية من عقابهم ، ولم تكن ظاهرة التكسب تلك ،مقبولة في ذلك الزمان ، فالممدوح يستحق المديح لخصاله الحميدة، من كرم وشجاعة ومروءة وإقدام ونبل، وليس لإعطائه الشعراء على قصائدهم في مديحه.. وإن كانت المهارة التي أبداها الشعراء الكبار في مديحهم ، تبعد عنهم صفة التملق والرياء ، وتجعلنا نعتقد أنهم كانوا معجبين حقا بالممدوح ، لآن خصاله الجميلة تدعو إلى الإعجاب ، ومن يقرأ أبيات النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، يستبعد صفة التملق، لما كان لتلك المدائح من مكانة متميزة، تدل على وفاء خالص، والتزام أخلاقي يعبّر عن محبة عميقة:
أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني ×× وتلك التي تستكّ منها المسامع
مقالة أن قد قلت : سوف أناله ××× وذلك من تلقاء مثلك رائع
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ×× وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
وكان لصفة الكرم نصيبها الكبير في مديح الشعراء ، وقد عُرف في هذا الميدان الشاعر الكبير ( زهير بن أبي سلمى) الذي أكثر من مدح سيدين من سادات قريش سعيا في الصلح بين القبيلتين المتنازعتين ( عبس وذبيان) حين أعلنا أنهما يتحملان ديات القتلى، حتى تضع الحروب أوزارها بين القبيلتين ، ونالت مدائح زهير شهرة واسعة ، لأنها تمدح ظاهرة عرفت أنها من الصفات التي يقبل عليها العرب آنذاك ، وما زالت تثير إعجابهم ،مع تغير الزمن وتبدل المقاييس..
ورغم إن زهير قد ربح ماليا بمديحه ذاك ، فقد كان الرصيد المعنوي أجمل بكثير لأن شعره لم يكن لغرض التكسب ، بل دفعه إعجابه بكرم الشخصين إلى أن ينظم فيهما أجمل أبيات المديح.
اتّسعت ظاهرة التكسب بالشعر، في العصر الأموي والعباسي، لطبيعة نظام الحكم القائم آنذاك ، ولوجود الأحزاب السياسية الكثيرة ، فكان الشاعر حين يمدح الخليفة ،مغدقا عليه الخصال الحميدة،كان يقوم بمهام الإعلام في التنويه عن روائع الأعمال، التي قدمها الخليفة للناس ، وكان الخلفاء يحتفون بالشاعر، حيث يظهرهم بمظهر الإنسان المتمكّن من حكمه، والذي يحظى بحب الجماهير وتأييدها ، وان الشاعر حينذاك ،كان يتكلم باسم تلك الشعوب، معبّرا عن مؤازرتها للحكام ، ولقد انتشرت قصائد المديح في العصر الأموي، وزادت كثيرا في العصر العباسي ، لأن الشاعر كان يجد فيها القناة الوحيدة للتكسب، والحصول على المال ، ولم يبتعد أغلب الشعراء عن فن المديح فقد
تناوله الشعراء العرب بكثرة، لطبيعة الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة .
فهناك حاكم محبوب يمدحه الناس ، وفي طليعتهم الشعراء. لما يتمتع به من الخصال الحميدة ، وما يقوم به من جلائل الأعمال ، ومنذ وُجد الخليفة في نظام الحكم ، وكان قبلا شيخ القبيلة ، اعتاد الشعراء أن يتنافسوا، فيما بينهم لمدحه بشعرهم. وكان غرض المديح من طليعة الأغراض الشعرية ، التي أقبلت عليها الجماهير العربية المتذوقة لهذا الفن . فهل يمكن أن يكون الدافع لشعر المديح رغبة مخفية أو معلنة في التكسب ، أو إن الشاعر كاذب يخفي تزلفه ونفاقه . هذا التعميم بعيد عن الحقيقة الناصعة ، فكثيراً ما امتزج شعر المديح بشعر الفخر والحماسة، قديماً، أو بالشعر الوطني حديثاً. وكثيراً ما وجد الناس، ان حكامهم يمثلون قيماً وفضائل وخلقا نبيلا ، وجد فيها الشعراء الخصال التي تجمع عليها الأمة ، وكان الشعراء طليعتها المثقفة ، فتغنوا بها. وهذا ما نلحظه واضحا في الشعر الجاهلي، حيث كان شيخ القبيلة يمثل الصفات المحمودة التي سعى إليها العربي ، وخلدها في شعره ، وحين اتسعت الدولة ،لم تكن جميع قصائد شاعر كبير ،عرف بفن المديح مثل المتنبي ، كاذبة مرائية، فما وصلنا من مدائح رائعة قالها أبو الطيب، في شخصية كانت موضع إعجابه الكبير ، تبين لنا إن المديح الصادق ، ينطلق من نفس تؤمن بأحقية الممدوح بهذا الفن ، الذي اختلفت حوله وجهات النظر كثيرا ، وتباينت دوافع الشعراء ، فلا يمكن ان نعد كل المدائح التي عرفها الشعر العربي رياء ، فهذا الإدعاء تجن واضح على الحقيقة ، والنفوس البشرية لا يمكن تقنينها ، وما يصح لدى شاعر معين ، قد يخطئ حين ندرس الأغراض، التي تطرق إليها شاعر آخر ، ورغم ان المتنبي قد مدح أشخاصا كثيرين ، بعضهم كان لا يستحق المديح ، لان الشاعر سرعان ما انقلب على الممدوح ،سالبا منه ما سبق وان قدمه من ثناء ، لهذا يمكن ان نبريء المتنبي في مديح سيف الدولة الحمداني من تهمة التزلف والرياء ، ونحن مطمئنون ، فقد كان أبو الطيب معجبا كامل الإعجاب،بتلك الشخصية الرائعة التي مثلها سيف الدولة ،بما تحمله من صفات المروءة والبطولة والجهاد ضد الأعداء والمغيرين ، ومن الظلم أن يجد بعض النقاد ومؤرخي الأدب ، إن مدائح المتنبي لسيف الدولة كان دافعها الارتزاق ، فالمال قد يكون أحد العناصر في استمرار تلك العلاقة الحميمية بين الشاعر والأمير ، إلا انه لم يكن الدافع الوحيد ، وكان المتنبي مهموما بقضايا أمته ، ووجد في سيف الدولة المؤهل لتنفيذ الطموحات المشروعة في تحقيقها ..
، وكان المديح ذلك الوقت يأتي على اتجاهين مختلفين : الاتجاه الأول حين يكون المديح صادقا ، ينطلق من رأي حقيقي بالخليفة، يجده الشاعر يتمتع حقا بصفات جميلة، تستحق الثناء ، فيكون المديح واقعيا معتدلا، بعيدا عن المبالغة والغلو ، يشعر القارئ بحرارته وصدقه ، والاتجاه الثاني حين يكون المديح كاذبا ، ويلجأ إليه الشاعر لأنه يجد الخليفة فقيرا من صفات تستحق المديح ، فيتظاهر بالإعجاب بخصال لم تكن موجودة ، ويبالغ في إسباغ الصفات الحسان ، ويظهر الغلو واضحا ،والفتور في العاطفة مما يلمسه القارئ ، رغم محاولة الشاعر في الإيغال بخلع صفات الجمال على ممدوحه ، رغبة في عطائه ، فان خاب رجاؤه ،انقلب عليه هاجيا مشنّعا ، وقصة أبي الطيب المتنبي مع كافور الإخشيدي، ليست بعيدة عن الأذهان في هذا المجال ، وقصيدته اليائية خير مثال.
والمديح حين يكون صادقا ، ويتميز بصدق العاطفة ، يلمس القارئ المتابع هذا الصدق ، ويكون سببا في الإعجاب به ، لان صدقه ذاك من عوامل إتقان الناحية الفنية المطلوبة ،في الأجناس الأدبية والشعر من بينها ، أما إن كان المديح منطلقا من رغبة مخبوءة لعطايا الممدوح وكرمه ، فان الكذب والنفاق والمداهنة تأتي واضحة في الأبيات ، فتقلل من جمالها ، هل استطاع شاعر كبير مثل أبي تمام أن يخفي رغبته الحقيقية من أبيات قالها في فن المديح ؟ فلم تنطلي على المتابع ، ووجد المتذوقون للشعر ان الغرض الأساس واضح ، يكاد يأتي إلى الناس ويقول خذوني:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ///// ويكدي الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ///// هلكن إذن من جهلهن البهائم

فظاهر معنى البيتين يقول إنهما في غرض المديح ، ولكنه مدح معناه الهجاء ، فأبو تمام فقير من المال ، لكنه غني في العقل والفهم والذكاء ، وهذا ما يلمح الى حقيقة رغم عدم قولها صراحة إن الممدوح يملك المال لكنه خلو من الذكاء والعقل ، فالأرزاق تأتي الفتي وهو جاهل ، ويظل العالم يكدح ويعاني، ولكن الفقر يلازمه ، ولو كانت الأرزاق تأتي حسب درجة الفهم ، لما وجد الأغبياء ما يقتاتون منه ، ولأصابهم الهلاك ، إنها رغبة في الإستجداء من الوزير لا تخفى على اللبيب
وفي عصرنا الحديث ،نجد الكثير من الشعراء يمدحون الحكام ، وقد يكونون صادقين في مديحهم ، لأنهم يجدونهم يستحقون القصائد المادحة ، لما يتمتعون به من خصال تدعو إلى المديح ، وهذا قليل، وفي أحايين كثيرة يكذب الشاعر ، وينظم قصيدة في مدح حاكم معين ، وحين ينال نواله ،أو يخفق في الوصول الى حلمه الجميل ذاك ، يذهب إلى حاكم آخر، ويقرا له القصيدة نفسها ، وبعض أشباه الشعراء ممن لا يتمتع بموهبة شعرية حقيقية ، ينظم قصيدة واحدة ، يمدح فيها رؤساء دول عديدين ، رغم ما بين أؤلئك الحكام، من خصومات لا تخفى على المتابعين ، والأجدر باللبيب الابتعاد عنها ، لان رئيس الدولة لو كان يتصف بحب الاطلاع، لعرف ان القصيدة ليست له ، ولكان شعبه أجدر بالعطاء ، رغم ان عصرنا، بما توفرت فيه من وسائل الإعلام ، أصبحت كل قصائد المديح ،مشهورة بين الجماهير وحكامها ، ورغم هذا يتجرأ بعضهم على الادعاء..
ولقد بالغ بعض الأشباه في الغلو في ظاهرة المديح ، فلم يقتصر على شخصية الممدوح ، إنما امتد مديحهم إلى أخيه وأبيه وأمه وزوجته وأولاده وقد تنال بناته نصيبهن من آيات المديح ، ولم يقتصر على المديح فقط لغرض التكسب ، إنما نظموا الهجاء، من اجل خاطر احدهم، لا يبخل في عطاء يرومون الوصول إليه ، ونظمت قصائد الرثاء أيضا، إرضاء لأقارب المتوفى وكسب ودهم..
البعض الآخر من الشعراء، يهدي ديوانا كاملا لشخصية عامة ، تتمتع بالنفوذ رغبة في عطائها، أو خوفا من عقابها ، خاصة إن كانت، من ذوي السمعة في بشاعة التنكيل ..
هذه الظاهرة لا نجد مثيلها في الأمم الأخرى ، الشعراء هناك لا تضطرهم الفاقة ، المادية أو الروحية ،الى مدح إنسان لا يستحق المديح، ولا يتصف بما يدعو الى الإعجاب ، إنما الموهبة فقط ،والقدرة على الصمود أمام المحبطات، ما يجعل المبدع غنيا، أو فقيرا يرزح تحت أعباء كثيرة ، كما إن ذكاء القارئ وثقافته، تمنع أي أديب من الكذب على نفسه،قبل أن يحاول إيهام ممد وحيه ، فاحترام النفس والمحافظة على الموهبة كفيلان بإبعاد المبدعين عن الادعاءات الكاذبة..
الشعراء الحقيقيون لا يضطرون الى المديح الكاذب، حتى لو عانوا من شظف العيش ومن الحرمان الطويل ، فمن هم المسئولون عن هذا الوضع المتردي ؟ ولماذا نجد الشعراء وحدهم، من ينظمون القصائد في غرض المديح؟ ، ، ورغم إن الإعجاب بالآخر من مميزات الإنسان ، وخاصة ذوي الشعور المرهف ، الذي يتميز به المبدعون أدبا وفنا ، وإضفاء صفات الجمال، على أفراد جنس الشاعر يعتبر مديحا ، وإغداق تلك الصفات، على أفراد الجنس الآخر، نطلق عليه فن الغزل ، فان الإفراط في إظهار الإعجاب قد ينقلب ضده ، إن تجاوز المعقول..
ولماذا نجد الشاعر عندنا، يظهر كالتاجر، يعرض بضاعته أمام المشتري ، رغم إن المشترين عادة يتباينون ، فليس قراء القصيدة المعينة جميعهم، يصلون الى رأي واحد حين يقومون بتقييمها ، الاختلاف في الأذواق والأفكار، من الأمور الواضحة ، أليس الشاعر حين يعرض بضاعته، أمام الجمهور، يجهد كي تأتي بما يريده ذلك الجمهور ، وبذلك يهبط إلى مستواهم ، الم يتساءل الشاعر المشهور أبو تمام، حين اتهموه انه يكتب الغريب ؟ وليس باستطاعة الجمهور ان يفهموه؟
يجب ان تحظى آدابنا وفنوننا بمستواها اللائق بها ، وان ينال المبدعون في كل صنوف الإبداع، ما يستحقونه من رعاية واهتمام ، لئلا يضطر احدهم إلى مديح من لا يستحق ، لان الفقر ظالم قد يدفع الناس الى ارتكاب مالا يرغبون به ،والأدب العربي لم ينل ما يستحق من رعاية واهتمام ، فنجد الكتاب الأوربي والأمريكي يطبع عشرات المرات ، ويكرم كاتبه ويقدر ، وتمنح له الجوائز المختلفة ، بينما الكاتب العربي يسهر ويتعب ويقضي العمر محروما بائسا ، مجهولا ، لم يعرف به أحد ولم يقرؤه الكثيرون ، وكانت تلك القراءات من أعذب الأمنيات



صبيحة شبر







اخر الافلام

.. الممثلة الأميركية -كيلي جينر- تتقاضى مليون دولار عن المنشور


.. الحكم بالسجن على الممثل الأمريكي بيل كوسبي بعد إدانته بالاعت


.. جيتاناي: فرقة أردنية تجمع موسيقى التراث والحداثة




.. «قبلة الفيشاوي لزوجته» ومواقف الفنانين الطريفة تخطف الأنظار


.. رانيا يوسف تتألق بفستانها الأحمر.. وخالد الصاوي ينتزع ضحكات