الحوار المتمدن - موبايل



نقد العقل الديني -2-

إبراهيم الوراق

2018 / 2 / 25
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نقد العقل الديني
-2-
يتبع
وإذا كان رجال الدين بما يتمتعون به من أرثوذكسية مغالية في تصورها، ومجافية لواقعها، قد سعوا في القديم إلى فرض هذا الأنموذج الذي توهموا صحة حجته على سلامة طريق سلوك النوع البشري، وكمال دلالة سيره التصاعدي نحو عالم مثله الفوقية، انتظارا لما سيمهده من وسائل السلطة الفذة، وأدواتها المعنوية، والروحية، أو إلى رفض ما فيه من نواميس الحركة، وقيم الحرية، انتصارا لإيديولوجية سياسية تتبنى علمانية مقنعة؛ شكلها الخارجي عقدي، وعمقها الباطني برجماتي، فإن موجهات ذلك على مستوى الفكر الذي تحكمه نظرية جوانية متعالية، تقوم على مبدأ الخيرية التي تستلزم أنماطا عقدية محددة بانفعالات نفسية في نمطها الداخلي، ومتشابكة بتفاعلات اجتماعية في طقسها الخارجي، إذ هي في عمقها الذي يضمر ما يؤسس لإراداتها، ويقوي اختيارها، لا ترتجي إلا غاية مقيدة بوجود مشابه لها في ظاهرها المتمكن بما تتكتل حوله من مظاهر القوة، ووسائل ادخارها، وأساليب تصريفها، وأدوات تدبيرها، لأن مفهوم الخيرية المطلقة، وما يستلزمه من تفوق، وما يستدعيه من تميز، على اعتباره إنتاج سياق تاريخي، له ضرورته الأنطولوجية، وأبعاده الثقافية، وأنماطه السلوكية، يوحي بوجود طرف آخر، هو منازع للذات المحصورة في حيز قناعاتها الدالة على ما تعتقد من يقين مطلقاتها، أو معاند للاختيار الذي يضمن حدود الدائرة المسورة بسور الرغبات المكبوتة في الضمير الجمعي، وما يحيط بها من مهاد مهيأة للانتشار، والاستمرار، وقابلة للاتساع، والامتداد.
وهكذا، يمكن أن يوصف ذلك الآخر بالشرية على جهة التضاد، أو التقابل، أو أن يوصف بالفساد حماية لمركزية الكيان المتضخم بعقدة الصلاح، لأنه الطرف الثاني الذي لا يتم اعتقاد كمال هالة الذات المحتدة بأنانية الاستعلاء إلا بوجوده، وبروزه في مظهر العدو المتربص بالماهية، والهوية، إذ لا معدى عن اعتقاد ذلك في صياغة لغة تفرض مثلا مثلى، وعناوين كبرى، لاستحقاق صفة العلو في الأرض، والرقي في عنان السماء، إلا إذا قلنا بوجود وسط ضروري بين رسوم الأخيار، والأشرار، وهم طبقة الغفل الذين تنطلي عليهم خدعة الأوصاف المفرقة بين مرتبين متناقضتين، لكل واحدة منهما شكلها في الذهن، ومظهرها الذي يفصلها عن غيرها في الواقع المجسد لقيم العقل، ومنطقه في رص الحدود، والرسوم، لأن افتراض هذا الوسط القائم بين تيارين متنابذين؛ إما أن يكون أحدهما أدنى، والآخر أعلى، أو أنهما في منزلة واحدة، ولا اختلاف بينهما إلا في دلالة سيرة كل واحد منهما على ما يقتضيه دافع الانتماء من لزوم، والتزام، لم يجر إلى القول به، إلا ما تعامل به العقل الديني من إقصاء، وما تعالى به مع المخالف من إلغاء، لاسيما بعد خفوت وظيفة العالم الموسوعي، وظهور دور التخصص الذي لا يستوعب مداخل العلم، وعلاقات العلوم مع بعضها، وتداخلها في مركب المعرفة, وبروز التوجهات الدغمائية، والتيارات الباطنية؛ وهي في حقيقة خلاصتها المعرفية، وفي حدود تفاعلها مع السياقات المتعالية بإيديولوجيتها العقدية، والمذهبية، تعتبر محورا ثابتا لتوجه معين في التفسير، والتأويل، قد استحال مع القهر الذي فجرته المؤسسة الفقهية في نمط سلوكها مع الخارج عن سياقها المنفعل بمخاوف الزوال، والنهاية، إلى رفضٍ لما هو جار من روابط مادية بين الصلات الاجتماعية التي تبني أس الأخوة الدينية، وثورةٍ على مفاهيم الجمود التي حبست الدين في خاصية التعبير عن النزاع حول الأحقية، والأهلية، وحصر جهده في ترسيخ مبدأ السلطة الروحية والمادية باسم توحيد الألوهية، والربوبية، لكنها قد آلت مع اشتداد الخناق على صوت أحرار الفكر إلى مساحة ضيقة، وكهوف مظلمة، وسراديب مغلقة، بعد أن حاصرها العقل الفقهي بما زرعه في طريقها من اتهام بالانحراف عن طريقة السلف، ومنهجهم في إثبات القناعات الذاتية، والشخصية، أو باستيراد نماذج خارجية عن المسار الموحد بالعقيدة، والشريعة، وصارت بين خيارين متعاندين:
- إما الإبقاء على ما تعتقده من كثرة تدل على فيض نابع من مورد الوحدة، وتكتفي بما تفجر في محيطها من رمزية، وإشارية، تعبر بتوريتها واستعاراتها عن دلك الملكوت الذي يحتوي الأسماء بما تتجلى بها في عالم الشهود.
- وإما التخلص من موروثها المتمزج بعناصر خارجية، تعبر عن وحدة التجربة في المجالات الروحية، والمدارات الإنسانية، وملكاتها التي لا تتحدد بنمط معين، أو بسياق محدد، لكي تساير ما جرت به الفتوى من خوف على المدار، وتوجس من الغير، واستطاع مع طول التجربة التي امتزج فيها الفقة بعنصر السلطة، أن يصنع له مجتمعا تتحكم فيه أعراف وعادات وتقاليد متواطئة على ثقافة معينة، تستوحي دلالتها من المصادر التي تفرعت في كل مذهب إلى مجموعة من العناصر المتناقضة، وربما المتحاربة فيما بينها، وهي التي تشكل الإطار المعجمي الذي تستنبط به الأحكام التداولية، وتبنى به مخرجات القيم، والأخلاق في السلوك المعتبر. وهذا التفريع الذي نتج عن الأصول بسبب التحارب على المواقع المتقدمة في الاستظهار، وإن كانت فيه سعة، ومرونة، وتعددت به المدارس شرقا، وغربا، فإنه يفتقر إلى موضوعية في بعض مناحيه، لأنه تسويغ لما هو قائم في حالها من أنظمة دينية، وسياسية، وتطويع للعقل على مجارات ما فيه من التباس المقاصد، والموارد، وتقديس لما يتفتق فيه من اجتهادات تؤسس لبقاء السياق المضمر لعقيدة الصراع، والمحدد بعقدة العدو المخالف، والمجانف، ونظرية "المؤامرة الخارجية"، لاسيما بعد أن اتحدت المؤسسة الفقهية مع تجلياتها في مظهر التدبير، وغدا التآلف بينهما موجها لتلك العلاقة التي تكسب كل واحدة منهما مدارها، وحيزها في تحقيق المصلحة العامة، والخاصة، أو بعد أن ساد نوع من الاضطراب ما يربطهما من مشتركات أدت في بعض الأحيان إلى الثورة، أو إلى الفتنة، أو إلى أزمة سفك في حل معضلاتها دماء كثيرة، ما زال سواد نظرها مستحوذا على عقلية صناع الحرب في عالمنا الإنساني.
ومن هنا، تحول العقل الديني إلى مدافع عن ذاته، ومنافح عن دائرته، لأنه بمقدار ما يناصر قضايا العقيدة، والشريعة، فإنه يتوقى ما تفجر في المجتمعات البشرية من مظاهر منافية لرسم الفقه الذي حدد إطارا لتجسد مظاهر التعبير عنه شكلا، ومضمونا، ومجانفة لوشي الأعراف التي صنعها المجتمع في ضرورة تعامله مع المقدس، وصيرورة إجابته عن الأسئلة الجوهرية التي تربطه بعالم الحقيقة الكبرى. وهو إلى جانب هذا، ينتج ثقافة ضرورية في تسييج الكيان، وتنميطه وفق مقررات معينة، تضمن حق الانتماء، والتميز، والتمدد، لأن ذلك، وإن ضمن حماية الحوزة بنوع من التدين المحدد بشكلانية دقيقة، فإنه إلى جانب ما افترضه من نظم صلدة في التدبير لحتمية الخلاف مع الآخر، قد حرف مسار العقل الإنساني بجهله لدرك حقيقة التحولات المعرفية التي يقتضيها الزمان، والمكان؛ وهي جملة ما يعانيه المجتمع من فوضى الاختيار، والخيار، لاسيما مع بروز أنماط فكرية جديدة، وسلوكيات متسمة بالانفتاح على الآخر، والتفاعل معه في حدود تحقيق معنى التسامح الإنساني، إذ تنميطه وفق محددات خاصة في الذات المتوسطة إلى العقول الباحثة عن الحقيقة بالتأويل لرسالة السماء، وبكل ما يحتمله النظير من عنادية، لم يصنع إلا انفصاما في الصورة الدالة على المقصود بالعقيدة، وتناقضا في الطريقة التي تبرز بها حقائقها بين مكونات الطبيعة، لأنه حين ضيق دائرة الفكر في جهة الذات المقيدة بأنانية الإيديولوجية الضامنة لحظ من حظوظ الحياة المرغوبة، فإنه قد وسعه في جهة أخرى، لكي يستولي بما يرسمه من خطوط على مسير الإنسان، ومصيره المشترك مع غيره من الأمم، والشعوب، وسواء ما تولد عنه من مظاهر الرفاه الذي سوغه الفقهاء للطبقة المالكة للأرض، ولخيراتها، أو ما تفجر من خارجه الملازم لماهيته المحددة، وهو صوت الإنسان الذي اختار أن يكون حرا في عقيدته، ولكنه يجابه الصعاب من أجل نيل ضروري حريته، والكروع من نبع كرامته، وإن استلزم ذلك الخروج عن السياق الذي تحول إلى مطلق متعال في صياغته، يَعتبر الحيدة عنه مروقا عن الدين، وانحرافا في العقيدة.
ولذا، كان مرام الانتفاضات مستوحيا لقوته من ظلال ما يقع في المجتمعات من تفاوت طبقي، وتمايز رتبي، وهو الذي منح لرجال الدين والسياسة مصير الإنسان، ووهب الآخرين برهان الاحتجاج على ما انخرم من مدلولات العقد الرابط بين الفوق والتحت في تشكيلة الكيان، والهوية، على اعتباره نفورا مما هو نظام متواطأ على أصله، ثم استحال قيدا يشل حركة الكائن العاقل، ويعطل دوره في الاستخلاف، ووظيفته في الائتلاف. ولذا، لم يطق العقل الديني أن يصنع تلك الوحدة التي فقدها حين اتحد الديني بالسياسي، وصارا بحكم الانسجام على مصلحة مشتركة معارضين لنبض المجتمع، وإحساسه بضرورة وجود مهاد للحياة السعيدة على الطبيعة، ورغبته في التخلص من أزماته النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، لاسيما مع ظهور قرن الحروب الشعواء، وانتهاء الإنسان المتعدد المعارف، والمتنوع المكاسب، لكي يستولي على موارد الثقافة ذلك الوحش الإمبريالي الذي يفترض بداية التاريخ به، ونهايته بظهوره، إذ في حقيقة عقله الموجه لضرورات وجوده، لم يكن في صياغته لذلك الإنسان المستمع بشهواته إلا صانعا لآلة مفرعة من محتواها، ومنعدمة من جدواها، فلا عاطفة تربطه بغيره، ولا مشاعر تصله بكوكبه، بل قصارى جهده في طي مساحات مفاصلته للحلم البشري المكنون بين أعماق الذات الحرة، أن يمنح ذلك الألق المتدفق من قاعه المسكون بوجع الاستعلاء عند الافتقار إلى نتيجته، ولو لم يكن دالا على حقيقته التي تضمر الخوف من عودة التاريخ، وضروراته في السقوط، والصعود؛ وهو كل ما تمدح به الأنظمة الإمبريالية من تحقيق لمفاهيم حقوق الإنسان، وهي في بقاء نهضتها العلمية محتاجة إلى سبب تفقيرنا، وعلة تجويعنا، لكي نستهلك زفير إيديولوجيتها المتعصبة، وهوس ثقافتها المتذمرة، ونستورد فراغ صناعتها المتوحشة، وضياغ تقنيتها المتغولة، إذ لولا ذلك البريق اللامع بخداع، والساطع بحيلة، وخطفٍ للأبصار، وتخييل لشيء متوهم، يستحيل مع التكرار حقيقة خارقة، لما رأينا إلا أجسادا متحركة بلا روح الإنسان، كلا، بل نشهد ذوات يتحكم فيها عقل الأرقام التي تتبارى بين مسارح فارغة من المعنى، وملتبسة بشخوص تنزو بلا طوبى.
ومن هنا، فإن إضمار ذلك الوسط الأرسطي، كحد بين مفهومين متناقضين، وهما في تطرفهما يوحيان بوجود صراع لم ينته وإلى اليوم، ومنذ أن بحث الإنسان عن معنى الحياة السعيدة، ولم يستطع أن يصل إليها في خضم النزاعات الدينية، والخلافات الإيديولوجية، لم يكن إلا ضرورة ألزمتنا بها تجليات الأحداث المتعاركة في واقعنا الملتبس بلباس الملائكية، وهو في جشع باطنه أشرس شيء تقوم به حقيقة القوة بين عراك مجتمع الغاب، وأبشع وجه يعبر الطمع به عن وجهه الخفي وراء أسمال علله المخزونة في إدراكه المحدد لمعاني الفضيلة. لكن، لو عدنا إلى حقيقة هذا الوصف الذي التبس به الدفاع عن الدين، أو عن القيم الكبرى للمجتمع الإنساني المتنوع الألوان، وأزلنا ما علق به من غموض، وحاولنا أن نضعه في إطاره التاريخي، وأن لا نفصله عن حاضنته في الزمان، والمكان، فإننا سنرى مبدأ الخيرية الذي غردت به صقور البراءة منذ الزمن الأول لنشوء الإقطاع، يفترض جدليا على مستوى الصياغة الفكرية أن يقوم على ادعاء الحقيقة التي تستدعي وجود طبقة فوقية، هي المؤهلة بفعل السماء القائم بالرعاية، لأن تكون قائمة بالطبيعة الإلهية في الكون البشري، وطبقة تحتية، هي المفروض عليها أن تكون قطيعا يقاد بلا إرادة في التقدير لاختياره، ويساق بعنف إلى مسلخ حريته بلا خيار يرتضيه في التدبير. ولا غرابة إذا كانت بداية نشأة المجتمع حقيرة في المقولات الفلسفية، لأنها ولو أفضت في حركيتها إلى نشأة المجتمعات الحديثة، فإن ما كان أساسا له (صناعة التشكل الحاشد) في شروط الوجود، هو الذي فُرض به القهر على الإنسان، لاسيما بعد أن صار ضروريا في قيام الطبقات المتعاضدة لبناء المهد الجماعي، لكي يستولي النبلاء على غيرهم، ويكون ما دونهم في المستوى الأدنى للاعتبار. وقد كان هذا الفرد في مشاعية الأرض، وما رافقها من أنموذج العلاقة مع الطبيعة، والكون، ونظام تشكل العهود، والعقود، يحس بحرية التنقل بين الأماكن الملآنة بالتفاؤل، والمترعة بالأمل، طلبا للحياة التي يرتجيها من كده، ويبتغيها من سعيه، لكنه حين تتأسس النظام بالعقل الجمعي، وغيب الفرد عن صيرورة الاختيار، وغدا في نهاية التجسد ناطقا بصوت القوة المكتسبة للفرد النائب عن الإله، لم يكن إلا مطاوعا لما يجري به رأي السادة، ولو اقتضى النزول عن بشريته، وإغراقه في طقوس العبودية التي كانت بداية لنشأة الهياكل الحية، والأجساد الميتة، ثم انتقل بعد ردح من الزمن إلى مفهوم التوحيد الذي تفاضلت به الديانات فيما بينها، أو فيما بينها وبين غيرها؛ وهو عمليا إجراء طبعي لمخاض ارتباط الإنسان بمفهوم العبودية، واستلاب حقه في تأسيس تجربته الخاصة به، إذ حين قامت الثورة على الإقطاع، ورفض ما يقوم عليه من تميز في الطبقة والمرتبة الاجتماعية، كان الهدف منها هو تحرير الإنسان من قيود الاستغلال، وتمتيعه بحدوده في الممارسة الفاعلة، والموجبة، لكي يعود إلى طبيعته الأولى التي كان فيها مسكونا بالاستقلال، ويؤوب إلى أمدائه المفتوحة على عوالمه، وكواكبه.
لكن تطور فكرة البحث عن الحرية، قد أدت بحكم التطور إلى ظهور الأديان، ونشأة النظر إلى عللها التي تفسر محيط التجربة في الباطن، والخبرة في الظاهر، على اعتبارها ثورة اجتماعية ضد الظلم، وانتفاضة في وجه الطغيان. ولا عجب إذا كان الأنبياء الذين ذكروا في العهد القديم، أو الجديد، أو في رسالة القرآن الكريم، قد حاربوا في أقوامهم من يجسد مظهر الإله المطلق التصريف، وجابهوا الوسطاء الجاثمين على مدرجة الرقي الرابط للأرض بقدس السماء، وسواء كانوا أربابا، وآلهة، أو أحبارا، ورهبانا، لأن ذلك في نهايته يؤدي إلى تحرير الرقاب من قبضة الإنسان المتسلط على غيره بالمطلق المقدس، وإطلاق عنان رغبته في رحموت الطهر، وملكوت الصفاء، لكي تكون السلطة النهائية للإله الجميل في فعله، واللطيف في حكمه، ثم تستمد منه بعد صرف الأنظار عن غيره قوةُ التميز فوق بساط البسيطة بفاعلية التقوى، على اعتبار استلهامها من عالم الإله أولى من كسب نتاج سموها بما يرد على المسار من رسوخ ضمير القهر، والغلبة، لما لذلك من إيجابية في العقل المستكنه لنجم ظهوره من الفوق، لأنه في اختزان ذاته لذلك البعد القابل لتفويض كثير من حقائقه إلى سر القوى الخفية، لا يبتعد عن معنى الألوهية المصاحبة له بالرعاية، والعناية، إذ ذلك كما قد يكون تعبيرا عن العجز، فإنه يصير دليلا على تمام العلم بالشيء غير المتناهي في دلالته، إذ عدم إدراكه في كنه ذاته، يفضي إلى معرفته بما يصدر عنه من أفعال حكيمة؛ هي كل ما يموج في الكون من صيرورة الماهويات المتعددة، لأن فقه قيام ما يتجلى عنه من مسير ومصير بذاته، هو المقصود بما يرغب منه من علم به سبحانه، إذ ذلك هو المبرئ للذمة، والمؤدي إلى فتح أبواب المعرفة الخالدة.
وإذا كان التفويض ضرورة لازمة فيما يعجز الإنسان عن دركه من عالم الفوق، فإن أجلى مظهر للتفاعل معه، ولو بدا سلبا، لأنه إيجاب في غير المقدور على تحصيل حقيقته الذاتية، هو التزام سبيل الإيمان، والعمل الصالح، لأن الأول تقوم فيه الصلة بعالم الألوهية، والثاني يربط بين الإنسان ومجاله البشري، ومحيطه الطبعي، وكلاهما يمثلان مظهري الروح والمادة في الكيان المتصل بعوالمه الفوقية، والتحتية. لكن ما طرأ على مسيرة الإنسان التاريخية، وبعد أن تحرر من الوسطاء الذين أرغموه على كسبٍ مخالف لطباعه الحرة، وأعاد صياغة مفاهيمه المكونة ليقينه في عالم الإله الحق، هو الذي حرف علامات الطريق، ومرامات السلوك، ووسائل السير، ومنارات القصد، فانتحى منحى آخر، كشف عن حقيقة ما يستجنه في عمقه من ابتغاء طرق الالتواء للسيطرة على الآخر، والاستحواذ على عقله الفاعل في الأشياء بمعرفة ما تخزنه من روح العقل الكلي، ما دامت معاني أجسامها غامضة بين عينيه، لا تستجيب لجبر إدراكه، ولا لقهر كبده في الحصول عليها، إذ العجز لا يكون وسيلة لتمام العلم بجوهر الشيء المعلوم بأعراضه الخارجية، إلا إذا صاحبه التسليم، ورافقه التفويض؛ وهو كل ما لا يجوز أن يوضع في ميزان المادة المتحركة، ولا أن يقاس بمقياس الموجود بعينه، ولا أن يعلم بمعيار العلم بأحواله، إذ تفويض ذلك، هو قصارى ما يمكن أن يصل إليه كل باحث ينقب عن الحقيقة، ومهما كان قريبا من معين الأزل بخشوعه، أو متنائيا عنه بخضوعه، إذ في مداره يحصل التساوي بين الكل، ولا أفضلية فيه لأحد على أحد، وسواء من خشع لما شاهد، فلم يستجل منه إلا عظمة الصانع، أو من خضع لما رأى، فلم يستظهر منه إلا قوة المصنوع، لأن الجهل قائم بخفائه الذي لا تدركه حدة الأبصار، لا بغموضه الذي تبلغه شدة البصائر، إذ حل لغز غموضه، لا ينفي عنه حقيقة خفائه عن الأعين العاشقة لرؤية جماله، وهي آيسة من ذلك حالا، ومآلا، لأنه النور الذي لا يطيقه ما سكن العدسات من ضياء البصر. وهنا، التبس المقام بين من فوض للخفاء، لأنه لا يشهد غموضا فيما قدر، ودبر، بل هو الدليل على كماله، وجماله، وهم العرفاء في زمان، ومكان، وبين من زيف الكلام، وحرف المقام، فلم يفرق بين مراتب القول، فزعم أن في مخزون طاقته ما يقوى به على تفسير الخفي من جلاء الإله، وادعى أنه بتيهان غروره هو الأوفر حظا في الخلافة عنه في الخليقة، والنيابة عنه في الطبيعة.
ومن هنا، فإن مفهوم الخيرية، وهو مفهوم استعلائي، لكونه يتضمن قضية امتلاك الحقيقة التي هي مقام الجهل في محل العجز عن المعرفة بذاتها؛ وهي ذلك الشيء المعذب للإنسان في هذا الكون المتناغم النظام، والألم الذي يعصره في حياته المتعاندة الموارد ، لأنه بمقدار ما يعود بها إلى القوى الخفية الملتبسة بين جلاء الألوهية، وغموض الإبليسية، فإنه يراها في كثير من أدواره لا تستجيب لطاقته، ولا تستقيم لقدرته، فيحتار في صلته بأرواح الأشياء المتقابلة في طريقه إلى نهاية سبيله، فلا يدري، هل هي متمنعة عنه لاختلال في طريقة دركه لقوانينها المحركة لقدرتها المادية، ولنواميسها الموجهة لطاقتها الروحية.؟ أم ذلك ناتج عن عقاب سماوي، وابتلاء بشري.؟ أم إن عالم الأرض تحكمه طاقة أخرى غير التي عودتنا التنشئة الاجتماعية على اعتبارها مطلقة، وسيدة، وسائدة.؟ أم هناك سر آخر، لم يكشف لنا، وما برز منه، فإنما يعلمنا أن الأشياء لا تعطى إلا للأقوياء.؟ كل هذه الأسئلة، وما يحوم في دائرتها، ولو اختلفت مراتبها لتعدد محددات الإيمان بعالم الغيب، ومخرجات الفعل السوي في عالم الشهادة، توضح تنوع مدار الإدراك البشري، واختلاف عوارضه المستوجبة لتصورات متناقضة، لأنها، ولو استساغت أن تنزل عن ضرورة تجربتها التي تمنحها كتابَ السماء، ووسيلة الخلاص في عالم الأرض، وأن تضع قياد حركتها الفاعلة في يد الوسطاء، والوجهاء، لم تكتسب تلك اللحظة التي تفصل فيها بين ما هو مطلوب دركه بجوهره، وهو الهيولي، وما هو مرغوب بعينه، وهو الصورة، لأن استعمال مدركات المادة في تحديد ما هو غير مرئي، والقياس عليه، قد أدى إلى التجسيم، والتعطيل، وهما وإن كانا مظهرين متنافرين من حيث النتيجة، فإنهما يعبران عن السياق الذي وصل إليه العقل في تحديد حقيقة الألوهية، وبهما تشكل النزاع في دائرة العقيدة الدينية، ونزفت دماء على مساحات عريضة من تراب الربوبية، إذ كون كل واحد منهما يجسد رأيا، وكيانا خاصا، ويؤكد وجود أحلام جاهزة، كانت محلا للقبول، أو الرفض، وهي التي خططت للمسلك العقدي، وفرضته بوازع السلطة، ودعمته بالامتيازات التي صاغت لغة شراء الذمم، والأعراض، وصار مع تعاقب النزاع حولها محددا لمفهوم الولاء، والبراء، وموجها للسلوك العام في التفاعل مع الآخر، والانسجام معه حول مائدة المصلحة المشتركة، وسواء كان ذلك تسامحا، أو كان تعاندا.
ولذا، يصير عدم التفريق بين الممكن وغير الممكن سببا في حروب هوجاء، دمرت الإنسان، وفرقته إلى فرق متناقضة، ونحل متنابذة، وأمم متقاتلة، وقد كان من ذي قبل، يتعلم من الطبيعة كيف يبني صلته بما هو متحيز الذات، وما هو غير متحيز بها، فاكتفى برسم الصورة بما يقتضيه كبده في استطلاع سر عالم السماء، والاستماع إلى خبرها الدال عليها، إذ بمقدار ما يدرك الإنسان علاقات الأشياء، وروابطها في محيطه النفسي، ومداره الاجتماعي، فإنه يغدو عالما بحقيقتها الحادثة بأعراضها المركبة، وما لم يستوعب ذلك، فإنه لن يظفر بخيط الربط الذي يضيع بين المشاهد، وغير المشاهد. بل إذا لم يكتسب منها ما يدل عليها في العقل المدبر، والقدر المتصرف، والقضاء المتحكم، كانت جهلا ضارا بسيره إلى مراده الفاصل بين لحظتي حياته، ومماته، لأنه إما أن يعود بها إلى ذلك الجوهر الخفي، وهو كل ما نؤوب إليه حين يعز علينا تفسير روح الأشياء كما هي متشابكة فيما بين ذواتنا المقيدة، وذواتها المجردة، وإما أن يعود بها إلى عظمة ذلك العقل الكلي الذي أنتج الظواهر، وأخفى سرها بين مكنون ذواتها، ليكون حل لغزه لمن بقر بطن المعرفة بنظامه المطلق، وصار بلطف التجربة قيمنا بأن يكون يقينه المحرك للحقائق الجلية في خفاء كنه ماهيتها سيدا للطبيعة، وفارسها المفضل بين أمدائها الشاسعة، ومراحلها المتنوعة، لأن جهل الإنسان بالتفسير لما هو حادث، والتأويل لما هو حاصل، والتفاعل مع ما هو واقع، هو الذي يعود به إلى الصورة البريئة التي رسمت في العقل؛ وهي في طبيعتها بسيطة، وغير متناقضة، إذ هي من آثار السياقات التي تراكمت في المجتمعات الدينية، وتكونت فينا بعامل التربية الأسرية، والثقافة المجتمعية؛ وهي المعنى الذي يهدأ من روعنا، ويمنحنا التفسير الجاهز لكل ما هو عسر في الإدراك، وصعب في المراس. وذلك ما درجنا عليه في السابق، وما فتئنا نولول به في اللاحق، لأننا لا نملك رأيا سواه، فتكون لنا ملكة الامتزاج به، ولو اقتضى ذوبان ذواتنا، وفناءها في سبيله، بل هو الذي يربطنا بنسق عقدي، ونمط أخلاقي، يكون الخروج عنه حيدة عما حدده رجال الدين للعقل المتدين، وقيدوه به من تصورات متعالية عن التحقيق، والتدقيق.
وهكذا، يكون العقل في استبطانه للحقيقة التي تعرِّف الأشياء في ذهنه، وسواء ما هو بدهي، ومسلم به، أو ما احتاج إلى نظر، وجدل، يفسر كثيرا من الأنساق التي لا يتجلى على ظاهرها ما هو كامن فيها من غوامض، وعوارض، ربما لم تكن خفية إلا حين استطال عليها العقل، ولفها في سواد الغموض، لأن اصطدام الإنسان بحقائق الواقع المترع بمشكلات اختلال التوازن بين الذات، وصورتها الجامعة لرغباتها، وشهواتها، يفرض عليه أن ينظر إليها بنظر مثالي، أو بتفكير واقعي، إذ هو ملتبس بها في كيانه الروحي، وكنهه المادي، ولا يحق له أن يرفض ما توحي به من إيحاءات في الوجدان، ولا أن يعاند ما يفضي إليه وجودها الظاهر في الهوية، وإلا، عاش خارج الزمان، والمكان، وصار في كينونته روحا بلا جسد، أو جسدا بلا روح، وإذ ذاك، لا اعتبار له في الاختبار الذهني، لأنه مساق لغيره، ولا يملك في خويصته قرار المسير، ولا مفر المصير. وهو في الأصل المعتبر، لم يتحقق فيه الانفعال المواجه للماهويات، إلا لكون ما يجري من أحوال على واقعه، ينطبع لونها على نقاء مرآته، فيرسم له خطا لمكابدة ما تدعو إليه من ألم، أو انتشاء. ومن هنا، تكون ازدواجيته سببا في التقاط الصور التي تتباين في ذهنه، وتتعارض في مجاله إلى حد الصراع، والنزاع، فما هو مرئي منها لعينه، فمرتبط بسياق أقوى مما ارتسم عنده من صور المثل، والفضائل، وما ليس مشاهدا له، فمتصل بحدود يرى ما في مكنته غير مطيق لكشف حجابه، وخلع عذاره. فلا عجب إذا احتاج إلى قوة خارجة عنه، يمكن لها أن تعينه على تجاوز لحظته المربكة لتخطيط ذهنه، وتبين له طريق السير إلى غده المأمول في فعله. وما دام قد فقده مع طول الزمن فيما يشهده من تفاعل بعيد عن تأثيره، ومتجاف عن سربه، فإنه سيعود به إلى تلك الصورة الذهنية المؤسسة على نسق عقدي، وسياق أخلاقي، وهو الذي يمنحه القدرة على التواصل معها، والالتحام بها في حيزها، ولو في حدود سلبيته التي يرفض بها الحقائق الجلى، ويحكم عليها بالكفر، أو الفسوق، أو الفجور، لأنه بدون أن ينحاز إلى أحكام لا تكلفه عبء البحث عن حدود المعاني في الحقائق التي لا تظهر قيمتها إلا عند تباينها، وتعارضها، لن يستطيع السير في خضم أزمات تتجاوز المنطق البسيط في رص طرق الوقاية، والحماية، وتتعالى على صور العقل، وآليات الفهم، وتتجاوز حدود اللغة، وتراكبيها، وتعابيرها عن المقصود بدلالتها، إذ هي مرتبطة بسياق أقوى مما يجابها به الخطاب الديني المتولد من بؤرة الصراع الإيديولوجي، وأعظم مما يهرف به المهرطقون باسم العودة إلى الأصول، والرجوع إلى التراث، ولو لم يستوعب ما هو موجود في خانة المعلوم، لأن رسم صورة الدين في العقول الحائرة بين خطاب استعلائي، لا ينبض بحس الإنسان، وهاجسه في التغيير لما هو مخالف لواجب الوجود، وبين واقع مندفع إلى إغراقه في حمأة الصناعة، والحضارة، لن يكون بتلك التعميمات التي يتعالى بها الموجهون، ويغالي بها المرشدون، إذ ذلك لا يعدو أن يكون مجرد حلم طوباوي، أو خيال جامح بين ألوان الزهور الفواحة من قاع التاريخ، لأن فرض مثال هو الأفضل، أو هو الأشمل، أو هو الأتم، أو هو الأعم، ولو كان حقيقة بطرق الاستدلال عليه، لا يمكن أن يكون ذا أثر نافذ في صياغة المظهر الكامل للإنسان الحائر، ما لم يراهن على قيمته كذات عاقلة، وماهية واعية، تدل على عظمة الله عز وجل الجميل في أسمائه، وصفاته، الحكيم في أقواله، وأفعاله، إذ هو المعني بخطاب التكليف الذي ابتدأ به الأزل موجة الوجود المعتبر عقلا، ومادة، وهو الذي يقوم به الدور في التصنيف، وتتحدد به الوظيفة في التأليف، ويستقيم به الواقع في السيرة الحميدة، والقيمة التليدة، وما دمنا نراه محتاجا إلى تفسيرنا لما عسر إدراكه، بل نحن ضحايا لماديته، وأهوائه، فإننا ننتج مجتمعا مشحونا بالعواطف السليبة، والأنظار الرتيبة.
ومن ثم، فإن ادعاء رجال الدين أن في سحر محمول طاقتهم ما يهدي إلى الحيارى مفاتيح العالم الفسيح، ويمنحهم قوة الاستحواذ على مجالات الحقيقة، وأن في مكنون قدرتهم ما يعين على فك شفرات خطاب السماء المحتمل لأنفاس البشر المتقاسمين لجغرافيا الأرض، لم يكن إلا نتيجة حتمية لذلك الاحتياج إلى قائم بأمر الإله في الكون المرئي، وهو الذي له الحق في أن يسوق الإنسان إلى كعبة المعنى، ويقود الحياة إلى منتجع الرحمة، والسلامة. ولولا ذلك الافتقار الذي صار إليه الإنسان حين عجز عن التفريق بين مراتب الإدراك المطلوب حقيقة، وهو كامن في كل مناحي الوجود البشري المتلازم الأدوار، لكان له دور آخر في توجيه الصراع نحو محاربة الجهل، والتخلف، والرجعية، والماضوية القاتمة، لكن قيام رجال الدين بهذا الأمر المبعد للأشياء عن معانيها الواقعية، وتمريغ مفاهيمها في أوحال الغموض، والالتباس، قد عطل ذلك الجهاز المدرك لدقيق الروابط، وخفي العلاقات، وهو في إحيائه لما بلي منه سبب لتقدم المجتمعات الإنسانية، وازدهارها، وتنميتها، وإسعافها بما يفجر مواهبها، وطاقاتها المخزونة في همة رجالها، وزناد شبابها، لأن مشكلة الإنسان مع نظمه الاجتماعية المتغيرة، ومع سياقاته الاقتصادية المتعالية، لا ينهيها خطاب لا يقدم حلولا مادية ناجعة، ولا يبني مهادا جديدة لسؤال الإنسان، ورغبته في الحياة السعيدة، بل يربط الأشياء بعالم التسليم، والتفويض؛ وهو غير محدد لما ينصرف إليه ذلك، وما لا ينصرف إليه، إذ هو في وجهة النظر مطلوب به الفعل الخيِّر في الوجود التشريعي، وكأن السماء في سباق تكوين فواعلها، وفي سالف تقديرها للمصائر المتنوعة، قد أرادت ما يثبت فقرنا، ويرسخ جهلنا، ويزكي مرضنا. بل الأغرب أن هذا التفسير المغالط بأوهامه الطازجة، لا يفضي إلى الحقيقة بأي منفذ مفترض قصد وجهته، إذ لا يعالج جوعَ الإنسان استماعُه إلى موعظة، ولن يداوي مرضه انتشاءه بمحاضرة، ولن يحارب جهله شدة انتباهه إلى ندوة تتحدث عن التنمية، وأدواتها غير متوافرة بين يديه المقبوضتين نحو الفضاء بلا قوة فاعلة، ولا إرادة قاهرة.







اخر الافلام

.. بعد 50 عامًا على إنشاءها.. الكاتدرائية تتزيّن بأيقونات شهداء


.. دير الزور.. هكذا فرض نظام الأسد الأذان الشيعي في مساجدها


.. انطلاق موكب الصوفية بمسجد صالح الجعفرى احتفالا بالمولد النبو




.. أكبر دولة إسلامية في العالم تفتخر بتعايش الثقافات


.. كيف تحتفل الدول الإسلامية بالمولد النبوي ؟