الحوار المتمدن - موبايل



ذٰلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: كَيْفَ يَتَجَلَّى في ذِهْنِيَّاتِ الطُّغَاةِ؟

غياث المرزوق

2018 / 2 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


ذٰلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: كَيْفَ يَتَجَلَّى في ذِهْنِيَّاتِ الطُّغَاةِ؟

غياث المرزوق


فَأَمَّا النَّفْسُ الوَضِيعَةُ فَتَرْغَبُ في الطُّغْيَانِ رَغَبًا كَيْ تَتَقَوَّى عَلى الأَرْضِ،
وَأَمَّا النَّفْسُ العَظِيمَةُ فَتَحِنُّ إِلى العَدَالَةِ كُلَّ الحَنِينِ لِكَيْ تُحَلِّقَ في السَّمَاءِ.
أونوريه بَالْزاك


ذٰلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ، بِصَرِيحِ العبارةِ، إنَّما هُوَ دَاءٌ نفسيٌّ عُضالٌ يستحْوذُ أيَّما استحواذٍ على ذِهْنِيَّاتِ الطُّغاةِ كافَّتِهِم، أنَّى تواجَدوا في أصقاعِ هذا العالمِ العربيِّ الكئيبِ، وأمثالِهِ. فلا غَرْوَ أنْ يتَّصفَ هذا الدَّاءُ النفسيُّ العُضالُ، والحالُ هذهِ، بصفةٍ فِطْرِيَّةٍ وصفةٍ مُكْتَسَبَةٍ، في آنٍ واحدٍ. فهُوَ، من ناحيةٍ، دَاءٌ فِطْرِيٌّ بطبيعتهِ لأنَّ الطاغيةَ المَعْنِيَّ ليسَ فردًا مُتَفَرِّدًا قائمًا في ذاتهِ ولِذاتهِ، كيفما اتَّفق، بَلْ فرعًا مُتَفَرِّعًا، في الأساسِ، عن جَذْرٍ تَالِدٍ يتغلغلُ، أو عن جُذُورٍ تليدةٍ تتغلغلُ، في ثنايا نظامٍ كُلَّيَّانِيٍّ Totalitarian Regime مُفْتَعَلٍ ومُصْطَنَعٍ اصطناعًا أجنبيًّا، في المقام الأول. إذْ أنَّ أيَّ نظامٍ كُلَّيَّانِيٍّ، بأيِّ شكلٍ من أشكالهِ الظاهرِيَّةِ والباطنيَّةِ، لا يعْدُو أنْ يكونَ، في حقيقةِ الأمرِ، نظامًا أبَوِيًّا Patriarchal System وِراثِيًّا ومُتَوارَثًا يطمعُ في الدَّوامِ المُطْلَقِ في الحُكْمِ إلى يومِ يُبْعثُونَ، سواءً تسرْبَلَ هذا النظامُ بِسِرْبالٍ مَلَكِيٍّ أو عَاهِلِيٍّ سَافرٍ أم تقنَّع بِقناعٍ جمهوريٍّ أو حتى «اشتراكيٍّ» طافر. وهُوَ، من ناحيةٍ أخرى، دَاءٌ مُكْتَسَبٌ بتكوينهِ كذلك لأنَّ الطاغيةَ المَعْنِيَّ عَيْنَهُ يَكادُ أنْ يُعيدَ للنَّاظِرِ المنتمي، أو حتى للنَّاظِرِ اللامنتمي، بِناءَ عَيْنِ المَشاهِدِ السياسيةِ أو المُسَيَّسَةِ بحذافيرِها، تلك المَشاهِدِ التي تَبَدَّى فيها مَنْ سَبَقَهُ مِنْ أسْلافِهِ مِنَ الطُّغاةِ «الأَمَاثِلِ»، سواءً من حيثُ المَسَارُ الذَّميمُ الذي سَاروا عليهِ وهم باقُونَ، أو عَائِشُون، أم من حيثُ المَصِيرُ الدَّميمُ الذي صَاروا إليهِ وهم فانُونَ، أو ساقطون. وقد ظهرَ العديدُ من الأمثلةِ التاريخيةِ واللاتاريخيةِ الملمُوسةِ على كلِّ من صِفَتَيِ الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ هٰتَيْن، أو كلتَيْهما معًا، في مناطقَ مختلفةٍ من هذا العالمِ العربيِّ المُنْهَكِ والمُنْتَهَكِ إلى أقاصي الحُدودِ، وعلى الأخصِّ بدءًا من ظهور ما سُمِّيَ، حينذاك، بـ«حركات التحرُّر الوطني»، أو «القومي»، بُعَيْدَ الحرب العالمية الثانية، وانتهاءً، لا بلْ استمرارًا وتكملةً، باندلاعِ الثوراتِ الشعبيةِ «الرَّبيعية» – على الأقلِّ في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، خلالَ هذا العقدِ الدَّمَوِيِّ العصيبِ من الزمن.

وبالإشارةِ الجليَّةِ، ها هنا، إلى ازدواجيةِ الغربِ «الديمقراطيِّ» في نظرتهِ إلى بلدانِ ما يُسَمِّيهِ بـ«العالَم الثالثِ»، وما يترتَّبُ على هذهِ الازدواجيةِ من كَذِبٍ ونفاقٍ ووُصُولٍ وانتهازٍ، لم يَحِدْ هذا الغربُ «الديمقراطيُّ»، في عُهودِهِ المعهودةِ، عن السَّعْي الحَثِيثِ وراءَ «الإنقاذِ الأَرْيَحِيِّ» لأولئك الطُّغَاةِ الذين ابْتُليَتْ بوجودِهِمْ شعوبُ البلدانِ العربيةِ المنكوبةُ، بُغْيَةَ الاستفادةِ من عمالةِ هؤلاءِ الطُّغاةِ، بمثابةٍ أو بأخرى، قبلَ فواتِ الأوانِ، وقبلَ أنْ يُرْغَمَ أيٌّ منهم على شَقِّ عَصَا الطَّاعةِ، في لحظةٍ طَفُورٍ من لحظاتِ العُنُودِ والطَّيَشَانِ. إذْ كانَ هذا «الإنقاذُ الأَرْيَحِيُّ» المُتَدارَكُ والمُتَدارَسُ، وما زالَ، جزءًا لا يتجزَّأ من سياسةٍ غَزَوَانِيَّةٍ أو استعماريةٍ قديمةٍ قِدَمَ التاريخِ البشريِّ الدَّامي نفسِهِ، ذلك التاريخِ الذي يُرينا، في جملةِ ما يُرينا، كيف كانَ الحاكمُ المغوليُّ الهمجيُّ هولاكو يَسْتَحْيِي استحْيَاءً «خَيِّرِيًّا» كلَّ طاغيةٍ وَضِيعٍ من أولئك الطُّغاةِ «اللامُسْتَعْصِمِينَ باللهِ»، أو حتى «المُسْتَعْصِمِينَ بالشيطانِ»، عَصْرَئِذٍ، أولئك الطُّغاةِ الوُضَعاءِ الذين كانوا يُسَهِّلُون عليهِ (أي على هولاكو) ارتكابَ الجرائمِ والمجازرِ الوحشيةِ في بلادِ العراقِ وبلادِ الشامِ، في بواكيرِ النصفِ الثاني من القرنِ الثالثَ عشر – ومَنْ منا لا يدركُ، في هذا السياقِ، ذينك التحمُّسَ والتلهُّفَ اللذين كانا يعتريانِ كِيانَ هولاكو ذاتِهِ إبَّانَ مراسلاتِهِ الاستجدائيةِ مع الملكِ الفرنسي لويس التاسع سنةَ 1262، وذلك من أجلِ غايةٍ أشدَّ عدوانيةً في نفسِ مَنْ تنقَّبَ يومَها بنِقابِ يعقوبَ عن قصدٍ وعمدٍ إزاءَ البابا، ألا وهي: غزوُ القدسِ بالذات (بعد غزوِ بغداد سنةَ 1258 وغزوِ دمشقَ سنةَ 1260)؟ وتمامًا مثلما هي الحالُ في سياسةِ «فَرِّقْ تَسُدْ» الأكثرِ أُلْفَةً، فإنَّ سياسةَ ما يمكنُ أن ندعوها الآنَ بسياسةِ «أنْقِذْ طاغيةً عميلاً مفيدًا إنقاذًا أَرْيَحِيًّا تستمرَّ في ذاتِ السَّيْدُودَةِ»، إذا جازَ القولُ،ِ إنَّما هي سياسةٌ لاإنسانيةٌ لاإيثاريَّةٌ لا تأخذُ بعينِ الاعتبارِ، أولاً وآخرًا، سِوى ما يجنيهِ الغازي أو المستعمِرُ من ثمارِ أَتعابٍ لها اعتبارُها الخاصُّ، من جرَّاءِ هكذا «إنقاذٍ» يظهرُ بمظهرٍ «أَرْيَحِيٍّ» أمامَ العالمِ بأسرهِ، حتى لو لمْ يَحِنْ للطُّغاةِ المعنيِّينَ، بعدُ، أن يتعلَّموا من ذٰلِكَ الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ الذي عَمِيَ، أو تَعَامَى، بِهِ أسلافُهم من الطُّغاةِ «الأشاوِسِ»، وقد واجَهُوا بالقوةِ أو بالفعلِ، أو بكِلَيْهِما، عواقبَهُم الوخيمةَ، إمَّا إِقصاءً أو اعتقالاً أو حتى إعدامًا أو قتلاً.

مِنْ هنا، يتبدَّى كلُّ سياسيٍّ أو سياسيَّةٍ «مُنَظَّمَيْنِ» مُعَارِضَيْنِ للنظامِ الطُّغياني الحاكمِ في سوريا، على سبيلِ المثالِ لا الحَصْرِ، يتبدَّيانِ حتى أشدَّ غباءً وأشدَّ غباوةً من أولئك الطُّغاةِ المعنيِّينَ أنفسِهم حينما يُحاولانِ، طَوْعًا أو كَرْهُا، أنْ يستصرخا «ضميريَّةَ» الغربِ «الديمقراطيِّ» وأنْ يستنجدا بـ«إنسانيَّةِ» هذا الغرب مِنْ أجلِ إنقاذِهما وإنقاذِ ذَويهما، أولاً، ومِنْ أجلِ إنقاذِ مَنْ يظنَّانِ أنهما يمثِّلانِهِمْ مِنَ الشعبِ السوري الأعزلِ، ثانيًا، مِنْ آفاتِ القتلِ البهيميِّ والدمارِ الجحيميِّ والتهجيرِ الجماعيِّ التي يقترفُها بحقِّهم دونما انقطاعٍ هكذا نظامٌ طُغيانيٌّ طائفيٌّ فُلوليٌّ خالٍ كلَّ الخُلوِّ من أيةِ إنسانيَّةٍ أو ضميريَّةٍ، وعلى مرأىً ومَسْمَعٍ من العالَمِ كلِّهِ، بما فيهِ هكذا غربٌ «ديمقراطيٌّ»، «إنسانيٌّ»، «ضميريٌّ»، بلحمهِ وشحمهِ. ومِنْ هنا، أيضًا، يتجلَّى تَمَادي الكَذِبِ والنفاقِ الفاضحَيْنِ اللذين يترتَّبانِ على ازدواجيةِ هذا الغربِ «الديمقراطيِّ» في نظرتهِ، وخصوصًا فيما لهُ مِساسٌ بذلك التناقضِ الأكثرِ فضاحةً وافتضاحًا بين ما صرَّح بهِ كلٌّ من الجانبَيْن الأمريكي والبريطاني من تصريحَاتٍ جَادَّةٍ حولَ تعامُلِهِما «الإنساني» و«الضَّميري» مع الموضوعِ السوري، في هذه المرحلةِ المؤلمةِ أيَّما إيلامٍ من تاريخِ سوريا الحديث. وباختصارٍ شديدٍ، إنَّ الغربَ «الديمقراطيَّ» المتمثِّلَ بجانبَيْهِ الأمريكيِّ والبريطانيِّ (ودون غضِّ الطَّرْفِ كُلِّيَّةً عن جانبِهِ الفرنسي) إنَّما يسعى، بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ ودُرْبَةٍ وحُنْكَةٍ، إلى إبقاءِ النظامِ الطُّغْيَانيِّ الحاكمِ في سوريا على قيدِ الحياةِ أطولَ ما يُمكنُ زمانًا، لا لأجلِ سَوَادِ، أو حتى زَرَاقِ، عيونِ أزلامِ هذا النظام، بل لأجلِ «ضَرْبِ عصفورَيْن بحجرٍ واحدٍ»، كما يقول المثلُ الصبيانيُّ الأهوج: فمن طرفٍ، لأجلِ استخدامِ هؤلاءِ الأزلامِ بمثابةِ كلابِ حِراسةٍ طَيِّعَةٍ وفيَّةٍ لمصالحَ إمپرياليةٍ توسُّعيةِ لم تعُدْ خافيةً على أحدٍ. ومن طرفٍ آخرَ، وهو الأهمُّ، لأجلِ تَمْيِيعِ وتَمْوِيهِ فحوى العلاقةِ الجَهْريَّةِ، أو السِّرِّيَّةِ، الشائكةِ بين تلكَ الأنظمةِ الغربيةِ الدَّخُولِ بـ«ديمقراطيَّاتِهَا» و«ليبراليَّاتِهَا» وبين هذه الأنظمةِ «العربيةِ» الذَّلولِ بديكتاتوريَّاتِهَا وأوتوقراطيَّاتِها، أيَّةً كانت. على هذه الشاكلة الشُّؤمَى، إذن، تتجسَّدُ طامَّةُ الطَّامَّاتِ لكيما تصُبَّ جَامَ وَبَالِها المزدوَجِ على بناتِ وأبناءِ هذا الشعب السوري الأبيِّ على مدى ما يقرُبُ من خمسين عامًا، كمثلِهِم من بناتِ وأبناءِ غالبيةِ الشُّعوب المستعمَرَةِ في الماضي البعيدِ والقريب – ناهيكم، بطبيعةِ الحال، عن كلِّ أنواع الشرورِ والآثامِ التي أسفرتْ، في واقعِ الأمرِ، عن تصريحَاتِ وتفعيلاتِ كلٍّ من الجانبَيْن الروسي والإيراني حتى هذه اللحظة، تلك التصريحَاتِ والتفعيلاتِ الحَادَّةِ التي تأجَّجتْ بتشكيلِ «سوريا التصحيح والصُّمود والتصدِّي» كمَحْمِيَّةٍ إيرانيةٍ Iranian Protectorate في بدايةِ المطافِ، والتي تأوَّجتْ في تحويل هذه الـ«سوريا التصحيح والصُّمود والتصدِّي» إلى مَحْمِيَّةٍ روسيةٍ Russian Protectorate في نهايةِ المطافِ.

وبالرَّغمِ من كلِّ ذلك، يبدو أن طُغاةَ هذه الأنظمةِ «العربيةِ» المأجورةِ يُصِرُّونَ بكلِّ حِرَانٍ على عَرْضِ واستعراضِ دَاءِ ذٰلِكَ الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ، بصفتَيْهِ الفِطْرِيَّةِ والمُكْتَسَبَة تَيْنك، حتى لو تمثَّلَ لهم قدَّامَ أعيُنِهِمْ، مرَّةً تِلْوَ مرَّةٍ، تَمَادي ذينك الكَذِبِ والنفاقِ السَّافِرَيْنِ اللذين ينجمانِ عن ازدواجيةِ الغربِ «الديمقراطيِّ» في نظرتهِ، كما ذُكِرَ آنفًا. إذْ أنَّ هذه النظرةَ الازدواجيةَ لم تتبيَّنْ في موقفِ هذا الغربِ «الديمقراطيِّ» المخادعِ والمُضَلِّلِ إزاءَ طُغاةٍ عُتاةٍ من أمثال بشار الأسد ومعمَّر القذافي فحسب، بل تبيَّنتْ كذلك في موقفِهِ المخادعِ والمُضَلِّلِ إزاءَ طاغيتَيْن عَتِيَّيْنِ آخرَيْن منذُ أوائلِ النصف الثاني من القرنِ الفائتِ، ألا وهُما: محمد رضا بهلوي وصدام حسين. وفي هذا ما يُبيِّنُ كيف أنَّ دَاءَ ذٰلِكَ الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ يُعيد نفسَهُ، فعلاً، أمامَ تلك الذرائعِ الإستراتيجيةِ الپراغماتية التي تتولَّى تصنيعَها أمريكا في الجَهْرِ وفي الخَفاءِ، على سبيل التمثيل. ومَنْ منا تَخْفى عليهِ الآنَ حقيقةُ وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ CIA في ماضيها «المُشْرِق والمزدهر»، هذه الوكالةِ التي عَمَدَ أزلامُها وعملاؤُها في العام 1953 إلى الإطاحةِ «البطوليةِ» بحكومةِ إيرانَ المنتخَبةِ انتخابًا ديمقراطيًّا، زَمَانَئِذٍ، فعَمَدُوا من ثمَّ إلى إلحاحِهم على بقاء نظامِ الشاهِ الديكتاتوري الأوتوقراطي بين عشيةٍ وضُحاها. ومَنْ منا تَخْفى عليهِ الآنَ، أيضًا، حقيقةُ أمريكا ذاتِها راعيةِ هذه الوكالةِ، هذه الدولةِ «الديمقراطيَّةِ» التي قامَ سَاسَتُها وزبانيتُهُم بتصنيعِ هذا الطاغيةِ العَتِيِّ بكلِّ «تَفانٍ وإخلاصٍ»، فقامُوا من ثمَّ بتنصيبهِ شاهًا فَهْلَوِيًّا مُحَنَّكًا على إيران، وبإغراقِهِ السَّخِيِّ بكلِّ أشكالِ الدعمِ الضَّروريِّ لكيما يؤدِّيَ دورَهُ المرسُومِ بعنايةٍ، على الرغم من أنَّ سِجِلَّهُ فيما يتعلَّقُ بحقوقِ الإنسانِ، تحديدًا، كانَ من أقبحِ وأشنَعِ سِجِلَّاتِ ذاك الزمانِ، قاطبةً. ولكن، يا للعَجَب العُجاب، فما إنْ أطاحتْ أطيافُ الثورةِ الإيرانيةِ (ذاتِ الإرهاصاتِ التقدُّميةِ، في البدءِ) بهذا الشاهِ الطاغيةِ العَتِيِّ في العام 1979، حتى تحوَّلتْ أمريكا بتصنيعِها الخفيِّ، وبإغراقِها السَّخِيِّ، إلى «شاهٍ» طاغيةٍ عَتِيٍّ آخرَ في الجوار، أي صدام حسين، «شاهٍ» طاغيةٍ عَتِيٍّ لا يقلُّ سجلُّهُ فيما يخصُّ حقوقَ الإنسانِ قباحةً وشناعةً عن سجلِّ سابقه. وكانَ لصدام حسين دورُهُ المرسُومُ بعنايةٍ، هو الآخر، حتى أنَّ إغراقَهُ الأمريكيَّ السَّخِيَّ بكلِّ أنواعِ الدعمِ اللازمِ ازدادَ أضعافًا مضاعفةً إبَّانَ حربهِ الشعواءِ المدروسةِ بعنايةٍ أشدَّ على إيران. فمنذ بَيَانِ تلك الإرهاصاتِ التقدُّميةِ التي أخذتْ في الأُفُولِ شيئًا فشيئًا، وهذا الغربُ «الديمقراطيُّ»، برأسِ حربتهِ الأمريكيةِ، يفرضُ شتَّى ما يفكِّرُ فيهِ من عقوباتٍ اقتصاديةٍ على إيران، وذلك سعيًا وراءَ إضعافِها وإنهاكها على الصعيدِ الاقتصاديِّ، في الحَيِّزِ الأول. وليسَ الهدفُ من تلك العملياتِ العسكريةِ ذواتِ المَنْهَجَةِ اللافتةِ للعِيَانِ التي قامَ بها هذا الغربُ «الديمقراطيُّ»، برأسِ حربتهِ الأمريكيةِ، في أغلبِ الدولِ المتاخمة جغرافيًّا، حتى هذه الأيام، سوى العملِ الدؤوبِ على زعزعةِ المنطقةِ المحيطةِ بإيران، وذلك سعيًا وراءَ تهديدِ استقرارِها على الصعيدِ الأمنيِّ، في الحَيِّزِ الثاني.

بهذه المثابةِ، إذن، ينجلي تَمَادي ذينك الكَذِبِ والنفاقِ التاريخيَّين المعهودَيْن من طرفِ هذا الغربِ «الديمقراطيِّ»، برأسِ حربتهِ الأمريكيةِ المرئيةِ، أو اللامرئيةِ، حسبَ مقتضى الحالِ. فإيرانُ، رغمَ كلِّ ما تقترفهُ في المشهدِ السوريِّ من شُرورٍ وآثامٍ ليس لها سوى أن تمهِّدَ السبيلَ لهيمنةِ هذا الغرب، لم تزلْ في أعيُنِهِ العدوَّ الأكبرَ، أو «الشيطانَ الأعظمَ» في التعبيرِ السياسيِّ الدارجِ، فوقَ كلِّ شيءٍ. وتلك الاتفاقيةُ الشاملةُ للبرنامجِ النوويِّ الإيراني الشهيرِ إنْ هي، أولاً وآخرًا، إِلاَّ ذريعةٌ إستيراتيجيةٌ پراغماتيةُ تمَّ التذرُّعُ بها من أجلِ منعِ إيرانَ من أن تحتازَ أيًّا من الموادِّ الخام وغير الخام اللازمةِ لتصنيعِ الأسلحةِ النوويةِ، من جهةٍ، ومن أجلِ ردعِها (أي إيران) عن أن تبذلَ أيًّا من الجهودِ والمساعي المُسْتَتِرةِ بقصدِ التسليحِ النوويِّ بالذات، من جهةٍ أخرى.

وَلَئِنْ كَانَتْ خَطِيئَةُ الإِنْسَانِ الكَبِيرَةُ هِيَ الغَبَاءُ بعَيْنِهِ، كَمَا يَقُولُ الأديبُ الإيرلنديُّ الذكيُّ أُوسْكار وايْلْد، فَإِنَّ خَطِيئَةَ هذا الإِنْسَانِ الكُبْرَى، إِذَنْ، إنَّما هِيَ إِعَادَةُ هٰذَا الغَبَاءِ بكمِّهِ وكيفِهِ. فَالتَّارِيخُ لَيْسَ هُوَ الذي يُعِيدُ نَفْسَهُ حَقِيقَةً، كما يقولُ المؤرِّخونَ المتأرِّخونَ، على مَرِّ العصور.

إِنَّهُ الإِنْسَانُ، وَلا رَيْبَ، لَهُوَ الذي يُعِيدُ غَبَاءَهُ، بَيْنَ فَيْنَةٍ وَأُخْرَى!

*** *** ***

لندن، 27 شباط 2018







اخر الافلام

.. القلق المالي سبب رئيسي لأمراض الجلد بين أوساط الشباب


.. موريتانيا: محمد الأمين.. أحد أشهر المدونين الشباب يخوض غمار


.. ليبيا: -كنز بنغازي-.. سرقة أكثر من 10.000 قطعة أثرية من مصرف




.. هل موافقة حماس على المقترح المصري يمكن أن تؤدي إلى المصالحة


.. فصيل على صلة بالحشد الشعبي يعلن استعداده للقتال مع الحوثيين