الحوار المتمدن - موبايل



ميزانية ترامب جريمة ضد الإنسانية

محمود يوسف بكير

2018 / 3 / 1
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


الميزانية الفيدرالية لعام 2018 التي تقدم بها الرئيس ترامب إلى الكونجرس الأمريكي مؤخرا تحت شعار "فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" تضمنت تعديلات ومقترحات لا يمكن أن تصدر إلا عن إنسان ذو نزعات شيطانية ولا تحكم تصرفاته إلا المصلحة الشخصية ولا يتمتع بأي خصال إنسانية.

نحن بالطبع غير معنيين بما تضمنته مقترحات ترامب من آثار سلبية كثيرة على برامج الرفاهة الاجتماعية في أمريكا ذاتها لإن هذا شأن داخلي محض، ولكننا معنيين بما سيكون لهذه المقترحات من آثار سيئة علي العرب وعلى الدول النامية لما تمثله أمريكا من ثقل في الاقتصاد العالمي. وإليكم بعض الأمثلة:

1) يقترح ترامب تخفيضات تصل إلى 30 % دفعة واحدة بمجموع 30 بليون دولار في ميزانية الخارجية الأمريكية المعنية بالدبلوماسية والمساعدات الخارجية. وحاليا لا يوجد سفراء لأمريكا في عدد كبير من الدول منها مصر والسعودية.
2) يقترح زيادة مخصصات الدفاع بنسبة 14% بمجموع يصل الى حوالي 600 بليون دولار.
3) قامت ادارة ترامب بتخفيض مساهمتها في الكثير من البرامج الإنسانية التي تقوم بها الأمم المتحدة حيث خفضت حصتها في مصاريف قوات حفظ السلام الدولية بنسبة 20% وخفضت حصتها في منظمة الصحة العالمية بنسبة 50%، وبنفس النسبة في منظمة الغذاء والزراعة.
4) كما قامت أمريكا ترامب بالتوقف عن تقديم أي دعم لوكالات التنمية الاقتصادية، وحقوق المرأة، والبيئة. وقامت أيضا بالانسحاب من منظمة اليونسكو وبروتوكول باريس لحماية الأرض من الانبعاثات الحرارية المتزايدة بدعوى أنه لا يوجد أي شيء من هذا وأن أمريكا أهم من كوكب الأرض!

وما سبق يعنى أن إدارة ترامب سوف تعطي أولوية لحل النزاعات الدولية بشكل عسكري بدلا من الاعتماد على القنوات الدبلوماسية. ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة ستكون طرفا مباشرا في كل النزاعات الدولية ولكنها في ظل قيادة ترامب ستكون بالضرورة محرضا وداعما لحل هذه النزاعات بشكل عسكري بين الدول ذات العلاقة لتحقيق مكاسب اقتصادية أمريكية من خلال بيع الأسلحة لأطراف النزاع.

ومن أمثلة أعمال التحريض هذه، إشعال إدارة ترامب للنزاع الدائر الآن بين دول الخليج العربي ومصر من ناحية وقطر من ناحية اخرى، وكذلك النزاع المتصاعد الآن بين إيران ودول الخليج. ولا يمكننا ان ننسي كيف كان ترامب سعيدا وهو يعلن على الملأ خلال اجتماعه مع قادة الدول الاسلامية في الرياض في العام الماضي بأنه استطاع ان يحصل على صفقات أسلحة تصل إلى 150 بليون دولار من السعودية وحدها. كما صرح قائلا بأن شركات الأسلحة الأمريكية سعيدة بصفقات التسليح مع السعودية حيث ستمكنها من العمل بطاقة أكبر في صناعة الحروب وتدمير مقدرات الشعوب، كل هذا من أجل خلق وظائف أكثر داخل أمريكا.

وقد تلت هذه الصفقة صفقات أمريكية أخرى مع باقي دول الخليج من خلال تخويف هذه الدول من إيران التي أصبحت "أي إيران" مصدر رزق واسع لتجار السلاح في أمريكا وعلى رأسهم ترامب.

كما تقترح الحكومة الأمريكية تخفيض المساعدات الأمريكية للاجئين الفلسطينيين بسبب احتجاج حكومة الرئيس عباس على إعلان نقل سفارة أمريكا للقدس. كما تتجاهل مآسي وعذابات السوريين في الداخل الذين يتعرضون في الغوطة الشرقية لقصف جوي وحشي وبشكل يومي من قبل نظام الأسد والروس دون يبالي ترامب ونظامه بضحايا هذا القصف وأغلبهم من الاطفال والنساء الذين لا حول لهم ولا قوة.

كما تغض إدارة ترامب النظر عن الغارات الوحشية التي يشنها التحالف الدولي بقيادة السعودية داخل اليمن منذ أكثر من ثلاث سنوات تحولت خلالها حياة اليمنيين إلى جحيم وحولت بلادهم إلى خراب ومجاعات.

ومن الأمثلة الأخرى على الساحة الدولية نرى أن ترامب قد انزعج كثيرا من مبادرة نظام كوريا الشمالية للتقارب مع كوريا الجنوبية خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي انتهت منذ أيام. وتجنبا لان تنجح الشمالية في مسعاها للتصالح مع جارتها الجنوبية، قامت إدارة ترامب بفرض عقوبات صارمة جديدة على كوريا الشمالية ورفضت عرضا بالاجتماع بين المسؤولين في البلدين حتى تظل أزمة كوريا مشتعلة.

كما أن ترامب لم يعر المذابح وعمليات التهجير والاغتصاب الوحشي التي يقوم بها جيش ميانمار "بورما" بحق قبائل الروهينجا أدنى اهتمام في موقف مناقض تماما لما فعله سلفه الرئيس كلينتون أيام عدوان صربيا على مسلمي البوسنة.
وكان اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل بمثابة إعلان صريح بانتهاء الدور الاخلاقي للولايات المتحدة وأن سياسة أمريكا أولا أهم من كل المبادئ والقيم الإنسانية.

والأسوأ من كل ما سبق هو ان ترامب لم يكتفي بكل ما فعله من جرائم ضد البشرية بل إنه يدعم بكل قوة الانظمة الاستبدادية في كل انحاء العالم ابتداء من بوتن وانتهاءا بالسيسي ودول الخليج حتى تضمن أمريكا السيطرة على الشعوب من الداخل بما يضمن مصالحها ومصلحة اسرائيل.

والخلاصة أن ترامب بالفعل هو أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة بالنسبة للعرب ولكن الأسوأ منه هو نظم الحكم الاستبدادية التي تحكمنا منذ عقود والتي برهنت على خيبتها الثقيلة عندما أعربت عن ثقتها في ترامب واستقبلته بحرارة وفتحت له خزائنها لعله يستحي ولكن ترامب وهو رجل صفقات وله باع طويل في النصب والاحتيال والكذب لم يستحي لأنه يكره العرب والمسلمين ويحتقرهم وهو لم يكذب في هذا ابدا ولم يحاول إخفاء مشاعره الحقيقية ضدهم.
أما من هو أسوأ من ترامب وزعمائنا المستبدين فهي شعوبنا الضعيفة والمغلوبة على أمرها والمفعول بها دائما.
وفي هذا فإن الكثير من المفكرين العرب دائما ما يقولون إن الشعوب العربية في حالة غليان ووصلت إلى القاع ولم يعد أمامها سوى المواجهة وإنها ستنفجر قريبا، ولكن ما يحدث دائما هو أننا نجد قاعا جديدا ينفتح ونبدأ في المزيد من الهبوط والتردي.

ولعلي أختم بنادرة من نوادر ترامب، حيث كان يمتلك شركة في نيويورك لتعليم فنون الإدارة بالفهلوة والكسب السريع أطلق عليها اسم جامعة ترامب. ولكن كل من ذهب إليها اكتشف أنها جامعة للنصب والاحتيال. وعندما فاز ترامب بمعركة الرئاسة بدأ ضحايا جامعته في رفع دعاوى قضائية ضده فقام بسرعة بإغلاق هذه الجامعة وتعويض ضحاياه بسخاء حتى يسحبوا قضاياهم ضده.

والعرب لم يتعلموا شيئا من هذه الواقعة وغيرها من الفضائح المعروفة عن هذا الرجل منذ سنوات طويلة لأنهم اعتادوا على الانحناء أمام قاطني البيت الأبيض أيا كانوا.

وعندما تنحني لأحد، فلا تلومنه إذا ما امتطاءك.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي







اخر الافلام

.. تيارات اليمين المتطرف.. بين التأثير السلبي وانتشار التطرف؟


.. الجزائر.. أغاني الملاعب تلهم الحراك الشعبي ضد النظام السياسي


.. تركيا وإيران يطلقان عملية عسكرية مشتركة ضد حزب العمال الكردس




.. كلمة امين عام الحزب الشيوعي المصري في مؤتمر اللجنة العربية ل


.. هويناك