الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اديني عقلك

السيد نصر الدين السيد

2018 / 3 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


"أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي خلقه"
بيتر دروكر، عالم الإدارة الاميركي الشهير (1909-2005)
"ان المستقبل ليس شيئا ينتظرنا لكي ندخله بل هو شيئ علينا خلقه"
مجهول
اقتباسان عن المستقبل يمثلان نظرة القوم له فصناعته هي مسئولية الانسان. وبالطبع تتطلب صناعة المستقبل توفر العديد من الشروط من أبرزها تحررا من سطوة الماضي المتمثلة في أفكار الاقدمين، وجسارة في التعامل مع الأفكار غير التقليدية، وخيال جامح لا تحد من انطلاقه الأعراف والتقاليد. وسنخصص هذه المقالة لواحدة من الأفكار الجامحة التي ترسم ملامح المستقبل. ولنبدأ بالحكاية التالية.

"في صباح يوم الأربعاء الموافق 16 مارس سنة 2050 تلقي المتعاملون مع موقع "شاركونا" رسالة تفيد بأن الموقع قد أضاف خدمة جديدة بالإضافة الى ما يقدمه فعلا من خدمات. وهي الخدمات التي تتيح للمشتركين إمكانية التوصل الى العديد من المواد المرئية والمسموعة والتواصل معها مستخدمة لذلك أحدث تقنيات التواصل مع الواقع الافتراضي مثل نظارات التجسيم والقفازات الذكية. الا ان محتويات "بيت الحكمة: قسم العقول المُحَمَلة"، اسم القسم الجديد، تختلف عن المواد الموجودة في بقية الأقسام. فهي كيانات واعية بذواتها، قادرة على التفكير المستقل، قابلة للتطور ومستعدة دوما لتعلم كل جديد. وليس هذا بالمستغرب ان علمنا ان هذه الكيانات هي الصورة الرقمية لعقول أصحابها ...!"

من الواضح ان الفقرة السابقة هي احدى فقرات قصة من قصص الخيال العلمي. وهي القصص التي تتميز بتوجهها المستقبلي المتعلق بتطور كلا من المعرفة العلمية والتكنولوجيا وبالآثار الاجتماعية لهذا التطور.

ويقودنا البحث عن الأسس التي قامت عليها هذه القصة الى حركة فكرية تعرف بـ "عبر الإنسانية" Transhumanism. وهي الحركة التي يعرفها ماكس مور Max More، الفيلسوف وعالم المستقبليات، بأنها "فلسفة تسعى إلى تسريع عملية تطور الإنسان (بوصفه شكلا من أشكال الحياة الذكية) وضمان استمراريتها لتتجاوز هيئته الحالية بكل عناصر محدوديتها وذلك باستخدام العلم والتكنولوجيا مسترشدة في ذلك بالقيم والأسس الداعمة للحياة". ولا يكتفى "عبر الإنسانيون" بالتكنولوجيات المتاحة بل يعملون على تطوير أفكار جديدة تمهد الطريق لإقامة مجالات بحثية جديدة ولابتداع تكنولوجيات مستحدثة تسهم في الارتقاء برفاه الانسان. ولعل أكثر ما طرحوه من الأفكار إثارة للجدل فكرة "تحميل العقل" Mind Uploading.
ويقتضي كشف ما تنطوي عليه عبارة "تحميل العقل" من مفاهيم التعرف على العلاقة بين العقل والمخ. وطبقا للنظرة "المادية" Materialism فإن عقل الانسان، بكل ما يحتويه من أفكار ومشاعر وخبرات وأحاسيس ووعى بالذات، هو نتيجة طبيعية للأنشطة التي تقوم بها مكونات المخ البشري. أي أنه لا وجود للعقل بدون الوجود المادي للمخ. ويتكون المخ البشرى من شبكة هائلة من الخلايا العصبية Neuron يصل عددها إلى مائة بليون (1) تتصل كل منها بحوالي 10000من الخلايا الأخرى، مما يصل بإجماليي عدد التشابكات مع بعضها البعض الى حوالي مائة تريليون (2) مشبك Synapse .

وتقوم هذه الشبكة بالعديد من الوظائف التي تشكل في مجموعها ما يطلق عليه اسم "العقل" وهي: الوعي، الذاكرة، القيم، السلوك، الادراك (المعرفي)، التوقع، الصفات الشخصية. أي ان المخ، بشبكته العصبية فائقة الحجم، يشكل الركيزة البيولوجية للعقل، او الوسيط الذي تتم فيه كافة العمليات التي تشكله. والسؤال الآن هل يمكن إيجاد بديل لتلك الركيزة؟ أو بعبارة اخري أكثر تحديدا هل يمكن محاكاة أنشطة المخ المتعلقة بالعقل باستخدام برمجيات الكومبيوتر؟ إذا كانت الإجابة بنعم فان كلمة "التحميل" Uploading في هذا السياق تعني عملية تغيير ركيزة العقل من ركيزة بيولوجية الى ركيزة رقمية يمكن خزنها في ذاكرة الكمبيوتر الى ابد الآبدين.

وفي الواقع فان فكرة "تحميل العقول" هي فكرة جسور ة تجاوزت حدود المألوف ويتطلب تحقيقها على أرض الواقع التصدي لعدة تحديات. واولى هذه التحديات يتعلق بالتكنولوجيا اللازمة لتحقيق هذه الفكرة وبالتحديد حجم ذاكرة الكمبيوتر وقدرته (عدد العمليات التي يمكنه انجازها في الثانية) هذا بالإضافة الى تكنولوجيات المسح الدماغي. فبداية يتطلب تخزين المعلومات عن خلايا المخ وعن التشابكات التي تربطها سويا ذاكرة قدرها 20000 تيرابايت (3) (حجم مكتبة الكونجرس 10 تيرا بايت). اما بالنسبة لأداء المخ البشري على معالجة البيانات تتفاوت التقديرات طبقا لطبيعة المقياس. فالبعض يقدر ان أداء المخ أكبر يتفوق على أداء الكمبيوتر مائة مرة والبعض الآخر يهبط بهذا الرقم الى 30. الا أن القوانين التي تحكم تطور تكنولوجيا الكمبيوتر، مثل قانون مور (4)، تنبئنا فجوة الأداء بين الكمبيوتر والمخ في حالة تقلص دائم. فعلى سبيل المثال تمكن العلماء سنة 2007 من تشغيل برنامج يحاكي عمل ثمانية ملايين خلية عصبية، او ما يعادل نصف مخ فأر. وبعد أربع سنوات فقط تمكن العلماء من تشغيل برنامج يحاكي عمل 1.5 بليون (1500,000,000) خلية عصبية. وأخيرا شهدت تكنولوجيات المسح الدماغي تطورا هام اذ اصبحت قادرة على رصد المشابك، التي تربط الخلايا العصبية في المخ بعضها بالبعض الآخر، وهي نشطة.

الا أن التحدي الأكبر هو ما قد يترتب على تنفيذ هذه الفكرة من تداعيات فلسفية وقانونية وأخلاقية. وهي التداعيات التي تصنيفها الى فئتين: تلك المتعلقة بـ "الشعور" Consciousness وتلك المتعلقة بـ "الهوية"Identity . والشعور، في هذا السياق هو معرفة النفس لذاتها والتي لا تتم إلا بمعرفتها لموضوع خارجي، أو معرفة النفس لما تختبره، أو مجموع الخبرات لفرد ما في وقت ما. وهنا يبرز سؤال هام "هل تشعر النسخة الرقمية للعقل المُحَمَلة بذاتها ككيان مستقل؟"
أما فيما يتعلق بالهوية نجد أسئلة من قبيل: "إذا أمكن استنساخ عدة نسخ من عقلك (نفسك) فأي منها سيكون أنت؟" و "ما هو عمر هذه النسخ الرقمية Digital لذاتك وهل تخضع لنفس قوانين ذاتك المتجسدة في جسدك البيولوجي الحي؟". وهي أمثلة لبعض الأسئلة التي مازالت تشغل الباحثين من مجالات مختلفة بدءا من تكنولوجيا المعلومات وانتهاءا بالفلسفة ومرورا علوم المخ والاعصاب وعلم النفس الادراكي.

1) عشرة أمامها 11 صفر
2) عشرة أمامها 14 صفر
3) الـ "تيرا بايت" TB وحدة لقياس حجم البيانات وتساوي مليون مليون بايت. والبايت الواحد يتكون من 8 حروف.
4) تتضاعف قوة معالجات الكمبيوتر كل سنتين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الشرطة الأمريكية تعتقل عشرات اليهود الداعمين لغزة في نيويورك


.. عقيل عباس: حماس والإخوان يريدون إنهاء اتفاقات السلام بين إسر




.. 90-Al-Baqarah


.. مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى وسلطات الاحتلال تغلق ا




.. المقاومة الإسلامية في لبنان تكثف من عملياتهاعلى جبهة الإسناد