الحوار المتمدن - موبايل



لعبة المرايا في رواية -أوراق- لعبد الله العروي

أحمد القنديلي

2018 / 3 / 5
الادب والفن



تتشكل "أوراق" عبد الله العروي من متن ومبنى حكائيين بطريقة خاصة، بحيث يبدو كل منهما وكأنه قائم بذاته. أما المتن فهو المادة الخام التي اشتغل عليها كل من المؤلف المجرد المضاعف وشعيب. وهذه المادة هي الأوراق المبعثرة التي تركها ادريس و"مات". وأما المبنى فهو الذي تمثله "أوراق" من حيث هي نص روائي نسجه السارد الضمني بواسطة شخصيتين فاعلتين هما: شعيب و المؤلف المجرد المضاعف(1).
بحضور أوراق إدريس مبعثرة بعد موته يطرح سؤالان جوهريان نفسيهما على شخصيتي الراوية. أما السؤال الأول فهو ذو طبيعة وجودية:
″هذه أوراق إدريس، خذها أنت أقرب الناس إليه، وإلا اشتراها البقال ليحرقها أو يغلف بها الحمص... ″)صـ 9 من أوراق(.
أن يتم الانتفاع بأوراق إدريس، فهذا معناه أن يتم الاحتفال به من خلال الاحتفال بها. والاحتفال هنا تجسيد للكينونة ولمعناها.
وأن يشتريها البقال ليحرقها، أو ليغلف بها الحمص، فهذا معناه أن يتم تدميرها وتدمير صاحبها، وذلك بجعله في خبر كان الذي كأن لم يكن أبدا.
وأما السؤال الثاني فهو ذو طبيعة فنية :
"الأوراق، بلا شك، غير متسلسلة، أساليبها متنوعة، إذا رتبتها على كيفي ربما حملتها معنى غير الذي أراده إدريس" )ص: 9 من أوراق(
وهو سؤال يطرح قضية في غاية الأهمية: كيف يتم ترتيب نصوص مبعثرة في غياب مبعثرها ؟ ومؤكد أن هذا السؤال المأساوي فنيا ووجوديا يستنفر أسئلة أخرى متشابكة، هي التي تحاول ″أوراق″ ملامستها.
إن أوراق إدريس شبيهة بالرسالة المسروقة في قصة إدكار ألان بو، والتي استعان بها جاك لاكان لفهم اللاشعور.
فإذا كانت اللغة شرطا أساسيا لتجسيد الكينونة، فإن وجودها مشروط بالوجود الناقص لتلك الكينونة ذاتها. غير أن اللغة وهي تسعى تحقيق الكينونة كاملة تحققها ناقصة أو تنفيها كلية حين تنقلها من مستواها الواقعي إلى المستوى اللغوي/ الرّمزي بما يتضمنه هذا المستوى من أساليب الإخفاء أو الإقصاء أو التوجيه أو الاختزال أو التضخيم أو التخييل . أما إذا كانت الذات المتكلمة غير مكتملة الكيان ـ تجتاز المرحلة الأولى ، أو الثانية من مراحل المرآة كما حللها جاك لاكان ـ فإنها تقدم صورة مغايرة تماما للكينونة التي تريد التعبير عنها. من جهة لأن الدّال يمتلكها بدل أن تمتلكه، ومن جهة لأنها مبعثرة.
وحين تضطر في هذه الحالة إلى التعبير، تقدم صورة مشتتة لكينونة لغوية أخرى، غير الكينونة الأصلية التي تريد التعبير عنها، فتمارس التشتيت والنفي معا. ومن هنا يتضاعف تبعثرها.
وبهذا المعنى فإدريس الذي عاش" منفصلا عن نفسه " )أوراق ص: 15 ( لم يترك الأوراق مبعثرة لأن الموت عاجله، ولكن لأن تبعثرها كان تجسيدا لتبعثره. لقد ″فضل الخمول على الظهور حتى ظن البعض أنه مات وهو مازال يرزق″ )اوراق ص: 14(.
والخمول هنا كمون، ووجود غير مكتمل ترى فيه الذات ذاتها مبعثرة، وما حولها كذلك. وكل ذات بهذا الشكل لا يتحقق لها كيان إلا بتدمير ما حولها بحثا عن معنى ، فإما أن تجد المعنى وإما أن تدمّر ذاتها هي الأخرى.
وإذا ما تأملنا المدلول العام في أوراق إدريس المبعثرة نلاحظ أنه كان خلخلة لكل شيء بحثا عن معنى للذات الفردية والجماعية ولكن دون جدوى. ولذلك كان الملفوظ في نهاية المطاف نفيا لكل شيء جسّده نفي الذات على نحو مأساوي .
يخبرنا السرد في″ أوراق ″ أن والدة إدريس ″ نذرت وهو في بطنها ألا تدخله مدارس النصارى، وأن توقفه على شيوخ فاس ومراكش، ولكنها ماتت وهو صغير، فوجّه إلى غير ما أرادت "... ولمّا خالف إرادة والدته " لم يجعل الله بركة فيما تعلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجنة تحت أقدام الأمهات " )اوراق ص: 13 (.
وبهذا المعنى فحالة إدريس شبيهة بحالة هانس الصغير التي خللها كل من فرويد ولاكان (2) لقد كان غياب الأم الحافز الواعي واللاواعي لكتابة الأوراق المبعثرة. غير أن الأم هنا ليست كذلك بالمعنى الحقيقي للكلمة. إنها الأصل الإجتماعي. ـ وقد تم تمثله رمزيا ـ الذي يمنح لصاحبه الإحساس بالإنتماء للأصل الوطني، وبضرورة التفكير في حاله ومصيره . ″ المهم أنه كان فقيرا ماديا وعاطفيا... كانت الحقيبة من عمل أحد الصناع أصدقاء أبيه، خشبيّة مشدودة بسلك من حديد يحز كفه اليمنى. ″)أوراق ص 17 (
وبموت الأم عاش إدريس اليتم عاطفيّا وطبقيا. ولكنه حين امتلك اللغة / الرأسمال الرمزي، رغب في التعويض من أجل إثبات الذات / الموقع الإجتماعي والرمزي، وإثبات الموضوع / الأصل الوطني المشترك.غير أنه لم يعمل إلا على نفي ما سعى إلى إثباته فانتهى.
وهكذا تحول الدّال من عنصر مثبت للوجود / المدلول إلى عنصر نافٍ له. وتحوّل المتكلم من ذات واعيّة إلى ذات لاواعية " تفكر حيث لا توجد وتوجد حيث لا تفكر" )لاكان .(غير أن لموت الأم هنا تفسيرا آخر يكشف عنه لاوعي السرد )أوراق ص: 13 (. إنه ″ العقوق ″ من حيث هو هنا ذلك التعالي النّرجسي على واقع اجتماعي / تاريخي محبط بواسطة فكرٍ متعالٍ تقمّصته الأنا، فبدت مشتتة تشتتا مفزعا لا يفضي إلا إلى الموت / الإحباط.
إن ما يميز″أوراق″ عبد الله العروي أنها رواية ذات حُبكة مشتتة تستفز قارئها، وتحثه على تركيب ما لا يتركب. غير أن القارئ حين يمسك ببنيتها الكبرى / الإخفاق يشرع في بنائها بما يحقق اتساقها وانسجامها تارة برد المجمل إلى المفصّل أو العكس، أو بردّ العام إلى الخاص أو العكس، وتارة بالبحث عن المعرفة الخلفيّة التي يومىء السارد من خلالها إلى المؤلف المفكر الشيء الذي يعني استحالة قراءتها بمفردها ـ دون قراءة فكر صاحبها ـ أو قراءتها قراءة خطيّة كسولة.
هذا على مستوى القراءة التي تجعل القارىء متوترا بين معرفته وجهله ـ بسببٍ من طبيعتها التعليمية ـ بحثا عن معرفة ممكنة . أما على مستوى لذة القراءة، فإن القارىء يتيه في المتخيل الروائي المضاعف بين المرايا المتشققة المتقابلة.
حين شرع كل من المؤلف المجرد المضاعف وشعيب ـ من حيث هما شخصيتان روائيتان متخيلتان ـ في ترتيب الأوراق وقراءتها ، فعلا ذلك من أجل إعطاء معنى لصاحبها حيّا وميتا.
وحين شرعا في الحوار، أخذ حوارهما طابعا تناظريا حادّا. كلّ يحاول بناء قواعده الخاصة من أجل شرعنة تأويله الخاص، دون أن يستطيع إلى ذلك سبيلا.
ويرجع ذلك إلى رغبة السارد ـ و خلفه المؤلف الضمني ـ (3) في جعل كل شخصية مسرود عنها )إدريس – المؤلف المجرد المتخيل – شعيب( مرآة للأخرى بحيث تكاد كل شخصية تنحل في الأخرى، في دورة لا متناهية تتحول معها الحقيقة إلى حقائق أو إلى لا حقيقة.
يقول شعيب عن إدريس " كنت أرى أنه مرآة تنعكس فيها روحي، وأنا مرآة تنعكس فيها روحه. " )أوراق ص)11
غير أن هذه المرآة بقدر ما تجسد التماهي بين الطرفين، بقدر ما تبدو مرآة متشققة يكسوها الضباب أو الغبار أو البخار.″ لا أستطيع حتى استحضار شكل إدريس .. عاشرته حتى أننّي لم أعد أراه.″ )أوراق ص 12(
من خلال هذين النصين وغيرهما يتضح أن" أوراق" تشتغل - عن عمد - على بناء ذاتها بناء حواريا وذلك من خلال تذويت خطاب المتكلمين إلى درجة أن كلام كل متكلم يغدو منشطرا على ذاته، يدعي المعرفة ولا يمتلكها؛ الشيء الذي يجعله كلاما مؤسلبا (بالكسر) ومخيّلا (بالكسر) لكلام مؤسلب (بالفتح) ومخيّل (بالفتح) أصلا هو كلام إدريس.
لقد كتب إدريس أوراقه في أوقات متفاوتة، لكنه مات وتركها مبعثرة / ممزقة، وحين عمد شعيب والمؤلف المجرد المضاعف إلى ترتيبها رتباها بطريقتهما التوافقية الخاصة التي لم تعمل إلا على مضاعفة تبعثرها / تمزقها.
وهذا ما خلق تمزقا في شخصية إدريس أفضى بها إلى الموت / التبخر في نهاية المطاف. وتمزقا آخر في بنية ″ أوراق″ التي مزجت ـ عن عمد ـ بين السيري والروائي، وبين الرواية / الاطروحة (4) كما يرغب المؤلف الواقعي بخطابه التعليمي في بلورتها، والرواية الحوارية كما اندفعت إليها الأنا الثانية لهذا المؤلف من حيث هي أنا المؤلف المجرد. (5) وهذا ما يبرر الصراع الدرامي داخلها بين الفكري والروائي.
وإذا كان من المستحيل الحسم في ترتيب الأوراق، فهل يمكن الحسم في قراءتها؟
إن جوهر ما قام به شعيب و المؤلف المجرد المضاعف هو قراءة الذات في محاولة قراءة الآخر. كل يدعي القدرة على القيام بالقراءة الأدق والأكثر التصاقا بالحقيقة. شعيب؛ لأنه صديق الهالك، والمؤلف؛ لأنه مؤلف حرفتاه القراءة والكتابة.
بتموضع المؤلف وشعيب ذاتين مؤولتين لموضوع هو أوراق إدريس ، يحضران حضورا وظيفيا: تدوين الشروحات والتأويلات على الهامش.
وبهذا الحضور الوظيفي يتحولان إلى نصين قارئين لنص مقروء. وبين الأولين و الثاني فاصل زمني محض لا يلغي الوجود القديم لها جميعها. هذا ما يجعلها بدون أصل ما دامت تتصادى وتعكس ذواتها في مرايا متقابلة.
ومؤكد أن كل تلفظ يدعي استنباط حقيقة الملفوظ ـ ولا يستنبط إلا أغوار ذاته، التي لا يمكن أن تستنبط هي الأخرى مادامت مستبطناتها الواعية واللاواعية لاتحد ـ لا يستنبط في نهاية المطاف المدلول الذي يبقى مختفيا ومشتتا في أمكنة ما من الذاكرة والواقع والحلم دون أن يستطيع أحد الوصول إليه.
لقد ضاع إدريس في أوراق كل من شعيب والمؤلف المجرد المضاعف، أو ضاعت أوراق هذين في أوراقه المبعثرة.
هكذا أصبحنا أمام ثلاث شخصيات، وظيفة كل واحدة منها إنتاج النصوص. وكل نص مقروء أو قارئ يقدم ذاته باعتباره حقيقة. أما الحقيقة في ذاتها فقد بقيت بعيدة المنال.
من يحاول القراءة بعد الآن؟
إذا كان كل هذا قد حصل بسبب أوراق إدريس، أفلا يمكن اعتبار هذه الأوراق مسمومة بسم أسطوري مادامت قتلت صاحبها ويمكن أن تقتل أي قارئ محتمل؟ (6).
إن ″ أوراق″ عبد الله العروي″ سيرة فتى ً يهاجر إلى باريس ويمسخ خفاشا لا يعيش إلا بالليل. ″ )أوراق ص: 212 ( (7) .
في الليل كانت الكتابة التخييلية التي قالت ما لم يقله المؤلف المفكر في كل ما كتب، وفي الليل كانت القراءة، وفي الليل كان تكوين كل شيء .


الهوامش:
(1) نستعمل مصطلح المؤلف المجرد المضاعف من حيث هو شخصية متخيلة تمييزا له عن المؤلف المجرد كما تتحدث عنه الدراسات السردية. انظر″ مستويات النص السردي الأدبي: جاب لينتفلت - ترجمة رشيد بنحدو. مجلة آفاق ) اتحاد كتاب المغرب( ع8-9 سنة 1988 ص: 79 وما بعدها .
(2) الجدلية العقلانية عند لاكان: عدنان حب الله مجلة الفكر العربي المعاصر ع: 16 سنة: 1981 ص: 53 وما بعدها.
(3) انظر مقال ″ مستويات النص السردي الأدبي م.س.
(4) انظر الدراسة القيّمة للرواية الأطروحة : سوزان روبين سليمان P.V.F باريس 1983
(5) انظر في هذا الصدد: ) درس السيمولوجيا : رولان بارت ص 64 وما بعدها.
(6) العين والإبرة ) دراسة في ألف ليلة وليلة( عبد الفتاح كيليطو، ترجمة مصطفى النحال. نشر الفنك – البيضاء 1996سنة: ) الفصل الثالث(.
(7) أوراق: سيرة إدريس الذهنيّة. عبد الله العروي، المركزالثقافي العربي ط 4 – سنة: 2000.







اخر الافلام

.. الفنانة سميرة عبد العزيز تكرم الناجية من حادث الدرب الأحمر


.. تفاعلكم | جدل حول النشيد الوطني العراقي وكاظم الساهر


.. رئيس حزب المؤتمر: الاتحاد الليبرالي يهدف لنشر الثقافة الوطني




.. ماذا قال وزير الثقافة السعودي للعربية عن مشروعات الرياض العم


.. جولي والموسيقى وأطفال داعش