الحوار المتمدن - موبايل



عديقي اليهودي الفصل العشرون * القتل لمجرد الرغبة في القتل !

محمود شاهين

2018 / 3 / 6
الادب والفن



أوغل جنود الإحتلال في التصدي لتظاهرات الشباب والفتية الفلسطينيين التي عمت مناطق عديدة في الضفة وغزة ، مستخدمين الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز . قتل شاب في غزة وطفلة في القدس . وأصيب العشرات بجراح مختلفة، كما اعتقل العشرات حتى من أطفال في حدود العاشرة من أعمارهم . لم تكن طفلة القدس تشارك في تظاهرة ، كانت عائدة من المدرسة حاملة حقيبة الكتب المدرسية على ظهرها ، ولم تكن تحمل بيديها أي شيء يمكن أن يشتبه به ، أي شيء على الإطلاق، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن الطفلة ستتوقف على مسافة تقارب ثلاثة أمتار من جندي ما متأهب لإطلاق النار، وتنزل الحقيبة عن ظهرها، وتفتحها، وتخرج منها سكينا ، تهجم به على الجندي لتطعنه ، والجندي يتفرج عليها . مسألة كهذه لا يمكن أن يتخيلها إلا جندي أحمق ، وطفلة حمقاء أيضا .. كانت الطفلة تمرعلى مسافة أمتار من بضعة جنود من الفصيل الذي يقوده شمعون سليمان ، مراعية أن لا تنظر إلى الجنود ، مدركة أن مجرد النظر إليهم قد يثير الشبهة وربما يردون بإطلاق النار . فوجئت الطفلة بأحد الجنود يصرخ بها أن تتوقف . التفتت نحو الجنود لتتأكد من أنها المقصودة بالتوقف . كرر الجندي أمره . توقفت الطفلة . اقترب الجندي خطوة واحدة من الطفلة مسددا بندقيته . رفعت الطفلة يديها لتريه أنها لا تحمل شيئا بهما . تابع الجندي صراخه مشيرا إلى ملابسها .. فكت أزرار مريولها لتريه أنها لا تخفي شيئا تحت حزام بنطالها. أشار الجندي إلى الحقيبة .. أنزلتها عن ظهرها وفتحتها موجهة بابها نحو الجندي ، فيما الجندي يتهيأ بحذر شديد واضعا اصبعه على زناد البندقية ، والجنود الآخرون ، يرقبون المشهد الدرامي ، إضافة إلى بعض المارة الذين استوقفهم الأمر . تابع الجندي صراخه . لم تعرف الطفلة ماذا يريد ، لم تجد إلا أن تقلب الحقيبة رأسا على عقب ، لتسقط الكتب وكل محتوياتها من أقلام ودفاتر ومسطرة على الأرض، ثم تلقي بالحقيبة نفسها فوق محتوياتها ، متسائلة بذعر عما يريده الجندي بعد ؟ وهنا بالضبط بدا أن رغبة الجندي في القتل قد خابت و لم تتحقق ، فالطفلة لا تحمل شيئا يستدعي القتل ولا حتى الإعتقال ، لكن الرغبة تأججت إلى حد فظيع، لم يعد في الإمكان السيطرة عليها ، ضغط الجندي على الزناد، لتنطلق قرابة خمس رصاصات اخترقت جسد الطفلة . خرت الطفلة صريعة على الأرض وجسدها يتلوى ويرتعش ، فيما صرخ الواقفون من أعماقهم هلعا وغضبا وقهرا ، ولم يبد على الجنود ما يثيرالقلق أو أي شيئ آخر، عدا واحدا لم يحتمل النظر إلى جسد الطفلة المحتضر، فانكفأ مديرا ظهره إلى المكان .
*****
أحد المتفرجين على الواقعة صوّرها بجهازهاتفه المحمول، وأرسلها إلى وكالات الأنباء . ملايين البشر في العالم شاهدوا الجريمة على شاشات التلفزة . جريمة واضحة وضوح الشمس، ليس في الإمكان غض الطرف عنها، يرتكبها جندي مهووس بالقتل، ولا يمكن اعتبارها غير ذلك .
حين عرفت سارة سليمان أن الجندي قاتل الطفلة هو أحد أفراد الفصيل الذي يقوده أخوها ، قذفته بشتيمة كبيره وانهالت على الدولة التي ترعاه وترعى القتلة أمثاله بسيل آخر من الشتائم .. اتصلت به مبدية غضبها ، مطالبة بأن يقدم الجندي إلى المحاكمة . كما اتصلت بيوئيلا التي توطدت علاقتها بها، وطلبت إليها أن تمارس الضغط على شمعون ليتوقف عن ممارسة البطش على الأطفال والشبان الفلسطينيين . وحاولت الإتصال ببعض أصدقائها من جماعة السلام الآن للقيام بتظاهره تشجب قتل الأطفال الفلسطينيين ، غير أن اتصالاتها لم تسفر عن شيء . واتصلت بعارف نذير الحق مبدية حزنها لمقتل الطفلة، وأسفها لما جرى ذلك اليوم في الضفة والقطاع . شكرها عارف مؤكدا أن لا جديد في الأمر، فالقتل والتعسف يجريان يوميا وعلى مدارالسنين من قبل قوات الإحتلال.
يعقوب سليمان لم يكن في حال أفضل . كان يتمنى أن يسير الواقع في اتجاه أحسن ، ليواجه (عديقه ) عارف نذير الحق بالتحدث عن احتلال رحيم، يمكن أن يتم التفاهم معه للوصول إلى سلام ما قد يدوم لبضع سنين ، وها هي الأمور تسير نحو الأسوأ .. فكر في اجتماع للعائلة يمكن أن يتم فيه النظر إلى الفلسطينيين كبشر وليس كأفاع وأوباش قذرين . رأته راحيل مهموما ، فتساءلت :
- تبدو مهموما كثيرا لمقتل هذه الفتاة ! هون عليك وانتبه لصحتك !
- فتاة ؟ تقولين فتاة ؟ ألم تري أنها قد لا تتجاوز العاشرة من عمرها ؟ حتى لو كانت فتاة ، هل رأيت ما يستوجب قتلها وبهذه الوحشية ؟ ماذا لو أن طفلة اسرائيلية قتلت بهذ ا الإجرام ، لأقامت اسرائيل الدنيا وأقعدتها .. هنا يقتل الأطفال والشباب الفلسطينيون كل يوم تقريبا والعالم يتفرج ، وإسرائيل تضرب عرض الحائط بمئات قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تدينها !
بدت راحيل في حالة ذهول وهي تستمع إلى لهجة جديدة لم يتحدث بها زوجها من قبل ولو بهذا الوضوح !
- يوه يوه يوه ! منذ متى تتحدث عن هؤلاء الأوباش القذرين بهذه اللغة جاكوب !؟ ما الذي يحدث معك ومع ساراي في طلعاتكما إلى البريّة ؟ لعلكما تلتقيان أوباشاً فلسطينيين استطاعوا غسل دماغيكما!؟
ولا يمكن لأحد أن يتصور مدى دهشة راحيل حين فوجئت بيعقوب يصرخ بها لأول مرة في حياته بهذا القدر من الإنفعال :
- نحن الأوباش ، ونحن أقذر البشر بين الأمم ، وعليك أن تدركي ذلك ، نعم التقينا أنا وسارة بإنسان فلسطيني مهذب ، سحرنا بتهذيبه وإنسانيته وثقافته، يعرف توراتنا أكثرمما نعرفها جميعنا ، حتى أكثر مما يعرفها ويفهمها حاخامات اسرائيل مروّجي خرافاتها وأساطيرها . هذا الرجل كان بإمكانه أن يقتلني ببندقيتي دون أن يعلم به أحد ، ومع ذلك لم يفعل ، لأن إنسانيته ارتقت به إلى أن يسمو بنفسه فوق القتل والكره والحقد ، حتى مع عدوه ومغتصب وطنه ، فأين نحن من هذا الإنسان ، أليس هذا المهووس قاتل الطفلة يكمن في كل فرد منّا، من أصغر طفل حتى نتنياهو.. وما ابنك الذي يقود فصيلا من القتلة، وجنديه المهووس إلّا النموذج الذي يجسد هذه الرغبة في القتل . أفيقي على نفسك يا راحيل وتذكري دائما أننا لسنا أكثر من محتلين ومغتصبين لبلاد لم تكن يوماً وطناً لنا !
ظلّت راحيل فاغرة فاها للحظات ، لا تصدّق أنّ جاكوب تغير إلى النقيض مما كان عليه ، فهل يعقل أن يكون هذا الفلسطيني الذي يتحدث عنه ساحرا ، ألقى بسحره عليه وعلى ساره ؟ ماذا يكون إن لم يكن كذلك ؟ فالتأثير إلى هذا الحد ليس أمرا طبيعيا .. تساءلت وهي تحاول جمع شتات عقلها :
- إذن قصة تخبئة بندقيتك في البريّة كانت كذبة ، هل استولى عليها هذا الفلسطيني في غفلة منك أم أنك أعرته إياها ليصطاد بها ؟!
حاول يعقوب أن يكبح غضبه قدر الإمكان :
- بندقيتي ليست هي المشكلة الآن . لا بد من إقناع ابنك بأن يخفف يده عن البطش بالأطفال الفلسطينيين ، طالما ليس بوسعنا أو بوسع أحد أن يضغط على حكومة نتنياهو لتغيّر سياسة البطش.
- شيمون ينفذ أوامر مسؤوليه ويتقيد بسياسة الدولة وليس في الإمكان أن يتراجع عن ذلك ؟
- وهل من سياسة الدولة أن تقتل طفلة لمجرد الرغبة في القتل ؟ ألم نرعهد التميمي تلكم جنديا دون أن يطلق عليها أحد النار، فلماذا لم ينفذ هؤلاء الجنود سياسة الدولة بالقتل واكتفوا باعتقال عهد ، بينما نرى أن ذاك الجندي قتل طفلة بريئة لمجرد الرغبة في القتل؟!
- ألم تقل أن الجندي القاتل مهووس ، أي خفيف العقل ، أو مجنون ؟
- وهل جميع القتلى والجرحى الفلسطينيين يقتلون ويجرحون من قبل مهووسين في جيش الدفاع ؟ ألم نرهم يطلقون النار حتى على الجرحى المحتضرين في الرمق الأخير من حياتهم ؟ إذا كان كل هؤلاء مهووسين فأي جيش هذا ، وكيف يبقي على أمثال هؤلاء في صفوفه ؟ المسألة تعود لضمير وأخلاق الجندي نفسه ، فإما أن يكون قاتلا متوحشا وإما أن يحتفظ بالحد الأدنى من إنسانيته، وإنه لأمر مؤسف أن ينتمي ابنك إلى النوع المتوحش من الجنود!
وهنا صرخت راحيل بانفعال في وجه يعقوب :
- جاكوب إنه ابنك فكيف تنعته بالوحشية ؟ حسب ما أعرف أنه لم يقتل في حياته إلا واحدا من رماة الحجارة ، ولم يطلق النار عليه إلا بعد أن أصابه بحجر في كتفه !
شرع يعقوب في قهقهة هستيرية ، ثم هتف بانفعال وسخرية :
- أصابه بحجر في كتفه ! قنبلة حجرية استدعت ابنك أن يطلق النار على الشاب ليرديه قتيلا . إن لم تكن هذه وحشية فماذا يمكن أن تكون أيتها النعجة ؟
ردت راحيل بانفعال أقرب إلى الصراخ :
- أنا نعجة يا جاكوب ؟ نعجة لأنني قبلت الزواج منك دون أن أحبك !
- لست من أسماك راحيل ، ويا ليتك تحملين وداعة النعجة ! قبلت الزواج منّي لأنك لم تجدي من يتزوجك ! فمن يتزوج من نعجة لا تجيد إلا حقن إبرالبنسلين !
- وما له حقن البنسلين يا عاقب !؟ هل أصبحت مهنة التمريض عارا يا عاقب؟
قرع جرس الباب . هرع يعقوب وفتحه . كانت سارة تحمل في يدها كيسا من النايلون . هتفت دون تحية :
- ماذا يجري باب صراخكما واصل إلى الخارج !
- قولي للنعجة أمك باب كيف تدافع عن ابنها القاتل !
- أف أف يبدو أن الوضع تأزم بينكما إلى حد كبير، وهو ابنك أيضا باب هل نسيت ذلك ؟
دخلا .. صافحت سارة أمها ودعتها إلى الهدوء . سارع يعقوب في الرد على سارة وهو يجلس على أريكة:
- لا لم أنس ساراي، لكني غيرت رأيي في ما يقوم به شيمون وأحاول أن أردعه عن القيام بذلك .
- إذن اصبر على مام إلى أن نقنعها بتغيير رأيها أيضا ! لماذا تتعجل الأمور ؟ وحينئذ قد نقنع شيمون بتغيير تعامله مع الشباب الفلسطينيين .
- أمك لن تقتنع وشيمون كذلك !
- أرجوك باب . لا تقفل الأبواب ولا تتشاءم . مام كانت ممرضة . والممرضات ملائكة رحمة كما نسميهن ، فكيف لا تكون رحيمة مع الأطفال ؟ أليس كذلك مام !
- قولي للعاقب أبوك !
- أوه مام كفى . ألن نخلص من هذا ؟
- هو الذي بدأ بنعتي بالنعجة !
- طيب مام حالة انفعالية طارئة وانتهت !
شرعت راحيل في البكاء :
- لا لم تنته . لقد سخر مني أيضا وادعى أنني لم أجد من يتزوجني غيره . وأنني لا أجيد في حياتي إلا حقن البنسلين .. هل هذا كلام يقال لي بعد كل هذا العمر ؟
اقتربت سارة من أمها وضمت رأسها إليها وراحت تربت على ظهرها .
- أوه مام حبيبتي . هوني عليك . سامحيه كانت لحظة انفعال ..
- لن أسامحه إلا إذا اعتذر لي !
- سيعتذر مام !
وأشارت بحركة من رأسها إلى أبيها أن يعتذر . اعتذر قائلا :
- عذرا راحيل !
- وقبل رأسها أيضا !
نهض يعقوب وقبل رأس راحيل ، فيما شرعت سارة بمسح دموع أمها بمنديل ورقي ناعم .
هتف يعقوب مخاطبا سارة بعد لحظات صمت عادت فيها راحيل إلى هدوئها:
- هل رأيت شيمون ؟
- اتصلت به ما أن سمعت بالأمر وأشبعته شتائم ثم التقيته أنا ويوئيلا فيما بعد . وعد بالعمل على تقديم الجندي إلى المحاكمة ..
- هذا جيد . وهل تم اعتقال الجندي ؟
- أظن أنه اعتقل لكني لم أتأكد !
- نأمل أن تكون المحاكمة عادلة وأن ينال الجندي عقابه ، وينال أهل الطفلة تعويضا من السلطات !
ضحكت سارة وهي تقول :
- لا تتفاءل باب قد تحكم عليه المحكمة بتغريمه شيكلا واحدا أو بضعة شواكل كما في بعض المحاكمات !
وتذكرت ما احضرته معها :
- لقد أحضرت لكما شاورما فلسطينية آمل أن لا تكونا قد تغديتما .
ونهضت سارة كما نهضت أمها لإعداد طعام الغداء .
*****







اخر الافلام

.. بي_بي_سي_ترندينغ | فنان شارع في #تايوان يتمتع بمهارات بهلوان


.. الفنانة يسرا سعوف ضيفة خديجة الرحالي في حلقة نُون - بث مباش


.. الشروق| الفنان رامي عياش يتعاقد مع شركة «مزيكا» للألبوم الجد




.. فى ذكرى رحيل الفنان طلعت زين.. ما لاتعرفه عنه


.. دار الأوبرا الجزائرية تنبض بالحياة احتفالا بالصداقة مع الصين