الحوار المتمدن - موبايل



نحن نعاني من أزمَةُ نصْ لا أزمَةُ شخص .. !

زكريا كردي

2018 / 3 / 11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


" أسئلة ومقدمات "
- عندما تُثبتُ التجْرُبة خطأَ أيديولوجيا معينة أو عقيدة ما ، أو عندما يُكذّب الواقع العلمي نظريةً أو فكراً ما ، يتعيّن حينئذٍ على الباحث الحصيف ان يُعيدَ النظر فيما يعتقد ويفكر، وأن يبحث عن أصل الخلل في أركان نظريته أو فكرته .. ولكن إذا أصرّ على صحة تلك النظرية لديه ، رغم وجود تجربة - ولو واحدة - تُخطؤها ، ازداد المُصرُّ ابتعاداً عن حرم العقل العلمي وخرج عن البحث التجريبي القويم على حد تعبير " كارل بوبر.. "
وأما إذا وصل الأمر به إلى العناد ، والإيغال في عواطف الاعتقاد المُطلق بالنظرية ، والهروب من حقيقة خطأ التجربة ، والتشدّق بالدّعوة إلى انتظار الواقع المناسب للنظرية كي تتحقق صحتها المزعومة .. عندئذٍ سيقع في شرَكِ التفكير الساذج والمُضلّل ، وقد تنقلب تلك النظرية الخاطئة لديه ديناً جديدأ ، أو نسقاً فكرياً مُغْلقاً يَسْتعصِ على الفهم والعقل خلعه أو التخلّص من تأثيره ، وهنا يُطلق على مُريديه والمدافعين عنه برغوة الكلام " أهل الايمان أو النقل أو الفقهاء أو ..الخ " ..
و أيّاً كانت تسميّتهم ، إلا أن وظيفتهم تبقى واحدة وهي تجارة رغوة الكلام وشحذ الهمم والإقدام للدفاع عن موضوع إيمانهم الخاطئ ونظريتهم المكذوبة ، ومثابرة الدجل على الناس بمختلف الأشكال ، حتى ولو ادعوا البحث العلمي أو اختبئوا وراء عقلانية بحثية برّاقة كذوبة ..(على شاكلة الأفّاق الظريف " زغلول النجار")
ليصبح بعد ذلك ، موضوع الإيمان بحد ذاته ، عائقاً آخراً أمام الحقيقة كي تظهر ، وأغلالاً جديدة تزيد من إختناق العقل فيهم ، وتمنع عنه دهشة السؤال ، وهو العقل المثقل أصلاً بتاريخٍ مُضْنٍ للطبيعة البشرية وتطورها ..
تاريخياً ، لقد ظهر الفكر النقدي في التاريخ الاسلامي ، في بداية القرن الثاني الهجري ، حيث نشأ ما يسمى الحركات الفكرية العقلية كالمعتزلة ، التي غَلبّتْ إعمال العقل على إجلال النقل في فهم الكثير من أركان العقيدة الإسلامية ، ( مرتكب الكبيرة – العدل - التوحيد – الثواب والعقاب ..الخ .
وقد شكّل الفكر الإعتزالي ، برأي ، محاولة حقيقية أولى لحل الإشكال الذي يُسببه النص الإسلامي الرئيس (القرآن) ، في الافتراق عن الواقع ، وكان لتلاميذ أبا الهذيل العلاف والنظام وسواهما ، إدراكهم العبقري والجريء آنذاك ، في أن الإعتماد على الحَرْفية في التطبيق والفهم النقلي للقرآن ، هو أمرٌ مفارقٌ للحقيقة ، ومُخالفة واضحة لأبسط قواعد المنطق والإيمان.
و رأوا أن هذا التطبيق الحرفي الأصولي (إذا استمر ، وقد استمر للأسف ) سيتسبّب بالضرورة يوماً ما ، بالإرباك والتشوش الفكري أو البلبلة العقلية للمؤمنين بهذا النص .. مما سيبعدهم عن فهم حال العلم وأحوال العالم .. ويجعلهم محطَّ سُخْرية الأمم ، في كلُّ ما يقولونه أو يأتون به من هذرات شروح ومبررات لتعاليم هذا الدين ، وقد يُصبحون يوماً ما ، بالفعل ، كالقَصْعة التي تتداعى عليها أكَلَةُ الأمم ..
لكن وبالرغم من أن أصحاب الاتجاه العقلي من المسلمين ، لم يستطيعوا أنْ يُحققوا انتصاراً مطلقاً ، على أصحاب الفكر النقلي ، بمن فيهم أولئك الذين سُموا زوراً بالفرقة الوسطية من " الأشاعرة " ، الذين هم أقرب في توفيقياتهم إلى أهل النقل . إلا انهم - أي العقليون - استطاعوا ، وبحق ، تَرْكَ أثرٍ هامٍ في مسار الفكر الديني الاسلامي ككل ، امتدت آثاره إلى أمدٍ بعيد ..
أمّا الآن ، وقد أصبح المسلمون على أعتاب القرن الحادي والعشرين بتعدادٍ يفوق المليار ، و بعد ما وصل حالهم إلى ما وصل إليه ، من تخلفٍ واضحٍ عن ركب الحضارة والعلم والتقدم الاجتماعي ، وما يعانونه من إنقسامات طائفية ومذهبية وتشظٍيات تفوق الاثنتان وسبعين فرقة ، كلٌ منها تناحر و تناكف و تكفّر بعضها بعضاً .. بل وتسابق كل فرقةٍ أختَها ، في الغلو وعنف التطرّف ، أو في إصطناع الأوهام والتخلف والعدوان ..إلى درجة بدا للعالمين وكأن المسلمون يُعَادون البشرية قاطبة .. ويحاربون كل معتقداتها ومللها ، حتى بات العالم وكأنه مُقبل - لا محالة - على معركة ( أهرمجدون ) حاسمة قاصمة ، ضد أتباع الدين الاسلامي ..
الأمر الذي يتطلّب من كل ذي عقل رشيد (مسلم أو غير مسلم) ..الالتفات الفوري إلى السؤال متعدد الأوجه ، الذي بات يُؤرّق دوائر البحث الثقافي في المشرق والمغرب ..
هل دين الاسلام - بات حقاً - يُشكل سداً منيعاً أمام أتباعه ، كي يلحقوا بركب الحياة الإنسانية المعاصرة ..؟
وهل القرآن الذي بين أيدينا (مصحف عثمان) وكذلك ما نقول عنه صحيح الحديث من السنة النبوية . (بخاري ومسلم وغيرهما ) يجب أن يُطبق كله كما هو حرفياً ..؟ أم لا بدًّ من فتح باب الإجتهاد و تفعيل آلية التأويل العقلي ..؟
وهل يا ترى يكفي أو ينفع التأويل العقلي مع آيات بعينها ،( مثال سورة التوبة ) ، .؟ّ التي يراها كثيرون تسيء للعلاقة بين المسلمين من جهة ، وبين المسلمين والعالمين من جهة أخرى...؟ مثل آيات الجهاد والقتل والذبح والغنائم والنكاح و ...الخ ..! والتي يظهر للعيان تمظهرها وتمثلها ( أقصد تلك الآيات ) في سلوك الجماعات الاسلامية الجهادية (دولة الاسلام والقاعدة ) .. !!
على سبيل المثال ، لو تفحصنا بإنصاف الأسباب البعيد في المعاملة اللاإنسانية حتى للموتى من الأعداء من قبل المسلمين الملتزمين بأصول الدين ، نجدها تعود إلى أصول العقيدة الحرفية من آيات وأحاديث غُرسًت في وعيهم الإيماني ، وهي التي جعلت بالتالي هذا المسلم المُتشدد ، يميل إلى اعتبار أعضاء مجتمعه الخاص (المسلمين) ومعاملتهم على أنهم كاملو الإنسانية ، ولعلمنا أن تلك النصوص هي التي منحته الشعور بأن أغلب الجنس البشري من الكفار الغرباء ، هم أقل إنسانية على نحو كبير ، وهم بناءً على ذلك لا يستأهلون تماماً – حسب إسلامه - أن يتمتعوا بالحقوق الإنسانية الكاملة..ليس لأنهم كفار من أولاد القردة والخنازير وحسب .. بل هم كما وصفتهم فاتحة الكتاب ، المغضوب عليهم أو الضالين، وهي السورة التي يرددها المسلم خمسَ مرات على الاقل يومياً .
والذي يفيد عنها الحديث الصحيح وأكثر المُفسرين (الطبري وابن كثير والسيوطي وغيرهم) بأن الكفار هم أهل الذمة (المسيحيون واليهود) وكلُّ من هم غير مسلم ..
و من هنا يبدو المسلمون المعتدلون ، الذين يدأبون دائماً على تجميل الصورة للنص هم من يُحرّفون الكَلِمَ عن مواضعه ، بينما المسلمون الحرفيون أو كما يطيب للبعض تسميتهم بالمتشددين (الدواعش ) ، هم الصادقون مع النص ومع أنفسهم ، وهم من يلتزمون بفحوى فهم النص القرآني عندهم وأحكام السنة النبوية التي وصلتهم .. وبالتالي هم المسلمون الوحيدون الذين يتجلى في سلوكهم ( العنيف وغير العنيف ) ذاك المبنى والمعنى لنص الآيات وصحيح الحديث ..
وما رفض المعتدلين لهم ولسلوكهم وفهمهم لحقيقة الإسلام سوى تفكير وهمي مَرَدُه إلى أمرين :
أولهما : التفكير الرغائبي فيهم ، والتمنّي الساذج عندهم بأن لا يكون الدّين هكذا ..
وثانيهما : أنه - أي المعتدل - جاهلٌ بنصوص دينه ، ولا يعرف عنها في الحقيقة سوى بعض المرويات الشفهية من هنا وهناك .
و لذا تجده في الحوار أو المحاجّة العقلية ، غالباً ما تكون حججه هشة وعباراته مج انفعالية تتكئ على مغالطات جاهزة ..مثال قوله : الدّين لم يقل هذا ، ولا يقصد هكذا أكمل الآية ..الخ . وبالتالي الهروب من مواجهة حقيقة الأمر الخطير حول إشكالية النص بحد ذاته.. وعدم الاعتراف بالمشكلة ، يعني تأخير أكثر فأكثر لحضور قاطرة الاصلاح لحال الناس والمجتمع وغياب إرادة التطور لأصحاب هذا الدين والعقيدة ...
أما عن جانب السؤال لماذا تفاقمت هذه المشكلة الآن ..؟ ولماذا في الدين الاسلامي بالذات ..؟ الاجابة ببساطة العجالة ، و بعيدأ عن الكوامن السياسية الحقيقية للمسألة : لأن الإسلام - حسب زعمي - يُعتبر أكثر الاديان الابراهيمية شمولية ، التي يبلغ تأثيرها إلى تغيير الجبلّة والطباع ، وهو - أي الاسلام - عقيدة خطرة جداً ، على فكر معتنقيها ، لسبب أنها مازالت تقدم النص القرآني على أنه كلام الله مبنى ومعنى ، وبالتالي سيُصبح كل مسلم في العالم مؤمن بهذه الحقيقة الاسلامية أصولي بالضرورة ..على حد تعبير الباحثة الفلسفية "حنّه أرندت ".
وأظن كلنا يعلم ، أنه كلما أوغل الدين في الشمولية السلطوية على حياة معتنقيه، كلما ابتعد هؤلاء أكثر فأكثر عن تقبل العلم أو الحداثة، سواء الفكرية أو الثقافية بل حتى الأخلاقية ..مما يصَعّبُ بالتالي ولوجهم إلى رحاب أي تقدم أو تنوير .. وهذا هو تماماً حال دين المسلمين الحالي ، إذ أن الاسلام - كما قلنا - دين شمولي بإمتياز ، لا يترك شاردة ولا واردة في حياة الانسان المسلم ، الا ويُدلي بدلوه فيها. بدءاً من استيقاظه مروراً بمأكله ومشربه وكلامه وتفكيره ونكاحه وغسله ونتفه وقضاء حاجته ... حتى غفوته .
والمعلوم أيضاً أن مؤسسوه و فقاءه يقدمون دائماً حقائق فهمهم على أنها عين الحقيقة وسدرة المنتهى في الرأي الصواب ..
اذ يكفي ان تذكر من صحيح الحديث حتى يلجم عقل السامع ، وتخرّ عاقليته صرعى أمام أية حقيقة ذكرتْ نصاً في الكتاب أو السنة..
وأما عن أضلولة الرأي الثالث عند أولئك الفقهاء فهو مرفوع بشدة لديهم ، " لأنه دين وليس تين " كما كان يُقال لنا في مراحل دراستنا الشرعية ، إذ كان مشايخنا الأكارم يُعبِّرون عن امتعاضهم من أي تساؤل أو نقد .. لايوافق هوى النص مهما كان بسيطا ، فالعاقل لديهم أما شاكرا واما كفورا .. والاجتهاد في ابسط الامور هو امر عسير للغاية ، خاصةً اذا ما ابتغى الانفتاح والحياة الأفضل ، ويُصبح عندهم - أي الاجتهاد - سهلاً جداً ، لطالما يُفضي الى تشدّد أعظم وانغلاق أكثر ..
قصارى القول :
إلى متى ستبقى تلك النصوص بعيدة عن الانتقاد أو التفنيد والتمحيص . وتختبئ وراء عقول المؤمنين الصلدة ، بين مفسّرٍ ومبرّرٍ أو بين مكذب ومدجل .؟
أما آنَ لنا أنْ نعلم أنه من غير المعقول والممكن ،أن يستمر أحد في دراسة وتلقين النصوص الاسلامية الحالية ، وأن يبقى العقل منه متوازناً ، أو أن يكون معها هو بشراً سوياً .. !!
وأنه لطالما بقيت تلك الأصول النصية بعيدة عن أي تغيير يجعلها تناسب ما وصلت إليه قيم العصر الانساني الحديث من تكريم ومساواة لجميع بني الإنسان ..
ولطالما بقي المسلمون يبددن طاقاتهم في التصدي لحقائق العلم، التي تتوضح محالفتها للدين أكثر فأكثر ،
ولطالما بقيت تلك النصوص في عقول المؤمنين بها تحارب ما وصل إليه الوعي الانساني من فهم لحريات وحقوق الانسان وفي مقدمتها حرية التعبير والإعتقاد وحرية المرأة ..الخ
فلن تقوم للمسلمين قائمة ، بل على الأغلب لن يكون لهم موطئ قدم في صدارة أي من الأمم .. ولربما يواجه - أي المسلمون - خطر الانتحار الأكيد ، بمواجهتهم لكل شعوب الأرض ومللها ، بهذه النصوص الخطرة وهذه الأفهام السقيمة كما يحدث اليوم..
في الكلمات الأخيرة : ليتنا نعلم بأن الأديان تموت ، والأفكار والنظريات العلمية تموت أيضاً ، لكن الفارق بينهما ، أن النظريات العلمية و الافكار تتبدل ، ويتخلى عنها العلماء برضى وسهولة ، أما بإضافتها وأما باستبدالٍ تامٍ لها ضمن سمة تراكمية مفتوحة .. لكن الدين - أي دين – هو نسق مغلق ، ينهض على الإيمان الرديء و عقلنة الواقع .. أي بدلاً منْ أن تكون الافكار رهنٌ بمجرى الواقع ، يصبح الواقع برمّته مرهوناً للأساطير والأوهام المقدسة وترهات الأفكار المكدسة في دهاليز تاريخ هذا الدين ، وهنا تكمن خطورته على حياة المؤمنين به ..
لنتذكر جيداً ، إنّ الأديان التي تأبى أن تتجدّد أو تفتح النوافذ ليستنشق الإنسان دونها هواء الواقع النقي ، غالباً ما تأكل مؤمنيها قبل الفناء ..
أيها السادة العقلاء من بقايا نُخَبِ المُسلمين ..!!
مرة أخرى ، نحنُ نواجه أزمة نص لا أزمة شخص ..
وعلينا التجرّؤ في مواجهة الخلل ، إذا ما أرَدنا كبشر مسلمين أنْ نبقى أو نحافظ على مقعدنا المتآكل في عربة قيم الانسانية المعاصرة .. .

للحديث بقية دائماً ..







اخر الافلام

.. الجيش الحر يرد على خروقات ميليشيا أسد الطائفية في درعا


.. خمسة قتلى في اعتداء لبوكو حرام في نيجيريا


.. الفصائلُ المقاتلة تُفشلُ محاولاتِ ميليشيا أسد الطائفية بالتق




.. الفصائل تتصدى لمحاولات تسلل ميليشيات أسد الطائفية في منطقة


.. ميليشيا أسد الطائفية تعزز قواتها في بادية الميادين بدير الزو