الحوار المتمدن - موبايل



تدهور أوضاع الحريات وأزمة الديموقراطية فى مصر

رياض حسن محرم

2018 / 3 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


جاء إعلان عدد من الأحزاب والحركات اليسارية والليبرالية ومعهم عدد من السياسيين المستقلين عن تشكيل " الحركة المدنية الديموقراطية" خطوة فى الإتجاه الصحيح لمواجهة حالة الإنحدار فى مجال الحريات العامة والهجمة الأمنية الشرسة ضد كل دعاة الديموقراطية والعمل السياسى المستقل عن النظام فى مصر، وقد أصدرت الحركة وثيقة تضم 11 هدفا من بينها المطالبة بفتح مجال العمل العام للأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدنى والإفراج الفورى عن كل سجناء الرأى والتظاهر السلمى وتعديل قوانين الحبس الإحتياطى والتظاهر، كما أكدت الوثيقة على أهمية "وضع أسس ومقومات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، والتطبيق الصارم لمواد الدستور والقانون على الجميع بلا استثناء، ومواجهة الفساد بتفعيل مبدأ الشفافية والرقابة الديمقراطية من خلال مجالس نيابية ومحلية منتخبة، وإعلام حر، وأجهزة رقابية مستقلة".
إن الممارسات السلطوية تدفع الكثيرين الى إما الإبتعاد عن العمل السياسى بمجمله والإنكفاء على الذات، أو الدوران فى فلك السلطة إيثارا للسلامة، بينما الأقلية هى من تختار بوعى أساليب المواجهة، وهذه الحالة تشبه "الى حد كبير" تلك الحقبة الأخيرة من نظام مبارك، ولكن حالة الخوف تلك تصل الى درجة معينة وتنكسر كما حدث فى 25 يناير 2011 ومع تحرك كتل جماهيرية ذات ثقل نوعى ينكسر الحاجز ويبدأ التدفق الذى لا يمكن إيقافه، بينما يفرض القمع على الحاكم ونخبة الحكم بارانويا الخوف، الخوف من مؤامرات متوهمة ومتآمرين مزعومين، الخوف من غضب شعبي ظاهر أو كامن، الخوف من التداعيات المجتمعية للمظالم والانتهاكات وهي في المجمل تستعصي على التقدير والتوقع.
يوما بعد يوم يضيف النظام من روزنامته شكلا جديدا من أشكال الفمع، فبعد تشديد القوانين المعادية للحريات كقانون التظاهر والإرهاب وغيرها، يتجه النظام للسيطرة الكاملة على الإعلام بوصفه المسؤول عن تكوين عقلية المواطن معتمدا على سطوته المالية وإستخدام رجال الأعمال المقربين منه فى شراء وسائل الإعلام المستقل بالإضافة طبعا لتلك المملوكة للدولة لينتهى به الأمر ليكون الصوت الأوحد على الساحة أو كما قال الفرعون "لن أريكم الاّ ما أرى"، وكلما إمتلأت سجونه بمعارضيه بنى سجونا جديدة، ويشمل ذلك تشويه المعارضين وتخوينهم باستخدام نفس القنوات الإعلامية، وإستخدام قدرات أجهزته الأمنية فى نشر مكالمات مسربة لخصومه بعد عمل المونتاج لها بما يدينهم بالتآمر وتلقى أموال مشبوهة، بينما يصير المواطن مقتنعا بحضور الأعداء والخونة والمتآمرين فى جميع قطاعات المجتمع، ويقبل المقايضة السلطوية التى تساومه عارضة للأمن والخبز نظير التنازل عن الحق والحرية، وبذلك يحتكر الحكم الحق الحصرى للتعريف بمفاهيم المصلحة الوطنية والأمن القومى، و من جهة ثانية، يسفه الحكم السياسة باختزالها فى تكالب النخب المدنية على المناصب التنفيذية والإدارية والبرلمانية وفى "الكلام من أجل الكلام"، وتشويه مصطلحات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان بإعتبارها جزء من السياسة التى تعنى فى مفهومة مجرد الكلام بينما هو غير سياسى ولا يعرف أساليبهم فى الكلام وحديث البرامج الإنتخابية.
نعود للماضى القريب، فبعد أن حاز تيار الإسلام السياسى بقيادة الإخوان المسلمين الأغلبية الكاسحة فى البرلمان الأول بعد الثورة، وإبّان الانتخابات البرلمانية المصرية للعام 2011 تشظّت الأحزاب العلمانية ما سبب أرباكا الناخبين ورتبت تفتيت كتلها الانتخابية، وأصولها التنظيمية والمالية المحدودة وسلمت أقساماً كبيرة من الناخبين إلى تيارات الإسلام السياسي خاصة الإخوان والسلفيين حيث هيمن حزب الحرية والعدالة الذي أسسته جماعة الإخوان والأحزاب السلفية وفي مقدمتها حزب النور الذي أسسته الدعوة السلفية على مجلس الشعب الجديد بعد حصدها معا ثلاثة أرباع المقاعد، بينما حصل حزب الوفد على 32 مقعداً، أما نواب الكتلة المصرية المكونة من أحزاب المصريين الأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع، وكان لها 34 مقعداً، فاختاروا انتهاج استراتيجية مُعارضة، بينما قررت مجموعة من الأحزاب اليسارية والليبرالية الصغيرة أيضا كسر طوق الاستقطاب فشكّلت ائتلافا علمانيا ثانيا باسم ائتلاف الثورة مستمرة الذى حصل على 7 مقاعد فقط، هنا عمدت أحزاب يسارية تأسس العديد منها بعد ٢٠١١ أو بدأت مبادرات تأسيسها بعد ٢٠١١ مثل الحزب الاشتراكي المصري أوجددت نشاطها كالحزب الشيوعي المصري إلى رصّ الصفوف مع مجموعات ليبرالية صغيرة ك"حزب مصر الحرية" ومجموعة "حزب التيار المصري" لتكوين جبهة معارضة بلورت برنامجا علمانيا وديمقراطيا واضحا، الاّ أن إمكانياتها لم تسمح لها بخوض تلك الإنتخابات.
وفى خضم التحضير لإنتخابات الرئاسة أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها ستطرح مرشحاً للانتخابات الرئاسية المُقررة في يونيو 2012. وهذا كان على طرفي نقيض من الموقف الذي كانت تؤكد عليه الجماعة ليل نهار خلال العام 2011 كذلك بعد نجاحها في الانتخابات البرلمانية من أنها لن تحاول احتكار كلٍ من السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل ستقتصر على المشاركة في البرلمان والجمعية التأسيسية، هذا الموقف مثل خروجا حقيقيا على قاعدة "المشاركة لا المغالبة" التي روجت لها جماعة الإخوان في أعقاب ثورة يناير 2011 وتقويضا للقليل المتبقي آنذاك من التوافق الوطني بين الإسلاميين والعلمانيين، ومثل أيضا ضربة للمجلس العسكرى الذى أسرع بتنفيذ حكماً أصدرته المحكمة الدستورية العليا لحل مجلس الشعب بعد ستة أشهر فقط من بدء جلساته، ومع إكتمال المرشحين لإنتخابات الرئاسة تعدد المرشحون وتباين مواقف الأحزاب اليسارية والليبرالية فالوفد دعم ترشيح الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، فيما رشّح حزب الكرامة الناصري مؤسسه حمدين صباحي، وأيّد حزب التحالف الشعبي اليساري ترشيح البرلماني المخضرم أبو العز الحريري (رحل عن عالمنا في 2014)، وأيدت أحزاب يسارية أخرى ترشيح المحامي خالد علي، بينما أيد حزب التجمع اليسارى المستشار هشام البسطاويسى أحد أقطاب إستقلال القضاء، أما حزبا المصريين الأحرار والجبهة الديمقراطية " أصحاب التوجه الليبرالي" فقد رأيا في رئيس الحكومة الأسبق الفريق أحمد شفيق أفضل رهان للعلمانيين ودعماه بشكل غير مباشر، في حين لم تؤيد أحزاب أخرى كالحزب الديمقراطي الاجتماعي أي مرشح وطلبت من أعضائها الاقتراع وفق ما تمليه عليه ضمائرهم.
مجدداً، أسفر التشظي عن خسائر كبرى للأحزاب العلمانية، فالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي عقدت في مايو 2012 انتهت بفوز كلٍ من مرشّح الإخوان محمد مرسي ورئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق، وهزيمة كافة المرشحين الآخرين للأحزاب العلمانية كحمدين صباحي وعمرو موسى، وفي جولة الإعادة في يونيو 2012، فاز مرسي وأصبح أول رئيس في مصر منتخب بعد الثورة، وكذلك أول رئيس ينتمي لتيارات الإسلام السياسي. ومع ارتقاء محمد مرسي إلى سدّة الرئاسة، بدت الحياة السياسية في مصر وكأن جماعة الإخوان وبقية أطياف الإسلام السياسي قد سيطرت على السلطتين التشريعية والتنفيذية، فضلا عن سيطرتهم على الجمعية التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور الجديد، وبعد وصول الإخوان لقمة السلطة انجرفت الأحزاب العلمانية بشكل مطرد نحو قطيعة حادة من تيارات الإسلام السياسي وتباينت فى تأييدها للمجلس العسكرى، وبعد إنحياز قطاع من الليبراليين واليساريين الى جانب الإخوان فيما عرف بمؤتمر فيرمونت، الاّ أن شهر العسل إنفض سريعا بعد قرار مرسى بحل المجلس العسكرى وتعيين السيسى وزيرا للدفاع خلفا لطنطاوى، فإن معظم الأحزاب العلمانية فسرت هذه الخطوة بأنها مجرد محاولة من الإخوان للسيطرة على الجيش وكانت المخاوف عاتية للغاية آنذاك من وجود مؤامرة إسلامية كبرى لخطف الدولة وتقويض الجيش، ثم مالبث أن إنفجر الصراع بينهما بعد الإعلان الدستورى الذى أصدره مرسى بتحصين كل ما أصدره ويصدره من قرارات من الطعن عليها وإقالة النائب العام عبدالمجيد محمود وتعيين نائب عام جديد بدلا عنه، فى اليوم التالى، التأم شمل سياسيين علمانيين مثل الدكتور محمد البرادعى والسيد عمرو موسى ومعهم قادة معظم الأحزاب اليسارية والليبرالية فى المقر الرئيس لحزب الوفد فى القاهرة للتشديد على رفضهم الإعلان الدستورى، وتشكلت خلال هذا الاجتماع جبهة الإنقاذ الوطنى كمنبر علمانى مُعارض، ولمت شمل أحزاب مثل: الوفد، والتجمع، والمصريين الأحرار، والديمقراطى الاجتماعى، والجبهة الديمقراطية، وحزب المؤتمر المصرى الذى كان قد تأسس حديثا بقيادة عمرو موسى، والتحالف الشعبى، والكرامة، وأحزاب أخرى كالحزبين الشيوعى والإشتراكى، ودعت جبهة الإنقاذ الوطنى ــ بدعم من قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية التى باتت قلقة على نحو متزايد من خطوات الإخوان ــ الى إقامة حشود وتجمعات ضخمة فى القاهرة والإسكندرية والمحافظات للمطالبة بتراجع رئيس الجمهورية عن الإعلان، ورغم أن مرسى والإخوان قد فوجئوا بالحجم الضخم لتلك المظاهرات فقد صمموا على عدم التراجع ما مهد للثورة عليهم مجددا فى 30 يونيو 2013 بعد عام فقط من توليهم السلطة، وعمدت الأحزاب العلمانية ــ التى شعرت بالتمكُن للمرة الأولى عقب سلسلة الهزائم التى مُنيت بها بين ٢٠١١ و٢٠١٢ وبالثقة جراء المشاركة الشعبية فى تظاهراتها السياسية وبالقلق من سياسات جماعة الإخوان ــ إلى تصعيد ضغوطها على الرئيس فرفضت سحبه بعض بنود الإعلان وطالبت بإلغائه برمته وإعادة تثبيت النائب العام السابق فى منصبه، ورفض معظمها دعوة الرئيس إلى المشاركة فى مؤتمر للحوار الوطنى، بينما ردت جماعة الإخوان بالتقارب مع الأحزاب السلفية كحزب النور وقواعد الحركة السلفية التى نظمها حازم أبو إسماعيل، وهكذا، وبعد أشهر معدودة من ولاية محمد مرسى، طفا الاستقطاب بين الأحزاب العلمانية وبين قوى الإسلام السياسى على السطح مجددا وبحدة.
عموما لا مجال للإسترسال كثيرا فى أحداث هذه الفترة "كلنا عشناها" ولكن أحيانا فبعض التذكير لا ضرر منه، نأتى لواقعنا المرير فالديموقراطية فى تقديرى تعنى الجانب السياسى من الديموقراطية، وما يردده البعض عن الديموقراطية الإجتماعية لا وجود لها، بل هى تخريجات يتشدق بها بعض الديكاتوريين لتبرير موقفهم المضاد للحريات الفردية والعامة، حدث هذا سابقا فى عصر عبد الناصر حين تكلم عن حرية رغيف الخبز التى تأتى قبل حرية الكلمة أو التصويت الإنتخابى وهى كلمات حق يراد بها باطل، كما حدث ذلك أثناء زيارة السيسى لفرنسا حينما راح يخلط "عن عمد أو جهل" بين حقوق الإنسان والصحة والتعليم والصرف الصحى وخلافه، وكما صنع عندما إقترح على الأمم المتحدة إضافة حق محاربة الإرهاب كأحد مفردات حقوق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، المشكلة أنه يجد بعض المتثاقفين الذين يبررون له، بل يمتدحون عبقريته وحكمته، "للأسف الشديد أن الذين يرددون هذا الحديث يعلمون جيدا أن ثورة 1919 كان عصبها الأساسى الفلاحين الحفاة "ذوى الجلاليب الزرقاء"، وأيضا الأميون بنسبة تصل لأعلى من 90% ، هؤلاء الذين صوتوا على دستور 1923 وهم الذين جاؤوا بالوفد الى الحكم وقاوموا الحكومات الإستبداية سواء رأسها محمد محمود أو إسماعيل صدقى"، عموما ليس ذلك القصد ولكنه دليل على الإستبداد الذى يظن أن الرئيس هو الملهم والقائد والفيلسوف دائما، و(قول ما بدالك إحنا رجالك).
وهكذا فإن وراء أسوار السجون وأماكن الاحتجاز في مصر يقبع ظلما الآلاف من الشباب ومتوسطي العمر وكبار السن، فقط لأنهم تمسكوا بحقهم في التعبير الحر عن الرأي وفي المعارضة السلمية لممارسات وسياسات حكم لا يقبل الرأي الآخر، ويعتبر أن التعبير عن الرأى "إذا خالف رأيه" نوع من الإرهاب والقساد فى الأرض، وجعل "حالة الطوارئ" كحكم قابل للإستمرار دون سقف زمنى ضاربا بالدستور أدراج الرياح.
أخيرا فإن استساغة السلطة لنمط الحكم الفردى المقترن بتغول الأجهزة الأمنية وبإطلاق قبضتها داخل بنية الدولة أو فى وجه المواطن والمجتمع من شأنها أن تعرض البلاد لذات المخاطر الداخلية التى تكالبت عليها قبيل ١٩٦٧، وكانت من بين أسباب الهزيمة، حينما تم تغييب المواطن بدرجة كاملة عن السياسات والعلاقات التى تحكمه، وأفاق على الهزيمة المرّة وما تلاها من إنتحار "أو نحر" المشير عامر بعد إتهامه بالخيانة..والقادم أسوأ.







التعليقات


1 - مرحله حرجه
احمد سعيد ( 2018 / 3 / 14 - 15:15 )
من الواضح جدا ان مصر تعانى وتتعذب وتتألم كثيرا بسبب عصابه اللصوص وقطاع الطرق والقتله الذين يحكموا مصر الان , الذى يدعى السيسى اختطف مصر هو وعصابته الدمويه من اجل خرابها وتدميرها وهلاكها وسرقتها , الغريب ان هذا رئيس تنح وغبى وبيستظرف نفسه ويضحك مثل الابله , هذا الرئيس ماهو الا نذير خراب ودمار وبؤس على شعب مصر المعذب البائس

اخر الافلام

.. مطار الحديدة... رحلة التحرير


.. تعرف على قائد اللواء أول عمالقة العميد رائد الحبهي


.. النشرة الجوية الثانية 2018/6/20




.. أبرز ابتكارات طلاب جامعة خليفة بأبوظبي - 4Tech


.. لقاء خاص لـRT مع جوزيف بلاتر