الحوار المتمدن - موبايل



أنا وعزازيل والواقع _2 _الراهب والفيلسوفة

عمر عزيز النجار

2018 / 3 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


كان القس نسطور يسير مع الراهب هيبا تحت ظل شجرة وارفة عند نهاية سور الكنيسة،يتحدثان عن القس اريوس وارائه التي كان الأساقفة في الاسكندرية يعتبرونها هرطقة ، ثم سأله فجأة بمناسبة الاسكندرية يا هيبا ، هل كنت حاضرا بها يوم مقتل الفيلسوفة هيباتيا ؟؟
هيبا _وقع سؤاله في جوفي كسائل حارق بدد نسمات الغروب ، وطوحني سؤاله المفاجئ نحو ماض بعيد كنت أظنه قد انطوي
وراح الراهب هيبا يحكي قصة خروجه من نجع حمادي في صعيد مصر قاصدا الاسكندرية لاستكمال دراسة الطب واللاهوت ، وما جري بينه وبين اوكتافيا ،تلك المرآة الوثنية التي كانت لا تؤمن بدين ولا باله الا سيرابيس اله البحر ، وكيف وهي الوثنية أعطته حبا وحنانا لم يعطه له أحد سواها من البشر
وكيف طردته من بيتها بعد ان اكتشفت انه راهب مسيحي ، فقد كانت لا تحب اهل الديانة فهم في نظرها كالجراد يأتون على كل ما هو اخضر ويانع .
خرج الراهب هيبا من عندها هائما علي وجهه ، قاصدا محاضرة الفيلسوفة ، استاذة كل الأزمان، هيباتيا ابنة الرياضي الشهير ثيون ،
ليرجع في المساء الي موطنه الأصلي حيث ينتمي هو، الي كنيسة الاسكندرية ،ويمضي هناك ثلاثة اعوام فيها من الملل والرتابة ما فيها ،ومع الايام يشتد الصراع والخلاف بين الاسقف كيرلس راس الديانة ، وهيباتيا التي كان يدعوها بالشيطانة لانها في نظره كانت تشتغل بالسحر والشعوذة ، وبالطبع هي ليست كذلك فهي عالمة فيلسوفة رياضية ، لكن ماذا بوسعي ان اقول ، فالانسان عدو ما يجهل ،
وكانت هذه هي الحال حتي جاء يوم الاحد المشئوم بكل معني الكلمة خرج البابا كيرلس من مقصورته ليلقي خطبته علي الجموع الحاشدة التي وقفت والدمع ينهمر من عيونها ، مشيدا بما حققته الديانة من انتشار وانتصار علي الوثنية واهلها ، الا انه هناك للاسف بعض الاصوات التي يجب اسكاتها واخمادها ، حتي وقف كيرلس يردد ما قاله يسوع المسيح (ما جئت لالقي في الأرض سلاما بل سيفا ) وراح يردد العبارة مرارا وتكرارا فأخذت الجموع في النشيج وصاروا يرددون انشوده المجد الرخيص هذه
ثم صاح قائلهم بما يفيد بأن العاهرة (هيباتيا ) قد ركبت عربتها ، فراحوا يلاحقونها وسحلوها وجردوها من ملابسها ، وسحبوها في شوارع الإسكندرية كما يساق الماعز الي حتفه ، حتي تسلخ جلدها وصار عبارة عن قطع من اللحم الأحمر المهترئ ،
هيباتيا ، الفيلسوفة العالمة التقية القديسة الربة التي عانت الام الشهيد وفاقت بعذابها كل عذاب ، ثم القوها علي كومة من النار حتي احترقت تماما ، بعدما بلغ صراخها عنان السماء حيث كان الله والملائكة يشاهدون ما يجري ولا يحركون ساكنا
كل هذا والراهب هيبا واقف في ذهول مراقبا ما يجري وكأن الدماء التي في عروقه قد تحولت الي زيت مغلي ، فقد الشعور بنفسه ، وفقد الاحساس بوعيه ، حتي سقط مغشيا عليه ، الي ان استفاق ليجد نفسه محاطا براهب كبير وامرأة وصبي ، وأول ما فعله هو ان قطع الصليب المتدلي علي صدره ، وراح يجري هاربا من كل ما حوله وفارا من كل شئ
صار كيوحنا المعمدان ، الصوت الصارخ في البرية
-عودة إلى الواقع
في كل مرة أقرأ الرواية اتجاوز هذا الموقف ، اذ انني لا أستطيع حتي تخيله
في كل مرة أرجع بالذاكرة ثلاثة عشر عاما الي الوراء ، وتحديدا في عام 2005 ، بالمنطقة التي كنت اسكن فيها انذاك ، منطقة ( محرم بك ) بالاسكندرية ، ومرة أخرى الإسكندرية عاصمة البحر والقسوة ، ورد الي مسامع المسلمين ، ان المسيحيين والقساوسة في كنيسة مارجرجس قد قاموا بعمل مسرحية هزلية يسخرون فيها من تعاليم الإسلام ، وانا لست بصدد عما اذا كان هذا الكلام صحيحا ام لا ، ولا يعنيني هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد ، فأنا أساسا لا اؤمن بأي دين ، و أري ان الاديان هي سبب بلاء البشرية ، لكن ما راعني وهالني وانا الذي كنت حينها صاحب السبعة عشر عاما ،تلك الجموع الحاشدة التي احتشدت امام الكنيسة و كأنهم تحولوا الي ذئاب عطشة لا يرتوي ظمؤهم الا بالدم وصارو يرددون تلك السورة الغريبة (قل هو الله احد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا احد )
واتذكر جيدا كان هناك من كل الأطياف ، من أعضاء مجلس شعب يريدون ان يستغلو الموقف ، الي دعاة سلفيين يريدون ان يظهروا بمظهر المتسامح ، فصاروا كمن قتل القتيل ومشي في جنازته ، حتي انني فوجئت بهذا الرجل (ياسر برهامي) كان موجودا حينها ، وما زلت أتذكر كلماته لما دخل سيارة الامن المركزي وتكلم في مكبر الصوت( انا غيور على الاسلام مثلكم ، واكثر منكم ان شاء الله ، لكن هذا لن يجدي نفعا ) في محاولة منه لتهدئة الموقف، ولم يدر المسكين انه هو وامثاله هم السبب في تأجيج نار الفتنة ، ياسر برهامي صاحب كتاب ( منة الرحمن في نصيحة الاخوان ) اقرؤوها جيدا لتعرفوا كيف تفكر هذه الكائنات ،
وقفت مدهوشا أراقب مذهولا بعيناي البريئتين انذاك ما كان يحدث ، فقد كنا في شهر رمضان وكنت قد انتهيت لتوي من صلاة التراويح ، ثم شاهدت الموقف ، ولا اكتمكم سرا كان هذا بمثابة المسمار الأول الذي دق في نعش ايماني ،
لم أدر من هؤلاء القوم ، هؤلاء الواقفون علي باب الكنيسة يريدون اقتحامها ، هم الذين يقفون كل ليلة علي النواصي يبيعون المخدرات ، ويتعاطون الخمور ويؤذون مسامع كل سامع بالسباب والفجور ، فجأة تحولوا الي مدافعين عن الاسلام والدين ، الدين الذي لا يعرفون عنه سوي الاسم ولو انهم عرفوه حق معرفته لفروا منه كما يفرون من الاسد الجائع والكلب الجرب ، وبعدما هدأت الأمور تفرق الناس فراحوا يهدمون محل خمور مملوك لمواطن مسيحي ليس له دخل في أي شئ ، والعجيب في الأمر أنه علي الناصية المقابلة لهذا المحل يوجد محل خمور اخر لمواطن مسلم الا انهم لم يتعرضوا له ، وأذكر انه في هذا اليوم وفي الايام التالية له تم تدمير اكثر من سيارة ومحلات لمسيحيين ابرياء ، واتلاف ممتلكاتهم
اما كان أولي بالرب ان يقطع تلك الأيادي، وان يخرس تلك الألسنة ، ام انه كان مشغولا بشيء اخر ، لعله كان يفتتح فرعا جديدا لكوكب الأرض ، أو لعل العرش الذي كان يجلس عليه لم يكن مستويا بما فيه الكفاية ،
هذا ما يحضرني الان كتابته ، فكلما تذكرت هذا اليوم ينتابني الشجن و الاسي ،
حقا ، مصائب البشرية كلها تنحصر في هذا الاختراع المدمر ، هذا الاختراع الذي يسمي الدين ،
الدين الذي دمر انسانيتنا ، وأضاع بشريتنا .
وإلي اللقاء في الجزء القادم







التعليقات


1 - سوف تكبر
ماجدة منصور ( 2018 / 3 / 15 - 04:49 )
وسوف تكتشف عمق مأساتنا نحن (اللذين كنا نؤمن بالوهم)0
أتابعك دائما
اكتب كي تتخلص من ألمك0
احترامي


2 - تحياتي
عمر عزيز النجار ( 2018 / 3 / 18 - 12:24 )
استاذة ماجدة
شرف لي ان حضرتك تتابعي ما أكتب
تحياتي كتير

اخر الافلام

.. فهد الشليمي: هذا هو تنظيم الإخوان


.. العربي الكويتية .. محطات في حياة مجلة التنوير العربية


.. أجهزة أمنية في ألمانيا تحذر من خطر جماعة الإخوان




.. حسين الجسمي يغني في الفاتيكان


.. تفاعلكم: حسين الجسمي يكشف سر غنائه في الفاتيكان