الحوار المتمدن - موبايل



معنى الدلالة ودلالة المعنى

سعود سالم

2018 / 3 / 19
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هناك العالم وهناك الإنسان. العالم هو كل ماهو ليس الإنسان، السماء والأرض والبحر والشمس والقمر والنجوم، أي عالم الكائنات بأكمله من حيوان ونبات وجماد. والإنسان مكون من مكونات هذا العالم وليس مقابلا له. التقابل "إنسان - عالم" يفرضه العقل الذي يريد أن يفهم ويسبر أغوار الأشياء المحيطة به فيحول العالم إلى موضوع. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له هذه القدرة الخارقة المسماة بالوعي consciousness - conscience والذي يجعله يعي ذاته ويعي العالم في نفس الوقت. أما العالم، فإنه هو كما هو عليه، ليس له أية إمكانية لوعي ذاته أو لتجاوز هذه الذات المغلقة والإنفلات منها إلى الخارج، فالحجر في ذاته ليس له داخل ولا خارج ولا لون ولا ملمس، إنه كتلة صماء من الكينونة المطلقة. ذلك أن الموت والحياة والفناء والزمان والمكان والفراغ والجمال والقبح .. إلخ، هي مقولات تأتي إلى العالم عن طريق الإنسان الذي يضيفها إلى مكوناته، أما الأشياء فإنها "كائنة" فقط ولا غير. ولكن هناك علاقة غريبة وشبه سحرية بين الإنسان وبين هذه الكائنات المتعددة والتي لا تكف عن التكاثر التي تزاحمه الحياة وتشاركه في كينونته وتضيق عليه فضائه الحيوي. فهذه الملايين والمليارات من الأشياء، لا بد للإنسان من معاينتها وتحديدها وترتيبها ليتمكن من التعامل معها واستخدامها في أغراضه المختلفة، فاختلق اللغة لهذا الغرض وأعطى إسما لكي شيْ. ولا ننسى أن الأساطير الدينية أعطت لله هذه القدرة على تسمية الأشياء { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاء كُلَّهَا } [ البقرة : 31 ]، أما في التوراة ( تكوين 2 : 19 ) فيبدو أن آدم هو الذي سمى الأشياء بأسمائها " وكان الرب الإله قد جبل من التراب كل وحوش البرية وطيور الفضاء وأحضرها إلى آدم يرى بأي أسماء يدعوها ، فصار كل اسم أطلقه آدم على كل مخلوق حي اسمًا له ". في رواية بول أوستر Paul Auster، المنشورة سنة ٢٠٠٦ بعنوان Travels in the -script-orium والتي تتابع قصة السيد بلانك Mr. Blank، والذي يكتشف نفسه محجوزا في غرفة بلا نوافذ وبها القليل من الأثات، فاقدا للذاكرة، لا يعرف شيئا عن تاريخه الشخصي ولماذا هو في هذا المكان. نذكر هذه العمل الروائي بخصوص معالجته في البداية لمشكلة الأشياء المحيطة بالإنسان وضرورة تدجينها والتحكم فيها بواسطة تسميتها. السيد بلانك بسبب فقدانه للذاكرة، فقد أيضا العلاقة بين الأشياء وبين الكلمات التي تدل عليها، فلجأ إلى استعمال قطع من الأشرطة اللاصقة، والتي يلصقها على الأشياء المحيطة به كاتبا أسمائها، جدار، تلفون، كتاب، كرسي، طاولة، سرير إلخ، والمثير في الأمر أننا لا نعرف ما إذا كان السيد بلانك قد نسي "الكلمات" التي تدل على هذه الأشياء كالطاولة والكرسي والسرير، أم أنه يتذكر الكلمات ولكنه لا يعرف ما تدل عليه. ونذكر أيضا بهذا الخصوص القصة القصيرة للكاتب السويسري Peter Bichsel بعنوان A table is a table والتي تتعلق بهذا الرجل المتقاعد والذي يبدو عليه التعب والإرهاق من السنين الطويلة التي عاشها في هذه المدينة الصغيرة، ويبدو عليه الملل من هذه الحياة المتكررة كل يوم بدون أي شيء جديد تحت الشمس. وبقي وقتا طويلا وهو يفكر كيف يغير حياته الروتينية ويجعلها أكثر إثارة مما تعود أن يفعله في كل يوم، النوم والإستيقاظ وتناول الإفطار وقراءة الجريدة الصباحية، ثم الخروج للتمشي في الحديقة المجاورة وتحية الجيران وتبادل نفس الكلمات يوميا ثم العودة ثانية إلى شقته لمعاودة الروتين اليومي إلى ما لا نهاية. وبينما هو يفكر، نظر حوله في أنحاء الحجرة ليجد نفس الأشياء تحدق فيه كما هو الحال منذ سنوات، نفس الطاولة ونفس الكرسي ونفس المنبه ونفس الجريدة ونفس النافذة ونفس السرير ونفس السجادة .. وهنا جائته الفكرة المضيئة التي ستنقذه من ملل الحياة وسأمها وكأنها وحي من السماء، لتغيير هذا العالم المحيط به ما عليه سوى أن يغير أسماء هذه الأشياء، لماذا لا يسمي الكرسي جريدة، والجريدة سرير، والسرير منبه، والمنبه طاولة، والطاولة سجادة، والسجادة مرآة، والمرآة دولاب .. إلخ وبالفعل منذ هذه اللحظة تغيرت حياة الرجل، وأصبحت حياته أكثر إثارة وبدأ في تعلم اللغة من جديد، وبدأ في تدوين هذه اللغة الجديدة وأنشأ قاموسا ضخما خاصا به. وبعد وقت من الزمن بدأ ينسى لغته الأصلية، وتدريجيا لم يعد يفهم ما يقوله له الناس الذين لا يعرفون لغته، والناس بدورهم لا يفهمون ما يقوله، رغم إستعماله وإستعمالهم لنفس الكلمات. وانتهى به الأمر إلى الصمت المطلق ولم يعد يقول أي شيء لأي أحد. القضية في هذين المثالين تتعلق بما يسمى بـ" الدلالة" Signification. الكلمات تدل على أشياء حقيقية، مادية أو غير مادية، الكرسي والطاولة والسرير هي أشياء نستعملها في حياتنا اليومية للجلوس والكتابة والنوم. الدلالة هي العلاقة التي نتجاوز فيها أحد الحدين - الدال - إلى ما يدل عليه. فكلمة كلب مثلا، توجه إنتباهنا إلى الكلب الحقيقي الذي ينبح ويعض و ويحرك ذيله فرحا ويتبع سيده، وتجعلنا نتجاوز هذه الحروف أو الأصوات المكونة للكلمة. وهذه الحروف والأصوات ما هي إلا عملية إتفاقية بين أعضاء مجموعات إجتماعية وثقافية محددة. فاللغة الإنجليزية تستعمل كلمة Dog والفرنسية كلمة Chien واليونانية كلمة σκύλος والأمازيغية ayeddi للدلالة على الكلب. فكل هذه العلامات المختلفة تشير إلى نفس الحيوان الأليف صديق الإنسان كما يقال. فالدلالة إذا هي علاقة متفق عليها تجعل شيئا ما حاضرا يحل محل شيء آخرغائبا كان أم حاضرا. فاللغة إذا هي مملكة الدلالات بلا منازع، حيث تعلم الإنسان منذ العصور البدائية أن يشير إلى الأشياء التي تملأ العالم بواسطة علامات صوتية في البداية ثم بواسطة حروف منقوشة تمثل هذه الأصوات. غير أن الإنسان لا يكتفي بتسمية الأشياء والإشارة إليها بواسطة اللغة، وإنما يبحث عن معنى هذه الأشياء، والمعنى Sens يختلف إختلافا جوهريا عن الدلالة. فهذه الأشياء المحيطة بنا تنضح وتزخر بالمعنى، وهذا المعنى رغم غموضه وصعوبته على الإستقراء فإنه يرجع بالدرجة الأولى إلى الإنسان، المصدر الوحيد لمعنى العالم والأشياء والظواهر. فليس هناك معنى قبلي يسكن نواة الأشياء قبل أن تلتقي بالإنسان، وليس هناك عمليات جيولوجية يقوم بها الإنسان ليكتشف أعماق هذه النواة وليس هناك عملية تقشير أو تعرية أو غوص في أعماق الأشياء كما يدعي الشعراء والمتصوفة. فمعنى الشيء ليس ملتصقا به ولا مدسوسا أو مخبأ في أعماقه خارج الإرادة الواعية للإنسان، فهذه الشجرة أو هذا الكرسي أو هذا الجزء من الشاطيء أو هذا الشارع له معنى بالنسبة لي أنا، فأنا الذي أزود هذه الأشياء بالمعنى الذي سيكون كينونتها. وربما إتخاذ مثال يتعلق بالأعمال الفنية سيجعل الأمر أكثر وضوحا. ففيما يتعلق بالفنون التشكيلية وبالذات الموسيقى، والتي في صميمها عمل غير دلالي، عادة ما يتسائل المشاهد أو المستمع عن معنى هذه اللوحة أو هذه الصورة أو معنى هذه القطعة الموسيقية، ونتسائل نادرا عن دلالة اللوحة أو السيمفونية. مع العلم أنه في الغالب ما يخلط هذا المشاهد والمستمع بين المعنى والدلالة. فالمعنى هو أن الشيء أو الظاهرة أو الواقعة الحاضرة تشارك بكينونتها كينونة شيء أو ظاهرة أخرى، حاضرة أو غائبة، مرئية أو غير مرئية، أي أنها تمثل وتجسد حقيقة تتجاوزها، ولكننا لا نستطيع الإحاطة بها خارجها أو بمعزل عنها، ولا نستطيع، ولا يمكن التعبير عن هذه الحقيقة بأي نظام لغوي مهما كانت درجة دقته. إن معنى الشيء هو حقيقته التي تتجاوزه لتشمل العالم أو العصر بأكمله، فأي لوحة فنية أو قطعة موسيقية على سبيل المثال، فإنها شيء كلي متكامل لا يمكن فصل معناه عن القطعة ذاتها، ولا " تدل" ولا تعني أي شيء آخر غير ذاتها كقطعة موسيقية. معنى الصورة أو المنظر الطبيعي أو اللوحة أو القطعة الموسيقية هو كينونتها في هذا الزمان والمكان وأمام هذه الأعين التي تشاهدها، ولا تشير إلى أي شيء خارجها. وهذا لا يعني عدم وجود دلالة لبعض الأعمال الفنية، وبالذات الرمزية منها. فعندما نتمعن في لوحة غيرنيكا Guernica لبيكاسو، فإن دلالتها واضحة ومعروفة بسبب الظروف التي رسمت فيها هذه اللوحة وهدف بيكاسو الواضح للتعبير عن موقفه ضد الحرب والعنف والهجوم النازي والفاشي الذي قام بقصف هذه المدينة الصغيرة في بلاد الباسك بالطائرات في ٢٦ أبريل سنة ١٩٣٧ أثناء الثورة الإسبانية. وفي هذه الحالة تتحول اللوحة إلى رمز أو إشارة للدلالة على شيء آخر غير اللوحة ذاتها، مثل الوقوف ضد الحرب والعنف أو مساندة الثورة أو الإنسانية إلخ، وتفقد بطريقة ما جزءا من هويتها الفنية والجمالية.







اخر الافلام

.. عموري يتعرض لإصابة خطيرة على مستوى الركبة


.. مرآة الصحافة الثانية 21/10/2018


.. قضية خاشقجي.. هل يقبل الغرب رواية الرياض؟




.. إنتخابات البرازيل.. واتسآب يتحول لمنصة أخبار وهمية!


.. الارتباط بإمرأة جميلة يقصر العمر هكذا اكدت دراسه حديثة...