الحوار المتمدن - موبايل



صدام والفخ الامريكي / غزو الكويت وحرب الخليج الثانية / الحلقة التاسعة والعشرون

حامد الحمداني

2018 / 3 / 19
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


صدام والفخ الأمريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة التاسعة والعشرين
حامد الحمداني 19/3/2018
الولايات المتحدة تشن عملية ثعلب الصحراء:
رغم كل تلك الظروف الصعبة للغاية التي كان يمر بها العراق وشعبه استمر صدام في نزاعه مع الولايات المتحدة، ومراوغة لجان التفتيش، وقرر في 5 آب 1998 وقف تعاونه مع اللجنة الخاصة المسؤولة عن تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية، مما أعطى المبرر للولايات المتحدة وبريطانيا لشن حملة قصف جوي وحشية أُطلق عليها اسم [عملية ثعلب الصحراء] بعد إجلاء موظفي الأمم المتحدة، واستهدفت تدمير برامج الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية العراقية، وتعدتها إلى قصف معظم المرافق الاقتصادية المنهكة أصلا.
ففي 13 كانون الثاني 1998 أبلغ [ريتشارد بتلر] مجلس الأمن بأن العراق قد أعلن عن عدم تعاونه مع فريق التفتيش لكون غالبية المفتشين من مواطني الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وأضاف بتلر أن نائب رئيس الوزراء العراقي لم يسمح لمفتشي الأونسكوم دخول أي من المواقع الرئاسية الثمانية في العراق.
وفي ضوء ذلك بعث الأمين العام للأمم المتحدة فريقاً فنياً إلى العراق لإجراء مسح لمساحات وحدود المواقع الرئاسية المذكورة، ولاحقاً لهذه المهمة تولى الأمين العام زيارة بغداد للفترة 22-23 شباط من العام ذاته، وتوصل أثناءها إلى الإعلان عن التوصل إلى مذكرة للتفاهم مع الحكومة العراقية بشأن تفتيش المواقع الرئاسية في العراق، ووفق بنود هذه المذكرة ستسمح السلطات العراقية لمفتشي الأونسكوم والوكالة الدولية من الدخول الفوري وغير المشروط لتفتيش هذه المواقع بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بأسلحة الدمار الشامل العراقية.
وفي المقابل تتعهد جميع دول الأمم المتحدة باحترام سيادة العراق واحترام وحدته الوطنية، كما تلتزم لجنة الأونسكوم باحترام مشاعر العراقيين في الأمن والسيادة والكرامة!!، ونصّت مذكرة التفاهم على ضرورة الاتفاق على أساليب إجراء التفتيش في المواقع الرئاسية حالياً ومستقبلاً.
وفي 3 آب من عام 1998 اجتمع بتلر مع طارق عزيز في بغداد حيث طلب طارق منه أن يبلغ مجلس الأمن بأن العراق قد نفذ جميع التزاماته تجاه قرار مجلس الأمن رقم 687 لسنة 1991، وبذلك يتوجب على المجلس تنفيذ التزاماته تجاه العراق بموجب هذا القرار، غير أن بتلر رفض إبلاغ المجلس بذلك، وعلى أثر قرار النظام العراقي إيقاف تعاونه مع الأونسكوم، وعلى الأثر أصدر مجلس الأمن القرار 1194 في 9 أيلول 1998 والذي طالب
طالب فيه العراق بإلغاء قراره المتخذ في 5 آب، ودعا قرار مجلس الأمن الجديد إلى عودة التعاون الكامل بين العراق ولجنة الأونسكوم والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي 14 تشرين الثاني تم إبلاغ حكومة العراق أن مجلس الأمن سيجري مطلع عام 1999 استعراضاً شاملاً لجميع أنشطة نزع الأسلحة الجارية منذ 1991 بمشاركة فاعلة من الجانب العراقي، وعليه قررت الحكومة العراقية في 17 تشرين الثاني 1999 السماح للجنة الأونسكوم والوكالة الدولية إعادة نشاطها في العراق.
وفي 15 كانون الأول 1999أحال الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن تقريري الأونسكوم والوكالة الدولية عن نشاطهما في العراق منذ استعادة عملهما في 17 تشرين الثاني، وذكر الأمين العام في رسالته إلى المجلس أن تقرير الوكالة أُحيل إليه من المدير العام للوكالة الدكتور محمد البرادعي في 14 كانون الأول، بينما تقرير الأونسكوم أُحيل إليه في 15 كانون الأول من المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم ريتشارد بتلر، وقد علّق الأمين العام على التقريرين قائلا:
{إن التقريرين احتويا معلومات متناقضة، فبينما تقول الوكالة الدولية إنها حصلت على قدر مقبول من تعاون الجانب العراقي، يشير تقرير الأونسكوم إلى عدم حصوله على تعاون كامل من الجانب العراقي}. وبسبب هذه الحالة السلبية للتقرير عرض الأمين العام على مجلس الأمن الخيارين التاليين:
الخيارالأول: يبيّن أن ما تم إنجازه منذ 17 تشرين الثاني لا يوفر أرضية جيدة لإجراء الاستعراض الشامل مطلع العام 1998.
الخيار الثاني: يبيّن أن العراق لم يظهر قدراً كافياً من التعاون لحد الآن ولكن يجب إعطاؤه المزيد من الوقت لإظهار نياته الحسنة بالتعاون الشامل.
لكن المعلومات التي تسربت عن إن [ بتلر] كان قد أبلغ سلطات الولايات المتحدة بمضمون توضيحي في يوم الجمعة 11 كانون الأول من عام 1998، أي قبل إرسال تقريره إلى الأمين العام بأربعة أيام، وأنه استقبل مكالمة هاتفية صبيحة 16/12/1998 من [بيتر بيرلي] سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يطلب منه التعجيل بسحب مفتشيه من العراق، ولم يظهر بتلر أي قدر من الاستغراب من طلب السفير الأميركي، ونفذ التعليمات الصادرة إليه بكل إخلاص وتفانٍ في خدمة ولي أمره.
ومهما تباينت الرؤى عن تفسير سلوك بتلر هذا،غير أن من المتعارف عليه أن تصرفه ذلك أعطى الضوء الأخضر لعمليات ثعلب الصحراء التي تسببت في زوال لجنة الأونسكوم ذاتها، وإقالة بتلر من منصبه كرئيس تنفيذي لها.
ففي تمام الساعة السادسة مساءً من يوم الأربعاء المصادف 16 كانون الأول 1998أعلن [بيل كلينتون] أنه قد أمر بتنفيذ ضربات جوية قوية ومتواصلة على العراق، وأنها مصممة على تجريد صدام من إمكان تطوير وإطلاق أسلحة الدمار الشامل، وتجريده من إمكان تهديد جيرانه، وفي ذات الوقت أرسل رسالة قوية إلى صدام محذراً إياه بأن أي عمل متهور يقدم عليه سيدفع ثمنا له غالياً.
وهكذا بدأ القصف الهمجي على بغداد، والمدن العراقية الأخرى، وعلى كافة المرافق الاقتصادية والبنية التحية للعراق المنهكة أصلا جراء حرب الخليج الثانية، وجراء الحصار المفروض على العراق، وانتهت بذلك الآمال التي كانت معقودة على إجراء تقويم شامل لملف نزع أسلحة الدمار الشامل المخطط إجراؤه من مجلس الأمن، والذي كان سيتيح للعراق معالجة الأمور العالقة مع لجنة الأونسكوم والوكالة، وحسمها مرة واحدة إلى الأبد.
لقد غدا موقف نظام صدام شماعة جاهزة تعلق عليها أميركا جميع نياتها المعلنة والخفية ضد العراق ونظامه، كما أصبح في ذات الوقت شماعة يعلق عليها النظام العراقي جميع معانات الشعب العراقي المعيشية الصعبة، فإن اشتكى العراقيون من الجوع والحرمان قال لهم النظام إنه الحصار الجائر، وعدوانية لجان التفتيش، وإن اشتكى العراقيون من حرمانهم من أبسط متطلبات العصر الحديث، ومن الأجهزة الحديثة والخدمات، أجاب أركان النظام أن كل ذلك سيتحسن حال رفع الحصار، ولكن لا أحد يستطيع إن يعطي الجواب متى وكيف سيتم رفع الحصار.
أما صدام فقد تحول بعد عملية ثعلب الصحراء إلى حاكم شديد التشكيك بكل إجراءات الأونسكوم والوكالة الدولية، وترسخت لديه القناعة بأن مفتشي هاتين المنظمتين ليسوا أكثر من جواسيس للإدارة الأميركية والحكومة البريطانية، وأن الحكومتين لن يتوصلا إلى قناعة بتنفيذ العراق لجميع متطلبات قرارات مجلس الأمن، مما يعني عدم رفع الحصار بقرار من المجلس، ثم اقتنع بالرأي القائل بعدم وجود جدوى من استمرار عمليات التفتيش، وبدأ يصرح علناً بأن أميركا وبريطانيا سوف لن يسمحا باستصدار قرار من مجلس الأمن برفع الحصار عن العراق بموجب الفقرة 22 من قرار المجلس 687 (لسنة 1991)، وتبنى صدام مبدأ عدم رفع الحصار بقرار من مجلس الأمن، مدعيا بأنه سيتآكل بصبر العراقيين وعزيمتهم.
أما كيف سيتآكل الحصار فعلمه كان في الغيب، ولم يظهر صدام أي برنامج أو دليل واضح لإسناد استنتاجه، وكل ما تفتقت عبقريته عنه هو وضع إتاوة بنسبة 10% على جميع عقود التوريد إلى العراق بموجب برنامج مذكرة التفاهم [النفط مقابل الغذاء والدواء] على أن يدفع المبلغ نقداً وقبل وصول البضاعة المستوردة.
كما فرض رسوم بمقدار 15 سنتا أميركيا على كل برميل من النفط العراقي الذي يتم تصديره بموجب مذكرة التفاهم، مما يعني حصول الخزينة المركزية للدولة على سيولة نقدية تصل إلى ثلاثمائة ألف دولار أميركي يومياً من مبيعات النفط فقط، وفي الوقت ذاته جرى تحميل المواطن العراقي ما يمكنه حمله من ضنك الحياة والجوع والفقر والأمراض، وفقدان القدرة الشرائية بسبب انهيار العملة، وغلاء الأسعار، وخراب معظم المشاريع الخدمية من ماء الشرب والكهرباء والصرف الصحي، والرعاية الصحية، والخدمات التعليمية التي وصلت الحضيض.
أما صدام فقد سعى إلى استمالة دعم الحكومات العربية بدءاً بسورية التي أمر بتزويدها بالنفط وبمشتقاته، ومنتجات عراقية أخرى، خارج نطاق مذكرة التفاهم وبأسعار مخفضة، وجرت محاولات لعقد اتفاقات تجارية مع عدد من الدول العربية بما في ذلك مصر، والأردن، وسورية، وتونس، والجزائر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ولبنان، واليمن، وتضمنت الاتفاقات إزالة الضرائب والتعريفات الجمركية على تجارة البضائع المنتجة في كل من بلدي الاتفاق.
غير أن هذه الاتفاقات كانت في واقع الأمر لمصلحة تلك الدول، نظراً لأن القاعدة الصناعية في العراق كانت قد وصلت إلى أدنى مستوياتها، حيث هبطت إلى نحو 30% مما كانت عليه قبل حرب 1991، مما لا يتيح للعراق تصدير بضائعه إلى تلك الدول.
أما مجلس الأمن فلم يأبه بامتناع العراق عن التعامل مع الأونسكوم ومع الوكالة الدولية، فأصدر رئيس المجلس مذكرة قال فيها:{مع التأكيد على أهمية الالتزام بكل قرارات المجلس ذات الصلة، سيستمر المجلس مناقشة كل الخيارات التي تقود إلى تنفيذ القرارات. وقد قرر المجلس أن من المفيد تشكيل ثلاث لجان استشارية منفصلة تناقش الأمور، وتقدم توصياتها إلى المجلس في موعد أقصاه 15 نيسان 1991}.
كما قرر المجلس أن يتولى سفير البرازيل [سيلسو أموريم] رئاسة اللجان الثلاث على أن تعتني اللجنة الاستشارية الأولى بمسألة نزع أسلحة الدمار الشامل، ونشاط الرقابة والتحقق المستديم، وأن تهتم اللجنة الاستشارية الثانية بالمسائل الإنسانية، وتعتني اللجنة الثالثة بموضوع أسرى الحرب ومسألة الممتلكات الكويتية. وقرر المجلس أن تضم اللجنة الاستشارية الأولى خبراء من لجنة الأونسكوم، ومن الوكالة الدولية، ومن منتسبي سكرتارية الأمم المتحدة، وخبراء آخرين من ذوي العلاقة، على أن تقدم توصيات إلى مجلس الأمن عن كيفية إعادة تأسيس نظام محكم لنزع السلاح، وللرقابة المستديمة في العراق، مع إتاحة الفرصة للعراق للاشتراك في هذه اللجان الثلاث}.
وقدم السفير أموريم توصيات اللجنة الأولى المؤلفة من 20 عضواً إلى مجلس الأمن في 27 مارس 1999. غير أن النظام العراقي لم يعر أي اهتمام لتوصيات السفير أموريم، فقد كان صدام قد قرر تجاهل أي إجراء فيما يخص قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية بعد أن دمرت لجان التفتيش كل شئ، ولم يعد العراق يمتلك أي من تلك الأسلحة.
أما ما يخص البرنامج النووي العراقي فقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التقرير الموحد عن فعاليات نظام الرقابة والتحقق المستديم للفترة من تشرين الأول 1998 وإلى نيسان 1999 إلى عدم وجود أي دليل لامتلاك العراق أسلحة نووية أو أي مقادير ذات شأن من المواد النووية التي يمكن استخدامها لتصنيع سلاح نووي، كما لم يحتفظ العراق بأي إمكانات واقعية للتمكن من إنتاج مواد نووية.
ولعدم وجود مفتشي الوكالة في العراق للفترة منذ 16/12/1998 ولغاية تشرين الثاني 2002 لم تتمكن الوكالة من تنفيذ التفويض الصادر إليها بشأن العراق بحسب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة غير أنها استمرت بإرسال تقارير نصف سنوية إلى مجلس الأمن لتذكره بأن التزامات الوكالة تجاه العراق لا تزال قائمة.
وفي 17/12/1999 أصدر مجلس الأمن القرار 1284 الذي ألغى بموجبه لجنة الأونسكوم، وأوجد بديلاً لها لجنة الأمم المتحدة للرقابة والتحقق والتفتيش، والتي عرفت اختصاراً بلجنة [الأُنموفيك]، وتم تعيين [هانز بليكس] المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية مديراً تنفيذياً لهذه اللجنة الجديدة بعد إن استقال بتلر من منصب المدير التنفيذي للجنة الأونسكوم السابقة منذ حزيران 1999، وتولى هانز بليكس تكوين لجنة الأُنموفيك بموجب ما ورد في قرار مجلس الأمن 1284.
لكن العراق رفض العمل بهذا القرار رفضاً قاطعاً، ورفض التعاون مع تنظيمات مجلس الأمن بشأن مسألة نزع أسلحة الدمار الشامل، وأعلن بأنه قد أوفى بكامل التزاماته تجاه هذه المسألة، وقد حان الوقت لكي ينفذ مجلس الأمن التزاماته تجاه العراق، ويقرر رفع الحصار الظالم عن العراق بموجب الفِقرة 22 من قرار مجلس الأمن 687 لسنة 1991.
ملاحظة : بعد غد الحلقة الاخيرة







اخر الافلام

.. السبت الخامس لاحتجاجات باريس.. فرنسا إلى أين؟ | ستديو الآن


.. الشاي


.. فرنسا: هل يمكن أن تتحول -السترات الصفراء- إلى حزب سياسي؟




.. الأزمة الخليجية.. هل من حاجة لإعادة تشكيل التحالفات بالمنطقة


.. مطالبة بآلية مراقبة.. ما مستقبل التحالف السعودي الإماراتي با