الحوار المتمدن - موبايل



( النخبة -- الاحزاب ) في المغرب لا تعيش السياسة ، لكنها تتعيّشُ منها

سعيد الوجاني

2018 / 3 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


يؤثر عن المفكر السوسيولوجي الألماني المعروف ماكس فيبر تمييزه بين من يعيشون السياسة ، ومن يتعيّشون منها .
الفئة الأولى هم أصحاب السياسة العقائدية والأيديولوجية ، وكبار رجالات الدولة ، أولئك الذين ولجوا ميدان السياسة ايمانا بفكرة ، او دفاعا عن حق ، او خدمة لمبدأ او عقيدة ، او نصرة لمثال سياسي او أخلاقي او ديني او غيره .
ان نموذج هؤلاء الكبار، كبار الساسة المعروفين في التاريخ البشري وفي التاريخ المغربي ، والذين كان كل همهم ، وهدف حياتهم كلها نصرة المبدأ وخدمته ، للوصول الى استراتيجية المشروع العام الذي راود العقلاء ، والحكماء ، والفلاسفة ، والمناضلين الجذريين ، أي الدولة الديمقراطية .
مقابل هؤلاء الصناديد العقائديين المتحللين من أطماع السلطة ومغرياتها ، والذين لا يهمهم الاثراء غير المشروع وفي ظرف قياسي بسبب السرعة مع الزمن ، هناك فئة ( السياسيين ) التقنيين او الاحترافيين رواد السياسة السياسوية السكيزوفرنيين ، وجه خادع للمريدين وليس للشعب الذي فاق بهم ، ووجه انبطاحي للنظام الذي لا يتردد في تطعيمهم واطعامهم من بعض فتاة مائدته الدسمة من أموال الشعب ، أولئك الذين دخلوا السياسة بحثا عن جاه او مال او نفوذ ، ليس همهم الأول تحقيق مبدأ او تجسيم فكرة مثالية ، بل " تسيير " الأمور ، وتحقيق الذات ، والاستمتاع بنشوة السلطة ، والإستلذاذ بحكم الآخرين ، والاستمتاع بالخيرات والمكاسب والممتلكات . هؤلاء يعتبرون الشأن السياسي العام بمثابة " غنيمة " عليهم ان يأخذوا نصيبهم منها قبل فوات الأوان .
إذا كانت اخلاقيات السياسيين الكاريزميين ، وقد انقرضوا من المغرب ، الصدق والمثالية والإخلاص للوطن ، والتفاني في خدمة الشعب المغلوب على امره ، على افتراض وجود هذا الصنف من الكائنات ، فإن اخلاقيات ساسة المهنة ، الكذب ، والتحايل ، والتكيف ، والدهاء ، واللعب على الوقت .
لكن هناك صنف ثالث من الكائنات السياسية ، وهو ( الساسة ) المخضرمون ، أي اللذين وفّقوا بين النموذجين الأول والثاني . هؤلاء يرفعون شعارات مثالية ، كالعدالة ، والمساواة ،والتقدم ، بيَدٍ ويمارسون الاختلاس باليد الأخرى ، ويبدو ان هذا الصنف الثالث اكثر أنواع الكائنات السياسية انتشارا ، وذلك تحت تأثير عاملين ، أولهما طغيان الروح التجارية التسويقية على كافة مجالات الحياة في المجتمع ، بما في ذلك مجال القيم والثقافة والسياسة ، وثانيهما توسع دائرة العمل السياسي في المجتمع عبر ما يسمى تجاوزا ب ( الديمقراطية ) المرتبطة بالأشخاص ، كالديمقراطية الحسنية ، والديمقراطية المحمدية .
فالديمقراطية التي طالما عقدت عليها اجمل الآمال ، تحولت الى كرنفال كبير تتحكم فيه الرساميل ، ووسائل الاعلام المؤدى عنها ، والاقلام المأجورة ، وشبكات المصالح الخاصة ( القبيلة ) ، والقصر من خلال وزارة الداخلية ، وكرنفال يقدم نفسه على شكل مشهد متسلسل ، يوجهه النظام ومخرجون متخصصون يوظفهم لذلك بأعلى الأجور ، لخداع الشعب والجماهير، واجتذابهم لهذه البضاعة الفاسدة والمغشوشة السياسية او تلك ، وفي صناعة رأي عام فوتوشوب ، كرنفال ادواته اللون ، والديكور ، والضوء ، والصوت ، والماكياج ، تجند فيه كل حيل وألاعيب المسرح والسينما لخداع الجمهور . وتلك هي الأرضية الاجتماعية التي يفرخ فيها هذا الصنف من الساسة السياسويين او ذئاب السياسة على شاكلة الذئاب الملتحية التي جسدت بامتياز الصنف الثالث من عيّنات العمل السياسي والسياسوي .
ان السياسي السياسوي ، المحترف ،الشيطان ،الوصولي ،الإنتهازي ، وكما ابدع مكيافيلي في وصف طرائق عمله الخبيثة ، هو الشخص الذي يعتبر كل الوسائل مبررة في سبيل الوصول الى الغاية الغريزية الحيوانية ، سواء كانت أخلاقية او غير أخلاقية ، مشروعة او غير مشروعة ، سلمية او عنيفة ، عقلانية او لا عقلانية ...لخ ، المهم لديه النتائج والمكاسب . اما القيم السامية ، والاخلاقيات النبيلة ، فهذه لا تعدو ان تكون ديكوراً يراعى في كيفية تقديمها الى الجمهور المُبلّد فقط أكثر مما هي غاية في ذاتها .
اما فصيلة ساسة المبدأ والعقيدة ، التي تزدهر عادة مع صعود منظومة أيديولوجية او عقائدية ما ، فقد بدا انها آخذة في الانقراض تدريجيا ان لم نقل انها اليوم انقرضت بالكامل في بلادنا . ولعل آخر فصيلة لهذه الأيديولوجيات الطوباوية الدهرية قد مثلتها الماركسية اللينينية قبل خسوفها .
وحيث ان الليبرالية هي النظام السياسي والاجتماعي الأكثر ملاءمة لطبيعة الانسان ككائن بشري أناني ذي حاجات ، فان انتصارها قد وطد الطريق لانتشار أوسع لهذا النوع من الحيوانات السياسية . ان " المثال " و " المبدأ " الذي يحفز هذا الصنف من السياسيين هو الكسب والمصلحة الفردية قبل كل شيء وبعد كل شيء .
ولعل لغة السياسة اليوم تعكس هذا التحول في ماهية السياسة والسياسي ، حيث لم يعد الحديث السياسي حديثا عن المصالح والمكاسب والموازنة والمداخيل والمصاريف ، بل لقد اصبح السياسي الناجح هو الخبير في الاستراتيجية والتكتيك والمناورات وعقد التحالفات الظرفية ، او كما قال جان جاك روسو الذي لمح لهذا التحول في طبيعة السياسة والسياسي مع استهلال العصور الحديثة ، فان " قدامى السياسيين يتحدثون باستمرار عن العادات الحسنة ، وعن الفضيلة ، في حين لا يتحدث سياسوينا سوى عن التجارة والمال " .
ولا شك في ان تقدم العلوم الإنسانية ، علم الاجتماع السياسي ، والعلوم السياسية ، وعلم السياسة ، بما تحمله من روح نقدية وتفكيكية اسهم في الكشف عن الخلفيات والمرتكزات المصلحية ، الاجتماعية والنفسية للكثير من الادعاءات المثالية عند بعض رجال السياسة واقطاب الأيديولوجية ، بالكشف عن الدوافع اللاشعورية او عن الدوافع الاقتصادية التي تكمن وراء سلوكياتهم الحيوانية المفترسة .
كما ان الروح البراغماتية المنبثة في ثنايا المجتمع المغربي المريض الذي تهب عليه رياح الحداثة الرأسمالية المشوهة والمعطوبة ، تجعل الادعاءات المثالية والطوباوية للساسة والايديولوجيين دعاوى غير قابلة للتصديق ، وكأنها تنتمي الى عصر آخر .
ان عصر المعصومين والاتقياء والمستقيمين الاطهار ، ربما قد ولى والى غير رجعة ، تحت تأثير انتشار روح الكسب والاستهلاك والانتفاع التي تزكيها العلاقات الرأسمالية المشوهة التي تحوّل كل شيء الى أداة لذلك .
وبوعي حدْسي ، وبخلاف المجتمع المغربي المريض ، تلجأ المجتمعات المعاصرة المتقدمة الى تأطير نفسها بالقوانين ، والمؤسسات ، وبالضوابط الإجرائية من كل نوع ، لتحد من استبداد وطغيان ذو النفوذ المافيوزيين من الساسة السياسويين ، ومن ميلهم لابتلاع الخيرات والمؤسسات لصالحهم الخاص ، وربما كان هذا هو جوهر ما يسمى اليوم بدولة القانون التي تحاول احداث التوازن اللازم ، والحد من غلواء وشطط اللوبيات والافراد ، وكأنها تعرف جيدا ان المجال العام مهدد باستمرار بمن يتعيّشون من السياسة ولا يعيشونها كسياسيين محترمين ، مدعين انهم يعيشون له ومن اجله .
ففرق بين دولة المؤسسات الدولة المدنية ، وبين دولة العشيرة او القبيلة التي فيها كل شيء مخدوم وملغوم .
في مجموعة الدول الأولى ، نجد النخبة ، والأحزاب ، والحاكمين والمحكومين يعيشون السياسة ، اما في دولة الامارة او الامامة او العشيرة او القبيلة ، فان ( النخبة والأحزاب ) والحاكمين والمحكومين يتعيّشون من السياسة . ففرق كبير بين ان تعيش السياسة وبين ان تتعيّش من السياسة .







اخر الافلام

.. نحو 6.5 مليون سوري يواجهون انعدام الأمنِ الغذائي | الليلة


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية


.. واشنطن وطهران.. انتقادات وتهديدات متبادلة




.. الحصاد-سوريا والقوات الأميركية.. الجبير ينطق عن الهوى


.. الحصاد-ذكرى استعادة سيناء.. صعوبات إنسانية وأمنية