الحوار المتمدن - موبايل



سنوات الضياع ومستقبل المصير العراقي

عباس علي العلي

2018 / 3 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


سنوات الضياع ومستقبل المصير العراقي


لا يختلف إثنان من العراقيين أن السنوات الخمس عشر التي مضت من عمر العراقيين فيما يسمى بعصر التحول أو عصر ما بعد الديكتاتورية لم تكن سنوات بناء، ولا فترة أنتقالية حقيقية بقدر ما هي فترة الفرص الضائعة وهدر الثروة المادية والبشرية وتفكيك في البنية الأساسية للمجتمع العراقي وقيمه، وصولا إلى تبديل ملامح الكيان العراقي ذاته بملامح مشوهة ينقصها الوحدة الموضوعية بإبدال وأستبدال مقومات وركائز هذه الشخصية التاريخية عبر إثارة الشكوك وعوامل الفرقة والتناحر، وتحت مسميات وعناوين فرعية قادتها قوى هامشية غير قادرة على الأنتماء لعصرها وضائعة أصلا في سراديب التاريخ وصراعات الماضي، لذا فلا يمكن أن تؤسس هذه القوى وأفكارها لمجتمع يمكن أن يعيد نظامه الأساس ويستجيب لعصره ومتطلبات وجوده الأساسية.
هذه الحقيقية يجب أن تدركها قوى التغيير والشارع العراقي بكل ما فيه من مكونات حريصة على أن تتخلص من هذا الوضع الشاذ والأستثنائي، وأن تعمل جاهدة ليس فقط بالتصدي للمشروع السياسي الراهن وما سيتركه من أثار مؤلمة وقاسية، بل بطرح البديل الحقيقي والجاد والمستمد أصلا من حقيقة أن العراق عبر كل أزماته التاريخية لم يتعرض لمثل هذه المحاولة الخبيثة في تخريب نسيجه وتفاعله الداخلي، ولم تفلح أيضا كل ما مر به من حروب وصراعات وتناقض في أن ينزع ثوبه الرافداني لمصلحة هوية وأنتماء أخر، وبالرغم هذه الحقيقة وبمرارتها فأنا متفائل جدا في أن المرحلة الراهنة مجرد ريح صفراء ستذهب بما جاءت به، وما حملته مما علق بها من أفكار وقوى ولا يبقى منها غير التأريخ السيء والذكرى الأليمة لشخوصها ومفاعيلها بشرط أن نعمل جميعا على حفظ ما تبقى فينا من روح وأنتماء وهوية.
السؤال الذي يطرحه العراقيون اليوم وهو تساؤل حقيقي وله أهمية قصوى ويتعلق دوما بما هو أبعد من واقعنا، وملخصة ما هي الخطة أو الرؤية الممكنة والعملية لتكون ليس فقط بديلا عن راهنية الحا بل تتجاوز إلى مديات التعافي والعودة للمشتركات الموضوعية التي تتلاحم وتتعاضد مع البديل للعبور إلى حالة من الأستقرار والأنسجام والعمل المشترك لأجل غد حقيقي يمنع من الإنزلاق مرة أخرى في وضع مشابة أو أنتكاسة تطيح بأحلامنا في وطن حقيقي وليس بتجمع بشري قائم على الضرورات الوقتية أو تحت ضغط هدف مرحلي تنتهي عنده ويعود الحال إلى ما كان عليه الواقع، من الطبيعي جدا أن لا نستغرق كثيرا في الأعتماد على حقائق التاريخ وواقع الجغرافية فقط وإرادات القوى المتداخله، فلا بد من موقف وطني يعبر عن تلك الحقائق ويجسدها برؤية مدروسة وعملية أساسها الأول أننا عراقيون مهما تنوعت ولونت أنتمائتنا الخاصة وأختلفنا فيما يختلف به كل مجتمع حي.
المرحلة الراهنة التي يمر بها العراق واقعيا هي مرحلة الجذوة أي مرحلة أتقاد جمرة النار التي تحت الرماد التي ستحرق كامل المنظومة العبثية التي مزقت العراق وتمزقت هي به، فبعد أن كانت الطائفية تجمع قواها تحت مشروع جزئي أصبحت هذه القوى هي من تعاني من التجزئة والتشرذم ولم تعد قادرة أن تتوحد بفعل صراعاتها الذاتية من أجل الزعامة والمغانم والبقاء فاعلة في وسطها الخصب وحاضنتها الطبيعية، هذا المؤشر ليس عبثيا وليس خياليا بل هو الواقع بعينه، فتمزق دعاة الطائفية وإنشغالهم في حروب وصراعات بينية هو من يتيح لقوى التغير أن تستعيد زمام المبادرة بيدها وأن تطرح نفسها على أنها الخلاص المؤكد من فساد المنظومة السياسية وتشرذمها ووجودها السيء، الكل اليوم يعي حقيقة أننا أمام بداية مرحلة التحول الجذري الذي لا بد أن يحدث وسيحدث، ومن خلال تفاعل الناس مع ما يطرح من نقد موضوعي وعقلاني عنوانه مصلحة العراق أولا وقبل كل شيء، والسؤال المتداول بين الناس اليوم ليس ما هو البديل، بل متى نبدأ في مشروع التجديد والأنطلاق من عالم التنظير إلى واقع الفعل وتحقيق مشروع العراق الجديد.
إن حقيقة ما يجري الآن من صراع المكاسب والمغانم لم يكن نتيجة فشل المؤسسة الحاكمة بقدر ما هو نتيجة حتمية لمشروع فرض على العراقيين بقوة السلاح وبإرادات خارجية وهو غير قابل للحياة أصلا، ما لا يدركه قادة المؤسسة الحاكمة بعنوانهم الطائفي والفئوي أن العراق لا يمكن أن يحكم من خلال نظرية القوة المستبدة ولا من خلال فرض إرادة خارجية على إرادة شعب عرف بمقاومته للغزاة وأعتداده بتاريخه ووجوده، صحيح أن هناك ظروف ألجأت قطاعات واسعة من الشعب للأستسلام والتخدير وأنتظار تجربة أرادوها أن تكون مختلفة عما مر تأريخيا، لكن الفترة الماضية لم تدع لهذا الأمل فرصة لأن يعيد نفسه أنتاجا وتأثيرا وقدرة على المقاومة، إذن عملية التحول هي جزء من عملية أستعادة الوعي وأستعادة للهوية الخاصة ولا بد أن تثمر عن حراك ما حتى لو صاحبه عنف متبادل ولكنه حراك مقبل وحتمي ونهائي.
إن مصير العراق ومصير شعبه ووجوده وتأريخه متعلق بهذه الفترة ومنتمي للحتمية التاريخية التي تكلمنا عنها، وهذا يتطلب فوق ما يطرح كجدال فكري ونقاش ساخن على صياغة وخلق رؤى وأفكار أصلاحية وتجديدية، أن تجند حالها وقواها لأستغلال الوضع الحرج والمنغلق علة ذاتياته المعطوبة بالتناقض والتضاد بكل ما تملك من حضور وتأثير وفعل، والذي تمر به العملية السياسية المنتجة أمريكيا والمستغلة من قبل أطراف إقليمية ودولية خدمة لمشاريعها الخاصة، حتى تنجح في تحقيق هدفين أساسيين (الأول) أنقاذ العراق كفرصة سانحة من براثن الوضع الشاذ وتخليصه من أردان مرحلة ما بعد الأحتلال متعدد الجنسيات والهويات والأجندات، و(ثانيا) دفن وطمر المشروع الطائقي الفئوي العنصري وللأبد هو وأفكاره ومؤسساته وشخوصه، حتى لا يتمكن مرة أخرى من أن يعيد مقولاته وشعاراته التي خدع بها العراقين وأطاح بمستقبلهم، وهذه المهمة برغم من ثمنها الذي سيدفعه العراقيون بالتأكيد، لكنه سيبقى هو الحل الأقل خسارة والأقل ضررا من بقاءه تحت وطأة الواقع الراهن وسلبياته التدميرية عليه.
إن قراءة الواقع العراقي أجتماعيا وسياسيا وحتى سايكولوجيا ينبيء بأن أيام مقبلة حاسمة قد تنتج حراكا مختلفا، أما عن طريق صناديق الأقتراع وهو الأقل حتمية ومصادر أصلا بقواعد تشريعية صاغها الفاسدون على مقاساتهم الخاصة، أو من خلال أنتفاضة شاملة وعصيان مدني بدأت أشاراته الأولى من خلال حراك الشارع العراقي في مناطق متعددة ولفترات تعد الأطول، منذ أن بدأت الحركة المطلبية الشعبية يعلو صوتها وتتخذ أشكال حادة تتعدى المطالب المؤقته إلى ضرب مرتكزات مهمة في المشروع الطائفي، وهو الولاء الذي تعتمد عليه القوى الحاكمة في ضمان بقائها، وأظن أن سكوت قوى كبيرة كان يفترض بها أن تتحرك وتطالب بالتغيير أحجمت عن بيان موقفها لحسابات خاصة، شجع الشارع العراقي أن يعيد الكرة لملعبة وأن يبادر إلى الفعل التغييري وبقوة، وهذا الأحتمال لا بد له من مساندة وتشجيع ودعم من كل القوى المؤمنة بالعراق ومستقبله، وأن لا تتكرر تجربة سرقة الشارع من قبل قوى متورطة بالفساد والطائفية والفئوية لتفرغه من مضمونه الفاعل وتجير الحراك لحسابها وحساب قادتها.







اخر الافلام

.. إحباط محاولة تسلل واسعة للحوثيين بالحديدة


.. هل أثر هجوم ستراسبورغ على احتجاجات -السترات الصفراء- في فرنس


.. ما هي آخر المطالب التي ترفعها حركة -السترات الصفراء- في فرنس




.. وزير الداخلية الأمريكي يغادر حكومة ترامب مطلع 2019


.. توافق دولي على تطبيق -اتفاق باريس- في ختام مؤتمر المناخ ببول