الحوار المتمدن - موبايل



بصمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر

أحمد القنديلي

2018 / 3 / 26
الادب والفن



بصمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر

أحمد القنديلي

انتقل العرب في العصر الحديث من خطاب النهضة إلى خطاب الحداثة في سياقين تاريخيين متداخلين و متمايزين في ذات الوقت: أما السياق الأول فهو سياق الاستعمار المباشر و سياق النضال الوطني. وهو يمتد من منتصف القرن التاسع عشر تقريبا إلى منتصف القرن العشرين تقريبا. وأما السياق الثاني فهو سياق ما بعد الاستعمار المباشر، من حيث هو سياق الصراعات الاجتماعية والسياسية الحادة على الصعيد الداخلي للبلدان العربية ، في سياق الصراع السياسي ضد الاستغلال الامبريالي الذي يأخذ في الوضع الراهن طابعا نوعيا جديدا هو الطابع المعولم.
غير أن ما تجب ملاحظته هو أن الخطاب العربي، سواء في شكله النهضوي أو الحداثي، تشكل في إطار المثاقفة مع الخطاب الغربي في شكليه النهضوي والحداثي معا. وهي مثاقفة بدأت واستمرت مأزومة أزمة بنيوية تتجسد في المفارقة التالية: فإذا كان الخطاب الحداثي الغربي قد تشكل كتبلور نوعي لانتصار الخطاب النهضوي الغربي على مختلف الأصعدة : اجتماعيا ، سياسيا ، حقوقيا ، علميا ، وأدبيا ...، فإنه في العالم العربي تشكل كرد فعل على هزيمة الخطاب النهضوي العربي. وهذه الهزيمة الكبرى، هي التي اتضحت معالمها في نكبة 1948، وتجسدت بشكل صارخ في هزيمة 1967. أما على الصعيد القطري ، فقد تجسدت في الانكسارات المتتالية للخطاب التقدمي الذي يصعب التفكير في الحداثة بمعانيها المختلفة خارج منظوماته الفكرية.
غير أن الخطاب الحداثي العربي ـ وهو ينطلق من هذه الكبوة ـ وإن أعلن القطيعة مع سلفه النهضوي، لم يمارسها فعليا. لقد استمر يشتغل على مجمل المقولات النهضوية بأسلوب مغاير. وعلى سبيل المثال، فإذا كان الخطاب النهضوي الغربي قد ساهم في بناء المدينة الغربية بمعمارها المادي الجديد، وبأنظمتها الرمزية المغايرة لعهد الظلام القروسطي، فإن الخطاب الحداثي جاء لينتقد ذلك المعمار وهذه الفسيفساء نقدا لاذعا، بحثا عن خلاص مفتقد مادامت الحياة الغربية تتغير باطراد مخيف عصي على الضبط، وما دام هو الآخر يسبق هذا التغير المطرد بمسافات طويلة انسجاما مع تصوره الزئبقي للذات والزمن والعالم: أي للحداثة التي تثور على نفسها بصورة دائمة .
أما الخطاب الحداثي العربي ـ الذي لم يتبلور في فضاء مدينة جديدة ذات معمار ليبيرالي واضح المعالم يستطيع الانتقال فيها انتقالا حضاريا شاملا من مرحلة الكلام إلى مرحلة الكتابة، أي من مرحلة الاستبداد إلى مرحلة الديمقراطية، بما تعنيه هذه المرحلة من انجذاب نحو الذات الفردية الفاعلة بكينونتها المستقلة في كينونتها الخاصة، وبما تعنيه هذه المدينة من ضوابط تسمح لمواطنة المواطن بالوجود والتفتح ـ فقد استمر يبحث عن قيمه المفقودة في مدينته الموعودة .
وهذه القيم هي نفسها التي كان الخطاب النهضوي يبحث عنها بمضامين مختلفة: الحرية، التحرر، العدالة، التقدم... دون أن يمتلك القدرة على مطارحتها بالوضوح والجرأة اللازمين. إما بسبب تعاليه على الخطاب الإيديولوجي والسياسي، وإما بسبب سوء تفاهمه معه ، وإما بسبب إخفائه لأديولوجيته والسعي إلى تمريرها بصورة مواربة .
ولهذه الأسباب انطبع الخطاب الحداثي العربي بطابع الغموض المضاعف حتى بالقياس إلى سلفه الغربي. ويمكن إرجاع هذا الغموض إلى رغبته العمياء في الاختفاء خلف الواقع، أو في إخفاء الواقع الفعلي الذي يتحرك باطنيا بقواه الاجتماعية المهيمنة ضد الحداثة بصورة مستميتة.
وإذا كان الغموض يكتنف مفهوم الحداثة في مواقعها الأصلية، ما دامت الحداثة "سيرورة تحولات ، وتحديات ذات طابع تاريخي نسبي ... ترادف الثورة المتواصلة واللانهائية ضد الوجود الحديث، ومن أجل اكتشاف الذات، والسخرية منها في ذات الوقت "(1) ، فإنها وهي تنتقل إلى سياق الثقافة العربية ، تنتقل بضبابيتها لتسبح في فضاء يغزوه الضباب بصورة مضاعفة : من جهة لأنها لم تحسم حسما جوهريا مع أسئلة النهضة الغير منجزة، ومن جهة لأنها لم تتخذ الموقف المتماسك من التراث، ومن جهة لأنها لم تجد الواقع الذي يستسيغ خطابها ويتقبله.
وهكذا أنتجت خطابا نهضويا في لباس حداثي. يدعي الاحتضان الخلاق للتراث الخاص والعام، ولا يمتلك القدرة على ذلك؛ لينتج في نهاية المطاف كلاما مستعارا حول واقع مستعار.
لقد بنت الحداثة الغربية مشروعها الحداثي على أنقاض الماضي، فمارست القطيعة مع الخطاب النهضوي القريب منها، ومع الخطاب التراثي البعيد. والقطيعة هنا لا تعني الانفصال على مستوى الخطاب، بل على مستوى الأسس النظرية، بما يمكن من بناء أسس جديدة على أنقاض أخرى قديمة، وذلك من خلال الاتصال بها بصورة جديدة والتحاور معها وتجاوزها. ومؤكد أن هذا الفهم المعرفي يتجاوز مستوى القبول بالشيء، والاتصال به اتصال تقديس، أو رفضه والانفصال عنه انفصال هروب. إن "الحداثة لا تعني التنكر للماضي بالمعنى المبتذل للكلمة، بقدر ما تعني أننا وسعنا مفهومنا للماضي، وأننا في ضوء ما هو حديث نرى الماضي في نمط جديد."(2)
لقد افتقد العقل العربي الحديث هذا الفهم الجدلي، ولذلك بدا متعصبا يراوح بين القبول بالتراث أو ادعاء ذلك، ورفضه أو ادعاء ذلك أيضا. وهذا المنطق الصوري أجوف لا ينتج غير العمى النظري الذي يذكيه الجدال اللا مؤسس ، والذي لا يجد نفسه إلا في خطاب مستعار حول واقع مستعار .
ففي هذا السياق يدعي كل من داعية الاتصال بالتراث، وداعية الانفصال عنه، امتلاك الحقيقة التي لا يمتلكها أحد. وفي حضور هذا الامتلاك الوهمي، لا يمتلك كل طرف إلا التنابز بالألقاب الذي لا ينفع أحدا.
لم تتبلورالحداثة الغربية كبناء نظري محدد المعالم فقط، بل كحالة عامة وعارمة تحددها مجموعة من الضوابط الخارجية التي ما أن تتحول إلى داخلها حتى تأخذ مسارات متباينة طبقا لفهم هذا الاتجاه ذاك، في هذا المجال أو ذاك. ومن أهم تلك الضوابط ضابط التغير الدائم بما يعنيه من إيمان بالنسبي واللحظي والجزئي والمتناقض . إن الوعي بالتحول هو ما يميز الحداثة ، ولكن" خصوصية هذا الوعي تقترن بإشكاليته. وإشكاليته تقترن بإدراكه المتوتر للحظة تاريخية يتحول فيها كل شيء " (3). ويمكن أن تقترب أكثر من مفهوم الحداثة من خلال التعريف المركز والعميق الذي بلوره الشاعر الفرنسي شارل بودلير لها " أعني بالحداثة ما هو عابر سريع الزوال ". إن هذا الفهم يتمحور حول فكرة الزمن اللحظي المتغير باطراد، بحيث يتجاوز نفسه بسرعة يصعب معها القبض عليه. وإذا كانت كينونة الزمن تلك مرتبطة بوعي الإنسان بها، فإن الوعي بها وعي بالإنسان ذاته. وما ينطبق عليها ينطبق عليه . فالإنسان الحداثي داخل الحداثة وعي عابر متغير وسريع الزوال، بحيث يتجاوز نفسه بصورة يصعب معها العثور على كينونته.
وبهذا المعنى فالحداثة هي العبور العابر إنها إبداع اللحظة المتحولة التي ما أن تتحول إلى ماض حتى تنتفي لتحل محلها لحظة الحاضر المتغير من حيث هو لحظة الحداثة. غير أن هذا الحاضر لا يعاش من حيث هو كذلك بالفعل، بل من حيث هو مجرد هيولى المستقبل . أي من حيث هو مجرد إمكانية كما يقول هايدغر. وبهذا الفهم ينتفي الماضي من الوعي الحداثي كلية انتفاء جدليا لا يعني موته، بقدر ما يعني حياته بصورة جديدة مثلما رأينا مع ت. س. إليوت. كما ينتفي الحاضر مادام مجرد لحظة عبور . كما ينتفي المستقبل مادام أفقا مشتهى تهفو إليه الذات الحداثية دون أن تصل إليه، إذ الوصول الحقيقي مرادف للموت أو الانتفاء. إن الوعي الحداثي ينطوي " على شعور حاد بالهوة بين الشاعر واللغة والعالم، وبين العالم والوعي. وهو شعور يتجاوب في ـ حدته ـ مع إحساس الأنا المحدثة بانفصال لغتها، وتمزق وعيها بين ما كان في زمان مات ، أو زمان يموت . وما يمكن أن يكون ابتداء كزمان لم يجئ. " (4)
إن هذا التصور المتغير والجزيئي للذات وللزمن يختزل الوعي الحداثي الذي يمكن اعتباره " انفجارا في الوعي نتج عنه انفجار في المعرفة " (5). ومن مظاهر هذا الانفجار في الوعي وفي المعرفة وفي الواقع: الاكتشافات العلمية والثورة التقنية وتطور الحركة الجماهيرية "، وتنضيد الناس والأشياء داخل منظومة يطبعها عقل لامرئي، وكلي الحضور" (6) هو العقل الرأسمالي. أما إذا تحولنا إلى الأطراف، وإلى العالم العربي بالتحديد، فإن هذا العقل يتحول إلى عقل رأسمالي تبعي يحكمه عقل آخر هو العقل الإمبريالي الضاغط المعولم ( بالفتح ) و المعولم( بالكسر) .
ولأن الحداثي العربي يعي هذا الفخ إلى هذا الحد أو ذاك، فإنه يبتعد مسافة بحثا عن فهم خاص و مختلف، حتى لا يتحول إلى مستنسخ كسول للحداثة. أي إلى كائن غير حداثي في نهاية المطاف. " فليس غريبا إذن أن نفهم الحداثة كما نريدها نحن، و أن نربطها بزمننا دون زمن غيرنا ما دامت رؤيتنا للأشياء آنية، و لا تحاول أن تشد إلى زاويته؛ لأنه في كلتا الحالتين سيظل مبتورا و لا يصلح لشيء أبدا. " (7) إذ في هذا السياق يصبح" اتباع الطريقة التحديثية الغربية مسألة لا مكان لها، وتصبح إثارتها من قبيل المغالطة." (8)
إن هذا الفهم الخاص لدى عدد كبير من شعراء الحداثة العرب، هو ما يجعل الحداثة العربية تناصا خلاقا ينصت إلى الآخر، و إلى نبض الواقع العربي الخاص الذي ما فتئ يتعامل مع الزمن برؤية متشبتة بالمستقبل من حيث هو أفق للرسو قليلا من أجل تثبيت قيم العقلانية والحرية والعدالة و المواطنة والتحرر الوطني. وإذا كانت هذه القيم نهضوية غربية، تحققت في الغرب الرأسمالي بصورة ما (الثورة الفرنسية ثم الثورة الصناعية )، ثم وضعت موضع تساؤلات إشكالية عميقة من طرف الحداثة، فإنها في السياق العربي قيم نهضوية تم نسج معالمها النظرية بصور متباينة، دون أن يتم تحيين أية قيمة منها كي تعاش و تتمثل و تنتقد. وذلك بسبب الإخفاقات المتتالية. فلا مجال أمام الحداثة العربية لنقد التقدم الذي لم نعشه بعد، و لا لنقد العقلانية المصادرة، ولا للحديث عن الإنسان الذي لازال عندنا يطمح إلى تحقيق كينونته المادية والمعنوية المستقلة.
وعلى الرغم من أن الرومانسيات العربية تبلورت في سياق الخطاب النهضوي، كما هو حال الرومانسيات الغربية، فإننا نعتبر بداياتها المتوترة والمتباينة بدايات تكون جنين الحداثة الشعرية العربية ، وخصوصا مع جبران بنبوءاته الصاعقة. لقد كانت إضافاتها دالة على مستويي الكتابة ووظيفتها أكثر من أي شيء آخر.
غير أن هذه الإضافات التي قدمتها كل من مدرسة الديوان، والمدرسة المهجرية، ومدرسة أبولو، لم تشكل أكثر من تراكم تبلور في سياق تاريخي مضاد يحاصره التقليد الكلاسيكي رغم افتقاده لإمكانية الاستمرار. أما البداية الفعلية للحداثة الشعرية العربية، فإننا نعتقد أنها لم تكن إلا مع حركة " الشعر الحر" في بغداد ( نازك الملائكة وبدر شاكر السياب )، والتي تزامنت مع هزيمة 1948 الدالة على أكثر من مستوى، والتي تطورت فيما بعد في مختلف بلدان العالم العربي مع مجموعة من الأسماء الشعرية الكبيرة التي لا يتسع المجال لاستعراضها .
إن أهم ما يميز تجارب شعراء هذه الحركة، أنها تعاملت مع الواقع ليس باعتباره مسطحا ومحددا. بل باعتباره مركبا ومعقدا وغير محدد. ومن هنا تجسد شعرها ليس باعتباره وصفا للعالم، مادام يستحيل وصف موصوف غير قابل للتمثل، بل باعتباره رؤيا له، مادام متمثلا تمثلا ذاتيا وتخييليا.
إن هذا الفهم الجديد للشعر واقعي و رمزي للكتابة وللواقع كليهما. وهو فهم جدلي يتصل بالواقع لينفصل عنه، وينفصل عنه ليتصل به، ليس من حيث هوهو كما اتصل به أول الأم ، بل من حيث هو كما ابتعد عنه مسافة توتر تخييلية؛ ليجده وقد تجسد تجسدا تخييليا بصورة مضاعفة. وما نقصده بالتخييل هنا هو "ما يثبت فيه الشاعر أمرا غير ثابت أصلا، ويدعي دعوى لا سبيل إلى تحصيلها ، ويقول قولا يخدع فيه نفسه ، ويريها ما لا ترى "(9). ومؤكد هنا أن لعبة الانخداع التي تتحول إلى لعبة خداع للمتلقي هي التي تضفي على الكتابة الشعرية طابعها الرمزي الخلاق.
وبهذه المسافة التخييلية المتوترة والمضاعفة ، نهضت قصيدة الحداثة بوظيفتين متداخلتين :
ـ تتمثل الأولى في الاقتراب من الواقع من أجل خدشه وإثارة الأسئلة حوله ما أمكنها ذلك.
ـ وتتمثل الثانية في الحفاظ على كينونتها الجمالية المستقلة التي تضمن لها القدرة الدائمة على التجاوز الدائم، وعلى التسامي الفني الذي يتنزل، بمؤشرات نصية وسياقية، لحظة كل قراءة.
بيد أن هذا الوجه المشرق لا يشمل من قصائد الحداثة، مشرقا ومغربا، إلا تلك التي تحرص على قول قول ما. أما تلك التي تأبى التحين في كل حين، تستبطن الغموض الأسود الذي يدور في دائرة اللاوعي، ثم تستظهره مبتعدة مسافات عن الوعي والذاكرة والحلم الحادس بالنبوءات العظمى، فلا مجال للحديث عنها في سياقنا هنا .
لقد أضحت قصيدة الحداثة، التي ننحاز إليها هنا، فضاء معقدا يستخدم مجموعة كبيرة من الأدوات والوسائل التي" تصوغ حركتها... وهي حركة تعتمد على نوع من التماثل والتضاد والجدل المتوالي المستمر بين الصفات والخصائص النوعية المختلفة ". (10)
وبسبب هذا التحول تحولت قصيدة الحداثة من الوزن، من حيث هو" تقعيد لحالة إنشادية غنائية " (11)، أو من حيث هو "مقياس كمي ينظم الخصائص الصوتية للغة " (12)، إلى الإيقاع من حيث هو " المجموع المركب لمجموع عناصر الخطاب." (13) الذي ينتج عن "المد في الكلمات ...، ويظهر في نبرات الجمل، بالإضافة إلى الإيقاع الهارموني/الجناسات." (14) والتكرار بمختلف أشكاله . أي من طبيعتها الشفوية من حيث هي نطق وسماع، إلى طبيعتها المكتوبة من حيث هي رسم وقراءة.
غير أن الرسم هنا لا يعني شيئا آخر غير الكتابة التي تتوجه إلى العين وعبر العين إلى الذات القارئة، المتمثلة للنص بسواده وبياضاته، سواء أكانت تلك الكتابة بخط اليد أو المطبعة. فلا مجال للاحتماء بخط يمكن أن يكتسي قيمة ما. فإذا كان " النسيان مبدأ بلاغة الكتابة "(15) الجديرة بالاعتبار، فإن مبدأها الآخر هو نفي المتعاليات، وذلك بتناسيها بدل الخضوع لها، وتوهم تفكيكها من الداخل من خلال استعمالها بطريقة مغايرة. (16) حين تحولت القصيدة العربية من الوزن إلى الإيقاع، ومن النطق والسماع إلى الكتابة والقراءة، تحولت من فضاء منظم وقابل للقياس، إلى كيمياء معقدة تتفاعل عناصرها لحظة الكتابة ولحظة القراءة. لقد استمرت القصيدة العربية التقليدية شفوية: بالنطق تحقق وجودها الأول بالقوة، وبالسماع يتحين وجودها الثاني بالفعل. أما قصيدة الحداثة فإنها إذ توجدها الكتابة وجودها الأول، توجدها القراءة وجودها الثاني.
وإذا كان الاستماع قراءة ثانية، بالمعنى النقدي ، لقراءة أولى ، بالمعنى التلفظي، موجودة سلفا في الذهن، هي القواعد المتعارف عليها: معجما وتركيبا ووزنا ودلالة وبلاغة، فإن القراءة، بالمعنى البصري، قراءة أولى، بالمعنى النقدي، لكتابة أولى تشكلت لحظة الكتابة وتشرع في التشكل لحظة كل قراءة ، بالمعنيين البصري والنقدي .
وبهذا المعنى فقراءة المسموع عودة إليه، وقراء ة المكتوب انطلاق منه نحو كتابة جديدة. وهذا معناه أيضا أن مساحة تأويل القصيدة الشفوية، التي تتأسس على بلاغة الوضوح تبقى ضيقة جدا، بالقياس إلى المساحة المتاحة أمام قصيدة الحداثة.
من هنا يمكن الحديث عن انفصال قصيدة الحداثة عن قصيدة التقليد انفصال المركب عن البسيط. لقد استمرت القصيدة التقليدية معقلنة عقلنة الواقع، كما تمثلته، سواء كانت موضوعاتها / أغراضها متعددة، أو غير متعددة. فالمعلقات العظيمة كانت مفردة بصيغة الجمع.
وحين أطلت الرومانسية بتلاوينها المختلفة ـ كما تمثلها الشعراء العرب ـ لم تعمل إلا على تبسيط هذا البسيط الكلاسيكي حين دعت إلى وحدة الموضوع . فبقدر ما موضعت الكلاسيكية العالم خارجها، موضعته الرومانسية داخلها. وبذلك انقلبت المحاكاة الخارجية إلى محاكاة داخلية؛ لتبقى القصيدة في نهاية المطاف شهادة: إما على إحساس الذات بالموضوع، أوعلى إحساس الذات بذاتها من حيث هي الذات والموضوع معا .
غير أن الرومانسية تبقى فاتحة لعهود جديدة بتصوراتها الجديدة للأشياء، وبنبوءاتها الكبرى. فإذا كانت الكلاسيكية هي الشعر الذي لم يع ذاته، " فإن الشعر الرومانسي تعرف على نفسه كشعر"(17). لقد اشمأزت الرومانسية من القواعد، وأتت ببدائل مرنة، وأسست لأخرى أهم.وهذه البدائل هي التي ستنكشف هشاشتها مع قصيدة الحداثة بمختلف شكولاها فيما بعد .
ومع الحداثة انتقلت قصيدة الحداثة إلى دائرة التركيب. وهكذا أصبحت كلا مركبا يتداخل فيه الذاتي مع الموضوعي، والواقعي مع الرمزي والأسطوري، والخاص مع العام، والمتكلم مع المخاطب والغائب، والوزن مع الإيقاع، والصوت مع الخط، والوضوح مع الغموض، والكلام مع اللغة، والغنائي مع الدرامي..." فالقصيدة الغنائية لم تعد المتنفس الوحيد للشاعر ..على الشاعر أن يجد الآفاق، والإمكانات الجديدة دائما وأبدا للتعبير عن نفسه في أشكال متباينة " (18).
أمام هذه الكيمياء تحولت قصيدة الحداثة إلى خطاب يتجاذبه البياض والسواد. ولذلك بدت عصية على التملك، بحيث لا يستطيع القارئ اقتحامها بالجاهز المعرفي والمنهجي. فحين هتك الشاعر الحداثي قدسية البيت الشعري التقليدي، هتك تاريخا شعريا بأكمله؛ ليجد نفسه أمام الفراغ والعدم. أي أمام قصيدة بكر لا هوية لها، تبحث عن شكلها ومضمونها ورؤيتها للعالم والأشياء. لقد وجد نفسه أمام كتابة في درجة الصفر " تحررت من مدلولاتها القديمة حتى وصلت إلى درجة اللا معنى " (19). ولذلك أصبح لزاما عليه، وهو يبحث عن أشكال جديدة، أن يبحث ضمنها عن معاني ورؤى جديدة.
وهنا تطورت قصيدة الحداثة في اتجاهين متغايرين: يبحث الأول عن المعنى ويحتفل به؛ ليصوغه في ثوب غامض يستفز القارئ الضمني، ويحثه على تمثله وتملكه بشكل ما، يفرضه المقام والسياق ومقصدية الخطاب. ويبحث الثاني عن اللا معنى من خلال الاحتفال بالكتابة بدل المخيلة، وكأن الكتابة "علم متع اللغة " (20)، أو كأنها لعب سريالي عفوي هدفه " تكسير الفكر بشكل متواصل" (21). غير أن هذا الاتجاه الأخير لا يعنينا في هذا السياق.
ففي غياب نموذج جاهز سلفا، اقترب شاعر الحداثة من الروح المتحولة للحداثة. وهكذا وجد نفسه تارة في الشكل الدائري الذي بقي معه في دائرة الوضوح والنظام، أي في دائرة القصيدة التقليدية بصورة لاواعية في معظم الأحيان. ذلك لأن تدمير سلطة البيت التقليدي لا يعني بالضرورة التحرر من قيود الكتابة التقليدية، ما لم يتم الوعي بآليات الكتابة الجديدة، وخصوصا على مستوى البناء، وهندسة الفراغ داخل النص." فالبناء الدائري محاولة لا كتناه التجربة انطلاقا من بداية هي النهاية في الأصل" (22). غير أن قيمة هدا الشكل الفني تكمن في اكتشافه لمفهوم عريق ومنسي للكتابة الشعرية، باعتبارها ومضة تأتي في هذه اللحظة أو تلك. ولعل هذا ما اكتشفه الكهان والوعاظ قديما في خطاباتهم الشذرية، وما اكتشفه الشعراء الصعاليك حين استبدلوا المعلقات بالمقطعات. وما بلوره الشعراء الرومانسيون في بعض نصوصهم الشعرية والنثرية.
كما وجد نفسه تارة أخرى في الشكل الحلزوني الذي وإن لم يمكنه من تدمير بنية القصيدة التقليدية، وحتى الرومانسية، فقد مكنه من خلخلتها. ذلك لأن هذا الشكل لا يخرج عن سابقه جذريا. فإذا كان الشكل الأول دائرة واحدة تبدأ لتنتهي، فهذا الأخير مجموعة دوائر تبدأ، إما لتكتمل فيما يلحق بها من دوائر، وإما لتنفتح عليها جدليا. إن حركة هذه القصيدة "حركة الحلقات الحلزونية، وكأن كل حلقة حبلى بالتي بعدها، ومولودة أيضا من رحم سابقتها. " (23)
غير أن قيمة هدا الشكل تكمن في اكتشافه للانهائية الكتابة الشعرية، حيث تبدأ القصيدة بفراغ مفتوح على القراءة، وتنتهي به. أما على المستوى الأفقي فيتخلل الفراغ مختلف مفاصل القصيدة، وبصورة أقوى بين كل لحظة انتقال من منعرج إلى آخر داخل هذا المسار الحلزوني.
ثم وجده أخيرا في الشكل الجدلي أو الدرامي الذي مكنه من تغيير إدراكه الجمالي للعالم. وبهذا الإدراك " استطاعت القصيدة الجديدة أن تحمل الرؤية التركيبية، والنظرة الموضوعية، وأن تبتعد عن الذات، وعن الوجود والواقع الموضوعي، بكل ما فيه من تداخل وتشابك " (24) ؛ لتقترب منهما بصورة جديدة، ومغايرة. وبهذه الرؤية التركيبية تحولت القصيدة الحداثية إلى بؤرة للقول الشعري المتعدد الذي يتداخل فيه الوصف مع السرد والحوار، والتجسيد مع التجريد، والأنا مع الآخر، والوعي مع اللاوعي.
وبقدر ما اكتشف شاعر الحداثة في هذا الأسلوب الجديد وجها من وجوه التعبير الحداثي، من حيث هو قول شعري متعدد ومتغير، وجد نفسه أمام ضياع صوته وسط الأصوات. وأمام هذا الضياع وجد نفسه على حافة الانزلاق من مملكة الشعر إلى ممالك الأنواع الأدبية الأخرى.
وخلاصة القول أن الحداثة الشعرية عندنا ذات حدين. فإذا كانت الحداثة ـ في أبسط تعريفاتها ـ هي الوعي المتحول بالتحول، فهنا بالضبط يكمن جوهرها الخلاق. غير أن هذا الجوهر بقدر ما يدفع شاعرا حداثيا إلى البحث عن رؤيا شعرية متجددة تنشد التحول بمختلف مضامينه، بقدر ما يجر شاعرا آخر يدعي الحداثة إلى البحث الحثيث عن كل شكل شعري ممكن، بعيدا عن المضمون والرؤيا معا. وهنا يحدث الانزلاق: إما في تيه الاستنساخ، وإما في معاداة الحداثة من " داخلها " أو حتى مما بعدها.




















الهوامش
(1) ـ عبد الحميد عقار :"الرواية المغاربية:تحولات اللغة والخطاب. شركة النشر والتوزيع، المدارس ،البيضاء س:2000 ، ص:81
(2) ـ ت. س.إليوت: عن مقال :"الشاعر الغربي المعاصر وتصوره للحداثة. صالح جواد الطعمة. مجلة فصول:ع:4،ج 2، سنة 1984، مصر، ص:14
(3) ـ جابرعصفور: معنى الحداثة في الشعر المعاصر. مجلة فصول:ع 4 ، ج2، سنة 1984 ، مصر ، ص:51.
(4) ـ نفسه : ص :51.
(5) ـ عبد الرحمان القعود: الإبهام في شعر الحداثة:عالم المعرفة:ع:279، ص:75.
(6) ـمحمد برادة: مجلة فصول (م.س)، ص:14
(7) ـصلاح بوسريف: بين الحداثة والتقليد : سلسلة شراع: ع:62، سبة 1999، ص:58 .
(8) ـ إدوار الخراط: قراءة في ملامح الحداثة عند شاعرين من السبعينات:مجلة فصول (م.س) ص:39.
(9) ـ عبد القاهر الجرجاني:أسرار البلاغة، ضبط الشيخ محمد سيد رضا، دار المعرفة، بيروت سنة 1982، ص:239 .
(10)-عبد الرحمان حمادي: الأزمة والضرورة في منهج الشعر الحديث : مجلة الآداب،ع6، س 1980 ، ص:26.
(11)- أدونيس: الشعرية العربية : دار الآداب . ط:2، س:1989. ص:30.
(12)- أحمد محمد ويس: خصوصية الإيقاع الشعري في النقد الغربي. مجلة عالم الفكر، ع2، مجلد 32، س:2003، ص:104.
(13)- محمد بنيس: الشعر العربي الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاته (التقليدية )، دار توبقال للنشر، ط:2، س:2001، ص:224.
(14)-عن كتاب "نصوص الشكلانيين الروس" ترجمة إبراهيم الخطيب:الشركة المغربية للناشرين المتحدين . ط:1، البيضاء، ومؤسسة الأبحاث العربية بيروت، س:1982، ص:55.
(15)- انظر في هذا الصدد احتفال محمد بنيس بالخط المغربي، باعتباره احتفالا بعودة المكبوت: بيان الكتابة، مجلة الثقافة الجديدة، ع 19 س:1981، ص:47، وما بعدها.
(16)- نفسه ، ص:49.
(17)- جون كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي، ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط 1، س 1981، ص 21 .
(18) - عبد الوهاب البياتي:عن مقال "مقاربة نقدية في البنية الدرامية والسردية في شعر عبد الوهاب البياتي. مجلة عالم الفكر، ع:2 ،مجلد30، سنة:2001، ص:167.
(19)- خليل الموسي: قراءة في الخطاب الشعري المعاصر، مجلة عالم الفكر، ع:3، مجلد 29، سنة :2001 ، ص:201.
(20)- رولان بارث: لذة النص ،ترجمة : فؤاد صفا و الحسين سحبان، دار توبقال، ط:2، س:2001، ص:15 .
(21)- جون كوهن (م.س) ص:173 .
(22)- عبد الله راجع: القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد، دار قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع، ط:1، سنة 1987، ص:211.
(23)- يمنى العيد :في القول الشعري: دار توبقال للشعر، ط:1 ،سنة 1987، ص:111و112 .
(24)- محمد جابر عباس: مقاربة نقدية في شعر عبد الوهاب البياتي ، مجلة عالم الفكر، ع2 ، مجلد 32 ، س:2003، ص:162 .







اخر الافلام

.. رئيس حزب المؤتمر: الاتحاد الليبرالي يهدف لنشر الثقافة الوطني


.. ماذا قال وزير الثقافة السعودي للعربية عن مشروعات الرياض العم


.. جولي والموسيقى وأطفال داعش




.. الفنان العراقي ياس خضر واغنية ليل البنفسج كتبها الشاعر مظفر


.. مقهى أم كلثوم ببغداد يتحدى الظروف الصعبة في العراق!