الحوار المتمدن - موبايل



عندما يكون النقد هدفا تصبح السخرية اسلوبا

خالد بوفريوا

2018 / 3 / 27
الادب والفن


من منا لا تثيره تلك الرؤوس المفلطحة والأنوف المعقوفة والشفاه الممطوطة ,والى ما هنالك من اشكال المبالغة والتهكم والسخرية عند تصفحه لأعمدة الصحافة. فتراها خربشات عبارة عن خطوط ومنحنيات تحتل حيز ضئيل من زوايا الجرائد والمجلات لكنها تغزوا مجال التأثر لدى المتلقى او المستقبل بل تقوم على اساس الحس النقدي ولا شيء غيره فالكاريكاتير كفن مستقل بزغ من رحم الفنون التشكيلية ليقوم بهذا الدور ..
فما الاطار العام الناظم لهذا الفن ? وما مقاربته التاريخانية ? وهل استطاع التكيف مع بوصلة التاريخ من اجل حماية رسالته ?
الكاريكاتير كما يسميه ارسطو بالفن البشع هو شكل من اشكال فن الرسم الاكثر جذبا وهو قائم على المبالغة بالخطوط والريشة , من خلال تحريف الملامح الطبيعية وخصائص شخص ما مع الاحتفاظ ببعض اوجه الشبه به.. او ظاهرة اجتماعية او حدث سياسي بهدف التهكم والسخرية او النقد الاجتماعي والسياسي على خلاف المقال الذي يتناول موضوعا معين وان كان ساخر ولاذعا فان الرسم الكاريكاتيري المعبر عن المعنى ذاته مفهوم من الجميع بصرف النظر عن فئاتهم الاجتماعية ومستواهم الثقافي ,لما يتسم ببساطة في الطرح وعمق التأثير الجماهيري. ومن هنا يستمد فن الكاريكاتير قوته كأداة صحفية ساخرة وناقدة..
وهنا لابد من ان نعانق بوصلة التاريخ من اجل ان نوضح ان الكاريكاتير كفن مستقل تبلور بشكل تقريبي في اوخر القرن 18 و اوائل القرن 19 وبشكل اساسي في بلدان القارة العجوز على القاعدة الفنية لعصر النهضة الاوروبية , لكن الكاريكاتير كفن مركب من عنصري التشكيل والكوميديا السخرية له جذوره القديمة الضاربة في فجاج التاريخ لدرجة يمكن القول ان الكاريكاتير ولد مع ولادة الانسان. وتعتبر الاديان القديمة من اهم منابع السخرية سواء في الادب او في التشكيل وحضارة ارض الكنانة هي الاغنى و الاكثر تطورا في مجال الرسم الساخر اذا انها تمتاز عن باقي الحضارات بان الرسوم التي تعود لها تستمد مواضيعها من الحياة وليس من الاسطورة وتضفي عليها طابع فلسفي , فلا تكتفي فقط بالفكاهة وإنما ترمز الى اشياء اخرى كانت مواضيع المبالغة في الفنون القديمة قد استمدت بشكل اساسي من الاسطورة والحياة العامة للشعوب القديمة فقد جاء المسرح الساخر والأدب لكي يعطي دفعة جديدة لتطور الفن التشكيلي الساخر خاصة منها ما هو مستمد من الاسطورة حيث ان الاسطورة اصلا وجدت ادبيا قبل ان توجد تشكيليا فكل ما سبق يمكن اعتباره مقدمات تاريخية لظهور فن الكاريكاتير .
كان صاحب المبادرة ليوناردو دافتشي(1) رائد الفن التشكيلي في عصره مما اعطى المجال للفنانين التشكيليين الاخريين للإقدام دون خوف على استخدام المبالغة في تنفيذ رسومهم وتصوير شخصياتهم, وأخذت الوجوه ذات المعالم المضخمة تظهر في اعمال فنية جدية ومنها اعمال انيبال كاراتشي الذي يؤكد بعضهم انه اول من رسم بهدف الاضحاك.. ومن اوائل الرسامين الذين مارسوا فن الكاريكاتير بالشكل القريب من الشكل المعاصر كان الايطالي بيير ليونيه غيتسي الذي استخدم المبالغة في رسم ملامح الوجوه بهدف اثارة الضحك .
وفي القرن 17 ظهر فنانون احترفوا السخرية وتخصصوا بها حيث اخذت تظهر الاتجاهات التي تبتعد عن الكلاسيكيات وأخذت معالم الجمال المطلق من اعمال الفنانين ويحل محلها عناصر السخرية والمبالغة, هذه الاخيرة وان طبعت اعمال عدد من الفنانين إلا ان هذه المبالغة لم تسعى الى النقد و اول من استخدم الرسم الساخر بهدف النقد كان الانجليزي وليم هوغارت(2) والذي يعتبر مؤسس اتجاه النقد الاجتماعي في الفن الاوروبي .وفي النصف الثاني من القرن 18 بزغت مجموعة من الرسمين الانكليز الذين يمكن القول انه بظهورهم ارسى فن الكاريكاتير وجوده نهائيا كفن مستقل ورغم تأثرهم الواضح ب هوغارت. فقد اشتهروا بشكل اساسي برسومهم الكاريكاتيرية الساخرة بالدرجة الاولى وفي راس القائمة الانجليزي رولا تدسون و هنري بانييري و جيمس غيلري … هؤلاء جعلوا من الكاريكاتير فنا ذا شعبية خاصة حيث ان الشوارع والباحات اللندنية كانت تعج بالمتفرجين الذين كانوا يجتمعون امام الواجهات التي تضم اعداد كبيرة من الرسوم الكاريكاتيرية, هذه الاعمال شكلت قفزة غير مسبوقة في مجال تطور الكاريكاتير حيث تحول بفضلهم الى فن مستقل وتبلور احد انماطه الذي هو الكاريكاتير الاجتماعي ووضع شارة الاساس لنمطه المؤثر الذي هو الكاريكاتير السياسي .
وفي فرنسا ونتيجة للصراع الاجتماعي و السياسي الحاد في النصف الثاني من القرن 18 و 19 ظهر عدد كبير من رسامي الكاريكاتير وصحف التي ساهمت في هذا الصراع و اعطت للكاريكاتير صفة الديمومة ومنهم دومييه(3) الذي اخذ بممارسة الكاريكاتير السياسي بعد ثورة 1830 وهاجم برسوماته تقييد الحريات السياسية وظاهرة الاعتقال السياسي. ان الكاريكاتير منذ ظهوره كفن على اعتاب القرن 18 انغمر في الصراعات الاجتماعية والسياسية حتى اذنيه. وهذا بالتالي يدفعنا الى التأكيد ان فن الكاريكاتير كان منذ نعومة اظفاره فنا موجها يستخدم كسلاح فعال في السياسة وذالك بحكم مضمونه الساخر, وأول من استخدم الكاريكاتير كسلاح سياسي كان في فترة حرب الاصلاحات الدينية التي قادها مارتن لوثر ضد الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان والذي يقول في احاديثه داعيا الى تكريس السخرية كسلاح في هذا الصراع ضدا الكنيسة الكاثوليكية « ان القساوسة والخوارنة يجب ان يرسموا على جميع الجدران وحتى على اوراق اللعب بشكل يجعل الناس يشعرون بالقرف عندما ينظرون اليهم او يسمعون عنهم » .
وهكذا يمكن القول ان الكاريكاتير دخل حيز القرن العشرين وما بعده فنا ضمن مكانه تحت شمس الفنون التشكيلية بعد مخاض طال مداه له قاعدته الشعبية الواسعة وله منابره الاعلامية بل الاهم رسالته النبيلة التي تدافع عن الانسانية وحقوقها الكونية .
______________________________________
الهوامش :
1. ليوناردو دافتشي (1519_1452 ) رسام ايطالي
2. وليم هوغارت (1697_1764 ) رسام وحفار انكليزي
3. اونوريه دومييه (1808_1879 ) طباع فني ورسام كاريكاتير فرنسي







اخر الافلام

.. الموسيقى المغاربية حاضرة في عيد الموسيقى بباريس


.. الصويرة المغربية ترقص على أنغام موسيقى القناوة في مهرجانها ا


.. كمال يلدو: عن الطفولة العراقية والوجع والمستقبل الغامض مع




.. دول تحتفل بعيد الموسيقى العالمي


.. استمع لموهبة سورية في الغناء – محمد كندو -جيران