الحوار المتمدن - موبايل



عامر عبد الله .. مثقف عضوي (1-3)

عقيل الناصري

2018 / 3 / 28
مقابلات و حوارات


لقد عاشت الانتلجينسيا العراقية منذ أن خطت سنوات فتوتها، في صراع مستديم مع واقعها ومحيطها الاجتماعي من جهة ومع ذاتها الطامحة إلى تغير ذلك الواقع من جهة ثانية. مما ترتب على هذا الصراع عواقب جمة صاغت من الكثير منهم ما يمكن أن نطلق عليهم (مثقفيين عضويين) ربطوا بين مهماتهم الحياتية وغائية التغيير التي نظروا إليها كصيرورة اجتماعية سياسية، وبالتالي وسموا الثقافة العامة بطابعها الاجتماعي ذو المنحى اليساري العام وبنزعته التقدمية ، تبلورت بكل ابعادها في تجليات الوعي الاجتماعي: الجمالية والحقوقية والفلسفية والسياسية بل وحتى الدينية. هذا النزوع يمكن رصده في مختلف مراحل التطور التاريخي لسيرورة الظاهرة العراقية المعاصرة. كما يمكننا رصد قرينة أخرى ارتبطت بهذه الصيرورة ، مفادها أن كل عقد زمني قد أفرز مجموعة انجزت بعض من مهامها،وربما الكثير منها ما أمكن، وبعضها الآخر كان ذا منزع استعجالي يحاول مصارعة الواقع بأدوات تغييرية غير متلائمة مع ذات المهام، كما لو أنهم يصارعون السماء بأيديهم العارية.. يدفعهم ويحفزهم إلى ذلك ايمانهم بعدالة غائية التغيير وضروراته لواقع دينامكية التطور المرغوب وأهميته. وثالثة الظواهر التي يمكن رصدها هنا.. أن الكثير من هؤلاء دعاة التغيير الاجتماعي قد نذروا أنفسهم لهذه الغائية التي هي بمعايير الاخلاق فكرة سامية، وبالجمال ايثار سيمفوني، وبالسياسة غائية اجتصادية، وبالتطور ضرورة موضوعية.. وقد تحملت هذه الانتلجنسيا شتى صنوف العذاب والحرمان بل حتى أن الكثير منهم كانوا قربانا لهذه الضرورات ولذات الغائية بقدر ما كانوا من ماهيات معالم الذات الانسانية في تجلياتها الجمالية. الامعان في هذه العوالم ستشخص الابصار نحو اولئك الرواد الأوائل، منذ عشرينيات القرن المنصرم حيث رواد الفكر المساواتي الاجتماعي، وثلاثينيات الفكر التقدمي والديمقراطي واربعينيات التبلور النقابي والحزبي وخمسينيات المثقفين وتأثيراتهم المتصاعد..ومن ثم في العهد الجمهوري حيث تحول هذا الكم غير الكبير إلى فعل وممارسة غائية احدثت تراكما نوعيا على كل مستويات الوجود الاجتماعي العراقي.. اخاف الكثير من الطبقات والفئات الاجتماعية الماضوية وتلك الساكنة في حراكها، التي خططت إلى عودة هذه الصيرورة إلى منزعها البدائي من خلال احباط جماعات التغيير واهمالهم المادي والروحي ومشروعهم الحضاري.. وهذا ما قامت به أغلب حكومات الجمهورية الثانية ( 9شباط1963- نيسان 20039) وبالاخص منذ 1968 .. ومع ذلك ناضلت هذه الجماعات على تعدد مشاربها الفكرية والفلسفية في التشبث بمشروعها الحضاري.. وامست مثالا للمثابرة يحتذى به. كان ، حسب اجتهادنا، من بين هؤلاء السياسي والمثقف العضوي عامر عبد الله/ القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي.. ومن اجل تسليط الضوء على هذه الشخصية واستيعاب حراكها السياسي والمعرفي وضمن متطلبات جمع المعلومات لنيلي شهادة الماجستير عن هذه الشخصية، المثيرة للجدل، كان نقاشنا وحوارنا مع الباحث الاكاديمي الدكتور عقيل الناصري ، والمتخصص في شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم، من مهجره السويدي، فكان هذا الحوار:
حاورته: غادة عبد الرزاق

* دكتورنا الفاضل ... متى كان اول لقاء جمعك بالاستاذ عامر عبد الله كيف تنظر إليه ؟ وماهو انطباعك عنه سلبا او ايجابا ؟
- من المعروف ان الراحل عامر عبد الله.. كان من الشخصيات المهمة في تاريخ الحركة السياسية عامة والشيوعية على وجه الخصوص.. وقد ذاع صيته منذ امد بعيد ويمكن رصد ذلك تاريخيا منذ نهاية الاربعينيات ومن ثم اشتهر اكثر فاكثر في مطلع الخمسينيات ، وخاصة بعد توحد الكتل الأرأسية في عام 1955: وهي الحزب الام وكتلة راية الشغيلة ومن ثم وحدة الشيوعيين برئاسة عزيز شريف، حيث كان عامر عبد الله احد اقطابها. ليس هذا فحسب، بل انه برز بكونه احد المثقفين العضويين في الحركة الوطنية المعارضة للنظام الملكي.. نظرا لما كان يكتبه ويمارس من فعل التغيير المادي للحياة، في الاربعينيات وما قبلها.
وبالتالي كبحت ظروف الحزب السرية من حركة عامر في الحياة الثقافية والسياسية و الاجتماعية.. حيث اخذ يتنقل بين البيوت الحزبية السرية منذ مطلع الخمسينيات.. اما بعد الثورة فقد انشغل في الصراع السياسي بدرجة كبيرة.. وتضخمت لديه الأنا بصورة أكبر. وهذا الدور مستنبط من جماهيرية الحركة الشيوعية من جهة ونضالها الدؤوب من اجل التغير الغائي من جهة ثانية وللعلاقة الشخصية التي ربطت عامر عبد الله بالزعيم عبد الكريم قاسم والتي تمتد إلى مطلع الخمسينيات، حيث تم التعارف بينهما من خلال شلة المثقفين العضويين من امثال مصطفى علي وناظم الزهاوي وجواد على وغيرهم... كان ذو هيبة وكارزما عاليتين. لا يتمنطق قدر تعبيره عن جوهر السؤال أو الظاهرة بصورة مكثفة.. وبلغة عالية من حيث المضمون.. وكان ذا معرفة موسوعية في حركة التحرر العربية بصورة عامة.. حتى انه كان يلقي محاضرات في المدرسة الحزبية السوفيتية عن هذا الموضوع وغيره ما يخص العالم الثالث.
وبالامكان القول ان الجلوس معه يشعرك برهبة معرفية.. خاصة ونحن كنا في مرحلة الدراسة العليا وننظر له بروح عالية قبيل الالتقاء به.. لما لعبه من دور كبير في نجاحات واخفاقات الحركة الشيوعية بالعراق. ومن ثم التقيت به في دمشق في جلسة حميمية تخللها الكثير من النقاش الجدي سواءً بطابعها الفلسفي أو السياسي.. لكن الاهم عندما كنت التقيته في عام 1998 في ستوكهولم وجلست معه 3 جلسات حوارية وعامة.. اتضح من خلالها مدى التغيير الذي طرأ على فكره الفلسفي وفي تجلياته السياسية والاجتصادية.. حتى اننا دخلنا في نقاش حول القانون الماركسي { نفي النفي} الذي حسب تصوره انه لا يعتبره من قوانين المادية الديالكتيكية (الجدلية) لذا رفضه. والدلالة الثانية لهذا التحول هو النقد الموضوعي لتجرية الاتحاد السوفيتي من خلال كتابه{ مقوضات النظام الاشتراكي} حيث نظر لماهيات هذا الموضوع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي .. ونظر للموضوع بروحية جديدة. سبرت غور تاريخية الاتحاد السوفيتي ضمن قراءة لم تكن مألوفة في الوسط الثقافي العراقي اليساري..اشبهها ( بالصدمة) المعرفية التي تؤثر في جملة المفاهيم والسنن المعرفية الشكلية التي لم ترتقي لذات المضامين والماهيات الماركسية. ومن ثم تلاه كتابه { السوق الشرق اوسطية}وهي رؤية أخرى غير معتاد العقل العراقي عامة قبولها، بغض النظر عن اتفاقنا أو عدمه مع ما يطرحه عامر عبد الله في هذه الدراسات.
كما قلت تمتع الراحل بنوع من الرهبة الاجتماعية التي تفرض نفسها على الجميع حيث يسودهم الصمت وتختلج في نفوسهم جملة الاستفهامات المعرفية النظرية او العملية، كما كان متواضعا في طرحه، جدلياً في تفكيره.. مما يستحوذ على عقول وافئدة الجالسون حوله.. كانت ( الاستاذية) ملازمة له.. لم يفرضها في الكثير من الاحيان.. بل كانت تفرض نفسها سيكولوجيا من خلال معرفته الموسوعية من جهة ومن تحليلاتها العامة المهتدية بالقضايا المعرفية للمنهج الماركسي.. فيحدد الأرأس من الرئيسي والثانوي من هذا الاخير، كما يشرح للمستمع الفرق بين الضرورة والصدفة وما تؤديه التغيرات الكمية على ماهية الظاهرة من الناحية النوعية. انه فكر متجول بين ثنايا المعرفة يحلل اصعب الاشكاليات السياسية رابطاً اياها مع الواقع الاجتماعي.. كما انه شجاع معرفيا.. لا يناور في هذا المجال مطلقاً.. منها على سبيل المثال .. عندما وقف بحدة بوجه الاراء البسيطة التي كانت تدعو الى حرق المراحل بالنسبة لثورة تموز والانتقال بها الى (الطفولية) الاشتراكية.. فقد كان يرفض بشدة عجيبة مستنداً في تحليله على المنطق والمنهج الماركسيين، وعبارته المشهورة في هذا الصدد : ثورة تموز ليست ثورتنا بل هي ثورة البرجوازية الوطنية والطبقات الوسطى.هذه المقولة تعكس جدية فهمه لقوانين التطور المادي التي رسمتها المادية التاريخية.وبصورة مكثفة.. كان مفكرا علميا لم يتخندق في التجريد النظري، قدر ما هو ربط بين التجريد والعملية السياسية.. بتظافر جدلي بين الطرفين.
* قال لي احدهم ان الاستاذ عامر، حاد يتعامل مع الاشخاص اما كصديق او عدو ولا يمتلك وسطية في كسبهم؟واحد الاشخاص اشار إلى ان عامر عبد الله يمتلك قدرة عجيبة على احتواء الاخرين؟ فما رأي حضرتكم بهذه الجزئية.
- ان هذه الرؤية فيها الكثير من الصحة.. يكون حاداً عندما يصدر البعض احكاما غير دقيقة أو بعيدة عن ماهيات الوجود الاجتماعي أو يتحامل على الاخرين بصورة غير موضوعية.. أو ان تحليله للظواهر غير علمي ولا منطقي .. نعم لا يريد كسب الاخرين قدر ما يحاول اقناعهم برؤيته بالموضوع المثار.. نعم كان معتداً بذاته النظرية والحزبية وكان في الكثير من الاحيان يؤكد على رؤيته.. لكن ايضا ، كان يخضع الى مؤشرات الضرورة الحياتية العامة أو الحزبية أو للظرف الطارئ، وفي بعض الاحيان كان يرى في ذاته تمثيل كل الحركة الشيوعية، رغم خطورة هذا الموقف الذي دفع ثمنه ليس هو فحسب، بل ذات الحركة وخاصة في ظرف الانفتاح السياسي النسبي بالنسبة للحركة في الجمهورية الأولى (14 تموز1958-8شباط 1963)، أو/و في تحالفاتها السياسية. ربما هذه من بقايا المؤثرات السيسيولوجية المستقاة من بيئته في طفولته وشبابه وتكون ملامح شخصيته. ناهيك عن البعد النفسي لابن المحيطات الضيقة والقريبة من موطن البداوة ( مدينة عانه)، او ربما من تشربه بفلسفة الانتماء للنظرية الصحية والمطلقة.
نعم امتلك الراحل قدرة رهيبة على احتواء الآخرين.. وكنت شاهدا ومنقولا لي من اقرب الناس إليه.. انه عندما حضر الى الجزائر في زيارة لاحد ابناء عمومته (د. الراحل عطا فاضل الخطيب) وجمع مجموعة من اساتذة الجامعة العراقيين ، بعضهم كان مناوئًا له فكريا وحزبيا.. ولما استمعوا لآرائه .. تراهم كأن الطير على رؤوسهم.. لفهم الصمت الاستفهامي .. دون مناقشة عميقة لما كان يطرحه من مبررات تخص مواقفه السياسية والحزبية.
*هل تعتقد ان ظروف عامر عبد الله القاسية هي التي صنعته على اعتبار ان الفقر يولد من رحم المعاناة او ان الاستاذ مبدع من نعومة اظافره؟
- بالضرورة عزيزتي .. تلعب البيئة الاجتماعية دورا كبيرا في صياغة الفرد وكذلك الصحبة ونظام القربى دورا ارأسياً في الوعي الاجتماعي .. كما يلعب الموروث السيسيولوجي والمتغيرات في العائلة وماهية الطبقة الاجتماعية وتأثيرات المدرسة والبيئة الحضرية والتواصل الاجتماعي والتنشئة السياسية وغيرها من العوامل المتفرعة مما ذكر .. دورا قد يكون سلبيا أو ايجابياً وهذا متعلق بمدى التأثر وبالجانب السيكولوجي للذات البشرية.. لذا نرى ان هناك افرداً يخرجون للحياة الاجتماسياسية وهم يحملون همهوم طبقتهم وبيئتهم ويحاولون العمل على اجتثاث هذه المسببات .. وبالتالي فهم ايجابيون وانبساطيون، حسب تعريف المبدع سلامة موسى.. وبالعكس هناك من يحاول احتقار هذه البيئة رغم انه خرج للحياة الاجتماعية من رحمها وكان من نتاجها .. ويسير في ذاته الانانية الى ابعد حد. وهؤلاء سلبيون ذوو طبيعة من سماتها الانطوائية في هذه الناحية.
بالنسبة لعامر عبد الله فهو بالاضافة الى استعداده الذاتي كروح مبدعة كذلك كانت مؤثرات البيئة عليه ايجابية.. لذا بقي متواضعا في سلوكه الحياتي، وفي طراز معيشته وفي احلامه المادية ومتفتحاً على الآراء الأخرى.. أكملتها مؤثرات الحياة الحزبية السرية التي تفتقد إلى ابسط المقومات للحياة الاجتماعية الاعتيادية ما بالك المرفه.
* هل تعتبر عامر عبد الله سياسي ناجح او مفكر ناجح او انه تمكن من جمع الاثنان معا ؟ولولا انشغاله بالسياسة لكانت له نتاجات فكرية اكثر اهمية؟
- معيار النجاح نسبي وهذا متعلق بـ ماهية الموضوع؛ كذلك بالنتيجة المتوخاة من فعلية الحراك نحو الهدف المرتجى. وبالتالي لا يوجد نجاح مطلق أو فشل مطلق. كان الراحل في الكثير من رؤيته السياسية النظرية ناجحا واغلب الشعارات التي تبناه اثبتت صحتها الحياة السياسية ولو بعد زمن طويل. واحدة منها كان موضوع استلام السلطة في ربيع 1959، فقد اعتبره احد امراض الطفولة اليسارية غير المتوائم مع ملهية السلطة والمرحلة ودرجة تطور القوى المنتجة ذات الانماط الاقتصادية المتعددة، في حين هناك كم هائل يعارض هذه الرؤية وكان يطالب باستلام السلطة من قاسم.. دون ان يدركوا ماهيات الظروف الداخلية ونضجها لبلوغ هذا الغائية وتفاعلاتها الداخلية والخارجية وطبيعة ردود فعل المحيط والطرف في اخطر بقعة في العالم انذاك، كما صرح جون فوستر دالاس. ولكن كما ارى انه اخفق في اب 1964 عندما حاول مع البعض الانتماء الى الاتحاد الاشتراكي ذات النسخة العارفية.
نعم هو مفكر عضوي تداخل البعدين السياسي والفكري في بعضهما البعض الآخر .. لانه كما ارى جاء من المعرفة الفكرية الى الفعل السياسي بتأثير الصحبة والبيئة والتواصل الاجتماعي والنفسي.. ولما بلغ مستوى القيادة.. ابتلعته السياسة واشكالياتها بكل شموليته واصبح الفعل الفكري مقتصرا على الدراسات وابداء الراي في مواقف الحزب الشيوعي في وجوده السياسي وعلاقاته الاممية. بمعنى اصبح الفعل الفكري المجرد تابعا للفعل الحزبي والسياسي العام. لذا عندما (تقاعد) حزبيا انتج 3 كتب مهمة كما ارى وكتب العديد من القراءات السياسية ذات النكهة المزدوجة : الفكرية والسياسية
* هناك اربع روايات روسية ترجمها عامر عبد الله في 1946 والى الان لم اعثر عليها وانا بأمس الحاجة للاطلاع عليها، هي المستنقع لكوبرين ,القفار لغوركي وقصة لتولستوي,والمعطف لغوغل؟.
-في الحقيقة لا امتلك معرفة في هذا المجال، وما عليكِ سوى ضرورة البحث في المكتبات القديمة او في اضبارته في الامن العامة. لانه لما سألته عن هذه القصص .. قال انها في الزمن القديم، أي في الثلاثينيات والاربعينيات.. ولا يمتلك أيا منها بحكم تنقله الدائم وهو( غجري حزبيا إن جاز التشبيه) أي دائم الحركة والانتقال ليس في الوطن حسب، بل حتى في المنافي نتيجة ظروف النضال القاسية التي واجهت الحزب وقيادته في مختلف مراحل التاريخ السياسي للعراق المعاصر
** عامر عبد الله عمل في صحيفة الوطن واتحاد الشعب والقاعدة ؟هل لك ان تحدثه عن نشاطاته الصحفية؟
*** من السمات التي تميز الجيل الاول من سياسي المعارضة الوطنية بفصائلها الثلاث: الوطني الديمقراطي التقدمي بشقيه: اليساري( الحركة الشيوعية) ؛ والمعتدل (كالحزب الوطني الديمقراطي وجماعة الرابطة- عبد الفتاح إبراهيم وصحبه)؛ التيار القومي.. اغلب قادته دخلوا العمل السياسي من خلال الصحافة والنشاطات الفكرية.. لان المنبت والتنشئة الاجتماعية ومستوى التعليم العام .. سوف لا تضعهم في مصاف القوى التقليدية او من ابناء رؤساء العشائر او من الارستقراطية العسكرية.. هذه الظروف دفعت بابناء الطبقى الوسطى النامية الى الارتقاء الاجتماعي من خلال الفكر وليس الانتماء الاجتماعي، ما عدا قلة قليلة، واستمرت هذه الحالة الى ثورة 14 تموز عندما قلبت موازين القوى واقحمت ، بصورة غير مخططة، بابناء الطبقات المتوسطة والفقيرة الى ولوج عالم السياسة من خلال الفعل والممارسة السياسيتين وليس من حيث الفكر.. ولقد وعت الاحزاب العضوية هذه الحالة فأخذت البعض منها وبخاصة الشيوعي تثقيف اعضاءها بالنظرية الفلسفية وببعض الدراسات التي تهم الحركة بذاتها.
عمل عامر في هذه الحقول واهم عمل قام به ، كما أرى، هو دراسته النظرية التي قدمت الى الكونفرنس الثاني علم 1956 بشأن القضية الكردية وكذلك ما استجد من جوانب نظرية بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك وروح الانفتاح في المعسكر الاشتراكي حيث انعكس في هذه الدراسة المهمة.. كما كان يعمل في صحافة الحزب السرية والعلنية والاشراف على العلاقة بحركة الضباط الاحرار من خلال الوسيط (رسول الثورة) رشيد مطلك. اما في اتحاد الشعب .. فقد كان هناك أكثر من راس يشرف عليها .. احدهم عامر عبد الله.. وقد دخل في صراع مع بعض محرريه، كما قال عبد القادر البستاني في اعترافاته المنشورة في ( الكتاب الاسود اعترافات الشيوعيين 1963) وممكن مراجعة ذلك مع الاخذ بالاعتبار الظرف النفسي للبستاني الذي اجبر على الاعتراف والتهجم على قاسم والحزب الشيوعي وعلى عامر عبد الله بالذات حيث حمله الكثير من المسؤولية..
* ما حقيقة ان عامر عبد الله دافع عن فهد في 1947، في حين ان احد الاشخاص اشار انه لا يحب فهد؟
-رأيي الشخصي غير متأكد من ذلك.. وممكن العودة الى محاكمات فهد التي تمت في 24/6/ 1947، وكذلك الى مجلة ابواب التي نشرت حوارية كبيرة مع عامر نفسه.. لم يتطرق إلى ذلك، واميل من الذاكرة إلى انه لم يكن قد اكمل كلية الحقوق انذاك. لقد اعتقل فهد وزكي بسيم وعزيز عبد الهادي يوم 18 كانون ثاني 1947 وجرت محاكمته ورفاقه في محكمة جزاء بغداد برئاسة عبد العزيز الخياط .. وقد تطوع للدفاع عنه عدد من المحامين الديمقراطيين المعروفيين في مقدمتهم كامل قزانجي وتوفيق منير وشريف الشيخ وغيرهم.
*حصل عامر عبد الله على امتياز للكتابة في صحيفة البرافدا ولم اجدها الى الان ويقال انها نشرت في كتيب لاحقا؟ هل لحضرتكم ان تزودوني بها؟
- لم اسمع عن هذا الموضوع..بالتحديد.. ومثل هذه الامور لا تعطى حق الامتياز. الامر متوقف على ماذا سيكتب وهيئة التحرير هي التي تحدد صلاحية ذلك ، ناهيك عن دور اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي وضرورة اخذ موافقتها كي تنشر في الجريدة الناطقة باسمها. لكن هذا لم يمنع الراحل من الكتابة في هذه الجريدة او غيرها من المطبوعات السوفيتية الأخرى وخاصة تلك التي تعالج القضايا الخاصة بحركة التحرر في العالم الثالث عامة وحركة التحرر العربية بشكل أخص وما يتعلق بالحركة الشيوعية في منطقة الشرق الآوسط على وجه الخصوص. وكما سبق وان بينت ان الراحل كان يلقي المحاضرات عن هذه المواضيع في الحلقات التنظرية مع مجموعة من الاخصائيين السوفيت في هذه الحقول. لذا كان الراحل على علاقة مع جملة من هؤلاء الباحثين ومنهم ما كنت شاهداً عليه مع الاكاديمي بريماكوف رئيس وزراء سابق ومختص بحركات التحرر لعالمنا العربي على وجه الخصوص .. وغيرهم من المستعربيين السوفيت.
* تزوج عامر عبد الله من انانيكوفا البلغارية ويقال انها كانت زوجة خالد بكداش وحدث خلاف شديد بينهما؟ ما رأيك بالمبالغة في الترويج لاشاعة عن زواج عامر وبأنه اقامه في فندق بغداد؟
- لقد تم استغلال زيجة الراحل من زوجته الأولى من كل القوى السياسية التي ناهضت الحزب الشيوعي، وتم تضخيمها بصورة خارجة عن منطق الحدث وعن ماهيته وحتى شكليته. كما انها لم تكن ، كما اعتقد، زوجة بكداش، قدر كونها كانت من العاملين في الحزب الشيوعي البلغاري آنذاك، ولما تم الانفصال عادة المرأة الى وطنها ومن ثم تزوجت من سكرتير الحزب الشيوعي الاردني فؤاد نصار.. ان هذا التضخيم قد نبع ايضاً من اختلاف القيم الاجتماعية والنظر الى الزيجة كعلاقة بين الطرفين. لم يخرج عن المألوف سوى انه قائد شيوعي تزوج في فندق بغداد ودعا الى الحفلة اصدقاءه من قياديي العمل السياسي والحكومي ، أي من وسطه الاجتماعي الثقافي. نعم تم استغلال هذه الزيجة بصورة خارج عن المألوف الاجتماسياسي، علما بأن الطبقات الميسورة والمتوسطة التي كانت متأثرة بالفكر الحضاري كانت تقوم بذات العمل وتؤجر غرف في فنادق الدرجة الأولى في مدنها او في المدن البعيدة كالموصل واربيل والبصرة. كان الصراع بين القوى السياسي قد بلغ قمته آنذاك. وكل الاطراف بالغت في التشهير بالأخر حتى وصلت الى الشتيمة والنكتة السوداء والبحث عن المثالب التي تفبرك على وفق القيم الاجتماعية الريفية حتى تبلغ تأثيرها المطلوب ، وهذا ما كنا نسمعه من شعرات وهوسات سياسية ذات مستوى منخفض من حيث الذوق العام وبعده الحضاري.
لقد لعبت هذه الزيجة في نفسية عامر دورا سلبياً، كما اعتقد، بدلالة انه لما رافقته في ترحاله في ستوكهولم عام 1998، سأله احد الاصدقاء عن الموضوع؟؟ مما اثار حفيظة عامر وبنفرزة واضحة عبر عن استياءه من هذا القول وما ينتابه.. مما اضفى شيئا من السكون على الحوارية وقد تبين مدى الانفعال الذي اصاب الراحل.
*عامر عبد الله يقال عنه انه مؤمن بالاتحاد السوفيتي بشكل مطلق وكان يسير على خطاهم من دون مراعاة واقع العراق وان هناك اختلافا جذريا بين البلدين ما رأيك بذلك؟
- لقد شخصت الاحزاب الشيوعية في اغلب دول العالم ماهية الصراع الأرأس آنذاك، وخاصةً، ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي هو بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، باعتباره سمة العصر. لذا كان الدفاع عن البلد الاشتراكي الأول- الاتحاد السوفيتي (ما قبل الحرب العالمية الثانية) تمحور حول ضرورة التبشير بافكار هذا البلد والدفاع عنه وعن توجهاته وكذلك شرح الماهية الطبقية لنظام الحكم فيه، على ضوء مكنونه الأراس المتمثل بكونه يمثل حكم الطبقات الفقيرة لاول مرة في التاريخ العالمي الحديث. وقد تعمق هذا التوجه كما قلت بعد الحرب الثانية وتكون المعسكر الاشتراكي كقوة عالمية واتسمت العلاقات الدولية بالثنائية أو ما يطلق عليه ثنائية القطبين.
ومن هذا المنطلق وتأسيسا عليه .. كان الحزب الشيوعي العراقي قد سار على ذات النهج في النظر الى ماهيات الصراع على المستوى الدولي واخذ يتناغم من الأرأسيات الفلسفية والتطبقيات العملية الهادفة الى اعادة انتاج المجتمع، بكل جوانبه، على وفق الفلسفة الماركسية وتطبيقات لينين وغيره من القادة السوفيت وبقية البلدان الاشتراكية.. وخاصة المتشابه ظروفها مع العراق ، كالصين الشعبية ومنغوليا.
لقد سار الراحل على وفق هذه الخطة المتبناة من اغلب الاحزاب الشيوعية في العالم العربي. لذا كان الدفاع عن الوطن الاشتراكي مهمة اراسية والتناغم وتطبيقاتها وأولويات البناء هدفا يروج له نظرياً. لكن رؤية الراحل الى اهمية اختلاف الظروف الموضوعية والذاتية كانت هي الاخرى شاخصة امام قادة هذه الاحزاب الشيوعية وخاصة في العالم الثالث.. بدليل انهم في العراق حددوا المرحلة باعتبارها مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وليست مرحلة الاشتراكية.. أي انهم رأوا ان عليهم تحقيق الاستقلاليين السياسي والاقتصادي ومن ثم بناء القاعدة المادية للتحولات الجذرية للافق المستقبلي – الاشتراكية.
لكن الخطاب الاعلامي لهذه الاحزاب ، كغيرها من الاحزاب الثورية واللبرالية والديمقراطية في العالم الثالث، كانت مصابة ب ( بالمنزع الاستعجالي) لذا انتشرت الامنية عوضا عن التحليل الموضوعي لماهيات التطور وسننه وقوانينه، والتي كانت مصابة، من قبل هذه الاحزاب جميعها، في عدم فهمها لصيرورة هذه القوانين والسنن كذلك معرفة آليات تطبيقها.. ولذا انتشرت فكرة { حرق المراحل} نظرا للحيف الكبير الذي كان وما زال يصيب القاعدة الاجتماعية لهذه الاحزاب. إحدى ميزات عامر عبد الله تجلت هنا بالذات.. حيث كان يرى ضرورة الاخذ بالاعتبار هذه الظروف المادية الملموسة وقد تجلى ذلك بوضوح في موقفه، وبالتالي موقف الحزب الشيوعي العراقي من مسألة الوحدة الفورية، حيث اشارا تكرارا الى اختلاف الظروف الاجتصادية بين البلدان العربية وسيادة قانون التطور المتفاوت بينها وكذلك داخل كل بلد منها، بل اشار الى تضاد التوجهات الاقتصاسياسية بينها. اخلص الى القول ان الراحل عمد الى ضرورة أخذ الظروف المادية والمعنوية بنظر الاعتبار بين الانماط الاقتصادية للبلد كالعراق، وبين البلدان العربية، ما بالك بالتجربة السوفيتية؟؟ لذا كان يرفض النقل الميكانيكي للتجارب، بل يأخذها ويطالب بتطبيقاتها على وفق الظروف الحسية الزمكانية ( الزمانية المكانية) وتكيفها مع هذا الواقع.. لذا لم يكن يعمم ويرفض النقل الميكانيكي ويتبنى الافكار الأراسية لاية ظاهرة بالتوافق مع روح العصر كما تراها الاحزاب الشيوعية آنذاك.
وهناك سمة اخرى تكمن في ان هذه الاحزاب كانت تسترشد بالآراء التي يطرحها السوفيت( النظرية والعملية) لكن لا تتبناها بحذافيرها، وإن بدت للقارئ او المتبصر السطحي انها نوع من ( التبعية)، لذا انتشرت مقولة اذ مطرت في موسكو في الصيف رفع الشيوعيون العراقيون المظلة في بغداد. جزء كبير من ذلك مستوحى من الصراع السياسي بين المعسكرين.

لقد عاشت الانتلجينسيا العراقية منذ أن خطت سنوات فتوتها، في صراع مستديم مع واقعها ومحيطها الاجتماعي من جهة ومع ذاتها الطامحة إلى تغير ذلك الواقع من جهة ثانية. مما ترتب على هذا الصراع عواقب جمة صاغت من الكثير منهم ما يمكن أن نطلق عليهم (مثقفيين عضويين) ربطوا بين مهماتهم الحياتية وغائية التغيير التي نظروا إليها كصيرورة اجتماعية سياسية، وبالتالي وسموا الثقافة العامة بطابعها الاجتماعي ذو المنحى اليساري العام وبنزعته التقدمية ، تبلورت بكل ابعادها في تجليات الوعي الاجتماعي: الجمالية والحقوقية والفلسفية والسياسية بل وحتى الدينية. هذا النزوع يمكن رصده في مختلف مراحل التطور التاريخي لسيرورة الظاهرة العراقية المعاصرة. كما يمكننا رصد قرينة أخرى ارتبطت بهذه الصيرورة ، مفادها أن كل عقد زمني قد أفرز مجموعة انجزت بعض من مهامها،وربما الكثير منها ما أمكن، وبعضها الآخر كان ذو منزع استعجالي يحاول مصارعة الواقع بأدوات تغييرية غير متلائمة مع ذات المهام، كما لو أنهم يصارعون السماء بأيديهم العارية.. يدفعهم ويحفزهم إلى ذلك ايمانهم بعدالة غائية التغيير وضروراته لواقع دينامكية التطور المرغوب وأهميته. وثالثة الظواهر التي يمكن رصدها هنا.. أن الكثير من هؤلاء دعاة التغيير الاجتماعي قد نذروا أنفسهم لهذه الغائية التي هي بمعايير الاخلاق فكرة سامية، وبالجمال ايثار سيمفوني، وبالسياسة غائية اجتصادية، وبالتطور ضرورة موضوعية.. وقد تحملت هذه الانتلجنسيا شتى صنوف العذاب والحرمان بل حتى أن الكثير منهم كانوا قرباناٌ لهذه الضرورات ولذات الغائية بقدر ما كانوا من ماهيات معالم الذات الانسانية في تجلياتها الجمالية. الأمعان في هذه العوالم ستشخص الابصار نحو اولئك الرواد الأوائل، منذ عشرينيات القرن المنصرم حيث رواد الفكر المساواتي الاجتماعي، وثلاثينيات الفكر التقدمي والديمقراطي واربعينيات التبلور النقابي والحزبي وخمسينيات المثقفين وتأثيراتهم المتصاعد..ومن ثم في العهد الجمهوري حيث تحول هذا الكم غير الكبير إلى فعل وممارسة غائية احدثت تراكما نوعياً على كل مستويات الوجود الاجتماعي العراقي.. اخاف الكثير من الطبقات والفئات الاجتماعية الماضوية وتلك الساكنة في حراكها، التي خططت إلى عودة هذه الصيرورة إلى منزعها البدائي من خلال احباط جماعات التغيير واهمالهم المادي والروحي ومشروعهم الحضاري.. وهذا ما قامت به أغلب حكومات الجمهورية الثانية ( 9شباط1963- نيسان 20039) وبالاخص منذ 1968 .. ومع ذلك ناضلت هذه الجماعات على تعدد مشاربها الفكرية والفلسفية في التشبث بمشروعها الحضاري.. وامست مثالا للمثابرة يحتذى به. كان ، حسب اجتهادنا، من بين هؤلاء السياسي والمثقف العضوي عامر عبد الله/ القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي.. ومن اجل تسليط الضوء على هذه الشخصية واستيعاب حراكها السياسي والمعرفي وضمن متطلبات جمع المعلومات لنيلي شهادة الماجستير عن هذه الشخصية، المثيرة للجدل، كان نقاشنا وحورنا مع الباحث الاكاديمي الدكتور عقيل الناصري ، والمتخصص في شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم، من مهجره السويدي، فكان هذا الحوار:
حاورته: غادة عبد الرزاق

* من هو الشخص الاكثر تأثيرا بالاستاذ عامر من السياسيين .المفكرين,الصحفيين, من العائلة؟
- في هذا الصدد ليس لدي معلومات دقيقة ولا اسمح لنفسي في ولوج ما لا اعرفه. لكن نرى في كتاباته ما يشير في بعض الاحيان الى بعض القادة في مجالات الفكر من خلال قراءاته لهم ، نظرا لكونه يجيد الانكليزية بطلاقة وكذلك الروسية.. مما أهله الى ولوج الفكر التقدمي وليس الاكتفاء بالفكر العربي أو المكتوب بالعربية حسب.
* قيل ان عامر كان يحب المناصب والبهرجة وانه يسعى لان يكون بالواجهة دوما" ما رأيك فهل برأيك عامر كان هو من يطالب بالمناصب او ان المناصب هي التي كانت تطالب به؟
-في البدء كل انسان يحاول في حياته العملية ان يسد حاجاته المادية الضرورية لديمومته ومن ثم بعد اشباعها يبدأ باشباع الحياة الاجتماعية ومتطلباتها والروحية ومستلزماتها ومن ثم يعمل من اجل ابراز الذات وتحقيق ماهياته الاجتمانفسية.. والمتمثلة في تكوين ( كارزميته) الخاصة وبغض النظر عن مدى تأثيرها الاجتماعي وسعته.. التي يحاول اغلب الافراد توسيع نطاق شيوعها وتأثيرها. عامر لم يكن شاذاً في هذا المجال هذا من جهة، ومن جهة ثانية ان اغلب العاملين في هذه الحقول المعرفية والسياسية والفنية هم مصابون بحب الذات، وان اختلفت نسبتها بينهم من حيث الدرجة والضخامة وهذا الاخير يعتمد على التركيبة الاجتمانفسية لكل منهم وما هي أراسيات العوامل المؤثرة فيهم.. كما تلعب غائية نشاطهم الابداعي دورها في تضخيم الذات.. واخيرا وليس آخر، تلعب فلسفتهم الحياتية ومبادئها دورا لا بأس به في ذلك والقيم الاجتماعية التي يسترشد بها. لا ننسى ان عامر قد دخل كلية فيصل المتميزة بقبولها للطلبة الاذكياء فحسب بغية تأهيلهم المستقبلي كي يلعبو دورا مهما في مؤسسات الدولة.
لعامر عبد الله دوراً مهما في الحركة السياسية والفكرية ولديه قابلة عالية وذكاء تغري المناصب بالقدوم إليه.. لكن ماهية نضاله السياسي واختياره الطريق الصعب وما تطلبه من اختفاء وعمل سري ومكوناته ومتطلباته ، حجبت عنه التوغل في الوظيفة الحكومية طيلة العهد الملكي.. وتعويضا نفسيا عن فقدان هذه المكانة الاجتماعية فقد برز في التنظيم السياسي عندما تبوأ مراكز عليا في الحزب ، فقد كانت هنالك علاقة جدلية بين مواهبه الفكرية والتنظيمية وقلة الكادر النظري في الحزب .. قد فسح المجال له في هذا الحقل المزروع بالالغام وما يرافق العمل السري من تشكك وريبة وعدم الاطمئنان والثقة بقدر ما يفولذ الذات ويحك تجاربها ويطور قدرته على التفكير الاحتمالي لاية قضية تطرح. وبالمناسبة أن هناك سمة أراسية تميز الحزب الشيوعي العراقي .. من خلال نضاله السياسي .. هو ان الحزب قد خرج كم وفير من كوادره المنظمة وليس الكوادر المنظرة، حتى أنهم ساهموا في تأسيس أو/و تطويرالاحزاب السياسية الأخرى، عندما خرجوا من (معطف) الحزب.
لقد خرج الحزب الشيوعي للعمل شبه العلني (اللا رسمي) بعد ثورة 14 تموز وساهم عامر من خلال موقعه وصلته بعبد الكريم قاسم التي تمتد إلى مطلع الخمسينيات، واشتدت الصلة (السرية) بقاسم في دوامة الصيرورة الكامنة في ادارته لفعل الثورة وايجاد روابط لها مع الحزبين الديمقراطي والشيوعي حصرا، فكان عامر عبد الله في المشهد الأول لما اكتنف العملية السياسة من تطور واخفاق، من صراع وعنف، من ترابط وتفكك للتحالفات وغيرها.. وسرت اشاعة حول ان عامر طلب من قاسم تعيينه سفيرا في لندن او منصبا رفيعا في السلطة! وبغض النظر عن مدى صحة مضمون هذه الاشاعة، فإن تضحيات عامر وقيادته هي لتهيئة تربة التغيير للثورة كذات منظرة ومساهمة ومن ورائه قاعدة الحزب الشيوعي.. فهي لا تعود امرا انسانيا اعتيادياً.. بدون مبالغة في رصد هذه الاشاعة التي مصدرها على الاغلب القوى المناوئة للحزب الشيوعي أو /و حتى من بعض رفاقه الذين ينظرون إليه بحسد على المكانة التي حصدها طيلة عمله السياسي والفكري والمكانة الاجتماعية التي بلغها.
لا نغفل هنا وجود حالة نفسية لدى عامر هو احساسه المفرط بالذات وبقدرته اللتين أخذتا تنموان مع نمو دوره في حياة الحزب وفي العلاقة التي نسجها على المستوى العربي و العالمي مع الاحزاب والقوى السياسية في مختلف بقاع العالم.. فكان علما من اعلام هذه الحركة السياسية بكل ابعادها.. كما ان هناك ميزة لديه تكمن في كونها ينسب لذاته كل ذلك الانجاز الذي ساهمت فيه القوى الحزبية ويكلله لدوره وما قام به. هنا تتجلى الابعاد الذاتوية بصيغها العامة (السلبية والايجابية) على حدٍ سواء.
*هل لديك تصور عن علاقة عامر عبد الله بالقادة الشيوعيين منهم سلام عادل عزيز الحاج وزكي خيري وبهاء الدين نوري وصالح مهدي دكلة وعزيز محمد؟
- من الظواهر المهمة التي انتابت العمل السياسي أو بالاحرى الحزبي منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وتأسيس أول الاحزاب السياسية في عام 1922 .. ان هنالك خللا عضويا في طبيعة عملها وعدم تبلور آلية ادارة العمل والصراع داخل الحزب.. طالما ان مثل هذا العمل الحزبي قد دخل لأول مرة في العراق المعاصر.. وبالتالي فان القيم الداخلية للحياة الحزبية قد اصطدمت بقوة مع الواقع السيسيولوجي والسياسي وتدني المستوى الثقافي الذي انعكس في تجليات الوعي الاجتماعي (الفلسفي، السياسي، الحقوقي،الجمالي وأخيرا الديني) حيث ساد الأخير، وهو بمثابة البدايات الأولى للوعي وليس قممه. لذا تميز العمل الحزبي بصورة عامة ، وبنسب مختلفة بين هذا الحزب أو ذاك: بالتكتلية والشخصانية والولائية الضيقة والشكوكية( خاصة في العمل السري)، والذاتوية بل وحتى الثأرية والمحورية التي لا تعتمد على بنية واهداف الحزب قدر اعتمادها على الولاءات الدنيا ( الولاء العائلي أو/و المناطقي أو/و المذهبية حتى في الاحزاب اللا دينية إن لم نقل العلمانية) اقول هذه الظواهر يمكن وغيرها رصدها في الحياة الحزبية في العراق المعاصر ولجميع هذه الاحزاب العلنية أو السرية.
كذلك شهد الحزب الشيوعي هذه الظواهر وبقوة تجلت في عموم مسيرته النضالية، واستطيع القول وعلى وفق الظروف الموضوعية والذاتية، ان هناك مدلولات لمثل هذه المظاهر التي تجسدت في الانشقاقات الحزبية، كذلك في التصفيات، بغض النظر عن مسبباتها، وفي التكتلات في قمة هرم التنظيم الحزبي وهيكليته والشللية, لذا ان الاسماء المذكورة اعلاه جميعها ساهمت في مثل هذا العمل التكتلي.. لذا فيمكن القول ان الاختلافات الفكرية ومستوى تجذرها ودرجة استيعاب المنهجية المادية والتاريخية هي الاخرى كانت تمثل (العامل الذاتي للظاهرة) قد اسهمت في ان تكون (التحالفات الداخلية) او (التكتلات) متغيرة وغير ثابتة. على سبيل المثال ومن خلال ما كتبه عامر عبد الله ذاته عن علاقته بسلام عادل في الخمسينيات فقد كانت الى حد كبير متكافئة، لكنها بعد تموز واشتداد الصراع في قمة الهرم الهيكلي للحزب رأينا ان عامر قد تكتل مع ما اطلق عليه (الرباعي) المتكون منه وبهاء الدين نوري وزكي خيري ومحمد حسين ابو العيس، وعندما عاد سلام عادل شتت هذا التكتل وفرض عليهم العقوبات الحزبية التي ابعدتهم من مسؤولية القرار الحزبي. وفي عام 1964 وما اطلقه المركز الحزبي من الدخول الى (الاتحاد الاشتراكي) رأينا انشقاق هذه التكتل وتكوين منابر حزبية ضيقة ومتضادة في الوقت نفسه. وهكذا لم يعد انتخاب هذه الرموز في المؤتمر الثاني للحزب من قبل القاعدة الحزبية وخاصة لعامر وبهاء المتضادين فكريا او في الرؤية الفلسفية للحياة الحزبية وتحديد مساراتها وصراطها. اما في الثمانينيات فنلاحظ في المؤتمر الرابع انشطار كبير بعد طرد ما يقارب نصف اعضاء اللجنة المركزية ومنهم عامر عبد الله.
وتأسيسا على ذلك نلاحظ ان هذه العلاقة بين عامر والآخرين يمكن تصنيفها الى : ينظر عامر الى الاقوياء في مركز القرار الحزبي كند له ولهم؛ اما ما دون ذلك فقد كان يتعالى وينظر الى ذاته نظرة فوقية .. لذا تم طرده( حسب افادته لي عام 1998) أو/و تنحيته عن مركزه 6 مرات.. وفي كل مرة يعاد إلى موقعه السابق عضوا في اللجنة المركزية، في حين يحتم النظام الداخلي على عودته إلى القواعد الحزبية البسيطة. كما قلت كان معتدا في رأيه وينظر لها بشيء من النرجسية ومنها ينطلق نحو الآخرين.
*يقال ان عامر كان لديه حس طائفي حيث كان يقول عن سلام عادل انه شيعي وايراني وكان معارضا لقيادته للحزب؟
-ميزة الحزب الشيوعي العراقي .. أنه الحزب الوحيد الذي يمثل التكوين الاجتماعي العراقي برمته وعلى مختلف مستوياته، لذا ربى اعضاءه بالروح الانسانية وليس بالانتماءات الضيقة من دينية أو/و مذهبية أو/و اثنية وغيرها. لذا لا تلمس هذه النزعة لدى أغلب الشيوعيين بغض النظر عن موقعه الحزبي.. ما بالك في موقع المسؤولية..لذا لم ألمس من عامر عبد الله والكم الوفير منهم انهم كانوا ذا حس طائفي، بقدر ما انهم ، كغيرهم من البشر، ربما يقعون في هذا الموقف او ذلك الحديث تحت الموروث الاجتماعي، لكن لم تكن الطائفية منهجهم، بصورة مطلقة، ولا سلوكهم ينحو هذا المنحى، إلا اذا اعتبرنا اعتزازه ( عامر) بمدينته (عنه) يمثل جزءا ضئيلا من وجهة نظر معينة.. وحتى هذا الاعتزار، كغيره من البشر، ينطلق، كما اعتقد، من اعتزاز الفرد بطفولته ومكانه وبالذكريات التي انطلق منها يلوج الحياة.. اما معارضته لسلام عادل فلم تنطلق بتاتا من هذا الموقف الضيق اطلاقا.. قدر انطلاقها من رؤيتين مختلفتين لمسار ثورة 14 تموز والموقف من عبد الكريم قاسم، اذ ان سلام عادل كان يحاول، كما أرى، ويريد فرض الموقف الجذري والرديكالي للحزب من هاتين القضيتين ويسير بهما الى منعطف يساروي يحاول ان يقصر المرحلة قسرا نحو البناء الاشتراكي كما كان متعارفا عليه آنذاك على الاقل.. في حين ان عامر عبد الله كان يصرخ أن هذه الثورة ليست ثورتنا .. انها ثورة الطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية رغم ما قامت به من انحياز للطبقات الفقيرة والكادحة، لذا وسم باليمينية.. في حين أني أرى انه كان يقرأ تاريخية العراق وحاضره من المنطق الجدلي وعلى وفق سنن وقوانين تطوره وماهية درجة تطور القوى المنتجة والطبيعة الطبقية غير المتبلورة للانماط الاقتصادية المتعددة.
*هنالك كلام قيل بحق عامر انه مثل العقرب ان لم يجد من يلدغه فانه يلدغ نفسه؟ ما تعليقك على ذلك!
- ان مثقفا عضويا بقدر عامر عبد الله وما يحمله من طرائق منهجية لقراءة الواقع المادي والفكري ، سيكون بمنأى عن مثل هذه التجريحات.. واعتقد جازما هنا بأن هذا الكلام صدر من كاره له ، أو باعتباره ردحا لا يمثل الماهية الحقيقة لمفكر بمثل هذا المستوى، في الوقت نفسه لا انقي أي أنسان ، بما فيهم انا، من الكره والحب ومن تداعياتهما.. لكن ان تكون سمة للفرد المفكر كعامر وبحجم مساهمته في انضاج الظرف الذاتي للحركة السياسية وخاصة الشيوعية في العراق على وجه الخصوص .. لا اميل الى مثل هذه القراءة.. واعتبرها قراءة ميتة.. نعم لكل من ، نحن البشر، اخطاء ومواقف نكره ونحقد ونحسد .. أي بمعنى نحمل المتناقض حسب تكويننا وتركيبتنا النفسية والثقافية .. وقد تتسع أو تتقلص كل جانب منها على وفق الموقف والظرف الحسي الملوس.
* كيف تستطيع تقييم تذبذب مواقف عامر بتبنيه خط اب ثم العمل الحاسم وغيرها من المواقف المتضاربة التي لا تتناسب مع عقلية وحنكة عامر الفكرية والسياسية؟ وهل تعتقد ان عامر بمواقفه هذه نظر للأمور بمنظار ابعد من غيره؟
- العمل السياسي غير العمل الفكري طالما في السياسة ليس فيها ثوابت بل هي متغيرة على ضوء تغير المصالح والظروف التي كما قلنا انها قانون اساسي مطلق.. الواقع دوما في تغيير، اما وجهة هذا التغيير فربما يستطيع الانسان على وفق معرفته ودرايته يستطيع أن يؤثر في اتجاهاته.. وهذا هو عمل السياسيين كي يكيفوا هذا الواقع المتغير على وفق غائيتهم ذات الافق المصلحي العام وليس الفئوي من جهة ولاجل التأثير في وقع خطى هذا التغيير على التكوين الاجتماعي.. والشيوعيون، على الاقل نظرياً ما بالك الكثير من تاريخيتهم تدلل على ذلك، هم من رواد هذا التغيير إذ دوما يحاولون تهيئة تربة هذا التغيير وان يساهموا فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة بغية احداث تاريخ جديد للانسان ومحيطه وبيئته الاجتماعية والطبيعية.
من هذا المنطلق يمكن رصد هذه الظاهرة عند كل السياسيين، إذ تفرض الظروف الانية بعض من رؤيتها ولكن في ظرفٍ آخر يتم تبني موقفا معاكساً إن لم يكن مضاداً. وتزداد هذه الظاهرة حدةً عند القوى السياسية التي تخلو من منظومة فكرية منهجية ، على ضوئها تقرأ الواقع وتحدد أرأسيات المنطلق وماهية سمة المرحلة ومن ثم تحدد وسائل التغيير على كل المستويات .. هذا من جهة ومن جهة أخرى يجب النظر للسياسيين، عامة، انهم بشر قد يخطأون عندما يمارسون فعلا صيرورة التغيير وسيرورتها المادية، خاصةً عندما تنعدم المعطيات أو تصل وهي ناقصة أو/و مشوه.. ومن هذا المنطلق ربما اراد عامر والآخرون معه من تبنيهم خط آب .. تكوين فسحة زمنية كي يستعيدوا عافيتهم بعد خروج الحزب من ابشع مجزرة ارتكبت بحقه خلال فترة البعث الأولى ( 8 شباط - 18 تشرين الثاني1963)، وبالتالي تهيئة قوى الحزب والحركة الوطنية لخوض غمار تحقيق التغيير بشكل آخر. وربما أيضا أن هذا الموقف قد تم تبنيه من قبل الكثير من الاحزاب الشيوعية العربية وغير العربية نتيجة ما توصلت إليه الدراسات الفكرية وما تبناه الحزب الشيوعي السوفيتي والعديد من الاحزاب الأخرى، بصدد الموقف من البرجوازية الوطنية وخاصة الصغيرة منها في العالم الثالث وبالاخص التي استلمت السلطة في بلدانها.. حيث رأت فيها في مرحلة عدم تبلور النظام الاقتصادي وتعددية انماطه وقدرتها على عملية تحقيق التنمية المنشودة، لذا ساد آنذاك مفهوم ( التطور اللا رأسمالي) ويتمحور أحد جوانبه في عملية تجميع القوى الثورية في هذه البلدان وامكانية تحالفاتها حتى تتبلور في كيان سياسي واحد. هذا العاملان ، كما أعتقد كانا وراء هذا التبني لخط آب، يضاف إلى ذلك تبعثر قوى الحزب الشيوعي وضعف تركيبته وقلة تأثيره وبالتالي عدم استفاقته الفكرية والتنظيمية من وبعد هذه الصدمة.
لي رأي خاص في قدرة عامر على قراءة الواقع، إذ هو وعدد ضئيل جدا آنذاك كانت ثقافتهم الفلسفية تسمح لهم بتحليل الواقع وكان كما ارى انه منسجم فكريا مع الاطروحة السوفيتية بصدد تطور البلدان النامية، كما كان يقال. اما تبني العمل الحاسم فربما اراد فيه مسايرة الموجة العالمية حيث بروز الجيفارية والكاستروية والحركات الثورية في بلدان امريكا اللاتينية وتصاعد وتيرة الثورة الثقافية في الصين.. لكنه لم يستطع تحقيق ذلك وهو مثقل بخط آب.. ولكن هذا لا يشي بالمواقف المتذبذبة، قدر ما يشي بالصراع الفكري داخل قمة الهرم الحزبي .. حيث يشهد تاريخ الحزب الشيوعي، كأي كيان عضوي حي، الكثير من الصراعات والجدالات الفكرية والفلسفية المتباينة على ضوء التطور في الواقع من جهة وانتساب قوى شابة مثقفة لديها معارف اوسع ، نسبياً، من السابقين وافهم لذاتية الحراك الاجتماسياسي ، خاصة بعد أن اخذ ت الطبقة الوسطى تتبلور عدديا وفكريا وتتبنى مدارس فكرية ضمن الحركة الثورية العالمية آنذاك..







التعليقات


1 - عامر عبد اللة بين ماركس و ستالين
عبد الحسين سلمان ( 2018 / 3 / 30 - 13:26 )
عامر عبد اللة بين ماركس و ستالين
كتب عقيل الناصري بتاريخ 28-03-2018:
حتى اننا دخلنا في نقاش حول القانون الماركسي { نفي النفي} الذي حسب تصوره انه لا يعتبره من قوانين المادية الديالكتيكية (الجدلية) لذا رفضه...
هل عامر عبداللة سار مع ستالين الذي اِستَبعَدَ قانون نفي النفي negation of negation. ؟
إما ماركس فقد استخدم مقولة نفي النفي في:
1. العائلة المقدسة 1845 (....البروليتارية محكوم عليها كبروليتاريا أن تنفي نفسها وتنفي ضدها في الوقت نفسه , ذلك الضد الذي يحكمها ويجعل منها بروليتارية: أي الملكية الفردية . أي انها البرولينترية تمثل الجانب السلبي من شكل التناقض , الجانب القلق في صلب التناقض...
2. في الغروندسية Grundrisse 1857
3. وفي الفصل 32 من الجزء الاول من رأس المال , والذي بعنوان :المنحنى الرئيسي لتراكم رأس المال

اخر الافلام

.. تابعونا على DW عربية مباشر


.. صموئيل شمعون وحلم الوصول لهوليوود الذي حول حياته لمغامرة -


.. قيادي في جماعة الحوثي يتحدث عن معارك مطار الحديدة




.. مراسلنا صلاح بن لغبر يرافق ألوية العمالقة التى تطوق مطار #ال


.. دمشق: تعرض مواقع تابعة للنظام لقصف طائرات التحالف الدولي