الحوار المتمدن - موبايل



دراسة في نقد الفكر الشيعي . ح5

عباس علي العلي

2018 / 3 / 31
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الولاية..
{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة257
تعريف الولاية ومصدرها اللغوي
كل الكلمات العربية التي تتكون من الجذر الثنائي أوله حرف أبجدي مفتوح الحركة وأخره حرف اللام، مثل حل، طل، مل، سل، ظل، دل،ومنه ول تشير دلالته إلى حركة من موقع وأستقرار في موقع أخر، فالحل هو أنتقال المحلول من حالة الربط أو الغلق إلى حالة الفتح أو التحرر، وكذلك طل الشيء تفيد نفس المعنى والدلالة الحركية الأنتقالية من عدم الظهور والإظهار إلى حالة البيان والكشف، في الجذر (ول) نجد المعنى حاضرا وتاما وكاملا كما في النص التالي {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }البقرة149، هنا ثلاث حركات الحيرة في الأستدلال ثم أمر الحركة وأخيرا الأستقرار التام بدلالة قوله تعالى أنه الحق.
الولاية كلمة عربية أصيلة وغير محدثة ولا دخيله على الواقع العربي وثقافته، الفعل منها وَلَّى: (فعل) ولَّى / ولَّى على / ولَّى عن يولِّي ، وَلِّ ، تَوْليةً ، فهو مُولٍّ ، والمفعول مُولًّى – للمتعدِّي ولَّى فلانٌ : أَدْبَر وفَرَّ وجذرها (ول) ومن أشتقاقاتها المصطلحات التالية (اِستَولَى إيلاء أَوْلَى أَوْلِيَة أُولاءِ أُولئِكَ أولَويّة أولياء تَمَولَى تَوَلَّى تَوْلية تَوالَى توَلّي توال مَوَالٍ مَوَالِي مَوْلِيّ مَواليا مَولَويّ مَولَويّة مَولى مُتَوال مُتَوالي مُتوالية مُتولّ) * ،وفي كل الدلالات التي أشتقت من الجذر لا تخرج أبدا عن القاعدة السابقة في التغيير والحركة من حال أو مكان أو وصف إلى أخر مناقض أو مضاد للأول.
إذن الولاية وهي أحد الأستقاقات المهمة والتي وردت كثيرا في النصوص الدينية أو في مجمل الفكر الإسلامي تدور وتتجلى في معنى الحركة والأنتقال، فمرة يكون الفعل خارجيا أو فوقيا من الله بتقدير منه ووفقا لمنطق القوة والقدرة الذاتية له {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}الشورى9، ومرة تكون الولاية والتولي من الإنسان وبإرادته {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}الزمر3، وأحيانا يكون المعنى خاصا بعملية تشارك وتبادل في الولاية بين مجموعة أو بعض من الناس {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}الجاثية19، في الحالات الثلاث المعنى واضح هو الأنتقال من دائرة إلى دائرة أخرى الرابط بين الدائرتين هو الوصف المضاد أو المتناقض.
هذا الأساس اللغوي أو اللساني لكلمة (الولاية) كما أوردته المعاجم وكتب اللسانيات وتحديد المعنى على وجه الدقة، دون المعنى الأعتباطي الذي أنتشر في دائرة الفكر الإسلامي وتحول إلى واحدة من أهم القضايا المختلف فيها وعليها، فمن جهة ركزت المدرسة التقليدية المحافظة على معنى وحيد وغريب وأهملت عن عمد المعنى الأساسي وتجاهلته لأسباب عدة، أهمها خطورة أثر العامل السياسي والديني المترتب على حقيقة المعنى وقصديات النص الذي وردت في الكثير من السور القرآنية أو بعض في الأحاديث النبوية، وحصرته في معنى الحب والولاء فقط **، بل أنهم تعمدوا من التقليل من المعنى الأسي وصرفه إلى معان أخرى لتضييق مجال الأدعاء بما في الولاية من أنتقال الموضع من جانب الباطل أو اللا موقف إلى الثابت المطلوب منها ألا وهي (ولاية الحق)*** .
لقد تم التركيز في المدرسة المحافظة على معنى الواية الذي هو ضد المعاداة دون أن يكون زعمهم مبني على مصدرية منطقية من لغة أو معرفة لغوية، فهم أعطوا معنى الولاء حدود مكبلة ومقيدة لا تسمح للقصد النصي مثلا أن يبسط المراد الرباني منه، فالله ولي الذين أمنوا تأت وفق مفهومهم المحدد من الحب التفضلي من الله كما ورد ذلك في قوا أبن تيميه وهو من متأخري فقهاء أهل المدرسة المكية القريشية المحافظة (كما بين أن الله ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤهم، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فالموالاة ضد المعاداة، وهي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين أعظم قدرا، وولايته إحسان وتفضل، وولاية الآخر طاعة وعبادة، كما أن الله يحب المؤمنين، والمؤمنون يحبونه، فإن الموالاة ضد المعاداة والمحاربة والمخادعة، والكفار لا يحبون الله ورسوله، ويحادون الله ورسوله ويعادونه، وقد قال تعالى (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) وهو يجازيهم على ذلك كما قال تعالى (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) .
من الأساليب القرآنية النسقية التي لا يحيد عنها النص بأي حال من الأحوال، إن الله عندما يريد أن يحدد معنى يحصره بلفظ واح ويكرره لأثبات ذلك القصد دون غيره، ومن هذه الأمثله أن الله تعالى ذكر كلمة يحب وحب ويحبونه ولم يقصد فيها الولاية، ولا يشير لها في المعنى {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} البقرة195، فالمحسنين كلمة عامة قد تخص المؤمن وغير المؤمن وإن كان من مصاديقها التامة أن يكون المحسن مؤمنا، السؤال هنا هل الله ولي المحسن الغير مؤمن؟ أم أن الله ولي الذين أمنوا فقط وبالتالي فالمحسن مطلقا إن لم يك مؤمنا غير مشمول في هذه الخصيصة.
الحب موقف من الله مع كل عمل أصلاحي فيه أمتثال لأمره وتطبيقا لحكمه (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، فأيا كان مؤمنا أو غير مؤمن أمتثل لهذا الطلب الوجوبي وعمل به على أنه الحق وفيه الحق مشمول بمحبة الله، وكل تولي لله ولرسوله وللمؤمنين إن كان يؤتي ثمار مفهوم الرواية فبالنتيجة وليس بالسبب يكون متحصلا على محبة الله، فمن ؤمن بالولاية ويعمل بها وينتقل من حال الضد إلى حال أخر سيجد محبة الله له مؤكدة وحاضرة {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} آل عمران31، والدليل على دقة النتيجة هناك كلمتين توكدان معنى الولاية هنا (فَاتَّبِعُونِي) وقبلها الأداة الشرطية في المعنى (إن)، والمعنى العام لهذه الآية من يريد محبة الله عليه أن ينتقل من واقعه قبل الإيمان ويتبعني ويثبت على هذا الأتباع بمولاتي التي هي بالنهاية موالاة لله مطلقا.
فالله تعالى فرق بين معنيين ودلالتين ومصطلحين هما المحبة والولاية وجعل لكل منهما حدود ونتائج، فالحب أشمل عند الله من الموالاة وأعم فالله تعالى لا يحب للإنسان أن يكون على غير هدى وفي ضلاله والدليل {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}الحجرات7، فالمحبة أساسية وركيزة من ركائز دعوة الله للناس فمن أستجاب لهذا الحب تولى أمر الله ومن لم يستجب فالدعوة باقية والحب باق إلا إذا ترجمها الإنسان إلى موالاة الطاغوت والكفر والفسوق عند ذلك لم يبقى له غير لطف الله ورحمته المشروطة بالتوبة والنصيحة.
إذا ما جرى من تحريف للمعنى وجره لمعنى مختلف وغير مقصود ومراد بذاه، ليس إلا واحدة من الأساليب الأعتباطية التي مارسها جزء من الفكر الإسلامي كمنهج من مناهج الخصام والتنازع الفكري الذي كانت السلطة السياسية تقوده ضد خصومها، مستعينة بمنظومة من الكهنوت الديني المستظل والمتخادم معها في جملة من المشتركات تبدأ من المنافع الدنيوية وأنتهاء بخفايا الهوى النفسي الذي كان يضمره البعض للإسلام ويظهر غيره، لقد دأب مفسروا النص الديني عادة إلى أعتماد المعنى المتدوال والمتطابق مع قواعد اللغة وأشتقاقاتها أكثر من غيرها من وسائل التفسير، لكن حينما تصطدم هذه الدلالات مع أهداف وغايات لا يريد لها أن تظهر يبدأ التأويل ولي المعنى حسب الأهواء والميول الذاتية، وهذه مشكلة أطاحت بجهود الكثير من المساعي التي لو روعي فيها المعنى الدقيق لما ظهر الأختلاف والتخالف وتأسست بموجبها أتجاهات لا عقلانية في التفسير الذي هو عماد الفهم والإدراك المطلوبين من المفسر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
* https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%88%D9%84/
** يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" قوله : ( هو ولي كل مؤمن بعدي ) كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن ، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات ، فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان ، وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها : ( والي كل مؤمن بعدي ) كما يقال في صلاة الجنازة : إذا اجتمع الولي والوالي قدم الوالي في قول الأكثر ، وقيل يقدم الولي .

فقول القائل : ( علي ولي كل مؤمن بعدي ) كلام يمتنع نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه إن أراد الموالاة لم يحتج أن يقول بعدي ، وإن أراد الإمارة كان ينبغي أن يقول وال على كل مؤمن " انتهى.

***أن كلمة ( ولي ) لها معان كثيرة في اللغة العربية ، فبأي دليل يخص الشيعة معناها ههنا بالخلافة ، يقول الفيروزأبادي رحمه الله : " الوَلْيُ : أي : القُرْبُ ، والدُّنُوُّ ، والمَطَرُ بعدَ المَطَرِ . والوَلِيُّ : الاسمُ منه ، والمُحِبُّ ، والصَّدِيقُ ، والنَّصيرُ . ووَلِيَ الشيءَ وعليه وِلايَةً وَوَلايَةً أَو هي المَصْدَرُ وبالكسر : الخُطَّةُ والأمارَةُ والسُّلطانُ . والوَلاءُ : المِلْكُ . والمَوْلَى : المالِكُ ، والعَبْدُ ، والمُعْتِقُ ، والمُعْتَقُ ، والصاحِبُ ، والقريبُ كابنِ العَمِّ ونحوِه ، والجارُ ، والحَليفُ ، والابنُ ، والعَمُّ ، والنَّزيلُ ، والشَّريكُ ، وابنُ الأُخْتِ ، والوَلِيُّ ، والرَّبُّ ، والناصِرُ ، والمُنْعِمُ ، والمُنْعَمُ عليه ، والمُحِبُّ ، والتابِعُ ، والصِهْرُ " انتهى. " القاموس المحيط " (ص/1732).







اخر الافلام

.. عاصمة القرار - الحرية الدينية في الشرق الأوسط


.. أردوغان يضغط على السعودية وينتقد دولا إسلامية بشأن خاشقجي


.. بي_بي_سي_ترندينغ: حسين الجسمي يتحدث لنا عن كونه أول مطرب عرب




.. تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى اعتداء ستراسبورغ


.. قناة #العراقية الطائفية تترك كل مشاكل العراق وتخصص برنامج