الحوار المتمدن - موبايل



السبعيني

علاء الدين احمد ابراهيم

2018 / 4 / 1
الادب والفن


مرحباً!، اسمي هو...هو...، اسمي؟؟؟، لا اتذكر جيدا اسمي عند الميلاد او بالأحرى لا اعرف ما اذا أُطلق اليّ اسم او لا لكن اصدقائي يطلقون عليّ اسم (زياد)، لا يهم، يمكنك ان تسميني اي اسم آخر تراه مناسبا، عندها كنت مسندا ظهري على العمود المعدني الذي يقف لوحده حائرا بجانب الطريق، يحمل بقمتهِ ثقل بقايا اسلاك كهرباء قديمة، لا يفصل بين العمود و الطريق المؤدي لمعسكر كلمة سوى بضع امتار، افرقع اصبعي تارة، و تارة أُخرى ارمق، اتأمل بهدوء ما هو أتٍ او ذاهب من المواتر الصغيرة ذات العجلات الثلاث(التُك تُك)، اغلبها كانت تحمل علي متنها ركاب من الجنسين يتراوحون في العدد ما بين ثلاثة لست او سبعة على الاكثر، دست عليها بقدمي و اطفأتها رغم انني اقسمت متعهداً والدتي بالأخلاء عن التدخين عندما القت عليّ القبض و انا انفثها بإستمتاع منقطع النظير بأحد ازقة السوق الشعبي عندما كنت بالخامسة من العمر، لم اراها منذ تلك اللحظة، لا اعرف ماذا كانت موجودة الى اليوم ام لا، واصلت مسيري، استوقفني احدهم بعد تعطل احد المواتر بمنتصف الطريق، طلب مني توضيح اكثر عن كيس الادوية التي يحملها محججاً بعدم فهمه لما املته اليه الصيدلانية التي صرفت له الادوية، تبادلنا اطراف الحديث حول امور شتى بعد اعتذراي له بعدم مقدرتي حتى على قراءة اسمي اذا وجدته مكتوبا - كم هي جميلة ابتسامتها التي تسبق سيل قُبلها لؤلئك الصبية المصطفّون بجانبي ابواب الصرافات الآلية بالسوق الكبير، اكثر سؤال ارهق ذهني و اتعبه هو ما الذي يبقيها صامدة امام رائحة العرق المتداخلة مع عبق السلس الذي يفوح من افواهم الملائكية المتسعة تلك، من يعلم، ربما تجد متعتها عندما تستنشقها، يمني النفس ان تعيده قاطرة الزمان طفلا في العاشرة و لو لدقائق، ليس ككل طفل، يريد حق الوجود، التعليم، لبسٌ يواري اشلاء جسده الصغير؛ غير مُشترطٌ فيه بأن يكون نظيفا او زاهي الالوان منقوشا برسوم لشخصيات كرتونية محببه للاطفال على شاكلة ميكي ماوس او سبونج بوب، اللعب مع اقرانه بشارع الحي او طريق المدرسة، لقمة تضمن بقائه حيا على أعلى تقدير، ليس كهؤلاء النتنين مدمني السلس و التسول على ارصفة الطرقات و مواقف البصات و الملمات، جلس على "عنقريب" صغير نُسج بحبال من السعف مع خيوط بلاستيك هتكتها الشمس بحرّها، متأهباً لأشباع غريزته التي يمارسها بأتقان (الفضول)، عليه ان يعرف ما خطبهم؟؟؟ من اين اتو؟؟؟ و الى اين هم ذاهبون؟؟؟، لماذا أتو؟؟؟، ؟؟؟، لا تحمل هروب تفاصيل كل شيئ يقع بحيز بصره، ذاك هو مبدأه الذي يجاري به عجلة الحياة المتسرعة، كعادته يسدد سهام نظراته الحادة المتفرسة بوجه من يقابله للمرة الأولى، ثمة حسناء بملامح وجه ناعس ترتدي بنطالا رماديا بقميص ابيض مائل للصفرة لا يحجب كليا ما خلفه او بداخله، بالكاد عرِف لون حمالة صدرها، كما ان صوتها المصحوب بالهمس العميق اكثر ما يعجج نار نزواته، سرحانه اللا متناهي الذي لازمه منذ فترة مبكرة من عمره الى حين اللحظة؛ حسب ما ترويه عمته حاجة آمنة بانه اصيب بمس شيطاني عند وطأ بيت النمل بمنتصف نهار صيفٍ شديد الحّر بغابة (كندوة) جنوب شرقي نيالا قبل خمسة عشر عاما و نيف، يتزامن هذا التاريخ مع الذكرى السنوية الثالثة لدخولهم مدينة نيالا لأول مرة كأحد مخلفات الحرب التي ازهقت ارواح الملايين، لم يستثنى افراد اسرته من ذلك بمن فيهم والده، اخيه عمه، حولت الحرب قريته لواحة متفحمة لا تسر صاحب و لا صاحب!، يتجمد الدم بعروقه المتصلدة كلما استرجعت تلافيف مخه صرخات اللاتي تم اغتصابهن بالتكبير و التهليل مِن قِبل مَن يطلقون على انفسهم او يُطلق عليهم لفظة (المجاهدين) في سبيل الوطن و الدين، دعك من كل ذلك، شعرها المنسدل على جبهتها العريضة ليس اكثر ما يعجبه و يغويه فيها فهناك ايضا الوجنتين، الخدين، نحول خصرها... ، فرق عينيه المحمرة مرات و مرات حتى بالكاد تخرج من جحورها، تأكد من يقظته، تمنى لو كان في حلم لطيف يستطع خلاله تسيير احداثه و ترسيم تفاصيله بنفسه، اضحى الكلام سجين شفتيه المرتخية التي انهكها بـ(بسفة الصعوط) و كثرة المغالطات و المناكفات بميادين (الضالا او الضالة اي من الضلال و العصيان)، نظراته وحدها هي التي تتحدث و تتسائل عن كل شيئ، ان تعمل برعاية الكبار الشاردين بدلا من اليونيسيف هو اكثر ما يتمناه، ثمة حيلة وحيدة فقط تقربه منها؛ الانضمام كمتطوع للعمل معها بالمنظمة لا غير، ااه لقد جالت بباله فكرة أعادة ترتيب الاوراق المبعثرة بخصوص زواجه بإبنة عمه، آخر المتبقيين مِن مَن يشاركه اسم الجد بأستثناء اخية الذي يصغره بسنة، لقد تعلمها، تعلم الانجليزية، نعم تعلمها!، تعلمها دون ان يتلقى درس من احد بل و حتى دون ان يخرج من الصيدلية، نعم تعلمها و هو لا يزال يقف امامها تشرح له طريقة الاستعمال و مقدار جرعة كل دواء، و في العلم ما ضر، لم يأمن شر جسدها، بدأت صورتها تتمايل بأغراء بمخيلته العكرة، الا ان صوتاً داخلياً يوبخه (ستدفع الثمن غالياً إن فعلتها..لا تخونني) و يمنعه من الوقوع فيما هو محظور، استجمع قواه ليكسر حواجزه و هواجسه، واضعا بذلك حدا لخيالاته التي تتتبع كل ما هو قابل لذلك، احتارت بالاختيار بين منطقتي قريضة و الردوم الغنية بالغابات المطيرة و الطبيعة الخلابة الساحرة كمكان لقضاء عطلة اعياد الميلاد، بعد صراع دامي و مستميت مع نفسها حسمت امر مكان الاجازة، اما حسن مترجمها الجديد لا يهمه امر المكان كثيرا، ما هي الا دقائق قليلة قبل ان تلقي بثقل جسدها علي فراشها غارقة في النوم، علت سُحب الكآبة و الخيبة بوجهه عندما ادرك بأن كلماته ذهبت ادراج الريح، ااه عليه يدعي النوم هو الآخر، ايقظها من سباتها العميق بشخيره المُتعَمد الذي اضحى في لحظةٍ ما جزء من كوابيسها المخيفة، لقد جرت الرياح بما تشتهي سفينته هذه المرة، تلى تعاويذه الابليسية الحميمة التي توارثها جد عن جد من اسلافه الذين سكنو كهوف جبل مرة قبل امد زمني سحيق، تمشى بأدغال جسدها الفاتن، ركض على تضاريسها الوعرة، تسلق تلّيها المنتصبين الذي يعلوه منبع البراكين الجنسية، قبلهُ الملتهبة على ثغرها الصغير، تنّسم عبير رائحة احمر شفاها، و قبل ان يشرب من كأسها تفاجئ بشرطها الثاني بعد رفضه اشتراطها له بأعتناق المسيحية من قبل، تردد، احست بالضيق و التفاهة عندما رأت في منامها زوجته تسبها و هي تمتطي مخلوقا احمراً عملاقا اجرد الشعر بمخالب و اسنان معدنية حادة و اطراف متباعدة انقرض قبل الآلاف السنين، توقف حاج بخيت لحظة ثم واصل يستطرد في الحديث و أنا اومئُ له برأسي معطيا اياه اشارة (اني استمع اليك جيدا - تكلم)، توقف عن الكلام للمرة الثانية، التفت فجأة قبالة الموتر بعد سماعه صوت (السويتش)، استمر مجددا بمواصلة الحديث.. تسللت رزمة خيوط الشمس من بين ثقوب الخيمة الموتدة بعناية؛ ايذانا ببداية صباح جديد ينذر بيوم ثلجي بدليل السحب التي أظلت معظم مجال الرؤية، لمللت حطام جسدها المتهالك بخجل رأه للمرة الأولى بعينيها التي تميل للزرقة رغم اصلها الغير اوروبي، لا ادري لماذا الخجل، اخذت شطفة ماء علي وجهها الناعم لتخفي آثر احتقان الدم برقبتها و وجهها، ضحكا ملء شدقيهما بهستيرية ليرتد صدا صوتهما متناثرا بأرجاء الفراغ، بعد تلك الليلة التمس العذر على مترجمها السابق الذي فُصل تعسفا، يعي تماما ان هكذا نهاية تنتظره بشوق و تلهف شديدين في حالة تخطى علاقته معها قضاء ليالي كتلك، ليس امامه خيار ثان سوى أن يعانقها بصدر و ذراعين مفتوحين على مصراعيهما، الثلاث سنين التي قضاها متغربا عن وطنه كانت كافية بتغير لكنته الدارفورية و اتقانه اللهجة المحلية، فتح جزلانه، غمزت عليه كأنها تتوعده بالانتقام، لم يصدق عينيه، جن جنونه كيف لها ان تبتسم، تغمز و تتوعد بالشر هي مجرد صورة! ، اقفل الجزلان، فتحه للمرة الثانية، بدأ مخاطبا اياها بعبارات مبهمة المعنى، يا إلهي ماذا لو فشلت خطتها بالانتقام؟؟؟، وضع يده على خده .. ارتطمت احلامي البسيطة بجدار من الذكريات المريرة، يوم بعد يوم تعلو الصرخات بداخلي، احيانا على لا شيئ و احيايين أخرى حزنا و غضبا بوجه من اتخذته كل شيئ و اتخذني مجرد اداة لتفريغ حيواناته المنوية لا اكثر، ليته احتفظ بي، اردتك مجنونا هكذا فيما تبقّى من سنين حياتك بعد علمي خيانتك لي مع ميرا كريزتش عن طريق استرشادي بوساطة العجوز ضاربة الودع، سأنتقم لنفسي بالخطة البديلة، كيف لا و قد عانيت ما عانيت خيانة حبيب و فقد عزيز و...، لا اعير اهتماما لما يتبادله بني جنسي بالحي حول ما يدعى بالشرف، غالبا لا امارس الجنس مع زبائني و انا بكامل وعيي، حيث دأبت على ان احتسي كميات مهولة من النبيذ البلدي (المريسة) بشراهة من بيت (خالتي ذينب) جارتنها(الأنداية)، عليك ان تعلم ايضاً بأني صرت امنحه بمقابل او غير مقابل، زبائني من شتى الطبقات المجتمعية، الغنية، الطبقة المتوسطة و الطبقة الخارجة عن التصنيف، الجيش، الـ(الاربجية)، الـ(الجوكية)، طلبة الجامعات و الثانوي، بعض الشخصيات ذوُو الوزن الرفيع بالمجتمع، اقترح لي ذات مرة احدهم إستجلاب صنف آخر لمشروعي الاستثماري الذي اضحى يدر لي الكثير من الدخل و المتعة صرتُ أُحسد عليه بدون ادنى مبالغة، سأفكر جديا بموضوع الصنف الجديد بالايام القلائل القادمة، ادرت ظهري عن التسول من امام بنك الخرطوم و الاشتواء بحرّ الشمس و كمائن الطوب الأحمر، غالباً ما اطلب رأي خالتي ذينب عند كل محنة، نكسة او مشكلة امر بها مع ذبائني خاصة المشاكسين من العسكر و الطلاب المراهقين، غطت جزء من الفراغ الذي تركته امي التي أُرسلت لمثواها الأخير بأحد قرى العودة الطوعية قبل عام و نصف ازاء المجزرة الملحمية التي نفذتها مليشيا الجنجويد في تحديثها الجديد و هم يهتفون و يصرخون، الله اكبر! الله اكبر!، رأى سفاكيها بأن خيار ارسالها لربها أخيرُ لها من العوز و الشقاء الذي تكابده بهذه الحياة الغير عادلة، لقد فعلوا بها معروفا يرجحُ كفة حسناتهم، جزاهم الرب خيرا لقد ارسلوها الى الجنة التي يقاتلون هم ايضاً من اجلها بساحات القتال باليمن و الخليج و دارفور، ااه هناك معلومة اخيرة يجب عليّ ان أُخبرك اياها ... قام مذعورا محملقا عينيه في الفراغ الذي يحيطه من كل الجوانب، اخرج صورتها من الجزلان، قام بتمزيقها، جثى على ركبتيه، رفع رأسه و يديه للسماء متوسلا، املى بابا نويل قائمة أمنياته الطويلة، نعتها بنابية اقواله و الفاظه الجارحة، من يومها، صارت عادة مخاطبة الجدران و الجمادات الأُخرى هوايته المفضلة، فقد هوايته تلك بعد اخراج لحاء السدر من بين فكيّ سيدة مجهولة نُبش قبرها بواسطة عجوز اشتهرت وسط مجتمع النساء بفيما يتعلق بالسحر و ضرب الودع و الاستشارات الاخرى المتعلقة بهكذا مواضيع، قبل ان يسترسل حاج بخيت في الحديث اكثر عن سرحانه و شروده بالصيدلية الذي قاده لأبتداع اسطورة الطلح و تسطير قصته مع الصيدلانية التي تقف أمامه و ما ترائى له من هلاويس مكائد زوجته بحي المطار، سمعت سائق التُك تُك يخير حاج بخيت بين ما اذا كان يود الركوب و مواصلة المشوار، او ان ينزل له اغراضه على طرف الشارع، تردد بين الخيارين، تثائبت، ابتسمت ابتسامتي المعهودة التي يصفها اصدقائي احياناً بالخبيثة، ملأت شدقيّ بالهواء، اطلقته كمن احس بالندم على امر ما، اردفتها بعبارة اااهااااه هااااه، احببت كثير ان اناديه حاج بخيت رغم ان اسمه الحقيقي هو حسن، ما تعلمته من حكاوي السبعيني حاج بخيت الذي صادفته و انا بطريقي الى الجبل لأجل التنزه مع اصدقائي - جميلٌ ان تتمسك و تقاتل في سبيل المبادئ التي تؤمن بها ما برحت تبقيت بمصاف الاحياء، اما الأجمل من ذلك هو ان لا تتردد لحظة بالتضحية بها لأجل هدف اعلى و أغلى تؤمن به، نحن في حقبة زمنية تتجلى فيها البراجماتية في ابهى و اوضح صورها، لا يوجد ما هو ثابت سوى التغيير من اجل المنفعة، لا اقصد بالحي من يستنشق الأوكسجين و يزفر الاوكسيد الثاني للكربون من رئتيه الورديتين او السوداوديتين، لا اقصد بالحي من تتوفر لديه خصائص الحياة العشرة فقط.
النهاية...







اخر الافلام

.. ردود فعل أميركية غاضبة من الروايات السعودية بشأن خاشقجي


.. ما وراء الخبر- اعتبارات وأهداف الرواية السعودية لمقتل خاشقجي


.. هل يقبل المجتمع الدولي الرواية السعودية لمقتل خاشقجي؟




.. شاهد: إنطلاق العد التنازلي لمعرض إكسبو دبي 2020 بالأضواء وال


.. كيف كشف الفنان مصطفى أنور شيخ على حقيقته بأغنية؟| جدودنا