الحوار المتمدن - موبايل



الظِّلُ والْعَالَمُ الآخَرُ بين القرآن والكتاب المقدس

ثامر فواز الشمري

2018 / 4 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



القرآن الكريم


من نعم أهل الجنة التي سينعمون بها الظل و قد ذكره الله تعالى في أكثر من آية:
قال جل في علاه:
و ندخلهم ظلا ظليلا"-النساء:57.
و قال عز في علاه:" و ظل ممدود"-الواقعة:30-
وقال جل شأنه:" إن المتقين في ظلال و عيون"- المرسلات:41
وقال :" هم و أزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤون" –يس56
و معلوم أن الظل لا يكون إلا من شمس أو حر، و الجنة لا شمس فيها، كما قال تعالى:" لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا"- الانسان:13-
فما المقصود بالظل الذي وعده الله عباده المؤمنين في جنان الخلد؟


يقول الشيخ أبو زكريا الأنصاري في كتابه" فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن":
هو عبارة عن المستلذ المستطيب كقوله:" و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا" جريا على المتعارف بين الناس و إلا فلا شمس في الجنة طالعة و لا غاربة كما أنه لا بكرة فيها و لا عشية" اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه لحديث النبي صلى الله عليه و سلم:" إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، و اقرؤوا إن شئتم:" و ظل ممدود"": وقوله في ظلها أي في نعيمها وراحتها ومنه قولهم عيش ظليل وقيل معنى ظلها ناحيتها وأشار بذلك إلى امتدادها ومنه قولهم أنا في ظلك أي ناحيتك قال القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى". اهـ .
- و من أهل العلم من قال أنه ظل لا يحدث له ما يحدث للظل في الدنيا من تأثره بحر الشمس و غير ذلك:
يقول الإمام القرطبي:" وندخلهم ظلا ظليلا يعني كثيفا لا شمس فيه، قال الحسن : وصف بأنه ظليل لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك وقال الضحاك : يعنى ظلال الأشجار". اهـ.
قال الراغب في المفردات:" ظلل : الظل ضد الضح وهو أعم من الفئ فإنه يقال ظل الليل وظل الجنة ، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس ، ويعبر بالظل عن العزة والمنعة وعن الرفاهة ، قال إن المتقين في ظلال أي فيه عزة ومناع ... وقوله : وندخلهم ظلا ظليلا كناية عن غضارة العيش ..."
- و قيل أن المقصود ظل دائم لا تنسخه الشمس كظل أهل الدنيا وذلك لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها.
- و قال الربيع ابن أنس هو ظل العرش.
- وقيل : الظل ليس ظلّ أشجار بل ظلّ يخلقه الله تعالى .
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الجنة سَجْسَج، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
فتلك بعض الأقوال في معنى الظل الذي سينعم به أهل الجنان.
و يمكن القول أن الله تعالى سيخلق لأهل الجنة ظلا زيادة لهم في التنعم، و إن لم تكن هناك شمس و لا حر يحتاجون معه إلا ما يظلهم لكن الكريم سبحانه سيغدق عليهم من النعم ما لا يخطر على بال، و من ذلك الظلال الوافرة التي و إن علمنا معناها لكن حقيقتها غير معلومة لنا، و مهما تخيلنا و تصورنا فإن نعيمها فوق الوصف كما هو الحال بالنسبة لكل ما في الجنة من نعم، و رضي الله عن حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس إذ يقول:" ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء" - و هذا الأثر أخرجه ابن جرير و ابن أبي حاتم و البيهقي و غيرهم، و صححه العلامة الألباني في الصحيحة و غيرها.




الكتاب المقدس



(سفر أيوب 3: 5) لِيَمْلِكْهُ الظَّلاَمُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ كَاسِفَاتُ ظُلُمَاتُ النَّهَارِ.

سفر ايوب 10

20 أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَلِيلاً،
21 قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ،
22 أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ وَبِلاَ تَرْتِيبٍ، وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى».

(سفر أيوب 12: 22) يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ مِنَ الظَّلاَمِ، وَيُخْرِجُ ظِلَّ الْمَوْتِ إِلَى النُّورِ.

(سفر أيوب 16: 16) اِحْمَرَّ وَجْهِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَعَلَى هُدُبِي ظِلُّ الْمَوْتِ.

(سفر أيوب 24: 17) لأَنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمُ الصَّبَاحُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَهْوَالَ ظِلِّ الْمَوْتِ.

(سفر أيوب 34: 22) لاَ ظَلاَمَ وَلاَ ظِلَّ مَوْتٍ حَيْثُ تَخْتَفِي عُمَّالُ الإِثْمِ.

(سفر أيوب 38: 17) هَلِ انْكَشَفَتْ لَكَ أَبْوَابُ الْمَوْتِ، أَوْ عَايَنْتَ أَبْوَابَ ظِلِّ الْمَوْتِ؟

(سفر المزامير 23: 4) أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.

(سفر المزامير 44: 19) حَتَّى سَحَقْتَنَا فِي مَكَانِ التَّنَانِينِ، وَغَطَّيْتَنَا بِظِلِّ الْمَوْتِ.

(سفر المزامير 107: 10) الْجُلُوسَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، مُوثَقِينَ بِالذُّلِّ وَالْحَدِيدِ.

(سفر المزامير 107: 14) أَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، وَقَطَّعَ قُيُودَهُمْ.

(سفر إرميا 2: 6) وَلَمْ يَقُولُوا: أَيْنَ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، الَّذِي سَارَ بِنَا فِي الْبَرِّيَّةِ فِي أَرْضِ قَفْرٍ وَحُفَرٍ، فِي أَرْضِ يُبُوسَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ، فِي أَرْضٍ لَمْ يَعْبُرْهَا رَجُلٌ وَلَمْ يَسْكُنْهَا إِنْسَانٌ؟

(سفر إرميا 13: 16) أَعْطُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ مَجْدًا قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ ظَلاَمًا، وَقَبْلَمَا تَعْثُرُ أَرْجُلُكُمْ عَلَى جِبَالِ الْعَتَمَةِ، فَتَنْتَظِرُونَ نُورًا فَيَجْعَلُهُ ظِلَّ مَوْتٍ، وَيَجَعْلُهُ ظَلاَمًا دَامِسًا.

(سفر إشعياء 9: 2) اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ.

(سفر عاموس 5: 8) اَلَّذِي صَنَعَ الثُّرَيَّا وَالْجَبَّارَ، وَيُحَوِّلُ ظِلَّ الْمَوْتِ صُبْحًا، وَيُظْلِمُ النَّهَارَ كَاللَّيْلِ. الَّذِي يَدْعُو مِيَاهَ الْبَحْرِ وَيَصُبُّهَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، يَهْوَهُ اسْمُهُ.

(إنجيل متى 4: 16) الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ».

(إنجيل لوقا 1: 79) لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ».

سفر أيوب 10
18 «فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ!
19 فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ، فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ.
20 أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَلِيلاً،
21 قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ،
22 أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ وَبِلاَ تَرْتِيبٍ، وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى».

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب
سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"

ايوب 10 - تفسير سفر أيوب

هل التفكير في المصير هو الحل؟
الموت نهاية الأتعاب

جاءت كتابات الكنيسة الأولى ومفاهيمها في عبادتها ونسكها وقوانينها وكل جوانب حياتها لها مسحة أخروية كتابية. وكانت عقيدة الحياة الأخرى ليست عنصرًا إيمانيًا رئيسيًا فحسب، وإنما هي صُلب الإيمان نفسه! لقد كانت الكنيسة الأولى ككنيسة كتابية بحق كنيسة أخروية، وضعت قلبها في السماء، لتعيش سفيرة للمسيح السماوي، تجتذب العالم نحو السماء، وتدخل به إلى الحياة الفردوسية، لكي تترقب في رجاء كمال المجد الأبدي والميراث السماوي.

أما عن نظرة مؤمني العهد القديم إلى الموت، فقد عبَّر عنها ما ورد في سفر الحكمة: "فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك 23:2، 24). لم يخلق الله الموت، لذا فبالبر ينال الإنسان الخلود: "لأن الله لم يصنع الموت، ولا يُسر بهلاك الأحياء؛ فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وأن خلائق العالم مفيدة، وليس فيه سمّ مهلك، ولا مُلك لمثوى الأموات على الأرض، لأن البرّ خالد" (حك 13:1-15). كما قيل: "العلم بقدرتك هو أصل الخلود" (حك 3:15).

كان الآباء المؤمنون في العهد القديم ينظرون إلى الموت أنه انضمام أو نوم مع آبائهم (تك 8:25؛ 30:47)، وكانوا يخشون فقط من النزول إلى الهاوية Sheol في حزنٍ (تك 35:27). يحسبون الموت في شيخوخة صالحة بركة (تك 15:15؛ 8:25)، أما قطع الإنسان من أرض الأحياء في ريعان شبابه، فهو أمر مخيف (إش 10:38).

مع هذا فقد اختلفت نظرة اليهود إلى الموت من شخصٍ إلى آخر، وقد قدم لنا الفريد أديرشايم مقارنة بين قائدين يهوديين في نظرتهما للموت!

القائد الأول هو الحاخام يوخانان بن ساكاي Jochanan ben Saccai. وقد جاء في التلمود عنه أن تلاميذه جاءوا إليه وهو على سرير الموت، فانفجر في البكاء. دهشوا لذلك، فتساءلوا كيف أن "نور إسرائيل، عمود الهيكل الحق"، تخونه هكذا علامات الخوف؟ أجابهم الحاخام: "لو أنني أُقدم أمام ملك أرضي يحيا اليوم ويموت غدًا، غضبه وقيوده ليست أبدية، وإصداره الحكم بالموت لا يكون موتًا أبديًا، ويمكن بسهولة الدخول معه في حوارٍ، أو شرائه بالمال، من هذا ارتعب وأبكي، فكم بالأكثر يكون حالي وقد اقتربت من الوقوف أمام ملك الملوك، القدوس، المبارك، الذي يحيا ويقطن إلى الأبد، قيوده قيود دائمة، وحكمه بالموت حكم أبدي، هذا الذي لا أستطيع أن أحاوره بالكلمات، ولا أرشيه بالمال! ولا يقف الأمر عند هذا، وإنما قدامي طريقان: واحد نحو الفردوس والآخر نحو الجحيم، وأنا لا أعلم إلى أي الطريقين سأذهب: هل إلى الفردوس أم إلى الجحيم، فكيف لا أسكب الدموع؟"

أما المثل الثاني فهو ر. يهودا Jehudah R. الذي يدعى القديس، فإنه عندما مات رفع يديه نحو السماء مؤكدًا أنه لا يوجد أصبع واحد من أصابعه العشرة قد كسر ناموس الله!

الأول فاقد الرجاء تمامًا، يعيش في يأسٍ شديدٍ ويخشى اللقاء مع الله بالرغم من مركزه كرئيسٍ لأعظم مجمع عند اليهود، والثاني في اعتزازٍ شديدٍ ويقينٍ يظن أنه حتمًا يتمتع بالفردوس، لأنه لم يكسر وصية ما بأحد أصابعه. صورتان متطرفتان تمامًا، واحد يحطمه اليأس، والآخر يحطمه الكبرياء!

فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟

كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ،

وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! [18]

يكرر أيوب ذات الرغبة التي سبق فأعلنها في حديث سابق (3: 11).

مرة أخرى كان يشتهي أيوب أن يُخنق في الرحم، ولا يخرج إلى العالم، ولا يراه أحد.

لعل أيوب شعر بأنه صار مثلًا وسخرية لكل ناظريه، فاشتهي لو لم يَرَ أحدًا قط، ولا أحد يراه.

فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُن،ْ فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ [19].

كما أن الذي يضع قلبه في الحياة الزمنية يخطئ، هكذا من ييأس من الحياة ويشتهي الموت عن يأس يخطئ. الأول يحب العالم والخليقة أكثر من خالقها، والثاني يستخف بخطة الله من نحوه.

أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟

اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي، فَأَبْتَسِمُ قَلِيلًا [20].

يطلب من الله أن يكف عن التأديب ليلقط أنفاسه ويستريح قليلًا.

يعلم أيوب أن أيام الإنسان قليلة، فيطلب في هذا القليل شيئًا من الراحة، ولو من حين إلى آخر.

قال سليمان: "لأنه إن عاش الإنسان سنين كثيرة، فليفرح فيها كلها، وليتذكر أيام الظلمة لأنها تكون كثيرة، كل ما يأتي باطل" (جا 11: 8). مرة أخري كتب: "أيا كان ما تأخذه في اليد، تذكر نهايتك، فلا تخطئ". لذلك عندما تجرب الخطية الذهن يليق بالنفس أن تدرك قصد بهجتها، لئلا تسرع بها الخطية إلى موت محقق، حيث من الواضح أن الحياة القابلة للموت تنتهي سريعًا؛
البابا غريغوريوس (الكبير).

يا أبناء آدم، يا من ملك الموت عليكم، فكروا في الموت، وتذكروا الحياة، ولا تتعدوا الوصية مثل أبيكم الأول.
أيها الملوك المتوجون بالأكاليل، تذكروا الموت الذي سينزع الأكاليل الموضوعة على رؤوسكم، سيكون مَلكًا عليكم حتى يأتي الوقت الذي فيه تقومون للدينونة.

يا أيها المتعالون والمتكبرون والمتعجرفون، تذكروا الموت، الذي سيحطم تعاليكم، ويحل أعضاءكم، ويفك المفاصل، ويحل الفساد بالجسم وكل أشكاله. بالموت ينحط المتعالون، والعنفاء القساة يُدفنون في ظلمته...

يا أيها الجشعون المغتصبون والسالبون لزملائكم تذكروا الموت، ولا تضاعفوا خطاياكم. ففي ذلك الموضع لا يتوب الخطاة، ومن سلب ممتلكات رفيقه لا يملك حتى ماله، بل يذهب إلى الموضع الذي لا تُستخدم فيه الثروة، ويصير بلا شيء، تعبر عنه كرامته، وتبقى خطاياه لتقف ضده يوم الدينونة؛

القديس أفراهاط.

قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ [21].

يضع الموت أمام عينيه، فيطلب شيئًا من الراحة، ربما لكي يستعد للرحيل، ولكي لا يخطئ ولو بفكره تحت ثقل التجارب. وكما يقول المرتل: "أنر عيني لئلا أنام نوم الموت" (مز 13:3). طلب وقتًا يرجع فيه إلى نفسه، ويطلب عمل الله في حياته قبل أن يموت ويُغلق الباب. "أفلعلك للأموات تصنع عجائب؟" (مز 88: 10)

لا يطلب أيوب الراحة لأنه متعلق بالحياة الزمنية، فهو يعلم أنه راحل ولا يعود بعد. "قبل أن أذهب ولا أعود".

يقدم لنا أيوب صورة مؤلمة عن الموت والقبر، هذه التي كانت سائدة حتى بين المؤمنين قبل قيامة المسيح. "إلى أرض ظلمة وظل الموت".

كان منظر أيوب فيه سخرية لأصدقائه والمارين به، لعله اشتهي القبر حيث الظلمة، فلا يرى أحد قروحه، بل ويتحلل جسمه كبقية الأجسام دون تفرقة!

بالنسبة لنا حياتنا معركة دائمة، موقعها هو أرض القلب والفكر والحواس؛ فهي حرب داخلية بين النور والظلمة. لن يهدأ عدو الخير حتى النفس الأخير، حاسبًا نفسه ملكًا من حقه اقتناء كل البشرية تحت سلطانه. فالمؤمن برحيله يعلن نصرته النهائية، أو نصرة نعمة الله العاملة فيه.

كثيرون من شعبنا يموتون بهذا الموت (الجسدي)، فيتحررون من هذا العالم. هذا الموت الذي يحسبه (أهل العالم) كارثة، يراه عبيد الله رحيلًا إلى الخلاص.
يموت الأبرار كالأشرار بلا تفرقة... لكن الأبرار يُدعون إلى الراحة، والأشرار إلى العقاب.

سلام عظيم يوهب للمؤمنين، وعقاب لغير المؤمنين.

من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوى حرب دائمة مع الشيطان، وصراع في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم.
ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب، وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع، وبالكاد يستطيع أن يُقاوم في كل بقعة. فإن استهان بحب المال، ثارت فيه الشهوات. وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور. وإن انتصر علي حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السُكر بالخمر، ومزّق الحسد اتفاقه مع الآخرين، وأفسدت الغيرة صداقاته.

هكذا تعاني الروح كل يوم من اضطهاداتٍ كثيرةٍ كهذه ومن مخاطرٍ عظيمةٍ كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان! مع أنه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل. إذ علمنا الرب نفسه قائلًا: "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح؛ أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلي فرحٍ" (يو 20:16).

من منّا لا يرغب في أن يكون بلا حزن؟!

من منّا لا يتوق إلى الإسراع لنوال الفرح؟!

لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله: "ولكن سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 20:16). مادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمى يُصيب فكرنا، وسخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا يُنزع عنا؟!

الشهيد كبريانوس.

أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ،

وَبِلاَ تَرْتِيبٍ،

وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى [22].

لم يرد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يتحدث عن موضع جهنم سوى أنها "خارج هذا العالم"، لكنه تحدث في شيء من التفصيل عن لعناتها. ففي إحدى عظاته يقول:

[إنها بحر من النار، ليست بحرًا من ذات النوع بالأبعاد التي نعرفها هنا، بل أعظم وأعنف، بأمواج نارية، نيران غريبة مرعبة. توجد هناك هوة عظيمة مملوءة لهيبًا مرعبًا. يمكن للإنسان أن يرى النار تخرج منها من كل جانبٍ مثل حيوانٍ مفترسٍ...

هناك ليس من يقدر أن يقاوم، ليس من يقدر أن يهرب.

هناك لا ُيرى وجه المسيح الرقيق واهب السلام في أي موضع.

وكما أن الذين صدر عليهم الحكم بالعمل في المناجم هم أناس عنفاء، لا يرون بعد عائلاتهم، بل الذين يسخرونهم، هكذا يكون الأمر هناك. ولكن ليس بالأمر البسيط هكذا، بل ما هو أردأ بكثير. لأنه هنا يمكن أن يقدم الإنسان التماسًا للإمبراطور طالبًا الرحمة، وقد ُيعفي عن السجين، أما هناك فلن يحدث هذا.
إنهم لن يخرجوا بل يبقوا، يحتملون عذابات لا يمكن التعبير عنها؛

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه بالرغم من كل هذه العذابات فإن العذاب الرئيسي للمدانين هو حرمانهم من حضرة الرب وشركة القديسين في السماء.

درجات العذابات مختلفة في الجحيم، تعتمد على مدى خطايا الإنسان؛ لكن الكل يسقط تحتها أبديًا؛

يقول: مستحيل أن يكون عذابات جهنم غير موجودة؛
وهو يرى أن هذه العذابات ليست لمجرد تحقيق العدل الإلهي، لكنها وُضعت لحث البشرية على التوبة والامتناع عن الخطية ؛
يقول: إن كان الله يهتم ألاّ نخطئ، وإن ندخل في متاعب كهذه لتصحيحنا، فواضح أنه يعاقب الخطاة ويكلل الأبرار؛
كما يقول إنه يعد جهنم، حتى لا يُلقى أحدًا في جهنم!

كما أن الموت الخارجي يفصل الجسد عن النفس، هكذا الموت الداخلي يفصل النفس عن الله. هكذا فإن "ظل الموت" هو ظلمة الانفصال، حيث كل واحدٍ من الذين يُدانون بنار أبدية تهلكه، يكون في ظلمةٍ من جهة النور الداخلي.
الآن فإن طبيعة النار أن تصدر نورًا، ولها سمة التدمير، أما النار التي تسخط على خطايا سابقة، فلها سمة التدمير وليس لها نور. لذلك يقول الحق للهالكين: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41). وإذ يتمثلون جميعًا في شخصٍ واحدٍ، يقول: "اربطوا رجليه ويديه، وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية" (مت 22: 13).

لو أن النار التي تعذب الهالكين يمكن أن يكون لها نور لما قيل عن المطرودين خارجًا "اطرحوه في الظلمة". هكذا أيضًا يقول المرتل:" تسقط النار عليهم ولا يعاينوا الشمس" (مز 58: 8 Vulgate). إذ تسقط النار على الأشرار؛

البابا غريغوريوس (الكبير).

"بلا ترتيب"، يبدو لنا أنه ليس في القبر نظام معين، إنما يستوي الملوك مع العبيد، والأغنياء مع الفقراء إلخ.، كل منهم يُدفن بدوره حسبما يعين الله له، لكن توجد خطة إلهية دقيقة من جهة ما قد يحل بنا من تأديبات حتى وإن لم نستطع تفسيرها.

الكلمات: "بلا ترتيب" عجيبة للغاية، فإن الله القدير، الذي بحق يعاقب على الشرور لن يسمح حتى للعذابات أن تكون "بدون ترتيب". العقوبات ذاتها التي تصدر عن ميزان العدالة لا يمكن بأية كيفية أن توقع "بدون ترتيب"، إذ كيف يمكن ألا يكون ترتيب في العقوبات التي يصدرها، مادامت حسب قياس الجريمة هكذا تكون العقوبة التي تلحق بالذين يدانون أبديًا. وكما هو مكتوب: "لكن القادرين يكون عذابهم أشد، والعذابات الأشد تحل على الأقوياء" (حك 6: 6 ،7). قيل في دينونة بابل: "بقدر ما مجدت نفسها وتنعمت، بقدر ذلك أعطوها عذابًا وحزنًا" (رؤ 18: 7). فإن كانت العقوبة حسب قياس الخطية، فإنه حق لا يمكن إنكاره إنه يوجد ترتيب محفوظ في العقوبات...
كما أنه في بيت أبينا منازل كثيرة حسب تنوع الفضائل، هكذا يوجد اختلاف في الجريمة، ويخضع المدانون لعقوبة متباينة في نيران جهنم. فمع أن جهنم واحدة وهي بعينها للكل، لكن هذا لا يعني أن الكل يحترقون بذات الكيفية.

"وإشراقها كالدجي" [22]. بالرغم من النار في ذلك الموضع لا تعطي نورًا للراحة، إلا أنه لأجل عذابهم بالأكثر تضيء بهدف معين. فإن المدانين سيرون باللهيب المنير أتباعهم معهم في العذاب، هؤلاء الذين من أجل حبهم للعصاة فضلوا محبة الحياة الجسدانية عن وصايا الخالق...
يُظهر لنا الحق أن الغني الذي كان نصيبه أن ينزل في عذابات النار الأبدية (لو 17: 19-31) وصف بأنه يتذكر إخوته الخمسة، وقد سأل إبراهيم أن يرسل لهم لتعليمهم، حتى لا يسقطوا تحت نفس العقوبة في المستقبل. فمن الواضح - دون شك - إن ذاك الذي يتذكر أقرباءه الغائبين قد ضاعف من آلامه، فكم بالأكثر عندما يراهم فيما بعد بعينيه حاضرين معه يزيد من عذابه؛

البابا غريغوريوس (الكبير)

في يوم الدينونة، ما من شك أن الصالحين سيُفصلون عن الطالحين، والأبرار عن الأشرار. وسوف يُخصص لكل نفسٍ من خلال دينونة الله مكانًا يليق بجدارتها واستحقاقها، إن شاء الله؛
العلامة أوريجينوس.

نتحدث عن درجات كثيرة ومقاييس متنوعة في كل من الملكوت وجهنم... فإن الله كقاضٍ عادلٍ يعطي كل واحد حسب مقدار إيمانه.
في النور وفي المجد توجد درجات. وفي جهنم نفسها وفي العقاب يظهر أنه يوجد سحرة ولصوص، كما يوجد آخرون ممن ارتكبوا خطايا أقل
القديس مقاريوس الكبير.







التعليقات


1 - سيد ثامر
احمد علي ( 2018 / 4 / 2 - 10:25 )
في تعليقات حذفولي اياها بسير تعيد نشرها


2 - بكل محبة أدب نطالب الحوار برفع
متابع بصمت ( 2018 / 4 / 2 - 11:10 )
بعض القيود على مقالات وتعليقات السيد أحمد علي الجندي
وعشمنا بالصحيفة كبير


3 - براءة إله الإسلام بمرافعة دفاع مسيحية!2مرة
ديفيد صعق الشمري ( 2018 / 4 / 2 - 13:19 )
براءة إله الإسلام بمرافعة دفاع مسيحية .

أبو زينب النجدي

😆-;-😆-;-😆-;-
الرد على مقال

محاكمة الله في الاسلام (فلسطين أنموذجا ) :

هرمس مثلث العظمة

الكاتب يحاول إسقاط يسوع العهد القديم على الله الإسلام
للأسف مع فارق جوهري !!

ومع هذا الدفاع المسيحي الأرثوذكسي يحصل على حكم البراءة من أول جلسة !!
إليكم مرافعة السيد المحامي !!!


https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=109942479856379&id=100025218813937&ref=bookmarks

اخر الافلام

.. لندن تطلب إجراء تحقيق شامل حول خاشقجي - الكاتب والباحث السيا


.. حلمى النمنم: مصر علمت الدنيا معنى التدين والكتاب المقدس يشهد


.. ألمانيا: تراجع تاريخي للحزب الاجتماعي المسيحي في انتخابات با




.. الإفتاء المصرية ترد على كلمة الظواهري


.. سوريا: تنظيم -الدولة الإسلامية- يخطف العشرات من مخيم للنازحي