الحوار المتمدن - موبايل



-فهد- والتشاركية العراقية التاريخية (2/3)

عبدالامير الركابي

2018 / 4 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


حكمت تاريخ العراق والمنطقة الابراهيمة الناطقة بالعربية، غلبة نمطين من الافكار، شاعا خلال الفترة المعتبرة "حداثية"، اججها حضور الغرب ونهضته الحديثة، والانتباه لها، ولان المنطقة والعراق، لم يكونا في وضع مناسب لتجديد التعبير التصوري التاريخي، المميز لهذا المجال الحضاري الكوني، وكان وقتها مايزال في حالة انحدار، وتراجع تاريخي، بين الدورات الحضارية الناظمة لتاريخه، فلقد كان من المتوقع بناء عليه، وبسبب الاشتراطات المستجدة، المتولدة عن ظاهرة الغرب، وحضوره التصوري، ناهيك عن المباشر الاقتصادي والسياسي والعسكري، نشوء اشكال من التعبير، عن الذات، تماشي اللحظة المخصوصة، محاكية بعض اشتراطاتها، سواء بتوهم امكانية اللحاق بالغرب، او بمحاولة استعادة منظور الابراهيمة الختامية.
وفيما عدا هذين الشكلين من التعبير، لن يعثر من يريد تمحيص تاريخ الافكار والتجليات الحديثة، على اي ملمح، يمت بصلة لا بالتنويه، ولا بالتصريح الواجب، لأية اليات تتصل باحتمالات تتعلق بالراهن، ويمكن اعتبارها دالة عليه، و"فهد" هو واحد من المعبرين بالإستعارة، عن اللحظة التي وجد فيها، ولم يكن له، او لغيره، على المنقلب الاخر،من متبني الاسلام الاستلهامي، ان يجرب التفكير باحتمالية من نوعه (هل الغرب نهائي؟.. وهل المنطقة الابراهيمة يمكن ان تكون، من النوع العرضي حضاريا وتاريخيا؟، وانها قابلة لان تكون لاحقة وتابعة حضورا ومستقبلا ؟)، فالسؤال اعلاه محرم من جهتين: من جهة الاسلام الاستلهامي، الذي يلجأ للختامية بصفتها جوهر وجوده وحياته، ( المقصود التفسير القيامي للختامية)، او الغرب البرجوازي الحالي، المحكوم لاليات المراحل التاريخية، تتابعا، من الشوعية المشاعية، الى الشيوعية العليا، مابعد البرجوازية.
ليس للعالم العربي، حضور مجسد راهن وزمني، خاص، ممتد باتجاه المستقبل موضوعيا، الامر الذي كان له ان عزز من يومها، المحمدية الختامية القيامية، والحداثة المرهونه للحتمية التاريخية، وفق الايقاع والمخطط الطبقي الاوربي الغربي، واذا كان من اللزوم اليوم، وعلى سبيل البحث عن سبل الانتقال، من الطور "الحداثي /القيامي" بعدما استنفد مبرراته، وافضى لنهاياته المتجلية كارثيا اليوم، فلقد آن اوان اعادة قراءة اشتراطات تشكله، والظروف القاهرة احيانا، والطاغية، التي لايمكن اختراقها في الغالب، والتي كانت تحكمت بعمل وتفكير من نتحدث عنهم، او نتعرض اليوم، وفي المستقبل، لمامثلوه على صعيدي الافكار والممارسات، ومن بين هؤلاء، وفي العراق بالذات، يحتل الشيوعيون، وغيرهم من الحداثيين، القوميين، والليبراليين الشعبويين، مكانا مهما، طبع بقوة استثنائية، الحياة الثقافية والسياسية، مايجعل من ازمتهم المستفحلة، وتراجع مكانتهم ودورهم، هو الاخر مميزا، وينطوي على اثار غير عادية، تجعل على العكس مما يظنون، او يتصور متدني الوعي من بين صفوفهم، او بعض مناصريهم من البسطاء،من معالجة حالتهم المستعصية الراهنة، ضرورة تاريخية، ووطنية داهمة ،وبمنتهى الاهمية، لدرجه تحولها الى اولوية تاريخية.
ولن يتحقق مثل هذا الانجاز، اذا لم تتوفر الاسباب الموجبة لظهورمبررات ومحركات الذاتية التاريخية، التي لوحدها يمكن ان تفصل نهائيا، بشان الظواهر العابرة الحالية، والتي قد تمثل ومثلت، لحظة من التاريخ، المواكب لاشتراطات اواخر الطور الانحداري الحضاري، ومالازمة في نهاياته من بروز الظاهرة الغربية. وبالعودة الى "فهد"، والشيوعية العراقية، وعلاقتها بالتراث البنيوي المشاعي العراقي، لم يسبق ان لوحظت على سبيل المثال، اية محاولة تعرف على الحقيقة البنيوية التاريخية، الكامنه خلف تقبل الواقع العراقي الاستثنائي، لافكار، يفترض انها غير متناسبة مع حال مزرية من التخلف، وفي مناطق من العراق، يفترض انها الاكثر تاخرا بحسب المنظور الشكلي الظاهر.
ولم تاخذ هذه المسالة محلا من انتباه، او اهتمام اي من "المؤرخين"، او الباحثين في "تاريخ الشيوعية العراقية"، بما ان هؤلاء جميعا يقرأون تاريخ الحزب الشيوعي، بادوات الحزب الشيوعي الايديلوجية، ينطبق ذلك على اهمهم بما لايقارن، من حيث الجهد المبذول، في مجال التحري المدقق الاحصائي، للحالات الشخصية والعامة، "حنا بطاطو". فالمنهج المتبع على هذا الصعيد، مسطح، ينطلق من ثوابت نهائية، ليعتبرها حقائق، لايرقى لها الشك. فلن نجد مثلا اي بحث، يحاول الربط بين الحقبة التي ظهرت فيها الاحزاب الحديثة بعد العشرينات، وتلك التي سبقتها، وكانت في خلفية ثورة 1920 ،اهم الاحداث في تاريخ العراق الحديث، هذا ناهيك عن محاولة اجراء أية مقارنه، بين الحقبة السابقة على الحديثة، والحقبة الدينية التجديدية النجفية، ناهيك عن سابقتها القبلية الذيقارية / السومرية تاريخيا/، والتي تعود الى القرن السابع عشر، فالحداثة بحسب الحداثيين، في العراق، مقطوعة الجذور، مكتفية بذاتها، لاتعرف من تاريخ العراق وحداثته، الا مايعود الى مابعد حضور الاحتلال البريطاني، وقيام "الدولة الحديثة" على يده.
لا حداثة عراقية ذاتيه، ولا اية ملامح دالة على طبيعة البلاد، ونوع بنيتها، بالاخص وانها تنطوي على اخطر ظاهرة تاريخية في المنطقة، تلك هي واقع "التاجيلية السلطوية"، التي انتظمت تاريخ العراق خلال الحقبتين، القبلية، والدينية التجديدية، وحين تقرا تناولات هذا التيار لماقبل عام1920 ،لانجد غير نعوت التخلف والبداوة، والبعد عن الدولة بصفته نقيصة، كملامح رئيسية، توصف بها حالة التشكل الوطني الحديث، المستمرة على مدى اكثر من قرنين ونصف القرن قبل القرن العشرين، هذا ناهيك عن تواريخ الدورات الحضارية الاسبق، وخاصياتها المطوية، التي كان ينتظر من "الحداثة" ان تعالجها، وتميط اللثام عن مكنوناتها المغيبة، وبالاخص منها التجميد العراقي التاريخي العبقري للاسلام، باعلان مفهوم "الغيبة" التي توقف العمل ب "الولاية العامة"، لتحصر الدين الاسلامي بالعقيدة، دون السلطة او الدولة، تاركة الامر لعصر اخر: "ظهور المهدي"، وهذه اهم ظاهرة في التاريخ الاسلامي، اشارت بقوة الى التفارق بين المشروع والعقيدة، ومنحت "الابراهيمة الثانية"، التي عرفها العراق، بعد عملية الفتح، بمختلف تعبيراتها: الاسماعيلية، والخوارجية، والتشيعية، والقرمطية، الى المعتزلية، واخوان الصفا، والتصوفوية التاليهية، الايجابية الحلاجية، وصولا الى كل الاسلام المعروف والمتداول اليوم، سواء كمذاهب اساسية، او تيارات فرعية، وهو مالايتصل بالاسلام الاول الجزيري، الذي لم يظل حاضرا منه مما يعود الى ماقبل التدوين العراقي، سوى القران كنص.
ان ميزة ماقد عرف عراقيا، مع التشكل العراقي الوطني الحديث، او مع الدورة الحضارية الراهنة الثالثة، بعد الدورتين السومرية البابلية، والعباسية القرمطية (الابراهيمية الثانية)، تتمثل اولا، بقوة حضور "اللادولة" كنظام حياة راسخ، ولو ان " فهد" ومن قد جاء بعده من لائكي المحفوظات، انتبهوا لقوة حضور المشاعية التاريخية، لكانت علاقتهم بالواقع، وطريقتهم في التعامل مع مختلف وجوه واحتمالات وممكنات وجودهم في غمرته، مختلفة، واقرب للابداعية منها الى المستعارة الاسقاطية. ولايخلو التاريخ العراقي الحديث، ماقبل الحداثي، من الدروس البارزة والهامة للغاية، ومنها وبالدرجة الاولى، حضور اليات "مجتمع اللادولة " الاسفل، وقوة فعاليته، كما تتجلى بالاخص، في منع تجليات الدولة التغلبية من الظهور جنوب العراق، لابل وفي لعبها دورا متعدد الاشكال والبراعة، بالضد من مفهوم التغلب، الذي كانت القيادة القبلية الاولى، راغبة في تحقيقة ايام المماليك، حينما حاول "ال شبيب"، قادة "اتحاد قبائل المنتفك"، اهم الاتحادات القبلية، ومركز قيادتها في حينه، ولاكثر من مرة، ومنها وابرزها، تلك التي جرت بعد احتلالهم البصرة خلال الثورة الثلاثية ـ شملت العراق من بغداد الى الفاو، عام 1787 وقادها ثلاثة من ابرز شيوخ قبائل العراق هم ثويني العبدالله شيخ المنتفك الذي تم ترشيحه وقتها واليا على العراق/ وسليمان الشاوي، احد امراء قبيلة العبيد/ وحمد ال حمود شيخ الخزاعل في الفرات الاوسط ـ اقامة نوع من الحكم في الجنوب، هذا مع ان القبائل المشاعية الجنوبية كانت استقدمت ال شبيب قبلها، من خارج المنطقة، لحاجتها لقيادة من خارجها تنصبها قائدة لها، لتعذر ظهور السلطة المنفصلة، من بين صفوفها بنيويا، انما بصفتها قيادة مشروطة الوجود والممارسة، ملزمة بقوانين اللادولة.
والشيء نفسه تكرر لاحقا، مع القيادة الدينية التجديدية الصاعدة منذ القرن الثامن عشر، حين بدات تحل وقتها بموقع "القيادة الوطنية"، محل القيادة القبلية، على قاعدة التاجيل التاريخي للاسلام، واعتماد مبدا استمرار "الولاية الصغرى" دون الكبرى، بما يعني تحريم "الدولة" في زمن "الغيبة"، وهو ماخرقه "الخميني" كمبدأ اساسي مؤخرا، لاغراض ومحركات، نابعة من خصوصيات ايرانية، تكرس الامبراطورية، وهو ماسبق وحدث مع الصفويين، الذين قامت النجف على معارضتهم منذ القرن السادس عشر، وبالاخص مع انتقال المحقق الكركي اللبناني، للعمل تحت سلطة الشاه الايراني الصفوي، ووقوف الشيخ القطيفي النجفي، بوجهه، واصداره كتابا، حول ماقد اقدم عليه، يحرم على رجال الدين العمل تحت سلطة الحاكم، وان كان شيعيا. الامر الذي استمر كتقليد، وقاعدة اساسية، ناظمة لعمل "دولة اللادولة"المدينية الدينية الحديثة النجفية"، التي لم تذهب الى، لابل رفضت مرة اخرى عمليا، مبدا اقامة الحكم بعد ثورة 1920 مع قيام الدولة الحديثة عام 1921 بماهي اداة ضمان الممكن، او المتاح من النفوذ البريطاني الذي كان شارف على الزوال، ابان الثورة.
ـ يتبع ـ







اخر الافلام

.. استقالة ليبرمان تزيد احتمال الذهاب نحو انتخابات مبكرة في إسر


.. ليبرمان..حاول الإطاحة بنتانياهو فطاح من الدفاع..


.. بريكست.. لحظات الانسحاب الحاسمة




.. لقاء الدكتور علي مهدي على قناة الطليعة ضمن برنامج ساعة حوار


.. شركات إيرانية تهرب بملايين الدولارات من البصرة | ستديو الآن