الحوار المتمدن - موبايل



حكايات البحر واللجوء ... سوريا بدها حريه

مسعود محمد

2018 / 4 / 5
الثورات والانتفاضات الجماهيرية



حكاية جديدة من حكايات البحر واللجوء، بطلة الحكاية هذه المرة فتاة سورية في ريع الشباب، لم يستطع الجلاد كسر إرادتها، هي من لحم ودم، والكثير من الأحاسيس الجميلة، هي حرة، هي تريد سوريا جميلة كأحلامها.
"حرية" كلمة فيها الكثير من السحر هكذا قالت لي "ندى" وهو إسم وهمي إخترته لبطل قصتي وكنت أقول لها أنت "قطر الندى"، أنت ندى الياسمين الدمشقي.
قالت أيضا إن تلك الكلمة قد جذبتها وأنها أحبت فكرة أن يكون الإنسان حراً كالطير، ألم تلدنا أمهاتنا أحرارا.
"كنت بدي كون حرة أرقص، غني، أكتب، عبر بدون ما حس أنو في حدن مراقبني". أكثر وقت أشعر فيه بالرغبة بالطيران عندما أسمع أغنية فيروز " يا طير"
يا طير يا طاير على أطراف الدني
لو فيك تحكي للحبايب شو بني يا طير ...
وحياة ريشاتك وإيامي سوى
وحياة زهر الشوك وحبوب الهوا
ان كنت لعندن رايح وجن الهوى
خدني ولنو شي دقيقة وردني
أكملت ندى قصتها وقالت " كنت أحس أن عدم تطبيق القوانين المرعية الإجراء، يحول الدولة من مؤسسات الى مزرعة، وذلك ينطبق على كل المستويات، من رئاسة الجمهورية التي كتبت بإسم آل الأسد للأبد الى أصغر مختار حي يعين بموافقة صاحب العزبة آل الأسد وأعوانهم".
"سوريا مو سوريا الأسد أستاذ، سوريا لأهلها، سوريا فارس الخوري، شكري القوتلي، بتعرف قصة فارس الخوري مع الإحتلال الفرنسي ... فارس الخوري رئيس وزراء سوريا 14 أكتوبر 1944 – 1 أكتوبر 1945 يوم أبلغه الجنرال غورو أن فرنسا جاءت إلى سورية لحماية مسيحيي الشرق، فما كان من فارس الخوري إلا أن قصد الجامع الأموي في يوم جمعة وصعد إلى منبره، وقال: إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هنا أشهد أن لا إله إلا الله ...
فأقبل عليه مصلو الجامع الأموي وحملوه على الأكتاف وخرجوا به إلى أحياء دمشق القديمة في مشهد وطني تذكرته دمشق طويلا وخرج أهالي دمشق المسيحيين يومها في مظاهرات حاشدة ملأت دمشق وهم يهتفون لا إله إلا الله ..." من خرج للشارع يومها حسب ندى "لم يكونوا مسلمين ولا مسيحيين ولكن كل أبناء الوطن يعني متل ما بيقولوا بالعامية كانوا صورة للوحده الوطنية، صورة سوريا يلي منتمنى نشوفها هلق، مو سوريا المزرعة، سوريا الأسد"
تقول ندى " في البداية خرجت الى الأحياء، وشاركت في المظاهرات التي كان ينزل إليها الناس بعفوية، ويهتفون بإسقاط النظام، هكذا كان المشهد في الدول التي سبقتنا، وكنا نريد إعادة المشهد، كفيلم داخل مشغل فيديو حيث تكبس زر الإرجاع، فتعيد مشاهدة المشهد". وتكمل روايتها وتقول " كان الأمر بالنسبة لنا يشبه في الكثير من أشكاله لعبنا كأطفال في الشارع، كانت لعبة غميضة نلعبها مع العسكر في أحيائنا، لم نكن نعي خطورة ما نفعل، ولم ندرك أن العسكر ليسوا أبناء حينا الطيبين، كان الحماس يتملكنا ونصرخ بأعلى حناجرنا " إرحل إرحل يا بشار". تدخل ندى بلحظات من الصمت وتقول "أصلاً كل القصة بدأت بخربشة على حيطان درعا حيث قام بعض الأطفال بالكتابة على الحيطان أسوة باليمنيين، والتونسيين، والمصريين، أخوتنا الذين سبقونا بربيعهم العربي ( الشعب يريد إسقاط النظام)". كانوا فتية لم يتجاوز الكبير منهم الخامسة عشرة، إعتقلهم النظام وعذبهم، وإغتصبهم، ومنع أخبارهم عن أهلهم، كانوا يضربونهم ويصرخون في وجههم " بدكم حرية" ويركلونهم بالجزمات العسكرية ويجبرونهم على تقبيلها ويقولون لهم " هذه هي الحرية" كانت الحرية بالنسبة لهم أن تقبل بوجود بشار الأسد على رأس الحكم الى الأبد أسوة بأبيه، أليست سوريا مزرعة لآل الأسد. تستكمل ندى رواية حكايتها وهي تارة تبكي وتارة تضحك وما بين الضحك والبكاء تدخل بلحظات صمت عميق وتقول فجأة كمن أتاه وحي " صدقني كنت مؤمنة إنه سيرحل ألم يرحل مبارك وبن علي، ألم يسقط القذافي". وقالت "الحرية مثل السوسة بس تضرب منطقة بتمتد لكل المناطق المحيطة بها"، كنت أقول لرفاقي " هو ليس أقوى من تشاوشيسكو، بالحد الأدنى سيهرب، وبالحد الأقصى سنحاكمه محاكمة عادلة، كنا نحلم ألم أقل لك إننا كنا أطفال مبتدئين نحلم بالطيران، إلا إننا لم نكن نملك شيئاً سوى حنجرتنا وجناحي بن فرناس".
من الظل الى العلن:
لم تكن الوسائط الإجتماعية مشهورة في سوريا، ولم تكن جزىء من الإهتمام العام، وفجأة بعد إنتصار ثورات الربيع العربي لاحظ الناس أهميتها، كنا متعودين أن نعيش في الظل والعتمة، في دولة الأسد ممنوع أن يكون لك شخصية، أنت ببساطة تعيش ضمن قطيع المزرعة المملوكة من قبل آل الأسد، إكتشفنا الفيس بوك وتويتر وأردنا أن نكون " توكل كرمان" أخرى ونعيد الكرة كما اليمن. قمت بإنشاء حساب وهمي، وكتبت في أول منشور لي جملة واحدة " سوريا بدها حرية"، ألحقتها بمنشور آخر من كلمة واحدة " إرحل" لتكتمل الصورة على صفحتي لا حرية لسوريا بدون رحيل الطاغية الأسد.

هواة وليس محترفين:
كنا هواة في عالم الحرية، لم يكن بيننا سياسيين محترفين، أصلا آل الأسد قطعوا عنا حتى الهواء، ومنعوا نشوء أي حزب غير موالي لهم، وقمعوا النقابات، وألغوا الرأي الآخر، وعلبوه بنقابات وأحزاب سياسية تتبع السلطة من خلال ما سمي بالجبهة الوطنية فتحولت الى أحزاب مفرغة من العمل السياسي وتابعة لمنظومة الحزب الواحد وعقائديته المريضة. كان ممنوع عليك التفكير، فالرأي والتفكير في سوريا تهمة ترسلك الى بيت خالتك، أي سجن لا قرار له الداخل اليه مفقود والخارج منه مولود. كنا نحلم ببلد مثل البلدان التي نراها في الأفلام، حيث تقرأ عليك حقوقك عند القبض عليك، ويسمح لك بإتصال هاتفي والإلتزام بالصمت الى أن يحضر محاميك ويتابع معك التحقيق. كانت تلك الأحلام تستحق المخاطرة والخروج الى الشارع وترديد الشعارات التي كنا نتنافس على تأليفها.
• هي الله هي الله منصورين بعون الله.
• يا الله ما إلنا غيرك يا ألله.
• يا بشار ويا جبان خود رجالك عالجولان.
• يا للعار ويا للعار عالشب القاعد بالدار.
• الموت ولا المذلة.
• يا بشار دور وأمشي ما لك مأوى وما لك شي.
• يا درعا إحنا معاك للموت.
• يا مُخبر إسماع إسماع أنت الكلب ونحن سباع.
• يا بثينه ويا شعبان الشعب السوري ما بينهان.
• يا شهيد نام وإرتاح والله لنكفي الكفاح.
• يا حرية وينك وينك حطوا الجيش بيني وبينك.

كنا نظن أن تلك الشعارات ستعطي زخما للشارع، وستنتج طروحات جدية تنطلق من قراءة واقعية لطبيعة المجتمع السوري المتنوع، إلا أن تلك الشعارات لم تستطع أن تتحول الى برنامج واقعي ينقذ سوريا وبقيت شعارات عمومية وتبين لنا لاحقاً أن الجميع قد تخلى عن سوريا وثورتها وشعبها حتى " ألله" الذي تضرعنا اليه وناشدناه أن يمدنا بملائكة تنصرنا بدى كمن أصابه الصمم وتخلى عنا رغم أنه كان يعلم أنه لم يعد للسوريين غيره.

ما بين السلمية والعسكرة:

كان النظام يقوم بإستهداف الهتيفة وناشطي المظاهرات ويعتقلهم، كنا مخروقين دون أن نعلم كان البعض ممن هم أشدنا شراسة في الشارع هم العملاء، ويسربون كل شيء للنظام. كانت المظاهرات تخرج بشكل شبه يومي تواجه بقمع القوات الأمنية التي تتبعها بعمليات دهم واعتقال، وفي نهاية اليوم يتم إحصاء عدد القتلى. لكن هذه الصورة أي سلمية الثورة لم تكن واضحة، فكانت هناك اتهامات حكومية "لمجموعات مسلحة" بإستهداف عناصر حفظ الأمن والنظام وتهاجم المقرات الحكومية، مدللة على وجود هذه الجماعات بقتل مئات العسكريين، وترفقه بسؤال من قتل هؤلاء؟ لترد المعارضة بأن هؤلاء العسكريين منشقون عن الجيش، رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين "السلميين" فأعدمهم الأمن والشبيحة.
بدأ الشك يتسرب الينا، وكنا غير واثقين وعارفين بما يجب أن نقوم به، نقاتل أم نستمر بالثورة السلمية، فيستمر النظام بقتلنا، كنت ممن يؤمنون بسلمية الثورة وكنت أخاف من فكرة القتال كنا نريدها سلمية، وننتظر خروج " عمر سليمان" سوري يعلن رحيل الرئيس، فللعسكرة محاذيرها أقلها الإنزلاق نحو حرب أهلية تسرق من الثورة صفائها، كان النظام يدفع بإتجاه إدخال البلاد في صراع طائفي، بسبب الحملة الأمنية والعسكرية التي واجه بها المتظاهرين.
كما لجأ النظام إلى لعبة النظام الليبي من خلال العسكرة (عسكرة الانتفاضة الشعبية)، وذلك عبر تحويلها إلى معركة سلاح، ساعياً من خلال ذلك إلى تحقيق هدفين، الأول تبرير القمع العنيف الذي يمكن من خلاله بث الخوف في نفوس الناس ودفعهم نحو النأي بأنفسهم عن المشاركة في الحراك، والثاني تخويف الناس من فقدان الأمن وتحوّل الوضع إلى ما يشبه الحرب الأهلية، لا سيما أن بعض الجهات التي ألصق النظام الحراك المسلح بها (القاعدة، والنصرة، والسلفية الجهادية) ليست منضبطة السلوك، الأمر الذي يأخذ مثاله من الحالة العراقية، ولعل ذلك هو السبب خلف التركيز على الموضوع الطائفي، ربما من أجل تخويف العلويين (والأقليات الأخرى) ودفعهم نحو الالتحام بالنظام، مع أن القطاع الأكبر منهم مظلوم كما سائر السوريين، وهذا ما حصل لاحقاً خافت الناس، وتحول الصراع الى طائفي، ورفعت في سوريا رايات داعش، وزينب، وتصارع علي ومعاوية في وعلى الشارع السوري من جديد. سؤال إستاذ "وين كانوا كل هالجهاديين؟ مو كانوا بالسجن بسوريا؟ وين كان زهران علوش؟ وين كان الجولاني؟ وغيرهم وغيرهم ... ليش طلعهم النظام من السجن؟ فيك تقلي؟" سألتها هل عندك شك بولائهم للثورة؟ " أي ثورة مانك شايف أنو في ثورتين عمنحكي عنهم، وحده سوريه سلميه، والتانيه مو معروف كنها إسلامية، بعثيه، سلفية، سعودية، قطرية، إيرانية، كل جنسيات العالم مشاركين فيها ولك حتى روسيا وأمريكا".
سنعرف لاحقا أن النظام لم يكتف في سياق مساعيه لعسكرة الثورة بما ذكر آنفا، بل قام بالإفراج عن عدد من معتقلي السلفية الجهادية من سجونه، سجن صيدنايا تحديدا، منهم من أصبح قادة مثل الجولاني، وزهران علوش، وساهموا بقتل سلمية الثورة فعلوش هو المتهم الأول بخطف رزان زيتونه، وسميرة خليل، وغيرهم من رموز السلمية، أما الجولاني فلم يترك لا جيش حر، ولا مدني معارض له، ولا ناشط من خارج فريقه إلا وإعتقله، الأمر الذي سهّل على النظام لاحقا، ليس فقط الرد بعنف واسع النطاق، وتجميع الأقليات من حوله، وإنما بحشر الثورة المسلحة )في إطار الإرهاب العالمي) الذي يخشاه العالم وتحالف ضده، ووصف بشار بسببه بالمعتدل. وليس غريبا اليوم أن بشار قد أصبح يقدم نفسه بوصفه الدرع الذي سيصد الإرهاب عن عواصم العالم، وأن هناك من يشتري هذه البضاعة أيضا، إما لأنه صدقها بالفعل، وإما لأن تصديقها يناسبه.

زوار الفجر:

تطور عملي عبر صفحات التواصل الإجتماعي، وصرت أنقل الأخبار مباشرة، وأحمل أفلام المظاهرات التي يمررها لي أصدقائي، لم يكن أهلي يعلمون أي شيء عن نشاطي، كنت بالنسبة لهم طالبة وكنت أحرص على أن أعمل على جهازي المحمول في عتمة غرفتي بعد نومهم. مع الأيام تحولت الى ما يشبه ناطق رسمي بإسم ثوار منطقتي دون أن أعلم وأشعر بذلك.
أثناء أحد المظاهرات همس لي أحد الأصدقاء وقال لي إنه تم إعتقال شادي " إسم وهمي"، وهو كان أحد الناشطين معنا ولا يزال في المعتقل الى اليوم ولا نعلم إن كان حياً او ميتاً، ونصحني ذلك الصديق بأن أنظف بيتي من أي إثباتات قد تشكل إدانة لي، وأن أتدبر أمر هربي إذا أمكن قال لي " إنت بنت ما فيكي تتحملي حيونتهم"، لأول مرة أنتبه أن الموضوع لم يعد لعبة غميضة وأن المخبأ قد إنكشف وإنني قريبة جداً من الخطر. صعقتني فكرة الهرب. الى أين؟
أنا لم أعرف طيلة حياتي سوى سوريا كمكان وكبلد، عشت طفولتي وها أنا أعيش شبابي بين أزقتها وفي أحيائها. إستلمت أول قصائد الحب المكتوبة لي في جامعتي، كتبها لي ذاك الشاب الخجول القادم من الريف دون أن يتجرأ ويسلمها لي بيده، عرفت عنها من صديقه الشامي الذي كان يسخر أحيانا من عذريته، وسربها لي خباثة ظنا منه إنني لن أتأثر بها، فكان تأثيرها كقطرة ماء تسقط على زهرة فتتفتح أوراقها فرحا. إختبرت أولى نظرات الحب العذري في حينا، كان إبن جيراننا يكتفي بنظرة بريئة وإبتسامة، وكانت أمه تقول لأمي "ما شاء الله بنتك صارت عروس".
"كنت أضحك وإسمع عبد الحليم وعلي صوت الراديو وهو عمبقول ...
فبرغم جميع حرائقه .. وبرغم جميع سوابقه
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار
وبرغم الريح وبرغم الجو الماطر والإعصار
الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار."
كان بيتنا مملكتي أعتدت العودة الى البيت وممارسة فوضويتي فتختلط صوت الموسيقى بصوت أمي وهي تصرخ بأعلى صوتها لأسمعها " وطي صوت المسجله يا ندى". كانت غرفتي هي عالمي تتبعثر فيها كتبي ما بين السرير والطاولة وشبه الرف وأرضية الغرفة جنب السرير. على مخدتي كان يرقد معي كتاب محمود درويش " لماذا تركت الحصان وحيداً".
وعلى الجانب الآخر قصائد حب لنزار قباني، وأحب قصائده تلك لقلبي هي "سأقول لك أحبك" التي يقول فيها نزار ...
سأقول لك ِ أحبك
حين تنتهي كل لغات العشق القديمة
فلا يبقى للعشاق شي يقولونه .. او يفعلونه
عندئذ ستبدا مهمتي في تغير حجارة هذا العالم ..
وفي تغير هندسته.. شجرة بعد شجرة..
وقصيدة بعد قصيدة .. وكوكبا بعد كوكب ..
سأقول لكِ أحبك

ستجد على شبه الرف المعلق على الحائط " أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، و "المرصد" لحنا مينا عنوان هزيمتنا و " مستعمرة العقاب" لكافكا حيث ذلك "الضابط" الذي يدير آلة الإعدام إضافة الى " الجندي" المسؤول عن حراسة المحكوم، لتقول بعد ذلك مع إبتسامة فيها الكثير من السخرية على القدر " ما كنت عارفه إنو بيوم من الأيام رح كون كافكا سوريا ورح خبر روايتي عن ضابط الإعدام السوري والجندي الذي حرسني".
عدت الى البيت مشوشة ذلك اليوم هل سيعترف صديقنا ويسلمهم أسامينا؟
في تلك اللحظة عرفت كم هي غالية أسامائنا التي تعب أهالينا في إنتقائها لنا، تقول خالتي التي تولت تربية أمي التي هي أختها بعد وفاة والدتيهما إنني يوم ولدت قال أبي لأمي .. " هالبنت حلوه متلك بدنا اسم حلو مثلها". قالت جملتها وأتبعتها بأغنية لفيروز دندنتها بصوت فيه الكثير من الإنكسار والألم ...
أسامينا شو تعبو أهالينا تلاقوها، وشو إفتكروا فينا ..
الأسامي كلام ..
شو خص الكلام ..
عينينا هني أسامينا ..
كم كنت في لحظتها أتمنى أن أعود الى بطن أمي وأختبىء هناك، أو أختفي في عينيها، أو أضيع في سحر كلمات فيروز في أغنية " يا شام عاد الصيف "، التي كان والدي يرددها بكثير من الحب ...

يا شام عاد الصيف مُتَّئِداً وعاد بِيَ الجناحُ
صرخَ الحنين إليك بيْ أقلعْ ونادتني الرياحُ
أصوات أصحابي وعيناها ووعدُ غدٍ يُتاح
كلّ الذين أُحبّهم نهبوا رُقاديَ واستراحوا
فأنا هنا جُرح الهوى وهناك في وطني جراح
وعليك عيني يا دمشق فمنك ينهمر الصباح
يا حبّ تمنعني وتسألني متى الزمن المباح
وأنا إليك الدرب والطير المشرّد والأقاح
في الشام أنت هوىً وفي بيروت أغنيةٌ وراحُ
أهلي وأهلك والحضارة وحّدتنا والسماحُ
وصمودنا وقوافل الأبطال مَنْ ضحّوا وراحوا
يا شام يا بوّابة التاريخ تحرسك الرماح

كنت أرتجف من الخوف، وأستذكر " شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف التي تحكي لنا عن رجب، الشاب الثلاثيني والمعارض السياسي العربي المثقف، الذي يغادر السجن بعد خمس سنوات اضطر في نهايتها للتوقيع على تعهد ينبذ فيه أنشطته السياسية تحت ضغط توسلات عائلته، ليتناوب على سرد الأحداث مع شقيقته أنيسة التي تقدم وجهة نظرها هي، من خلال وصف معاناة العائلة بعد اعتقال رجب، والتغيرات النفسية والجسدية التي لحقت به بعد خروجه من السجن، وأيضا معاناة حبيبته هدى التي صبرت في البداية على لوعة الفراق وألم الانتظار قبل أن تخضع في النهاية لسطوة المجتمع، وتتزوج متناسية حبيبها المسجون وحياتها السابقة. تحضر هنا أيضا معاناة الأم، تلك الشخصية التي برع الكاتب في وصف تفاعلاتها النفسية بدقة، كيف مزجت بين تشجيع الابن على الصمود والخوف الطبيعي عليه من الموت بسبب التعذيب داخل أقبية السجون، وكيف عافت الأكل وعصبت جبينها بالأسود منتظرة حصول فلذة كبدها على حريته.
تصور الرواية أيضا تعامل الأنظمة القمعية مع سجنائها، وملاحقتها لهم حتى بعد مغادرتهم للسجن، ومطالبتها لهم بكتابة تقارير عن أصحاب الأنشطة السياسية المشبوهة، مستخدمة أقذر الأساليب لإجبار المستهدفين على التعاون معها، حتى لو وصل الأمر إلى اعتقال أحد أفراد الأسرة ممن ليست له أية علاقة بالأمر، فبعد سفر رجب للعلاج في فرنسا، تقوم قوات الأمن باعتقال حامد زوج أخته أنيسة، مع إخطاره بأن خروج صهره متوقف على صمته وعودته إلى الوطن. دخلت ندى في لحظات من الصمت وقالت " كنت أفكر بأمي وأبي وردة فعلهم عندما سيعلمون بما كنت أقوم به، أنما بالنسبة لهم طفلتهم التي تدرس وتسمع الموسيقى، وتمارس فوضويتها في البيت، تقرأ لأنها تأثرت بوالدها المثقف إبن العائلة الدمشقية، وليس لأنها كانت تمارس السياسة، لم يعرفوا إنني تورطت دون أن أدري ورطة عندما أفكر بها اليوم لا أصدق أن ما كنا نعتقده لعبة قد أوصلنا وأوصل البلد الى ما نحن فيه، بالعودة الى عبد الرحمن منيف كثيراً ما أسأل نفسي هل عرف حينها وهو يكتب روايته إنه يكتب رواية للعالم العربي كله تؤرخ لمستقبله فلا أحد ينافس العرب في أدب السجون، لأن سجونهم أصلا لا مثيل لها في العالم كله."
قرع قوي على الباب:
لم نسمع صوت الديك بعد، إنها زيارة ما قبل صياح الديك، " مين سأل أبي بصوت مبحوح"، "إفتح ولاه أتا الصوت من خلف الباب"، فتح أبي الباب لتدفعه يدان للداخل ويدخل الى البيت أربعة مخبرين بسلاحهم وثيابهم المدنية ..
وقال أحدهم " وين بنتك ندى؟"
ليجيب أبي " خير يا إبني شو في؟"
ليجيبه المخبر "هونيك المعلم بخبركم".
كنت في غرفتي أرتجف وأسمع الحوار لأسمع أبي ينادي ندى وأمي تسأل " شو في؟" ليطلب أبي منهم أن يرافقني " مو مستاهله سؤال ورد جواب وبرتجع على البيت".
دخل ثلاثة منهم غرفتي فتشوها وفتشوا بقية غرف البيت، وبقي الرابع في الصالة، صادروا كتبي، والكومبيوتر، وكل ما وقع بأيديهم، خرجت من الغرفة كانت أمي مذهولة لا تعلم ماذا تفعل، وكان أبي ممسكا بمفتاح سيارته، هو مصر أن يلحق بي.
وضعوني في الكرسي الخلفي بين إثنين منهم، خفضوا رأسي، وطلبوا مني عدم رفعه، نظرت بطرف عيني للشارع، كانت الناس مختبئة وكأنها أشباح، لا صوت ولا حس، فقط الديك شعر بالقلق فأطلق صياح لم أسمع مثله من قبل.
في مركز الأمن:
منع أبي من دخول المركز، أدخلت الى غرفة تحتوي مكتب وكرسي، أوقفت على الحائط لأكثر من ثلاث ساعات، وكان في الغرفة مخبر يراقبني دون أن ينطق بكلمة، قيل لي إنني سأنتظر المعلم فهو يريد أن يكلمني شخصيا، بدت الساعات الثلاثة كسنة عندما فتح الباب ودخل منه شخص قصير القامة، مع نظارة شمس، فهب الجندي استعدادا وقدم له التحية، لم يكلمني جلس على مكتبه إنشغل بأوراق موضوعة على المكتب لأكثر من ساعة وكان يقطع ذلك الشغل رنة من هاتفه فيجيب ويقول بتقطع " ايه .. مفهوم .. والله إعترف ممتاز .. والله لعلمه الأدب .." كنت طيلة تلك الفترة أنظر الى الأرض سمعته فجأة يقول لي " شلونك يا ندى" هو يعرف إسمي إذا، خانتني الكلمات لم تخرج من فمي لأفاجىء بالحارس يصفعني ويقول " بس يسأل المعلم بتجاوبي" هب به المعلم وقال له " لا تمد إيدك عليها ندى مثقفه وبتعرف إنو لازم تجاوب، خبرينا إنت الحكاية لأنو نحن منعرف كل شي." سألته وكأنني لا أعلم شيئا " اي حكاية سيدي؟" ليصفعني من جديد الحارس ويقول " يعني ما بتعرفي" ليقول له الضابط من جديد " ولك يا إبني ما قلتلك لا تضربها، رفقاتك تبعين المظاهرات كلهم عنا يا ندى وإعترفوا بكل شي، أحسن تعترفي ويا دار ما دخلك شر، ما عندي وقت كتير، فاجئني الحارس بصفعة أخرى ويقول بتحكي ولا شو .. ولك يا إبني ما قلتلك وقف ضرب".
جيب الموجودات يا إبني قال المعلم عبر الهاتف الموجود على مكتبه .. كيس فيه كتبي وما تم مصادرته من غرفتي، كان من ضمنها دفتر كنت أخربش عليه بعض الكلمات وقع عينه على صفحة مكتوب عليها بعدة خطوط كلمة واحدة (حرية)، ليقول الضابط وهو يغمز للجندي " ليك ملا حكي قال حريه قال .. شو قصة هالناس ليش مانهم أحرار ليكني أنا وأنت أحرار."
في تلك اللحظة وتحت صفعات السجان لا ادري لماذا كنت أبتسم! لا أدري إن كان خوفا أو تحديا لا أستطيع أن أجزم إلا أنني متأكدة أن إبتسامتي إستفزتهم، نظر الي ذلك الضابط وسألني فجأة " ليش عمتضحكي؟"
قالت لي ندى أن أكثر ما أثر فيها بعد هربها الذي أتحفظ عن ذكر طريقة حصوله، لأترك مجالا لآخرين قد يفكرون بالهرب بنفس الطريقة هو إحساسها بأنها فقدت إنوثتها، وأحلامها الطفولية وقدرتها على الضحك ببراءة وعفوية.
لم يكن عندها أي جواب فهي نفسها لا تعلم لماذا تضحك، كان الجواب صفعة أخرى من العسكري وقال لي " ما قلتلك لمن سيدي بيسألك بتجاوبي"، لم أنبذ بحرف واحد فتكررت الصفعات وجن جنونه وإستمر بضربي وهو يصرخ بأعلى صوته " بدك حريه، ما حزرتي وليه"، وبقي يضربني الى أن غبت عن وعيي، عندما إستيقظت كنت مرمية في غرفة صغيرة وكان كل جسمي يؤلمني من الضرب. أول ما خطر ببالي كان أمي أردت أن أختبىء بحضنها.
جولات من تحقيق لكسر الإرادة:

سألت ندى بماذا كنت تفكرين في لحظتها؟ هل فكرت بالصمود؟
" شو هالحكي الكبير يا أستاذ ليش أنا كنت عارفه شو لازم ينعمل؟ وشو يعني صمود قدام سكين عميقطع لحمك وأنت حي، هي الحكايات بتقراها بالكتب، هونيك بالسجن الموضوع مختلف، أصلا الوجع ما بخليك تفكر." وتكمل ندى وتقول "تركوني هونيك بالغرفه لوحدي بلا كلام وبلا سلام وبلا طعام ولا ماء، كان رفيقي الوحيدين الألم والقلق (كنت موجوعه وخايفه وجوعانه، إيه جوعانه)، لا أعلم كم مر من الوقت قبل أن يدخل أحدهم غرفتي ويقول لي (قومي ولاه)، عصب عيني وجرني مثل كلبة عمياء لا تدرك طريقا إرتطمت بالحيطان، تعثرت بالأدراج وسمعت أصوات صراخ وألم كان المكان أشبه بمسلخ. "غريب إنني لم أصدر صوتا كصوت الخراف القلقة من الذبح" فجئة قالت ندى بدون مقدمات "مااااع، ماااع، ماااع، ما في فرق بيننا وبين الخراف، العمى ما فكرت فيها بوقتها هلق خطرتلي الفكرة". تقول ندى إنها وصلت الى غرفة، أوقفت فيها على الحائط دون أن تعلم ما في الغرفة أو من موجود فيها، كان حليفها الوحيد في تلك اللحظة حاسة السمع فمن خلالها فقط تستطيع أن تحاول التكهن بما يحصل.
"فجئة سمعت صوتا عرفته إنه صوت الضابط أو "المعلم" كما يسمونه قال لأحدهم "فك عن عينها يا إبني، ما قلتلكم هي بنت ناس مثقفه ما تضايقوها، وسألني شلونك يا ندى؟ ها فكرتي؟ شو قررتي؟ بدك تحكي وتريحينا وترتاحي، أصلا نحن منعرف كل شي." سألتني ندى ببراءة "إذا بيعرف كل شيء ليش بدو ياني إحكي؟" قلت لها ممازحا "عميختبر معلوماتك يعني شي متل الإمتحان" تشنج وجهها فجئة وقالت كان على الحيط معلق كتير أشياء أسلاك وقصص ما فهمت شو هي، ما كنت عارفه إنها رح تاكل من لحمي بعد شوي." لم أكن اعلم ماذا أقول، هل فعلا أعترف! على مين على رفقاتي، معقول جيبهم لهون بلساني؟ إستفقت من أفكاري بصفعة أعادتني الى الواقع وقال لي العسكري " لمن المعلم بيسأل بتجاوبي" شو بدي جاوب ما عندي شي خلص الحكي. قام "المعلم" وخرج من الغرفة وفجأة انهالت علي الصفعات والركلات وضربت بكرباج كان مع كل ضربة يمزق قطعة من لحمي، فقد العسكري أعصابه وضربني بلا رحمة وبلا وعي، لا أعلم كم قضيت تحت الضرب فأنا لم أعد أشعر بجسمي، وكأن روحي قد إنفصلت عن جسمي، فجأة دخل المعلم وصرخ (شو عمتعمل ولاه ما قلتلك لا تضربها، شو يا ندى ما بدك تعترفي وتخلصي حالك، هدول ما بيرحموا حتى أمهم) وكأنه من عالم وهم من عالم آخر". كنت عطشة وجائعة ومتعبة والألم يأكلني عندما سألني "المعلم" فجأة (جبولك شي عشان تاكلي؟) لاء طلعت مني بلا تفكير "لا أكلت ولا شربت" قال للعسكري "جيبولها مي" أحضر العسكري إبريقا من البلاستيك فيه بعض الماء وعندما قربه مني أسقطه عمدا وقال لي ، لم أعلم بعدها كم من الركلات والضربات أكلت لم يبقى بجسمي زاوية لم يطالها الضرب جل ما كنت أتمناه أن تنفصل روحي عن جسدي، وكنت أصرخ يا ألله وكان العسكري يزيد من ضربي ويقول ، فجأة قال المعلم (ما عاد عندي صبر، رح أعطيكي آخر فرصة، بس هي المرة إذا ما بتجاوبي أنا ما دخلني رح خلي الشباب يشوفوا شغلهم معك، وهادول ما بعوفوا أمهم)، كان تهديد بالإغتصاب، هل أعترف وأرتاح بشو بدي أعترف ليش شو سويت كل يلي قلناه "بدنا حرية"، كان بدنا سوريا حلوة متل أحلامنا هيك قلهم وهيك إنهي الحكاية وقلهم إني ما إعترفت وقول لكل الناس "إنو الشرف الحقيقي هو الوطن ومو بين رجلين البنت، وأنا حافظت على شرفي وعلى وطني، ما قدروا يشتروني، أنا إشتريتهم ورجعت على الحرية، أنا خارج سوريا بس سوريا جواة قلبي، وبشار رح يرحل رح يرحل، وحريتنا كسوريين رح ناخدها مهما طال الزمن."

إيه في أمل:

قالت ندى أشياء كثيرة لم أسردها في هذه الحكاية، إنها حكاية الألم السوري، حكاية الحرية، حكاية آلاف المعتقلين المجهولي المصير، حكاية الغرب الذي صدق كذبة بشار الأسد حول "مواجهته الإرهاب"، ذلك الإرهاب الذي أطلق بشار أبطاله من سجونه وسلطهم على ثورة سلمية لم تكن ببداياتها حتى ثورة كانت "لعبة غميضة" كما قالت ندى، أو لعبة أطفال قام بها الأطفال الدرعاويين بلا تفكير وبلا تخطيط.
كتب عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الإستبداد، ومصارع الإستعباد - الحرية هي شجرة الخلد وسقياها قطرات الدم المسفوح"، حين تنزل الحرية للميدان ويعلو الصوت مطالبا بها، تختفي الملائكة ويبرز الشيطان في التفاصيل، والشياطين التي التمت على الشعب السوري كثيرة، ويبدو إنها قد غلبت الله بخبثها مرة أخرى ورفضت السجود للملاك السوري، وأقنعته بتأجيل الحساب الى يوم آخر يفر فيه المرأ من أمه وأبيه. هل هي قيامة الشعب السوري؟ أم قيامة على الشعب السوري؟
مازلنا متمسكين بالأمل، الكثير يسألون ما العمل؟
نيتشه يسأل: "ما هي علامة الحرية" ويجيب: "علامة الحرية هي ألا يخجل الإنسان من نفسه". وكنفيوشيوس يقول: "حين تفقد الكلمات معانيها يفقد البشر حريتهم". أمَّا بريكلاس فيقول: "ليس لنا غير حرية واحدة هي حرية النضال من أجل الحرية".
ليس لنا إلا الإستمرار بالمقاومة، حتى تنال سوريا حريتها، فهي شرفنا كما قالت ندى.
أعذريني يا ندى إن لم استطع أن أعبر عنك كما كنت تريدين فأنت لست حكاية عادية أنت ألم الشعب السوري أنت حارس القلعة انت الطير الذي غنت له فيروز، أنت حرة لا تخجل من نفسها.














اخر الافلام

.. في ذكري 23 يوليو.. مصريون وعرب يضعون الورود على ضريح «عبد ال


.. القضاء الفرنسي يوقف معاون ماكرون ألكسندر بينالا بعد استخدامه


.. العراق: ما هي مطالب المتظاهرين في البصرة؟




.. تهدئة هشة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل بعد تصعيد عسكري في


.. غزة: اتفاق للتهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل بعد ساعات