الحوار المتمدن - موبايل



الأعتزال بين فكرة التكليف ومبدأ التبليغ

عباس علي العلي

2018 / 4 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الأعتزال بين فكرة التكليف ومبدأ التبليغ


المدرسة المعتزلية في بعدها الواقعي هي أمتداد حقيقي لمبدأ (تكليف المكلف وليس تبليغ من تبلغ)، بمعنى أن التبليغ ليس بالضرورة إلزام بالتكليف ما لم يك هناك قدرة على تقبله ووسعة مادية في تحصيله، فلا نفع من تبليغ من لا عقل له ولا أثر لمن لا يصله التبليغ تقصيرا أو إعذار، فالعقل حين يستوعب البلاغ بالتي هي أحسن سيكون بالرد الطبيعي محلا لقبول التكليف من باب أختيار الأحسن بالأحسن.
هذه المقدمة البسيطة تخفي ورائها فكرة كبيرة وعميقة مفادها أن الدين ليس نصا وحكما ومبلغ فقط، بل هو مجموعة متشابكة من العلاقات والأطر التي تعمل ضمن منظومة هدفها متعلق بنقطتين أساسيتين هما المقدمة اللازمة والنتيجة الملزمة، أي أن الدين يبدأ بمقدمات حقيقية كأي فكرة معرفية أو موضوع يراد منه أن يتم، المقدمة الأساسية التي بنى عليها الدين ومنها تنطلق باقي العلاقات وتتشعب هي أن هناك جهة قابلة لأن تدرك المعنى وتفهمه وعلى أستعداد طبيعي أن تتعامل به، هنا يشير النص إلى الإنسان في كثير من الآيات وهذا يعني أن الإنسان مجردا هو المقدمة الضرورية التي لا بد منها ليبدأ الدين دورته في الوجود، ومن الطبيعي أن يكون هذا الإنسان مهيأ أن يفعل ما يطلب منه ليس لأنه سيكون أمام إلزام قهري بل لأنه هو المستهدف والأداة والنتيجة، وحتى يكون كذلك لا بد له أيضا أن يكون طبيعيا بمعنى أن يكون قابلا لهذا الدور سوا بحمل الدين أو أحتماله.
هذا يقودنا إلى قضية أن الإنسان المقصود بالنصوص هو العقل وليس الإنسان البدن والجزء المادي منه، وحتى نتعامل مع هذا الكائن العاقل كمكلف لا بد أيضا أن يكون التكليف طبيعيا وواقعيا ومما يتوافق مع عقله وقدرته على إدراك وفهم التكليف، هنا نفهم قضية أساسية لم ينجح الفكر الديني عموما في تفسيرها والإسلامي خصوصا في أضطراب في تبرير قضية الغيب والإيمان به، فجزء من الغيب أكبر من قدرة العقل وحتى المتقدم والمتطور منه في إدراكه، لذا أعفي هذا العقل من واجب المعرفة والتكليف في فهمه حتى يحين موعد تطوري للوصول للمعنى المراد، فالغيب إذن ليس إخفاء لواقع أوحجزء جزء من المعرفة به لأنه مقدس أو لأنه ذي خصيصة خاصة ولكن لأن العقل لا يدركه في الواقع إلا من خلال سلسلة تطو (ولا تسألوا عن أشياء إن تبدو لكم تسؤوكم......).
إذن دور العقل يمثل المقدمة في كل الموضوع المتعلق بالدين وجودا بوجود وعدما بعدم، لذا لا تكليف وإعذار ولا إنذار ولا حساب ولا كل شيء يتبع غياب هذه المقدمة ممكن أن يطرح على الإنسان بدون العقل، ولا قيمة للنص أصلا بغياب الأداة التي تترجم النص علما وخبرا ومعرفة، وبالتالي العقل مقدما على النص من ناحية الأبتداء به، فلا يمكن أن يطرح الديان نصا دينيا لمن لا يستطيع أن يعرف أن هذا النص حاملا ومحولا ورائه جملة من الأفعال العقلية والسلوكيات الحسية ويرتب نتائج على ذلك ومطلوب منه أن يتخذ موقف الإيمان أو رفض النص.
نفهم من هذه المقدمة الأساسية أن التطور الطبيعي في حياة الإنسان ومن ضمنها علاقته بالدين تعتمد على عنصرين كلاهما مرتبطان بالعقل، أو وجود العقل الطبيعي الخالي من عوارض العمل، وثانيا أن يكون هذا العقل مستمرا بالتطور وتجديد نظامه وعلى أستعداد بالقوة الطبيعية أن يتعامل مع الموضوعات المستجدة، أي أن وجود العقل مجردا هو نصف المستلزم الأبتدائي في علاقة الدين بالإنسان والنصف الثاني أن يكون هذا العقل قابلا لأن يتطور مع موضوع الدين كبقية موضوعات المعرفة والعلم، بهاتين النقطتين تبدأ عملية التفاعل والألتزام مرورا بقضايا أخرى تتبلور مع النص والحكم المحمول فيه وصولا للنتيجة اللازمة التي يبتغيها الدين وهي تحصيل المنفعة الشمولية لهذا الكائن الذي يحمل العقل.
هنا قد يتسائل عاقل قد يصل الإنسان لهذه المرحلة المطلوبة وهي ضرورية بالتأكيد من المنفعة الشمولية من غير موضوع الدين، نعم قد يصل ولكن ليس بالسرعة التي وصلها الإنسان من خلال هلاقته بالدين، فالمعروف أن كل العلوم الأساسية وهي اللغة والتاريخ والاخلاق وعلم الحيل والكمياء والفلك وحتى جزء مهم من الفلسفة كان من نتاج رؤية الإنسان لجزء مهم من المعرفة الدينية ومحاولة تسخيرها والأستفادة منها، حتى السحر الذي هو ليس علما ولا فنا وإنما معرفة نشأت وتطورت وتمددت مع وجود الدين نشأ منها مثلا علم الكمياء والسيمياء وعلم المعادن والفلك والحسابت الرياضية المعقدة، إذا الدين حمل معه الكثير من الحوافز العقلية التي تجعل الإنسان ينظر جانبا لواقعه ومن واقعه لفهمه أو لتسخيره.
العلم يولد من رحم الدين هذه حقيقة لا ينكرها العلم ذاته ولا يستعلي بها الدين على العلم، ولكن هناك نظريات وأتجاهات فكرية تحاول فصل العلاقة اللا تاريخية والتاريخية بينهما بإدعاء أن العقل العملي في تركيبته ونظامه وقدرته يختلف عن العقل الديني لمجرد أن الأخير مثلا يؤمن بالغيب، هذه جزئية قد نجدها أعمق في العقل العلمي وإن أتخذت صورة نسقية أخرى أو شكل أخر، فالعقل الإنساني بطبيعته حلم وأحيانا كثيرة يجنح للخيال والتأمل، وهو بهذا المعنى يذهب في رحلة غير واقعية إلى عالم غير واثعي بحثا عن لمحة تحرك فيه خطوة للأمام، وأكثر منجزات العلم كانت أحلاما وتصورات تأملية أو خيالية، فهي بالأساس كانت أمورا غيبية، العقل بالملخص هو سيد إدارة الوجود وأنه بحاجة دوما إلى تشجيع وبحاجة إلى دعوة مستمرة لتجديد أنظمته وألياته، وكلما كان بحاجة إلى المزيد كان الدين حاضرا معه لتجديد مرحلة، فلما أكتملت تقريبا أساسيات التعقل عند الإنسان بواسطة النص الثابت الذي لا يقبل التحريف والتزيف، توقف الدين عن وظيفة الدعم بالأفكار والرؤى وترك العقل أن يهضم كاما لديه من إرث وتراث ونص حاضر لينطلق في رحلة الأبداع المتسارع.
هذه العلاقة الجدلية بين العقل والدين وبين العقل والوجود وبين الوجود والعلم تفرض على الإنسان أن يهتم بالمقدمة الأسية التي تكلمت عنها، لأن النتائج المترتبة على هذه الشبكة من العلاقات هي نتائج أيضا دليلها العقل والمنطق، وحتى أن نهاية هذه العلاقات كما هي أو هو متوقع لها في النص الديني تنتهي بسؤال عقلي تردد كثيرا في النصوص القرآنية منها أن الله يسأل من بعث من القبور لماذا أنتم هنا وما هي محصلتكم في الحياة ويسأل المؤمن ما يسأل الكافر، هل وجدتم ما وعدكم ربكم، والكل اقصد الذيت يملكون عقولا نعم والذين لا يملكون عذرا ولا منطقيا عقليا تخرس ألسنتهم عن الجواب.
فلخطر قيمة العقل ولعظمة ما يرتبه من أثار طويلة المدى وعميقة التأثير في الوجود الفردي والجمعي جعله الله في محل المسؤولية وكما جعله شاهدا ودليلا على الإنسان، بهذه الدرجة من الوثوق الفوقي بقدرة العقل فعلى الإنسان أن يمنحه كامل الحرية المنطقية في تنظيم وتطوير وتجديد فكرته في الدين وعن الدين، وإلا بقى هذا الإنسان عاجزا عن إدراك أبسط الأشياء في الحياة ويفهمها ويطورها، ويتحول مع إنعزاليته التدبر وفهم الزمن إلى مجرد كائن أجتراري لا يطور ولا يتطور ولا يمكنه الأستمرار في رحلة وجوده، التي هي أصلا رحلة متجددة لأنها تدور في فلك الزمن الذي لا يفتر عن التسارع في كل ثانية ولحظة.










اخر الافلام

.. كل يوم - المرأه في الاسلام


.. قلوب عامرة - متصلة : سلفي عايز يتجوز في بيتي و اطلع انا و عي


.. المالكي يقول عبارة المجرب لا يجرب تعود للامام علي وليس المر




.. تجدد القتال بين جيش ميانمار وأقلية الكاشين المسيحية شمال الب


.. متصل : بصلي في البيت مع زوجتي دائماً عادا العشاء في الجامع ه