الحوار المتمدن - موبايل



دور الاجهزة البورصية النقابية في ضرب وحدة العمل النقابي واعاقة بروز الوعي الطبقي ( 15 )

سعيد الوجاني

2018 / 4 / 5
مواضيع وابحاث سياسية



بعد ان كانت الشغيلة المغربية ابّان الاحتلال الكلونيالي تخضع لهيمنة النقابة الفرنسية ( س ج ت ) وحزبها الحزب الشيوعي الفرنسي ، سنجد ان تحولا في الوضع قد طرأ منذ نهاية الاربعينات ، وذلك حين بدأ حزب الاستقلال يهتم بالعمل النقابي لسحب البساط من الحزب الشيوعي الفرنسي ونقابته ( س ج ت ) في تنظيم الشغيلة المغربية التي كانت أصولها قروية وليست مدينية .
لقد عارض حزب الاستقلال خلال هذه الفترة ، موقف الحزب الشيوعي المغربي الذي كانت تسيطر على قيادته اطر تابعة للحزب الفرنسي ، وهو ما جعل هذا الحزب ، أي الحزب الشيوعي المغربي يقف معارضا في وجه مطلب الاستقلال ، بدعوى ان الأولوية هي لدحر النازية والفاشية المسيطرة في اوربة .
لقد أدت مظاهرات 1947 بقيادة الجناح البرجوازي الصغير في حزب الاستقلال ، والتي كانت تخطط لمرحلة ما بعد الاستقلال ، الى دفع الطبقة العاملة المغربية للانخراط المبكر في العمل الوطني ، مما أدى الى تبلور فكر سياسي جنيني جعل الطبقة العاملة المغربية تفكر لذاتها كتناقض مع الكلونيال ، وكتناقض مع الكمبرادور الذي راهن على التحالف مع الاتجاه الماكارتي الميركانتيلي للبرجوازية الفاسية داخل حزب الاستقلال .
لقد كان الصراع الذي سينفجر داخل الحزب بعد الاستقلال بين الجناحين المتعارضين ، البرجوازي الصغير والماكارتي الميركانتيلي واضحا للعيان . فالاختلاف بين التوجهين الذي سيبلغ درجته بقرارات الجامعات الاستقلالية التي ستؤدي في ستة شتنبر 1959 الى تأسيس حزب " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية " ، قد انعكس على القطاعات الموازية بالساحة. هكذا وبعد انشاء اول نقابة عمالية في سنة 1955 تحت اسم " الاتحاد المغربي للشغل " ، ستلتحق هذه المنظمة التي كانت اقوى تنظيم نقابي عرفه المغرب بالحزب الجديد " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية " ، ونفس الشيء ستعرفه المنظمة الطلابية " الاتحاد الوطني لطبلة المغرب " .
امام هذا التغيير التنظيمي الذي مال الى الحزب الجديد ( ا و ق ش ) ، ستبادر القيادة الرجعية المكارتية الميركانتيلية في حزب الاستقلال الى انشاء إطارات موازية عماليا وطلابيا . هكذا سيخرج الى الوجود كل من " الاتحاد العام للشغالين بالمغرب " و منظمة " الاتحاد العام لطلبة المغرب " الذي كانت تصفها الفصائل التاريخية في ( ا و ط م ) بالمنظمة المشبوهة .
وللتذكير فان انشاء هاتين المنظمتين ، كان بهدف عرقلة العمل العمالي والطلابي ، كما كان مدفوعا من طرق القصر لضرب احتكارية حزب المعارضة البرجوازية الصغيرة ( ا و ق ش ) لهذين المجالين ، حيث ان سياسة فرق تسد كانت وحدها ضامن استقرار النظام / الملكي الذي كان رأسه مطلوبا من قبل جهات عبرت عن رفضها له في محطات عديدة ومختلفة ، ووصلت الى حد التحالف مع افقير في انقلاب الطائرة في سنة 1972 .
أدت قرارات 30 يوليوز 1972 ، الى احداث شرخ انْ لم يكن انقساما داخل حزب ( ا و ق ش ) بين جناحين متصارعين . جناح الدارالبيضاء الخبزي المسيطر على نقابة ( ا م ش ) ، والجناح السياسي الذي كان محاصرا داخل النقابة المذكورة ، وكان يبحث عن تسييس النقابة لاستعمالها في معارضته للنظام .
وللتذكير فقد أضاف انتساب اليسار الماركسي اللينيني الى نقابة ( ا م ش) قيمة مضافة للعمل النقابي الملتزم والجاد ، كما مكّن الاختلاط بين هؤلاء اليساريين الجذريين ، وبين عمال واجراء ومستخدمي عموم القطاعات التي انخرط فيها هؤلاء ضمن نقابة ( ا م ش ) الى تسييس العمل النقابي لذاته لا لغيره . فاصبح لأول مرة تردد كلمات لم تكن معروفة من قبل ، مثل البروليتارية ، الصراع الطبقي ، الطبقة السائدة ، البرجوازية الكمبرادورية ، النظام البتريركي الباتريمونيالي ، فلسطين قضية وطنية.... الخ .
أدى هذا التطور المفاجئ في وعي الطبقة العاملة التي شعرت بذاتها كقوة متميزة وكطبقة تبيع قوة عملها للمُرابين وللرأسمالية الهجينة والوسخة ، وبسبب التعارض بين هذه التيارات الجذرية التي ازعجت القيادات البرجوازية الصغيرة التي أعلنت الانشقاق تنظيميا بعد حركة 3 مارس 1973 ، وبعد مؤتمر الارتداد والتصفية مع جناح المقاومة وجيش التحرير ( المؤتمر الاستثنائي / يناير 1975) الذي شكل بامتياز تاريخ الحزب النضالي الراديكالي ، منذ المؤتمر التأسيس والمؤتمر الثاني ، وبفعل التطورات التي عرفتها بعض القطاعات كالبريد ، التعليم ، التعليم العالي ، السكك الحديدية ، الفوسفاط ، الصحة ، المعادن .... لخ ، ستعلن القيادة البرجوازية الصغيرة للحزب الجديد / الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن ميلاد نقاابة جديدة في سنة 1978 اخذت لها اسما هو (الكنفدرالية الديمقراطية للشغل ) ( ك د ش ) التي اصبحت تابعة للحزب المذكور .هكذا ستصبح الساحة النقابية ممثلة بثلاث نقابات عمالية تتفاوت في الحجم والتمثيلية والقوة.
وبخلاف الاتحادين بمختلف تياراتهم ( المكتب السياسي / اللجنة الإدارية الوطنية ) الذين انخرطوا في النقابة الاتحادية ( ك د ش) ، والاستقلاليين الذين انخرطوا في نقابة الحزب ( ا ع ش م ) ، وبخلاف انخراط ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية / الحزب الشيوعي المغربي الذي تبدل الى التحرر / فالتقدم في نقابة ( ا م ش ) ، فان اليساريين انخرطوا بكثافة في النقابة الأخيرة ، كما انخرطوا في نقابة ( ك د ش) . لكن في فاتح ماي كانوا يمرون مع نقابة ( ا م ش ).
ان نفس الصراع العمالي سيعرفه الحقل الطلابي . فمنذ المؤتمر الوطني الثالث عشر ، سيظهر اليسار الماركسي بقوة وسط الحركة الطلابية ، ووصلت هذه القوة بالسيطرة على قيادة المنظمة في المؤتمر الخامس عشر ، وكاد ان يكون الامر كذلك في المؤتمر السادس عشر ، وتحقق نفس الشيء في المؤتمر الوطني السابع عشر الفاشل .
ومثلما ان التنسيق بين الفرق العمالية بنقابة ( ا م ش) كان يستجيب للتقارب السياسي بين الأحزاب والتيارات السياسية ، فان نفس التنسيق كان يحصل في المنظمة الطلابية بين ( القاعديين ورفاق الشهداء ) من جهة ، وبين ( الاتحاد الاشتراكي / التقدم والاشتراكية / منظمة العمل الديمقراطي ) من جهة أخرى .
ان تركيزنا على النقابات الثلاثة ( ا م ش ) و ( ا ع ش م ) و ( ك د ش ) لا يعني ان الساحة النقابية لا تتوفر الا على هذه النقابات ، بل توجد هناك نقابات أخرى ، وبما فيها نقابة حزب ( العدالة والتنمية ) . لكن تركيزنا على هذه النقابات الثلاث ، من جهة املته الأحزاب التي تتكون منها هذه النقابات ، وهي الأحزاب التي ( تنحدر ) من ( الحركة الوطنية ) ، ولأنها من اقدم النقابات ذات التمثيلية المهمة ، ولأنها بها العديد من القطاعات الأساسية التي لا تتوفر في غيرها من النقابات الاخريات ، ولان هذه النقابات تحولت من خلال تركيبتها ، ومن خلال الأشخاص المسيطرين عليها ، الى دكاكين معرقلة للعمل النقابي باسم التمسك بالسلم الاجتماعي الذي سيطول الى ما لا نهاية .
هكذا تكون تلك الأشخاص التي سيطرت على أجهزة النقابات لسنوات وسنوات ، قد عطلت بروز وعي طبقي / عمالي / فئوي / اجتماعي ، فالمحجوب بن الصيق بقي على رأس ( ا م ش ) لما يناهز الخمسين سنة ، ومنذ وفاته عوضه الميلودي مخاريق مسترشدا على منوال سابقه الديمومة والابدية . اما بالنسبة لنقابة ( ا ع ش م ) فقد عرفت فقط عبدالرزاق افيلال لسنوات ، وبعد ان أطاح به حميد شباط الذي نصب نفسه على رأس النقابة مسترشدا بدكتاتورية سابقه ( افيلال ) ، استمر الوضع الى ان أطاح به الحزب السري الذي امتعاض من تصريحاته المحرجة والمستفزة . ونفس الشيء يلاحظ بالنسبة لنقابة ( ك د ش ) التي تولى رآستها محمد نوبير الاموي من 1978 والى اليوم .
ويجدر بنا التركيز على نقابة ( ك د ش) التي خرجت عن نقابة ( ا م ش) بدعوى سيادة البيروقراطية والتحكم الشخصي ، وبدعوى اتهامات من قبيل الجهاز البورصي الذي تآمر ويتآمر على المطالب العمالية ومطالب الشغيلة والمستخدمين ، واعتبار تأسيس نقابة ( ك د ش ) نقلة نوعية أعطت قيمة مضافة وتصحيحية للحركة النقابية المغربية ، في حين انها كررت نفس الأخطاء التي سقطت فيها اول نقابة في المغرب ( ا م ش) .
فهل حقا ان ( ك د ش ) تشكل نقلة نوعية تصحيحية ، وانْ كان الامر كذلك ، كيف نفهم خروج نقابات اخريات عنها ك ( ف د ش ) التي انقسمت بدورها الى 2 ( ف د ش) وتأسيس نقابة ( م د ش ) ( المنظمة الديمقراطية للشغل ) التي ارتمت بالكامل في حضن حزب ( الاصالة والمعاصرة ) ؟ .
من خلال تتبع تاريخ الحركة النقابية المغربية ، نكتشف ان كل التطورات التي عرفتها ، والصراعات التي عاشتها ، كانت انعكاسا للتطورات والصراعات السياسية بين مختلف الأحزاب السياسية . هكذا سنجد ان كل حزب شعر واحس بتراجع تمثيليته في نقابة من النقابات ، الاّ وسارع عند اول فرصة ، الى اعلان ميلاد نقابة جديدة بدعوى الدفاع عن العمال ، وبدعوى ربط ما يسميه بالحركة التصحيحية النقابية بالحزب المذكور . فنقابة ( ك د ش) لم تكن في الأصل غير نقابة تابعة لحزب ( الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ) ، كما ان خروج ( ف د ش ) عن ( ك د ش ) كان انتسابا للحزب المذكور بعد ان أصبحت ( ك د ش ) هي الاموي ، والاموي هو ( ك د ش ) ، بل سيقع خلط وتضبيب حين أصبحت ( ك د ش ) هي المؤتمر الوطني الاتحادي ، والمؤتمر الوطني الاتحادي هو ( ك د ش ) .
ومنذ العشرية الأولى من الالفية الثالثة ، أضحت النقابات ومن خلال قياداتها ، اكبر معرقل للعمل النقابي الجاد ، واكبر متواطئ مع النظام ضد الطبقة العاملة المغربية بدعوى الحفاظ على السلم الاجتماعي ، الذي هو في الأصل تشويه وتركيع للحركة النقابية ، وحفاظا على الوضع الشاد المتسم بالطبقية وبالتهميش ، والانخراط التام في خدمة النظام الكمبرادوري الذي تمكن من تحنيط كل النقابات من خلال عملاءه المسيطرين على أجهزتها المختلفة .
( يتبع )







اخر الافلام

.. وزير المالية الفرنسي: -الحرب التجارية أمر واقعي-


.. رائحة القهوة يمكنها تحسين القدرة التحليلية لدى الأشخاص


.. فنزويلا: ماراكايبو مرآة لجميع المآسي




.. مرآة الصحافة الثانية 2018/7/22


.. بدلة تجعلك تطير بنفسك أينما أردت