الحوار المتمدن - موبايل



تشريح اولي للتحول المافياوي لتركيبة الامبريالية الاميركية المتهودة

جورج حداد

2018 / 4 / 6
العولمة وتطورات العالم المعاصر


كان انتخاب احد الملونين باراك اوباما لرئاسة الولايات المتحدة الاميركية نقطة تحول في السياسة الاميركية. ولكن يخطئ من يظن ان هذا التحول يتعلق بالمحتوى الاساسي والاهداف الرئيسية للستراتيجية الدولية لاميركا، التي لا تزال تهدف الى الهيمنة الاحادية على العالم اجمع. ذلك ان التحول في الادارة يشمل الشكل والاسلوب وطريقة الاداء فقط لا غير. فالادارة الاميركية (الرئاسة والحكومة والكونغرس والقضاء) ليست هي السلطة الحقيقية في النظام الامبريالي الاميركي، وليست سوى واجهة وادوات تنفيذ في ايدي السلطة الحقيقية، التي تعود لطغمة مالية احتكارية عليا، تمسك بكل مفاتيح ومقدرات الاقتصاد، ومراكز القوة العسكرية والامنية والسياسية، ومراكز التأثير الاعلامية والثقافية والتعليمية والدينية.
والاطار العام والخطوط العريضة للسياسة الداخلية والخارجية الاميركية، وعلى كل الصعد: السياسية والامنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية الخ، انما تضعها هذه الطغمة المالية الاحتكارية العليا، التي لها أطرها ومجالسها و"نواديها" وعلاقاتها الخاصة بها (وقد يكون الرئيس الاميركي، او اي شخصية عامة اميركية، عضوا في أطر الطغمة المالية الاحتكارية العليا، وقد لا يكون. واذا كان هناك احتمال، مجرد احتمال، بأن جورج بوش الاب والابن احدهما او كلاهما هما عضوان في "نادي" الطغمة المالية الاحتكارية صاحبة السلطة الفعلية، فإنه شبه مؤكد ان باراك حسين اوباما ليس عضوا في هذا "النادي"، وهو ليس اكثر من كومبارس في مسرح الدمى الاميركي). وما يسمى التداول الدمقراطي للسلطة في اميركا، بين حزبي النظام الرئيسيين: الجمهوري والدمقراطي، اللذين يتناوبان دور الحزب الحاكم والمعارضة، ما هو سوى شكل لتنفيذ ارادة ومصالح السلطة الفعلية الامبريالية. وقد يكون من الصدفة او لا انه يرمز لهذين الحزبين بالفيل والحمار. ولكنه ليس من الصدفة ابدا بل من المؤكد تماما ان كرنفال الانتخابات الاميركية، الرئاسية والبرلمانية، ليس اكثر، وفي احسن الحالات، من سيرك فيلة وحمير وما بينهما من اصناف الحيوانات الاخرى، المدجنة طبعا.
وتتمتع الادارة الاميركية المنتخبة باستقلالية نسبية عن تلك السلطة الفعلية (اي الطغمة المالية الاحتكارية العليا)، الا انها استقلالية في اطار التنفيذ وحسب، تماما كالاستقلالية النسبية لأي "مصلحة مستقلة" او "بنية مستقلة" او "مؤسسة مستقلة"، في الدولة، كالجيش، او مصلحة النقل العام، او الجامعة، التي تمتلك "استقلالية نسبية" عن الوزارة التي تخضع لها، انما تبقى هذه الاستقلالية النسبية التنفيذية خاضعة لما ترسمه لها الوزارة والحكومة المعنيتان.
والمحصلة التي يمكن استنتاجها من آلية عمل النظام السياسي الاميركي هي:
ـ1ـ ان الطغمة المالية الاحتكارية العليا، هي التي تخطط وتقرر الاطار العام والخطوط العريضة لسياسة الدولة، وتمرر قراراتها بشكل سري وشبه سري الى الادارة السياسية التنفيذية والتشريعية والقضائية المنتخبة، لاجل التنفيذ التفصيلي والملموس.
ـ2ـ ان دور الناخب الاميركي (او ما يسمى "الشعب الاميركي") يقتصر على ان يختار في الانتخابات: من من ممثلي الحزبين الرئيسيين (او غيرهما اذا وجد) سيتولى تنفيذ سياسة الدولة، المرسومة سلفا من قبل الطغمة المالية الاحتكارية العليا التي تحكم البلاد فعليا.
ـ3ـ وبصرف النظر عمن يفوز في الانتخابات، فإن المشاركة "الشعبية" في الانتخابات الاميركية، وفي الغالب وعدم المشاركة ايضا، تعني ضمنا الموافقة المسبقة على السياسة العامة للدولة الاميركية، اي سياسة الطغمة المالية الاحتكارية العليا. والاختلاف في التصويت لهذا الحزب او ذاك، او عدم المشاركة في التصويت، يبقى محصورا في "الاعتراض" على اشكال تنفيذ تلك السياسة، او "الاقتناع" ببرامج تنفيذ تلك السياسة من قبل الحزبين المتنافسين في خدمة الطغمة المالية الاحتكارية العليا ذاتها. وهذا يعني عمليا وجود تأييد "شعبي" للسياسة التوسعية للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية، كالالتزام "الستراتيجي" الاميركي، مثلا، بدولة اسرائيل وعدوانيتها، وحصر الاختلاف او الاعتراض في اشكال تنفيذ هذه الستراتيجية والمواقف "الرسمية" الاميركية من السياسة العدوانية لاسرائيل، ليس للوقوف ضد السياسة الاسرائيلية، بل لتحسين "ادائها" وجعلها فعالة اكثر او "مقبولة" اكثر.
ـ4ـ ان كل "لعبة الدمقراطية" الاميركية: حرية الانتخابات للمجيء بهذا الحزب او ذاك للحكم؛ حرية الاعلام في النقد الشديد لممارسة الحزب الحاكم وشخصياته بمن في ذلك شخصية الرئيس؛ حرية الحزب الخاسر (وغيره) في ممارسة دور "حكومة الظل" ودور "المعارضة" التي تنتقد الحزب الحاكم في مجمل ممارسته وفي ادق تفاصيل تلك الممارسة، بدون محرمات على الاطلاق (والى درجة التلصص على الرئيس ذاته في اكثر اللحظات "خصوصية" و"سرية" و"حميمية"، حتى وهو يختلي باحدى الفتيات اليهوديات، ويستمتع بممارستها الجنس بالفم معه، ويلطخ لها بمنيّه فستانها الازرق السماوي كعلم اسرائيل، كما جرى مع بيل كلينتون)؛ حرية تداول السلطة واسقاط الحزب الحاكم، والمجيء بالحزب الاخر بواسطة "صناديق الاقتراع"؛ كل هذه "الحريات الدمقراطية الاميركية" التي تكلف الخزينة والاقتصاد والمكلفين الاميركيين مئات مليارات الدولارات (التي يعاد تحصيلها بالنهاية من الشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة، المستغفلة وشبه المستغفلة، في العالم بأسره)، لا يجمعها اي جامع بالحريات وبالدمقراطية الحقيقية، بل هي ليست اكثر من تعبير وتجسيد لحرية الطغمة المالية الاحتكارية العليا، صاحبة السلطة الفعلية، في ممارسة "الرقابة" (بواسطة "الناخب"، و"الاعلام"، و"الشعب الاميركي" العظيم!) على اداء الحزب الحاكم في خدمة تلك الطغمة، ولانتقاده بواسطة الاعلام والمعارضة لاجل تحسين وتصويب ادائه، واخيرا لتغييره والمجيء بالحزب الآخر، حينما لا يمكن تأمين سلاسة الانقياد والمطواعية الضرورية والانسجام الكامل في علاقة التبعية المطلقة للحزب الحاكم الى السلطة الفعلية.
ـ5ـ اي ان كل مهمة آلية عمل النظام "الدمقراطي الاميركي" هو المحافظة على السلطة الفعلية للطغمة المالية الاحتكارية العليا، بالرغم، وبواسطة، التغييرات في اداء الحكم الاميركي القائم، وفي تغيير الادوار بين الحزبين الرئيسيين في لعبة ازدواجية "الحكم ـ المعارضة".
ـ6ـ ان أي تغيير في الحكم في اميركا، مهما أثير حوله من ضجة، لا يعني ابدا تغييرا للسلطة الفعلية. ولكن هذا لا يمنع وجود حقيقة اخرى، وهي انه احيانا ـ سواء بتغيير او عدم تغيير الحزب الحاكم ـ يكون التغيير تعبيرا عن تغيير في تكوين او اداء او استراتيجية السلطة الفعلية ذاتها، اي سلطة الطغمة المالية الاحتكارية العليا. ومع اعترافنا بعدم تخصصنا في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، مما يجعل رأينا مطروحا للنقاش، الا انه يمكن الاشارة الى بعض المحطات التي كان فيها التغيير تعبيرا عن تغيير في تركيبة السلطة الفعلية الاميركية، اي الطغمة المالية الاحتكارية العليا ذاتها، او تغيير في النهج الستراتيجي الرئيسي المتبع من قبلها.
XXX
ومن المحطات التي تعبر عن التغيير في تركيبة او في التوجهات الستراتيجية للسلطة الفعلية في الدولة الاميركية، نتوقف عند الحالات التالية:
ـ أ ـ انتخاب الرئيس "الدمقراطي" الثاني للولايات المتحدة الاميركية، وودرو ويلسون، سنة 1913، حيث كرس هذا الانتخاب تخلي السلطة الفعلية في اميركا عن سياسة "العزلة القارية"، والتزام سياسة "الانفتاح العالمي" والمشاركة في الحرب العالمية الاولى، التي اضطلعت فيها الصهيونية العالمية بدور "المايسترو" الرئيسي. وبعد نهاية تلك المجزرة الانسانية المريعة، انتقل مركز القيادة العالمية لليهودية العالمية والصهيونية والماسونية من انجلترا الى اميركا، سنة 1920.
ـ ب ـ انتخاب اول رئيس كاثوليكي لاميركا الشمالية جون كنيدي (في 1961) واغتياله (في 1963)، وهو ما عبر عن النزاع المستميت بين الكتلة المالية الاحتكارية الكاثوليكية، والكتلة المالية الاحتكارية الانغلو ـ ساكسونية / اليهودية، داخل الطغمة المالية الاحتكارية العليا، السلطة الفعلية في الولايات المتحدة الاميركية.
ـ ج ـ انتخاب جورج دبليو بوش، الذي فاز في الانتخابات في نهاية سنة 2000، وكانت الاصوات التي نالها متقاربة تماما مع خصمه ال غور، ولكن جرى إنجاحه غصبا واقتدارا بواسطة اعادة الفرز الالكتروني، واستلم مهام منصبه في كانون الثاني 2001. وكانت بوادر الازمة الاقتصادية قد بدأت تطل برأسها على اميركا، واخذ الدولار يفقد سيطرته السالفة، بعد طرح اليورو (العملة الاوروية الموحدة) في الاسواق سنة 1999، وبعد اسقاط يلتسين في آخر يوم من تلك السنة وظهور البوتينية في روسيا التي اتجهت نحو تعزيز الاقتصاد القومي الروسي ووجهت ضربتها الى الرأسمال المالي اليهودي الروسي، الذي كان يضطلع بدور "طابور خامس اميركي ـ اطلسي" داخل روسيا. وعائلة جورج بوش ونائبه القوي ديك تشيني وغونداليزا رايس وخليل زاده وحامد قرضاي وغيرهم من اركان و"اصدقاء" الادارة السابقة لبوش كانوا مرتبطين بشكل وثيق بصناعة النفط والطاقة، وعلى علاقة وثيقة بعائلات السعودية والخليج وعائلة بن لادن ذاتها. وقد عبر فرض انتخاب بوش بالقوة عن النزاع الحاد بين الكتلة النفطية ـ الطاقوية والكتلة المالية (النقدية) ـ البنكية ـ البورصوية ـ التجارية، داخل صفوف الطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا. وعبر بالتحديد عن زعزعة مكانة الكتلة المالية (النقدية)، وصعود نجم الكتلة النفطية ـ الطاقوية. حيث اعتقدت الطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا، انه عن طريق الهيمنة المطلقة على قطاع النفط والغاز والطاقة يمكنها تعويض خسارة مواقعها في سوق النقود والاسهم والسندات المالية (بسبب ضعف الدولار) وفرض سياسة الهيمنة المطلقة على اوروبا والصين والهند وافريقيا والعالم اجمع عن طريق الامساك بشدة بقطاع النفط والطاقة. وفي عهد بوش بالذات، انتهجت الادارة الاميركية (ومن ورائها اسرائيل) سياسة عدوانية فظة، للتوسع في آسيا الوسطى والقوقاز وشرقي اوروبا لاجل الاستحواز على منابع النفط والغاز في حوض بحر قزوين، ولقطع الطريق على امدادات النفط والغاز الروسية لاوروبا وغيرها، ولتحطيم ارادة الشعب الفلسطيني، ولمهاجمة واحتلال بلدان الشرق الاوسط، من اجل السيطرة التامة على منابع وممرات النفط والغاز، والتحكم بمصائر اوروبا عن طريق التحكم بالطاقة. وفي عهده بالتحديد، اي بوش، جرى "نفخ" اسعار النفط والطاقة بصورة مصطنعة اضعافا مضاعفة، للتحكم بالاقتصاد العالمي ونهب اقتصاديات مختلف الدول، بواسطة اللعبة المزدوجة: احتكار الطاقة، من جهة، وطباعة مئات مليارات الدولارات الجديدة غير ذات التغطية الذهبية، من جهة اخرى. وليس من الصدفة انه في عهد جورج بوش بالذات جرت احداث 11 ايلول 2001 الدراماتيكية، التي هي احداث مدبرة بشكل مخطط تماما من قبل الاجهزة المخابراتية والامنية والعسكرية الاميركية. ولا يغير في هذه الحقيقة وضع بعض الشباب "الاسلامويين!!!" المضللين كديكور اعلامي في بعض الطائرات المفخخة التي استخدمت في هذه الاحداث. وكان الهدف من هذه الاحداث ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد:
اولا ـ توجيه ضربة قاضية للقطاع المالي (النقدي) ـ التجاري ـ البورصوي ـ التجاري الاميركي، عن طريق تحطيم العمود الفقري لهذا القطاع الذي كان يتمثل بالبرجين التجاريين الشهيرين في نيويورك؛
ثانيا ـ استخدام تفجير مقر البنتاغون ايضا كحجة لتعزيز قبضة ودور الجيش ولتعزيز التحالف الجيشي ـ المخابراتي مع الكتلة المالية النفطية الطاقوية؛
وثالثا ـ استخدام هذه الاحداث بالترافق مع فبركة مقولة اسلحة الدمار الشامل لدى العراق، لاجل تبرير تكثيف الحضور العسكري والمخابراتي في الشرق الاوسط وغيره من بقاع الارض، ولشن الهجوم على افغانستان والعراق واحتلالهما، لاجل السيطرة المباشرة على منابع وممرات النفط الرئيسية في العالم.
وكان من نتيجة ذلك اصابة اقتصادات جميع الدول الدائرة في فلك اميركا، بالجمود، الامر الذي نتج عنه تدفق الودائع على اميركا نفسها، على طريقة "هذه بضاعتنا ردت الينا". فاختنقت مجاري الدورة المالية الاقتصادية الاميركية بالدولارات الورقية، التي طبعت سابقا بدون اي حاجة للسوق الاميركية اليها، والتي اخذت تتكدس بالتدريج في حقل التوظيفات والمضاربات العقارية، باعتبارها "الاكثر ربحية" و"الاكثر ضمانا". فارتفعت اسعار الاسهم والسندات والقروض غير المضمونة اضعافا مضاعفة، وبشكل مصطنع، كالبالون الفارغ المنفوخ بالهواء، في القطاع العقاري، الذي تحول الى حقل واسع للتلاعب والمضاربات والصفقات المشبوهة على طريقة مغارة علي بابا والاربعين حرامي. وقبل ان تنتهي ولاية جورج بوش "انفخت" هذا البالون وتلقت الكتلة المالية (النقدية) ـ التجارية ـ البورصوية الضربة القاضية الثانية. ولكن الضربة المالية كانت كبيرة الى درجة ان الكتلة المالية النفطية ـ الطاقوية ذاتها وقفت ايضا عاجزة عن اي عملية انقاذ جدية للدورة المالية والاقتصادية الاميركية، التي دخلت في حالة ركود ظلت مفاعيلها سارية طوال سنوات. الا ان الازمة المالية ـ الاقتصادية الاميركية، وعجز الكتلة المالية النفطية ـ الطاقوية الاميركية ذاتها عن الاضطلاع بدور "المنقذ القومي" (والعالمي)، فتحا الطريق امام عملية التحول الجديد في تركيبة الدولة الاميركية وتوجهاتها الستراتيجية العالمية، ونعني بها مرحلة التحول المافياوي.
XXX
فمعلوم، حتى بالمعطيات "البوليسية" العادية والبسيطة التي ينشرها "الانتربول"، ان اكبر آلة لغسيل ما يسمى "الاموال القذرة" والتي اصبحت تقدر بمئات والوف مليارات الدولارات، اصبحت توجد في اميركا. اي انه (الى جانب الكتلة المالية البنكية ـ البورصوية ـ التجارية، والكتلة المالية النفطية ـ الطاقوية)، اصبحت توجد في اميركا: الكتلة المالية المافياوية (المتأتية من عالم الجريمة المنظمة) التي تحولت بالتدريج الى اكبر كتلة مالية "خاصة" في اميركا (والعالم). وقد قدمت ادارة جورج بوش خدمة لا تقدر لهذه الكتلة، تتمثل في: "اكتشاف افغانستان"، الذي لا شبيه له (في الحسابات الاستعمارية) سوى اكتشاف اميركا ذاتها.
فالقرصان الاستعماري كريستوفر كولومبوس كان ذاهبا الى "الاراضي المقدسة" عن طريق "المقلب الاخر" للكرة الارضية، فاكتشف "اميركا" وهو يعتقد انه وصل الى الهند. وكان هذا "الاكتشاف" نقلة نوعية في التاريخ العالمي للاستعمار، لا تزال البشرية كلها تعاني منه الى اليوم.
والقرصان الاستعماري الجديد جورج بوش كان ذاهبا الى "الشرق الاوسط الكبير" لاجل النفط والطاقة. ولكن في افغانستان اكتشفوا انها يمكن ان تكون اكبر مزرعة افيون في العالم. والارباح التي تدرها المخدرات وهي 1/100 على الاقل لا يضاهيها اي قطاع انتاجي او طاقوي او مالي او تجاري او حتى "جرائمي" آخر، سوى طباعة العملة المزورة اذا كانت مضمونة التصريف. وقد كان هذا "الاكتشاف الافغاني" "نعمة من السماء" هبطت على المافيا الاميركية خاصة وعلى الطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا عامة، الى درجة ان الكتلة المالية المافياوية تحولت الى الكتلة المالية الاولى في اميركا، تتقدم على الكتلة المالية النفطية ـ الطاقوية، التي حلت في المرتبة الثانية، وعلى الكتلة المالية البنكية ـ البورصوية ـ التجارية، التي حلت في المرتبة الثالثة.
ومثلما ان انتخاب وودرو ولسون عشية الحرب العالمية الاولى، ودخول اميركا في تلك الحرب، كرس بداية "الزواج الكاثوليكي" بين الطغمة المالية الاحتكارية العليا الاميركية (الانغلو ـ ساكسونية / البروتستانتية حتذاك)، وبين اليهودية والصهيونية العالمية؛ فإن "الحرب الصليبية المقدسة" التي شنها جورج بوش على "الشرق الاوسط الكبير" و"اكتشاف المزرعة الافغانية" والسيطرة التامة عليها، دشن مرحلة اندماج الكتلة المالية المافياوية والطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا، وتحول الكتلة المالية المافياوية الى "مركز القوة" و"مركز القرار" الاساسي والرئيسي في تركيبة السلطة الفعلية في اميركا: ماليا وسياسيا وعسكريا وستراتيجيا عاما.
XXX
وجاء انتخاب باراك اوباما من ضمن هذا السياق، اي سياق التغيير في تركيبة وتوجهات الطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا، وان كان هو نفسه، بمنشئه الشخصي والسياسي، ليس نفرا او عضوا في اي ناد لهذه الطغمة. وهذا ما يجعله شخصيا كريشة في مهب الريح، صالحا تماما لأن ينفذ ما يطلب من ادارته، ولأن يغطي، بوجهه الافريقي الجميل وبسمعته كـ"رجل طيب" و"مصلح اجتماعي"، التحول التدهوري الذي جرى ويجري في تركيبة وتوجهات الطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا. وهذا ما يقتضينا النظر عن قرب في هذه الطغمة وثوابتها وتحولاتها.
XXX
في المرحلة الراهنة، ونتيجة مسار "تاريخي" طويل، تتألف الطغمة المالية الاحتكارية العليا في اميركا من مجموعة من "الحيتان" الامبريالية الحقيقية، الانغلو ـ ساكسونية / اليهودية، التي تتحكم بكل ميكانيزمات الدولة والمجتمع الاميركيين، من القوة النووية ـ الصاروخية الاميركية الى آخر صحفي مأجور مباشرة او بالواسطة. والرئيس، والادارة، والحزب الحاكم (ومقابله المعارضة) في اميركا ليست سوى واجهات وادوات تنفيذ لهذه الطغمة الامبريالية الانغلو ـ ساكسونية / اليهودية.
وتمتلك هذه الطغمة "عقيدة" "رسالية" ـ عنصرية، ماشيحانية ـ صهيونية سوبرمانية، تؤله بها نفسها، وتنظر نظرة احتقارية ـ استغلالية الى كل ما عداها من كل شعوب العالم، اي بما في ذلك الى الاميركيين واليهود العاديين الذين تقيس "صلاحهم" وصلاحيتهم بمقدار ما يكونون مطايا وادوات تنفيذ للسياسة العامة لتلك الطغمة.
وفي السنوات او العقود الاخيرة، ومع تعمق الازمة الاقتصادية للنظام الرأسمالي العالمي، وظهور اقطاب اخرى، "رأسمالية" و"رأسمالية دولة"، مزاحمة للقطب الاميركي، كأوروبا وروسيا والصين وغيرها، بدأت الطغمة المالية الاحتكارية الاميركية ـ الصهيونية تتحول من الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي (الانتاجي والمالي والخدماتي وحتى الخدماتي الطفيلي) الى "الاقتصاد" غير التقليدي، اي الاقتصاد المشبوه و"غير الشرعي": التهريب، وتزوير العملات، وتزوير الماركات المشهورة، وكل انواع التزوير الاخرى، والسرقات الكبرى، والصفقات المشبوهة، والمضاربات، والرشوة، والجريمة المنظمة، وخصوصا... المخدرات (زراعة وصناعة وتجارة).
وبالنتيجة، وخصوصا بعد "القفزة النوعية" المتمثلة في "اكتشاف" مزررعة الخشخاش في افغانستان، اكتسبت الطغمة المالية الاحتكارية الاميركية ـ الصهيونية طابعا مافياويا كاملا. وباعتبار ان النظام الرأسمالي، في جوهره الاقتصادي ـ الاجتماعي، هو ظاهرة استغلالية معادية للجنس البشري، اي ظاهرة لصوصية ـ جرائمية لا يهمها ، في الحساب الاخير، سوى الربح بأية طريقة كانت، فقد "تطورت" الدولة الاميركية، بمنطق النظام الرأسمالي ذاته، نحو التحول الى دولة ـ مافيا، بالمعنى الحرفي والفعلي للكلمة.
ولكن خلافا للمافيا "الكلاسيكية"، التي هي رسميا "خارج القانون"، فإن المافيا ـ الدولة الاميركية تمتلك كل صفات الشرعية الدولية وكل ميكانيزمات عمل الدولة، التي هي اعظم دولة في التاريخ المعاصر، اي الدولة الاميركية، وان كانت تمارس نشاطها المافياوي تحت غطاء من "السرية" الشكلية. فإذا كانت المافيا "الكلاسيكية" تحتاج، مثلا، الى شبكة غير شرعية لتهريب المخدرات من بلد الى بلد؛ فإن المافيا ـ الدولة الاميركية تمتلك الاساطيل البحرية والجوية والقواعد العسكرية والشبكة العالمية من السفارات والبعثات الدبلوماسية وغير الدبلوماسية الاميركية التي تتولى نقل المخدرات الى اخر زوايا الارض تحت غطاء شرعية الدولة الاميركية. ولكن طبعا دون الاعلان الرسمي عن ذلك.
في السابق كانت الامبريالية تستخدم قوتها العسكرية وجبروتها الاقتصادي وتفوقها التقني والعلمي لاجل:
أ ـ استعمار بلدان معينة ونهب خيراتها، وخصوصا نهب المواد الاولية؛
ب ـ الاستيلاء على الاسواق وخنق الانتاج الوطني لمختلف الدول، وفرض تسويق بضائع الدولة الاستعمارية؛
ج ـ الاستيلاء على الاسواق المالية وفرض عملة الدولة الاستعمارية وقروضها وتوظيفاتها و"مساعداتها".
ولكن بالرغم من كل الطابع اللصوصي لهذا "الاقتصاد" و"السياسة الاقتصادية" الامبرياليين، فقد كان لهما طابع "اقتصادي" و"انتاجي" و"مالي" معين، مهما كان "طفيليا" و"قسريا".
اما اليوم، وبتحول الدولة الاميركية الانجلو ـ ساكسونية ـ اليهودية الى مافيا، فإن "الاقتصاد" الذي تمارسه لم يعد يخرج عن نطاق النهب والاثراء بواسطة: التخريب الانساني والاجتماعي والاقتصادي والصحي والاخلاقي الكامل. ولكن هذا التخريب يتم باسم القانون والشرعية والاخلاق والدين، وتنفذه وتحميه اجهزة الدولة والجيوش العرمرمية التي تمتلك الصواريخ عابرة القارات والاسلحة النووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل الكلاسيكية وغير الكلاسيكية وجيوش مجيشة من اجهزة المخابرات والاتباع والعملاء من كل شاكلة ولون، الذين لم يعد يردعهم اي رادع سياسي او ديني او اخلاقي.
XXX
ان المافيا الانغلو ـ ساكسونية ـ اليهودية، الامبريالية ـ الصهيونية، التي وصلت الى قمة السلطة في اميركا لم تعد بحاجة الى الاقتصاد "الكلاسيكي" الاميركي ذاته، ومن ثم فهي لم تعد بحاجة الى "الشعب" الاميركي ذاته، الا كمستهلك للمخدرات وضحية للجريمة المنظمة واندية القمار وشبكات الدعارة، ومستهلك للبضائع المغشوشة والادوية المصنعة خصيصا للامراض والاوبئة التي تطلقها المختبرات العسكرية الاميركية ذاتها، التي تسيطر عليها تلك المافيا. ومثلما قضى المستعمرون "البيض" الاوروبيون فيما مضى على 112 مليونا ممن سموهم "الهنود الحمر"، واجروا عملية "استبدال" سكاني، واقاموا "الولايات المتحدة الاميركية" فوق جماجم السكان الاصليين لاميركا؛ فإن المافيا، الملتحمة الان بالدولة الاميركية، لن تتورع عن القضاء على اي شعب كان، بأي وسيلة كانت، بما في ذلك القضاء على ما يسمى "الشعب الاميركي" ذاته. واذا اجرينا اي بحث ملموس، نجد ان نسبة انتشار المخدرات، ونسبة الامراض، خصوصا العصبية والقلبية والسرطانية، تتفاقم في اميركا بالذات، وتتفاقم معها نسبة الوفيات. وتعمل المافيا ـ الدولة الاميركية على "تجديد السكان" في اميركا، عن طريق منح المزيد من "الغرين كارت" للاقامة الدائمة والعمل ومن ثم الحصول على الجنسية الاميركية، لتغطية النقص الدائم في تعداد السكان، حيث ان السكان الجدد يكونون غير متجذرين بعد في البلاد، ولا مطالب لهم، ولا يشكلون اي عنصر ازعاج وضغط سياسي على الطغمة المتسلطة، وفي الوقت ذاته يشكلون رافدا للسوق الاستهلاكية من المستهلكين الجدد الذين يحلون محل الذاهبين زرافات الى القبور وهم يغمضون عيونهم لاخر مرة على "الحلم الاميركي".
وطبعا ان معاملة الطغمة الاحتكارية المافياوية الاميركية للشعوب الاخرى ستكون اسوأ بكثير من معاملتها لما يسمى "الشعب الاميركي".
واذا راجعنا تاريخ نشوء اميركا (راجع: منير العكش، اميركا والابادات الجماعية؛ و: هنري فورد، اليهودي العالمي) نكتشف حقيقتين:
الاولى ـ ان ممثلي "ابناء عمومتنا" (اي اليهود العبرانيين) كانوا في السفينة الاولى برفقة المكتشف الاستعماري كريستوفر كولومبوس، ويسمي هنري فورد ثلاثة منهم من المتمولين اليهود الاندلسيين، الذين يقول فورد انهم هم بالذات (لا "اليزابيت الكاثوليكية" ملكة البرتغال) الذين مولوا رحلة كولومبوس الاستعمارية (وطبعا ان "وجهة" "ابناء عمومتنا" هؤلاء كانت القدس ونهر الشريعة، وليس نيويورك ونهر المسيسيبي). اي ان الجريمة الكبرى ضد الانسانية، اي جريمة اكتشاف اميركا وابادة اهلها بعشرات الملايين، تقع منذ البداية على عاتق المتمولين اليهود.
والثانية ـ ان المكتشفين والمهاجرين الاوائل لاميركا، الذين كانوا يسمون "الرواد"، وكانوا يتكونون من اللوردات والعسكريين المرتزقة والقراصنة والمغامرين والمجرمين العاديين، البروتستانتيين ـ البيض، بالاضافة الى الممولين و"مرقـّصي القردة" اليهود الذين رافقوهم، كانوا يمتلكون "وعيا ذاتيا" توراتيا ـ تلموديا، منافيا تماما للمسيحية، وكانوا ينظرون الى انفسهم بوصفهم "شعب اسرائيل" = "شعب الله المختار"؛ وانهم ذاهبون الى "ارض كنعان" لتطهيرها وابادة اهلها "النجسين" والاستيلاء عليها تنفيذا لـ"الوعد الالهي". وهذا هو كان هدف الرحلة الكولومبوسية (وهو لا يزال هدف الطغمة المتسلطة في اميركا). ولما اكتشف هؤلاء "الرواد" المجرمون انهم لم يصلوا الى الهند (في الطريق الى "ارض كنعان")، سموا السكان الذين صادفوهم "الهنود الحمر"، واطلقوا عليهم صفة "كنعانيين"، واستباحوا ابادتهم بهذه الصفة، فأبادوا 112 مليونا منهم.
واليوم فإن "الوعي الذاتي" التوراتي ـ التلمودي للطغمة المالية الاحتكارية الامبريالية الصهيونية المافياوية في اميركا، هو اكثر تجذرا بكثير مما كان قبل 500 سنة. وتستخدم هذه الطغمة هذا "الوعي" كي تبرر لنفسها ولاتباعها استعمار الكرة الارضية باسرها، وابادة سكانها بشتى الاشكال الممكنة، وبطريقة تستثير اقل ما يكون من ردود الفعل والمقاومة، التي يمكن ان تقضي عليها هي نفسها ويتم انقاذ البشرية من شرورها.
ومثلما ان "الوعي" التوراتي ـ التلمودي، سلح مكتشفي اميركا والطغمة الاحتكارية المافياوية الاميركية بنظريات "الوعد الالهي" و"شعب الله المختار"، فإن هذا "الوعي الذاتي" التوراتي (وقبل "بروتوكولات حكماء صهيون" بألوف السنين) سلح "شعب الله المختار" بالتجربة "الغنية" للحرب الجرثومية التي مارسها موسى التوراتي وعصابته العبرانية ـ الاسرائيلية ضد سكان مصر قبل الفرار الى سيناء والاستعداد للانقضاض على "ارض كنعان". (راجع التوراة الموجودة في جميع المكتبات العربية).
واليوم، فإنه لمن اخطر الممارسات التي تلجأ اليها الطغمة المافياوية الاميركية ـ الصهيونية: الحرب الجرثومية ـ الكيماوية السرية، المتمثلة بإطلاق شتى الامراض والاوبئة من المختبرات العسكرية، بهدف ابادة الملايين من البشر، وتخريب انظمة الوقاية الصحية، وتخريب الاقتصاد الزراعي وغيره، وإلهاء المجتمعات البشرية عن النظر في القضايا السياسية والكونية الكبرى، والتحول الى قطعان بشرية مذعورة تنشد السلامة لا غير، واخيرا تنشيط صناعة الادوية "الخاصة" باهظة الثمن، التي هي طبعا في يد من اطلق تلك الامراض والاوبئة.
وفي الوقت ذاته تعمل تلك الطغمة على تطوير واحتكار اسلحة الدمار الشامل الاكثر فتكا، من اجل القضاء على اي بلد او شعب تنوي القضاء عليه، حينما تجد ذلك مناسبا وممكنا، دون تلقي الضربات الانتقامية من "الاعداء".
ولأجل النجاح في تحقيق هذه السياسة الخبيثة المزدوجة، المعادية للجنس البشري بأسره، تعمل السياسة الامبريالية ـ الصهيونية المافياوية الاميركية للبس قفازات الحرير كما كان يمثلها اوباما وادارته، ومحاولة تهدئة "الجبهات الساخنة" هنا وهناك، وزرع الاوهام والتخديرات السياسية في كل مكان، كتمهيد لتسهيل نشر المخدرات في العالم، كمشروع تجاري اسطوري هائل، هو في الوقت نفسه خطة حربية لاحتلال العالم والسيطرة عليه بدون "حرب"، ولتنفيذ سياسة الحرب الجرثومية "السرية" للتخلص التدريجي، على مدى عقود من الزمن، من غالبية سكان الارض، كي يتم وراثتها من قبل "شعب الله المختار" من اليهود والمتهودين، مع الاحتفاظ ببعض القطعان "شبه البشرية" من "الجوييم" الذين يتم استخدامهم كعبيد واماء وحريم لا اكثر ولا اقل لدى هذا الـ"شعب الله المختار".
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب لبناني مستقل







اخر الافلام

.. فك الحصار عن قافلة مهجرين من القنيطرة إلى إدلب


.. النشرة الجوية الثانية 2018/7/22


.. نشرة الإشارة الثانية 2018/7/22




.. تعليق مشاورات تشكيل الحكومة العراقية


.. العربية معرفة: الحزن ليس إلا أحد أقنعة الاكتئاب