الحوار المتمدن - موبايل



د. يوسف الكودة والإنزواء السياسي والفكري

سعد محمد عبدالله

2018 / 4 / 7
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لم أستغرب أن يلغي الدكتور يوسف الكودة رئيس حزب الوسط الإسلامي "الصداقة" بيني وبينه وهو الذي طلب التواصل سابقا بطوع نفسه وقبلت طلبه لإحترام الرأي والرأي الأخر ولفتح نافذة للحوار الفكري الديمقراطي لكن الكودة إختار الرحيل وله ما يريد ولا أعيب عليه سوى إلغاء الصداقة دون إشعار او إشارة لسبب مقنع، لكن بما أن الأمر ليس خلاف شخصي، من المرجح والمنطقي أن يكون السبب سياسي يرجع لتقديرات السيد يوسف الكودة فهو الأعلم بما فعل.

عموما - كنت علي يقين بدرجة عالية من الثقة أن الجماعات الإسلاموية خاصة تلك التي تحتل موقع "أقصى اليمين" تعمل في دوائر مغلقة لا تسمح بالإنفتاح علي الدوائر الأخرى بالحوار السياسي الديمقراطي لأنها لا تؤمن بالديمقراطية وبل تهابها لعدم ثقتها من مقدراتها في الصمود للحظة في منبر حر ديمقراطي فضلا أن عدم إمتلاكها مفاتيح هذه الثقافية الكونية الجديدة، وما قام به يوسف الكودة تأخر حدوثه لأني كنت أتوقعه بين الفينة والآخرى، وهو سلوك يبين مدى إنكفاء وإنزواء هذه الجماعات في مستنقع الفردانية الفكرية التي لا تعرف العدد "إثنين" في معادلة الوجود للمختلفين عنها، وتنزوي هذه الجماعات متقهقرة إلي ما وراء التعصب والتطرف بنظريات الإسلام السياسي بحيث لا يمكنها ذلك الإنكفاء من الإنفتاح والتحاور مع غيرها، فهي جماعات لا تستطيع تقبل فكرة وجود الأخر، ويكفي أن نستدل بموقف الكودة الأخير تجاه قضية ترشح البشير الذي سجنه وتجاه من إستنكروا سجنه فقد أيد ترشح الأول وإنقلب علي الثاني.

كنت لفترة من الزمن أرى أن الكودة سياسي من اليمين المعتدل من خلال مواقفه السياسية منذ إعلان الفجر الجديد وما ترتب عليه وحتى إعتقاله في المظاهرات الأخيرة لإنحيازه لمطالب الجماهير وخروجه مع الجميع " الشعب بيساره ويمينه ووسطه" وكم تجادلنا مع أصدقاء أعزاء حول توجهاته، ولكن الخطوة التي أقدم عليها بعد خروجه من المعتقل مصرحا بمساندة ترشح الرئيس الإنقاذي الإسلاموي عمر البشير مع إحتفاله اللفظي بعودة صلاح قوش مديرا لجهاز الأمن الذي إعتقله كانت بمثابة "هلوسات سياسية" فجرها الكودة، ولكنها مثيرة للتساؤل حول مسبباتها، ولربما كانت تلك الأحاديث ناتجة عن صفقة "إفراج" وإن صح التوقع فان الكودة قد أسقط عن نفسه صفة الوطنية وسقطت نظرتنا له كيميني معتدل وسياسي مترفع عن مفاهيم الصفقات.

إن الأزمة السودانية الحالية ذات طوابع سياسية وثقافية وإجتماعية، وهي سياسية من الدرجة الأولى، ولا تنفصل فصولها عن بعضها البعض، وهي تحتاج لجهد متواصل من قبل الجميع لفك شفراتها وبناء مجتمع إنساني تعاوني يستطيع الخروج من شكه العظيم في مقدراته لممارسة الديمقراطية والحوار بحرية لرفع وتطبيق شعار "النقد لا يعني النقض" وإذا لم يتمكن هؤلاء الإسلامويين من فرز الحقيقة عن الباطل ومعرفة الفرق بين "النقد والنقض" فمن الصعب إيجاد أرضية حوار فكري وسياسي يساعد علي الإرتقاء بالسلوك العام وفقا لقيم ومبادئ حرية الرأي والفكر والديمقراطية.

تذكرت دعوتي لقيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين في العام 2017م حين شنت دوائر إسلاموية هجوم عنيف بقيادة وتوجيه من السلفي الداعشي د. محمد علي الجزولي وخال الرئيس الإنقاذي الطيب مصطفى وأتباعهم ضد الصحفية شمائل النور وتصاعد الهجوم ليشمل سائر الطيف الديمقراطي والعلماني الحداثوي المطلع لتحرير العقول المستلبة وتشكيل وعي ديمقراطي علماني حر والتحول إلي المجتمع الإنساني النوراني المستقل فكريا وسياسيا، وسبب تذكر تلك الدعوة التي لم ترى النور إلا قليلا هو محاولة لإستخلاص رد من موقف الكودة لطلب وطموح الدكتورة فائزة حسن طه تلك المرأة التي لم أراها وتمنيت ملاقاتها وقد كان طرحها إجراء حوار بناء بين العلمانيين والإسلاميين بحس وطني وطرائق ووسائل جديدة تقدم مصلحة الوطن علي المطامع الإيدلوجية، كانت دعوتها ممتازة وتستحق الدعم والمساندة وقد نقلتها للرأي العام في حينها عبر صحيفة الراكوبة وبعدها في الحوار المتمدن لتلمسي جانب الصدق والمنطق فيما دعت إليه، وكنت أثق بأن الحوارات الفكرية والسياسية هي البداية الصحيحة للوصول إلي نهاية تخدم الإعتدال الفكري والسياسي وتخلق مناخ جديد يصلح فيه تخصيب الطاقات الإجتماعية والثقافية المتنوعة وتطويعها لصالح السلام والمستقبل المشترك.

تبدوا مبادرات ودعوات الحوار هذه أشبه بنقش صورة ما علي الهواء الطلق، ولا رهان يجدي مع من يرون فيما يطرحونه الخلاص الواحد الوحيد الذي لا يصلح ما قبله ولا ما يأتي بعده ليكون ضمن قوائم البديل السياسي والفكري، هؤلاء يسعون لتلقين المجتمع مفاهيم "الأسلمة السياسية" ويحرمون علي غيرهم نشر أفكارهم بقدر المستطاع، وإن لم يستطيعوا إيقاف تدفق فكر ورأي الأخر "اما حاربوه او هربوا منه" فهل يا ترى "الدوح حرام علي بلابله وحلال علي الطير من كل جنس" أم أن الإسلاميين يمتلكون الحقيقة المطلقة والعالم كله "صفر علي الشمال" لذلك هم لا يقبلون بوجود من يحاورهم ويجادلهم ويتحدث عن الديمقراطية والعلمنة في حضورهم.

هم يعتقدون باستطاعتهم "شراء وبيع الوهم" علي أساس انه الشرع السلفي طبقا لتصوراتهم ولا يدركون حقيقة تطور العالم وإرتفاع وعي الشعوب في تقيم الصاح والخطأ، وقد بات مشروع الدولة او الخلافة الإسلامية بالمفهوم النمطي التقليدي والإقصائي مشروع غير قابل للتطبيق في عالم اليوم خاصة في السودان الذي يتميز شعبه بالتنوع الجنسي والثقافي والسياسي، هذه أمة سليلة حضارات متنوعة ذات تواريخ قديمة لا يمكن إختزال ثقلها المعرفي والتاريخي في ثقافة أوحادية او طردها خارج الفضاء العام لصالح قرار سلطان أعمته فتاوي شيوخه، بل الثقافة الواحدة التي يسعى لتطبيقها مركز البرجوازية الحاكمة بمساندة "صم السياسة" لتشكيل خلافة إسلاموية وبوليسية متوهمة ستكون منفردة لن تجد حاضنة لها في السودان، وسيتوجه المجتمع نحو الثورة ويرجح دولة السلام والحرية والعدالة والديمقراطية والمواطنة للجميع.

لتلافي الوقوع في شرك الإنهيار الإجتماعي والثقافي بشكل أبعد من الراهن المعاش لا بد من العمل بجدية لتوفير الثقة بين مكونات المجتمع السياسية والثقافية لإبتدار حوار شفيف وبناء يؤدي لتحقيق تعايش سلمي بضوابط الإنسانية والأخلاق ووفق عهود ومواثيق وأعراف يتم الإتفاق عليها، ويجب إدارة الواقع بواقعية، ولا يمكن أن نطول أهدافنا ما لم نتقبل أنفسنا كسودانيين مختلفين في الرؤى والأفكار ولكن تجمعنا دولة السودان، ولكل مجموعة سياسية وثقافية تاريخها ووضعها وحقوقها، وعلي النظام العلماني الديمقراطي القادم تطوير آليات ووسائل تعزز السلام والحوار السياسي والفكري لمعالجة التشوهات التي خلفها النظام الإسلاموي الحالي في أذهان المجتمع وبعض الشخصيات العامة لتحقيق إصلاح شامل يقودنا إلي التطور الحقيقي، فلا يمكن لبلد ما أن يتقدم ومن يديرون شؤنه والمنوط بهم بناء المشروع الوطني الإصلاحي لا يطيقون البقاء في منصة تواصل إجتماعي واحدة ولا يستطيعون تقبل النقد والرأي الأخر، لذلك مسؤلية التنوير والتجديد والتحرير بشكل عام تقع علي جميع الساسة والمثقفين والحريصين علي مستقبل الوطن، وللكودة طريق السلامة فيما أراده.


سعد محمد عبدالله







اخر الافلام

.. 31 قتيلا في هجمات تحمل بصمات بوكو حرام شمال نيجيريا


.. قالوا| عن حزب النور السلفي وعن علاج أمراض المجتمعات


.. خارج النص-الحركة الإسلامية.. ثغرات في الطريق




.. اعتقال سائق بن لادن خلال مداهمة بؤر الإرهابيين في درنة


.. الشروق| «قصر الاتحادية» في عداد الآثار الإسلامية والقبطية