الحوار المتمدن - موبايل



إشكالية سلطنة الدين في المجتمع.

عباس علي العلي

2018 / 4 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إشكالية سلطنة الدين في المجتمع.

الدين كما عرفه العقل أولا كان إحساسا فطريا حرا أنعش في الذات الإنساني الأمل في أنه كائن ليس وحيدا في الوجود وأن هناك قوى غيبية تسانده وتحاول أن تمد يد العون له في كل أزمة أو خطر، لذا كانت علاقة الإنسان بهذا الوجود الفوقي أو المعزز له والذي يبادله نوعا من العلاقة الروحية كانت علاقة شفافة ونوعية أساسها الوعي الذاتي بالحب، فهي نشأت من خلال الإحساس والشعور العاطفي ولم تفرض عليه بقانون أو ألجأ إليها بقوة قهرية لا يفهمها ولا يبرر لها التدخل، كان التدين الفطري إذا تدينا واعيا وتلقائيا ومختار بذاته لذا قيل عنه أنه خيار الروح بمعنى خيار خارج قوانين السلطة وإن كان أصلا هو خيار الواقع ببساطته وتلقائيته.
عمل الإنسان جاهدا لرعاية هذه العلاقة الروحية وحاول تطويرها وتمتينها من خلال البحث عن وسائل لإدامة هذه العلاقة وترسيخها في النفوس البشرية فعقلن ما عقلن منها ولكن بقت السمة الغالبة فيه هي العلاقة الشعورية الذاتية كي تبقى على تلقائيتها وطبيعتها التي يفرضها قانون الفطرة ويستجيب لها الإنسان وجوديا، حتى تضخمت بعض الأنوات وتفرعن في مدى ما تحمل من تضخيم حسي لهذه العلاقة وطورت منظومة من العلاقات الجانبية التي أخرجت الروحانية التلقائية من مدارها لمدار مادي وأتخذت بذلك عناوين وأطر ومراسيم منتظمة ليتحول هذا الشعور والأستشعار إلى مفاهيم وقواعد وأشكال تعبدية نزعت روح الفردية من التدين وحولته أجتماعيا لمؤسسة أسمها المعبد الجمعي، وسيطرت بذلك على المؤمنين بقوانين المعبد لا بقوانين الفطرة، وسلطة مبتكرة أرادها الكهنوتيين أن تتفرعن وتتجبر وتخضع الإنسان لنموذج مقنن وموحد وملزم وقهري.
عندما تم نزع العامل الروحي من جوهرية العمل الديني وتحوله لمؤسسات ورموز وأشخاص محاطين بهالة التعظيم والقداسة، سقط الدين في متوهم السلطة وصار طرفا في صراع متعمد مع الإنسان بدل أن يكون رديفه ودليله إلى الحياة الأمنة السليمة، فمن جعل الدين حصرا وتخصيصا بفئة وضمن أطار من الشكليات والمثليات هو من بدأ هذه الحرب الوجودية ضده وقهره وتجويعه لغرض فرض مفهوم السلطة والسلطان عليه، وكأن لله جنودا جعلها عصاه وسيفه ضد من خلقهم وكرمهم وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ومن يومها أصبح الإنسان مطاردا مسحوقا تحت أستبداد وقهرية الكهنوت الذي أغتال الله أولا في واقعنا ثم تجبر وتكبر في إنقلاب أسود أعادنا جميعا إلى عصر الحيونة والوحشية البربرية.
هذا الأنقلاب في واقع الدين أجتماعيا وإنسانيا لم يكن نتيجة عوامل تطور طبيعية في الدين حتى مع وجود الرسالات والأنبياء والكتب، التي كان المراد الأساسي منها تصحيح الفهم وترشيد فهم العقل لهذه العلاقة وشرحها وتعزيز قوة العلاقة البينية بين الرب والإنسان {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}آل عمران164، فلم يدع نبي ولا رسول أنه مالك أمر المؤمنين {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}الأنعام52، وأنه صاحب السلطان والسيادة عليهم بأمر الله {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الأعراف188، ولا قال أنه جاء ليلغي الفطرة ويحل محلها قوانين السلطة الدينية أو يفرض نظام المؤسسة على الدين بدل نظام المجتمع وضرورات أن نعيش وفقا لشمولية النظام الكوني المحكم {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}الأنعام50.
إن إشكالية السلطة وقوانينها والقوة التي تستحكم بها لا تتلائم أبدا مع روحانية الدين وفردانيته، فالمؤمن علاقته وحسابه وثوابه وكل مفردات إيمانه شخصية مع الرب لا مع الأخر إلا بالقدر الذي يحفظ نظام العيش المشترك الوجودي بينهما، فلا المؤسسة الدينية قادرة على فرض إرادتها على الله حين تنحاز مثلا للإنسان أو حين تقف بالضد منه، ولا يمكنها حتى المساعدة في تغيير أو التوسط بينهما، لأنها غير قادرة أصلا على الخروج بنفسها من سلطة الرب ومسؤوليته، فوجودها الحقيقي لا بد أن يكون بأتجاه تعزيز العلاقة الفردية هذه وإفهام الإنسان أنها لا تملك له من الله شيء إلا الهداية لما أراد الله فقط {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}الأنبياء73، فالهداية عمل إرشادي من جهة الهداة وأختياري في الألتزام به من جهة المخاطب بالهداية، فلا سلطة ولا سلطان ولا إلجاء ولا تسلط في الدين {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256.
من هذا نفهم أساس إشكالية المؤسسة الدينية وعدم قدرتها على أحتواء الدين وتأطيره مؤسساتيا تحت مظلة سلطة جامعة وموجهة مركزيا لتقديم نموذج موحد لصورة الإيمان، والتي أنتج لها هذا الفشل الحرص الدائم على أن تظهر وكأنها قوة قادرة وماسكة بزمام إيمان الناس، مما جعلها تبتكر حلولا غير عقلانية وخارج مفهوم الدين أصلا من خلال التكتلات والتفريق بين المؤمنين على أساس الأنحياز لمحدد قيمي ذاتي، وليس على أساس حقيقة الإيمان بالله وجلية الحقيقة الرابطة معه {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}الأنعام159، المؤسسة الدينية لو كانت مهمة حقيقية من مهمات الدين ووظائفة لكانت واحدة وموحدة، لأنها تستند إلى فهم واحد أو إلى أساس واحد لا يمكن الخلاف عليه، وكلما حاول الرب أن يعيد الإنسان لمفهوم الوحدة يظهر الكهنوت البشري ليمارس نفس الدور السلطوي التخريبي وتعاد القصة من أولها.
هناك فرق هام وجوهري بين أن نحول الدين إلى مؤسسة سلطة وبين تنظيم حركة الدين في المجتمع حتى يتمكن من أداء دوره بما فيه، الأول هو حصر حركة الدين بقانون المؤسسة وعدم السماح للفردية الروحانية أن تتحرك من خلاله، والثانية تسمح للإنسان أن يستفيد من القدرات التنظيمية والتوصيفية الإدارية ليكون قادرا على الوصول إلى بعض التفاصيل والمفردات العملية من خلال التنظيم، ترتيب النبوة والإمامة والعلاقة التي أنشأتها النصوص الدينية تصب في الأتجاه الثاني وتؤكد عليه وعلى حرية الوصول {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43، هذا التوجه وإن كان غير ملزم ولكنه شكل إداري نظم طريقة التعامل بين من يملك المعرفة وبين من لا يملكها في حدها الأدنى، أستغل الكهنوت ومن خلال تحريف المعنى وحصره والتضييق عليه لجعل المراد الأداري صورة من صور السلطة وشكلا من أشكال التسلط، هنا بدأت فكرة المؤسسة الدينية معززا بالتقليد لنفس الإشكالية التي وقعت فيها أديان أخرى {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}التوبة31.
الخلاصة التي لا بد منها والتي تؤكد أن الحرية أساس الإيمان وهذه الحرية لا تتوافق مع القيود والتسلط المؤسساتي الفارض قوانينه الذاتية على الناس، فلا إيمان حقيقي يأت بالفرض السلطوي ولا حياة للدين في عقول ونفوس مقهرة عليه ومجبرة أن تسير على خارطة مرسومة على الأرض بدون سؤال وجواب، لذا كلما كانت علاقة الإنسان بالله علاقة تحكمها الإحاسيس الروحية والميول الفطرية والعقل الواعي كان إيمانا أقرب للكمال وأقرب لطبيعة الدين ووظيفته الوجودية.







اخر الافلام

.. -الإخوان- تحت مجهر الكونغرس.. فهل يتقاسمون مع الإخوان تهمة ا


.. هذا الصباح-صناعة أجراس الكنائس مهنة تواجه خطر الاندثار باليو


.. يمنيون يهربون إلى -الجنة-




.. قانون الدولة القومية اليهودية يثير استياء وامتعاضا


.. قالوا| عن ثورة يوليو ونظرة الإخوان للوطن