الحوار المتمدن - موبايل



سجن الرّوح-11-

نادية خلوف

2018 / 4 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أخجل أن أكون ضحيّة مع أنّني ضحيّة. أخجل أن أكون فقيرة مع أنّني فقيرة، وأخجل من الظهور الاجتماعي حيث يجعل الآخر في حالة تنمّر تجاهي. من هو الآخر؟ من الأخطاء التي أمارسها من معتزلي هي التعميم، لا بد أعن أعمّم فكلّ من نظرت في عينيّه كان يريد أن يقول لي كلمة تشفّي مع أنّني كنت في أحسن حالاتي، لكنه ينقل لي أمنياته بالفشل، لو كان هناك من شخص مسالم معي لما اخترت العزلة. أكتب عن شعوري تجاه ذلك الآخر الذي تمنّيت أحياناً أن يكون من ضمن عالمي، لكنّه رفض بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، فمن يميل زمانه تميل حتى حجارة بيته عليه.
ليس صحيحاً أن الإنسان هو من يفرض احترامه، فحتى يحترمك البشر إن كنت امرأة عليك أن تحافظ على غطاء اجتماعي كزوج، أو أخ، أو عمّ ممّن لهم سطوة ولو قليلة في المجتمع، دون حماية الذكور يتطاول عليك الجميع.
لا أحد يعرف بالمستقبل حيث لا مستقبل، لكن هناك من يربح بطاقة يا نصيب، وتتغيّر حاله، حتى اليانصيب ليس له مصداقيّة في تلك البقعة من الأرض التي تدعى سورية.
لا تبحث عن التّعاطف الاجتماعي فهذا غير موجود. التّعاطف لا يولد مع الإنسان، بل يتمّ تعليمه، وتربيته، و" نحن" لم نتلّقاه.
سوف تجد الكثير من المعزّين لك في لحظة انهيارك ليقولوا لك أنّك تستحق. في الأجيال التي سبقتنا. كان من الممكن أن يربي الأب ابنته وأولادها لو مات زوجها، أو طلّقها تعسّفيّاً، لكنّ هذه الظّاهرة ربما في طريقها إلى الزّوال، فالفتاة منبوذة من بيئتها، وقد تحتمي بأهل زوجها أكثر من أهلها لو قبلوها، وتعتبرهم أقرب لها ولأولادها، لكن في أغلب الحالات لا تنجح تنازلاتها، وتبقى العلاقة معها كامرأة قد تكون اغراضها تفريق الشّمل.
. . .
يعيّرني بأنّني أعتزّ بنفسي
يهدّدني بدرسه
يعزف أنغامه ، يسخر منّي
لا أستطيع أن أفعل أمراً
أن أنطق سرّاً
أن أفشي عذاباً، وأظهر صبراً
العيون ترقبني ،تثأر منّي
لماذا؟
تسألون غافلاً مثلي
سوف أحيا يوماً ربما
وربما غداً يموت ظلّي
. . .

يتحكّم في عمري مجنون
توصد الأبواب، تجفّ الأقلام
أنسى من أكون
يضيق ، يضيق بي الكون
تنفجر صرخاتي المكبوتة
وتنزل أمطار السّماء فحماً على دارنا المحروقة
يقول لي: حبيبتي أنت. مدّي يديك إلي
أنت قبلتي، عنوان محبّتي
أمدّها عطفاً
أدير وجهي إلى الجهة الأخرى
أبكيني
ساذجة أنت يا هذه!
تصدقين كلمة استعطاف
لم تتعّظي من السّنين
هذه أنا أبلع السكين تلو السكين
. . .
تشكو حكاية عمرها
تقول، وتقول
تطلب تفسيراً
لا تستطيع أن تغادر
محكومة بقوانين النّساء
وبقيود الأطفال
ماذا أقول لها؟
لن أقول، فالحديث قد يطول.
. . .
أتحدّث عن قصص حياتيّة طبيعيّة في سورية، وفي أمكنة عدّة عشت فيها، أقلّها مسقط رأسي السّلميّة ،دمشق ،والقامشلي.
جارتي موظّفة، تحيك ملابس أولادها، تقتصد في المصروف، تبدو مرهقة، وزوجها يذهب في كل يوم ليلعب القمار، رأيت الكدمات على جسدها . قلت لها :اتركيه. أجابتني : ليتني أستطيع.
في تلك الليلة كنت أفكّر بها. سألت نفسي: هل يمكن فصل الحياة السّياسيّة عن الاجتماعيّة؟ وتذكرت ذلك الطّفل ذو الخمس سنوات، وهو يلعب في الشّارع، بينما والده يتناول طعامه في مطعم مع ثلّة سياسيين، ويأتي إلى البيت مخموراً. كان الطّفل يطلّ كل عدّة دقائق إلى المنزل وهو يرتجف خوفاً على والدته ، وأحياناً يعاتبها لأنه ليس معها ثمن عرنوس ذرة. . أصبح الطّفل شاباً، وهو يقرض أظافره بأسنانه. عندما التقيته آخر مرّة قال لي: أنا مريض بالخوف. لا أحبّ أن أتزوّج. أخشى أن تصبح زوجتي أمّاً وكلما دخلت أراها تبكي. كم كانت غالية دموع أمّي. أخشى أن أكون أباً. أتصور نفسي يوماً سوف أحمل أمّي معي في حقيبة، وأسافر بها إلى آخر الكون، وعندما أتخلّص من الخوف يكون لي مجد، أقف أمام الكاميرا وأبكي، فقد حبست دموعي منذ الطّفولة، وبعد أن أمسح دمعي أقول: كان أبي ساقطاً. معذرة منكم، وأكتفي بذلك فقد أردت أن أقول له ذلك يوماً وخفت لأنّني لا أملك عملاً ولا دخلاً كي أحمي أمّي.
لا أتحدّث بتلك القصص كي أكتب نصّاً أدبيّاً، فالقصص حقيقيّة، وربما وصفتها بأقلّ ما تستحقّ. كان كلّ شيء رهيباً. فحتى في الجلسات العائلية لا تتجرّأ أن تبدي رأياً فيها حول مسمار، سوف يخرج لك طفل صغير ويقول أنت لا تفهم. دعني أعالج الأمر، وذلك الطّفل الصّغير ينطق باسم الرّأس المسيطر على العائلة ففي كلّ عائلة دكتاتور، قد يكون أباً أو أخاً ، أو أختاً، ولا أظن إلا قلّة من الأمّهات يمارسن الدكتاتورية. هنّ يمارسن الخوف فقط، لكن من تسيطر من النّساء تعبّر عن رأيّ الذكورة في المجتمع، ومن يعتقد أن التّعامل مع الدّكتاتور سهل حتى لو كان بينك وبينه قرابة دم فإنّه مخطئ. هو لا يقبل حتى لو أيدت رأيه يقول لقد فهمت الموضوع بشكل خاطئ. لم أكن أقصد ما قلته أنت.
. . .
ما كتبت هو مجرّد بعض عذابات الأطفال والنساء، وهو ربما يكون أخفّ أو أشدّ مما وصفت، لكن للأحزاب خطّ آخر، فالمسؤول الحزبي لا يجيد التفكير بدون بطحة عرق. بإمكانك أن تدعو الشّيوعي والبعثي من قمّة الهرم إلى لقاء أنس في مطعم على حساب شخص ثالث، ويستمرّ التّناغم الوطني حتى الثانية بعد منتصف الليل وقت إغلاق المطعم، وربما تدعو مسؤولاً في الأمن إلى بيتك وتكرمه بالويسكي، والعائلة، وقد تنام قبل زوجتك لأنّك متعب، ويستمرّ هو بالسّهر مع سيدّة العائلة التي تقوم بواجب استقبال الضّيف، يوجد مسؤولو أمن وطني في جميع الأحزاب فأعضاء اللجنة المنطقية في الحزب الشيوعي هم مسؤولو أمن الوطن والاشتراكية، والسّلم العالمي، عندما يعيشون اللحظة عليك أن تكون داعماً للوطن، وإلا تصبح خائناً تستحقّ الموت، وهم يعيشون اللحظة كلّ يوم. يتسكعون ليجدوا شخصاً يدفع لهم ثمن ليلة فيها بعض اللحم والكثير من السّكر.
حتى لو كتبت بصيغة من يتحدّث عن نفسه، فأنا لا أتحدّث عن نفسي، لكنّ هذا لا يعني أنني لم أعاني من موضوع النّضال هذا. كنت أعمل مع نساء مسحوقات، وقادة من الرّجال المدمنين، وهذا ينطبق على أغلب الأحزاب التي على السّاحة بما فيها الأحزاب الكردية.
هناك كلمات عليك أن تحفظها عند منتقدي النظام، وهم حتى ضباط أمن. السياسة الخارجيّة للأسد لا غبار عليها فهو ضد إسرائيل وأمريكا، والسياسة الدّاخليّة ليست بهذا السّوء يمكن تفهّمها.
عندما أتكلّم عن الأحزاب فإنّني أعني العدد القليل من النّاس الذين ينتمون لها كعوائل، أو عشائر لحزب شيوعي أو قومي غير البعث. أما البعث فقد كانت ظاهرة السّهرات الماجنة تقتصر على الصّف الأوّل فقط ، وبما أنّ أغلب السّوريين إما بعثي، أو شبيبي، فإن أغلبهم يرغب في العمل على مصالحه، أو يختبئ لأنّه دخل مرغماً، ومع هذا فإنّ حزب البعث كان قادراً على حشد جميع الأحزاب تحت عنوان ما.
تخونني الذّاكرة أحياناً، ولكن هناك حادثين لا أنساهما. الأولى وكنت في دمشق، وطلب منّي زوجي أن أرافقه إلى مكتب هيثم المالح لحضور جلسة لحقوق الإنسان، ذهبت متردّدة، وفعلاً رأيت سجناء سابقين، وقياديين، كانوا جميعهم يميلون للفكر القومي العربي مع أن بعضهم من أحزاب غير قوميّة ، وكان هيثم المالح قد استيقظ للتّو، ولم يكن هناك امرأة غيري، وبدأ هيثم يحلق ذقنه أمامنا، وعندما كان يتحدث عن النساء قال بأن وضع المرأة لدينا أفضل من الغرب، حيث يمكن في الغرب أن يمارسوا الجنس في الشارع، وأدار وجهه إلى الحائط ممثلاً العملية الجنسية. عاتبت زوجي بعدها، وقلت له حسب ما أذكر: لم أصدق أنّني تركت الجماعة، وبكيت.
المرّة الثانية أيضاً مع حقوق الإنسان حيث قدم وفد من النساء والرجال من حقوق الإنسان، وهم من جماعة أخرى من حقوق الإنسان غير جماعة هيثم المالح، وصلوا إلى القامشلي للتهنئة بميلاد الحزب البارتي الموالي للبرزاني، وفي هذه المرة ذهبت أيضاً مع زوجي، وبعد انتهاء الاحتفال دعي الوفد المشارك إلى مطعم زوهرابيان ، وكنّا ضمن المدعوين، وبعد أن سكر أغلب الرجال والنّساء، بدأ تبادل النكات-طبعاً أنا لا أشرب الكحول ليس إيماناً ، لكن تحدياً، وعادة عندما أذهب للمطعم في مناسبة كهذه لا أتناول سوى شيء بسيط من الطّعام لأعود وأتناول الجبن والشّاي في المنزل-
هاتان الحادثتان كانت كافيتان لتجعلاني أرفض الدّعوات، وفي نفس الوقت لم يعد زوجي يملك المال كي يدعو " رفاقه وأصدقاءه" إلى المطاعم، وكان إلى حدّ ما مهمّشاً حتى من عائلته في تلك الفترة.
كانت سورية -في الأماكن التي اختبرتها-عالمان: سوريون تحت خط الفقر، وهم لا يهتمون بتفاصيل الوطن والمواطنة، وسوريون يعملون في وظائف الدّولة أغلبهم ينتمي إلى الجبهة الوطنية التقدّمية، وهناك ربما بعض المحايدين الذين يملكون ذهناً متنوّراً، لكنهم منعزلون ، أما طبقة الأغنياء وحتى المنتفعين من السّلطة، فقد أرسلوا أولادهم إلى الغرب لدراسة الفنون والعلوم وحصلوا على شهادة غربية. المنح الغربية لأولاد المسؤولين والأغنياء، والمنح الشرقية للفقراء من الأحزاب، وهي مدفوعة الثمن للشخص الذي يرسلك للدراسة.
. . .
في تلك الفترة-فترة حكم عائلة الأسد- كان يمكن لديك أن يصبح مطرب الوطن، وأن يكون من يشبه بتهوفن لا يفهم بالفن والأدب. وقد تغيّرت بعض الأشياء في جماهير الأحزاب التي لم يكن لها علاقة بما أتحدّث عنه. الأمر الجديد هو نشوء ظاهرة التّشدد الديني، وظاهرة شتائم الدّين ، وشتائم ضد السّعودية والإمارات وغيرهما، وهو في النّهاية صوت النّظام الذي عشّش في داخلنا. عندما ذهبت للإمارات وكانت مزدهرة تمنيّت أن تكون سوريّة مثلها. لا يمكن للمواطن الإماراتي أن يجوع لو أراد أن يعمل، وحتى الوافد أيضاً، وهنا لا أتحدّث سياسة، لكن الإماراتيين بشكل عام مؤمنون بالعروبة، وما فاجأني أكثر أنّ السّلفيّة هناك تشبه" الطائفة" في بلادنا، فقد كان بعض موكلينا سلفيين، وفوجئت بأحدهم هو من يحمل طفله، وتلبس زوجته الزّي التقليدي الإماراتي العادي ,تتحدث مع الرّجال، ويقدم لها الاحترام في المجتمع، وتلك السّلفية كانت عبارة عن معتقد دنيوي وديني يتناسب مع المواطنة الإماراتية، وهذه السّلفية لا علاقة لها بالتّشدد، بينما بعض المصريين، وقلة من السّوريين تلبس زوجاتهم الخمار، ويتحدّثون عن الحلال والحرام. هذا ما رأيت.
في سورية يمكن للسلطة أن تطرح مقولة ، ويصبح النّاس هم صوتها دون أن يعوا، فنحن نعيش دون منافذ، وحتى اليوم لا منافذ فوسائل التواصل الحديثة لم تنقل للسوري المعلومات التي يرغب بها. بل سمحت له أن يلفظ شتائم التّحقير للآخر، وينشر ثقافة الكراهية، وأقل الشّتائم هي بالأم والأخت. سورية سجنت روحي، ولا زلت داخل السّجن.







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي