الحوار المتمدن - موبايل



عجوز وطابون وسته دجاجات

عطا مناع

2018 / 4 / 12
القضية الفلسطينية


عجوز وطابون وسته دجاجات
بقلم : عطا مناع
تصحو حليمه مع الديك أو قبله بقليل، تتدحرج باتجاه خم الدجاج لتفحص حال دجاجاتها اللواتي يشكلن سلاحها الاخير والفعال في مواجهتها للحياة التي لا تشبهها حياة، حليمة التي ستطوى سنواتها الاربعين شاخت مبكرا، وهي دائماً تحدث نفسها لدرجة أن الذي يسمعها يعتقد ان الشيطان لبسها.
حليمه التي لا يزيد طولها عنى متر وخمسة وخمسون تعيش خارج الواقع، هي لا تقتنع بعمرها، لا تعترف يزمانها ولا مكانها، لا زالت تعيش هناك وتتمنى ان تدفن هناك، هناك وكما تعتقد كانت اكثر اشعاعاً وجمالاً، بالرغم من جمالها المتواضع والذي خبا بسبب قسوة الحياة في المخيم.
هي تعرف أن رحلة الشقاء القصيرة ترجمت نفسها على وجهها الذي امتقع ليميل للأسود ما يضيف بعض البشاعة لها وخاصة ان الوشم الاخضر القاتم احتل مساحة لا بأس بها على وجهها الذي لم تعد تراه بسبب عن وجود مراه في بيتها.
مرآة حليمة كانت وجوه النساء في المخيم، انها ترى نفسها في وجوه الاخريات اللواتي لا يختلفن عنها كثيرا، ومراتها الاخرى كانت زوجها خليل.
يعرف خليل أنه الميت الحي، ويعرف ايضاً ان النكبة استحضرت كل شياطين الارض لتنغص عليه حياته التي كان يعيشها بالطول والعرض في قريته تل الترمس، لذلك وعندما تنظر الية ترى شية انسان، كان يقول دائماً لم يعد للحياة طعم، نحن نعيش كما البهائم في هذا المخيم، فكل شيء في المخيم موت، الحياة موت، الثياب الرثة المرقعة التي تلبسها موت، ما تلقي به في معدتك موت، المختار موت والنساء اللواتي كانت بالنسبة له زينة الحياة الدنيا موت.
خليل ذو قامة فارعه، الناظر له يستغرب كيف تزوج بحليمه، هو اجمل منها بكثير، والفارق بينهما بضع سنوات، وسنوات النكبة القصيرة والقاسية لم تترك الكثير على وجهه، لكن قلبة كان مدمياً ، وتراه احياناً يتحدث خارج السياق لدرجة ان الذي لا يعرفه يعتقد انه مجنون، كان يردد دائما ... انا زي ذكر النحل لا شغل ولا مشغله، يقول ذلك بالرغم من انشغاله لتضيع الوقت لا اكثر في نسج السلال من اغصان الشجر التي تأتيه من القرى المجاورة بهدف وضع منتوج التفاح والخوخ والاجاص والسفرجل وشتى انواع الفواكه والخضراوات فيها.
حليمة الشابة العجوز تبذل ما في وسعها لحرق الوقت، كأنها تستعجل الحياة الثانية، وهي مقتنعة تمام الاقتناع بالانخراط والتقوقع في عالمها المقتصر على دجاجاتها السته وطابونها الذي صنعته من الطين بهدف توفير رغيف الخبز لعائلتها التي تدفع يومياً ثمن النكبة التي راحت ضحية فن السياسة.
حليمة تتقن فن الصمت، ولا تنفك عقدة لسانها الا وهي في خم الدجاج، تبوح لدجاجاتها بكل ما يعتمل صدرها، واحياناً تضحك على نفسها وهي تناجي دجاجاتها ولكنها غالبا ما تنهمر دموعها وهي تتذكر حياتها السابقة التي تشتاق لها، ففي حياتها السابقة تختيئ الذكريات والاحلام الجميلة.
احياناً وفي خضم مناجاتها لدجاجاتها يقتحم عليها احمد عالمها وينادي عليها غاضباً شاتماً، فالغضب والشتائم كانا ثقافة شملت كل بيوت المخيم، وكأن الرجال يهربون من واقعهم وثقل الهزيمة واوجاع اللجوء بالشتائم التي باتت تشغل جزء لا بأس به من حياة التيه والفراغ التي يعيشونها.
في احد الايام ارتفع صوت احمد غير كل المرات، كانت حليمة في تزبل الطابون ليكون جاهزا للاستخدام، اسرعت اليه فوجدت وجهه ممتقعاً ، وعلى الفور سألها، أين كواشين الارض؟؟؟؟ اجابته الكواشين في الطربوش؟؟؟ رد كعادته غاضباً أي طربوش؟؟؟؟ اجابته وهي ترثي لحاله في طربوشك.
عل الفور تناول الطربوش وافرغ بحرص ما في داخله من اوراق، بدأ يقلب الاوراق وقد عادت لوجهه الطمأنينة، كان هذه المرة مختلفاً عندما قال هل تعرفي يا حليمة أن كواشين الارض شاخت؟؟؟؟ يا الله خذ ما تبقى من عمري واعدني يوماً لهناك لأطمئن على ارضنا، معقول يا حليمة أن الارض بتشيخ ؟؟؟؟ نعم يا حليمه الارض تشيخ كما نحن ولكن الفرق بيننا وبين الارض أنها تستعيد شبابها كلما احتضنت واحداً من عشاقها.
نظر اليها وقد ارتسمت على وجهه نظرة تعرفها جيداً، توجست واستنفرت قبل ان يحاول ان يحتضنها قائلاً : هل تعلمي يا حليمه انك الوجه الاخر للأرض التي تركناها هناك ؟؟؟ عندما احتضنك أشتم رائحة ارضنا ، قالت له عندما احتضنتني اخر مره وقعت على رؤوسنا الخيمة وانفضحنا، فقال لها كل المخيم انفضح يا حليمه ، الله لا يرجع هذه الايام، ايام الثلجة الكبيرة ، هل تعرفي يا حليمة أن الارض عاقبتنا بالثلجة الكبيرة، عاقبتنا لأننا تركناها هناك وحيدة شيخوختها.
اجابته على الفور: من قال لك أن الارض وحيدة شيخوختها ؟؟؟؟ أرضنا يا احمد في قمة الشباب ؟؟؟ عنفوانها كما جذور البلوط صلبة عصية على الكسر ؟؟؟ أرضنا أرتوت بدماء عشرات الالاف من ضحايا العصبات الصهيونية ، كل قريه في فلسطين قدمت ضريبتها، لا تنسى يا احمد مئات المجازر التي راح ضحيتها عشرات الالاف من شعبنا، هؤلاء ملح الارض وديمومة شبابها.
خوفي يا حليمة من الاجيال القادمة وعليها، خوفي أن تنسى، كيف ننسى يا أحمد وصدى اصوات الضحايا لعنة ستلاحق كل من ينسى، نعم نحن سنشيخ ونموت وبموتنا تتجدد الارض منتظرة من يستحقها، لا تخف من الاجيال القادمة ولا تقلق عليها، هناك من سينسى ولكنهم قلة، كما قلت المرأة كما الارض لا بل هي الارض وهذا هو مخزوننا للسنوات القادمه.
الخوف يا حليمه كرباج يدمي ظهورنا، الخوف يتسرب لتفاصيل حياتنا، الخوف يا حليمه حولنا الى بهائم ، من رحم الخوف يا حليمه تلد الخيانة، اخاف يا حليمه أن نورث الخوف لأولادنا واحفادنا، الكنبة يا حليمة زرغت في قلوبنا الخوف، نخاف أن لا نعود، نخاف أن ننسى، ونخاف يا حليمه أن نتحول لبهائم لا تفكر الى في قوت يومها.
علينا يا احمد أن نخاف، فمن رحم الخوف تلد الجرأة وبعض الخيانة، هذا المخيم يا احمد لا خوف عليه، هنا سيتعمد الاطفال ليشتد عودهم ويزرعوا الارض شهداء وحراس، لا تخف يا احمد ألا من خوفك وعلى خوفك، لا تخف على المستقبل فالمستقبل هو خلاصنا ولكن عليك أن تبصق بمليء فمك على الحاضر بكل أوساخه، اذا رفضت الحاضر يا احمد سيفتح لك المستقبل أبوابه، يا أحمد المستقبل لنا، ومن يدري لعلنا بعد عشر سنوات أو عشرين سنة وعندما تختضننا الارض ونصبح نحن الارض سنحتض أحفادنا وأحفاد أولادنا شهداء، الأرض يا احمد تحتفي بالشهداء وتلفظ الخونة.
صمت أحمد لبضعة ثواني، ثم قام بلملمة كواشين الارض واعادها لطربوشه، اطلق نطرة في الافق كما السهم، نظرة اخترقت الجدران وطوت المسافات لتحط هناك حيث الذكريات التي لا تنسى، وكأنه السحر نهض على قدمية ولبس طربوشه وتوجه الى حاكورة داره حاملاً فأساً هرماً وبدأ ينكش الحاكورة بدون توقف وعلى وجهه ارتسمت علامات الغضب والانفراج.
تركته حليمة أسير الحاكورة والذكريات وراحت لتكمل ما بدأته من كد في البيت، كانت تعمل وهي تتابعه بنظرات أتعبها الاشتياق، وكأن الحديث بينهما اختصر الزمن وعاد بها للوراء لتستذكر احلامها البسيطة التي لم تتجاوز حدود القرية ، كانت تحلم وكأي فلسطينية عاشت ذلك الزمان براحة البال والطمأنينة، لا طموح لها سوى أن تهتم بزوجها وأولادها وأرضها.
أشاحت بوجهها عن احلامها وعن ماضيها الذي يسبب لها الصداع والشقاء، عادت الى خم الدجاج بعد أن اعدت وجبة الخبز اليومية، هنا مع الدجاج تشعر بالراحة فهي تحدث نفسها دون أن يقاطعها أحد، تذكر الحوار الذي جرى بينها وبين زوجها، حوار أضاف للخطوط التي حفرتها سنوات النكبة على وجهها خطاً اخر.
في خضم غيبوبتها اليقظة والتعب الذي أثقلها نتيجة عبئ اعمال المنزل، راحت حليمة في غفوة لترى المخيم قد اشتد عوده حيث لم يعد المخيم الذي تعيش، رأت الحشود تتوجه لبيتها حاملة احد أحفادها شهيدناً، كانت خارج المشهد حيث الحشود التي انتصرتِ على الخوف، أمام هذا المشهد المهيب نادت على احمد التي أصبحت واياه تراباً وكأنها تعلن انتصارها على الخوف وسنوات الوجع وقالت .... ألم اقل لك يا احمد.







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي