الحوار المتمدن - موبايل



الاتحاد العام التونسي للشغل :الحاكم و المعارض والرقم الصعب في المعادلة التونسية

محمد المناعي

2018 / 4 / 14
الحركة العمالية والنقابية


لم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظمة الأكثر ثقلا و تأثيرا في المشهد السياسي التونسي منذ الفترة الاستعمارية الى اليوم ، في قطيعة تامة أو تماهي تام مع السلطة القائمة ، فقد اتسمت العلاقة دوما بالشد والجذب حسب الفترات و المفاصل التاريخية وحسب طبيعة المرحلة وخصال الحكام ، من تزعم الحركة الوطنية في منطلق الخمسينات الى التدخل المباشر للسلطة في هياكل الاتحاد وقراراته اثر الاستقلال الى الصدام والقطيعة مع السلطة أواخر السبعينات الى العودة الى مباركة خيارات السلطة في التسعينات الى التحول الى طرف في السلطة نفسها وادارتها وتوجيهها بطريقة غير مباشرة بعد انطلاق المسار الثوري في 2011 وخاصة عبر الحوار الوطني و عبر وثيقة قرطاج الأولى والثانية التي بصدد النقاش في الوقت الراهن .
هذه العلاقة بين المنظمة النقابية و الحكم تم التعامل معها من الداخل ومن الخارج بطرق وتقييمات مختلفة لها امتدادات سياسية بل أحيانا تحت تأثير الخيارات الحزبية ، فمن اعتبر مساهمة الاتحاد في الحوار الوطني انقاذ للبلاد من أتون مواجهة أهلية بين الحركة الاسلامية و مختلف مكونات المشهد السياسي التونسي وبين من اعتبره انقاذ للحركة الاسلامية بعد أن حوصرت اقليميا ( ماحدث في مصر سنة 2013 ..وما أل اليه الوضع بليبيا وسوريا ) وحوصرت داخليا ( ايقاف أعمال المجلس الوطني التأسيسي و اعتصام الرحيل و تأسيس جبهة الانقاذ على اثر اتهامها بالتورط في الاغتيالات السياسية للطفي نقض وشكري بلعيد و محمد البراهمي ..ودعم التطرف و التسفير لداعش وغيرها ...) فكان الحوار الوطني عبارة عن متنفس لها وانقاذها من انتقام شعبي و محاكمة رموزها .وبين من يدفع لتشريك الاتحاد لكسب مساندته و يحاول في الأن ذاته محاولة رسم مربع لتحرك الاتحاد واعادة التساؤل حول مدى تدخل الاتحاد في الشأن السياسي .
غير أن الاتحاد حينها لم يكن ليجازف بدفع الأزمة الى أقصاها في واقع وطني واقليمي متوتر وارهاب يتربص بالدولة التونسية وبوجودها من كل جانب فاتجه نحو إدارة الحوار و الخروج من الأزمة عبر مخارج مدنية سياسية تفاوضية رغم انعكاسات ذلك على الشغالين طوال فترة الحكومة الانتقالية لمهدي جمعة .
عاد النقاش من جديد اثر مؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل و تصعيد قيادة قديمة متجددة لم تقطع مع خط سابقتها بل اختارت أن يكون انخراط الاتحاد في السلطة أكثر مباشرة بل يتحول الى شريك فاعل . فانتخابات 2014 أفرزت أغلبية سياسية عريضة للحزبين الأولين الذين التقيا للحكم وحولهما أحزاب أخرى محدودة التأثير لتشكل هذه الأحزاب مجتمعة أغلبية برلمانية مريحة بإمكانها منح الثقة لأي حكومة يتم التوافق حولها و نظريا تمرير أي قرار أو قانون أو إصلاح بأغلبية مريحة لكن في الواقع الميداني كانت فاقدة للسند الشعبي و المواطني ولا تحظى بحزام سياسي قوي يمكنها من الجرأة في اتخاذ القرارات في مقابل معارضة ضعيفة معزولة تعجز عن التأثير في القرار و عن تحريك الشارع معا وهو ما جعل الاتحاد العام التونسي للشغل يلعب دور السلطة فعليا من خلال إخماد الاحتجاجات و فض النزاعات ذات البعد الاجتماعي و التفاوض مع الجماعات المحتجة بطريقة غير منظمة و محاولة تجنب الصدام مع الحكومة الهشة عبر اضرابات موجعة ( ما حدث في المالية وما يحدث في التعليم الثانوي على سبيل المثال ) وتعلم قيادته جيدا أن الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات 2014 وما قبلها هي بالهشاشة و الضعف بحيث لا معنى للدخول معها في مواجهة جدية و أن تغييرها أو إسقاطها أمر رهبن ضغط سياسي و اجتماعي لا أكثر ...كما ولعب دور المعارضة في نفس الوقت فهو الناقد الأول للحكومة و المؤثر في قراراتها و العامل حاليا على تغيير مسارها بل تعديلها أو تغييرها .
هذا الخيار لقي نقدا متواصلا حتى داخل المنظمة نفسها خاصة بعد انخراط الاتحاد في وثيقة قرطاج ودعمه للحكومة بل تحول الى المساند الوحيد لرئيس الحكومة وفريقه في مواجهة رغبات داخل الحزبين الأولين النهضة والنداء للضغط على رئيس الحكومة لنيل نصيب أوفر ونفوذ أوسع عبر التعيينات وغيرها .ومرد النقد الموجه للاتحاد اضافة الى الخلفيات الحزبية التي ترى أن وجود الاتحاد خارج وثيقة قرطاج هو سند للمعارضة الموجودة خارجها وبالإمكان استثمار ضغط الاتحاد في معارضة الحكومة ، اضافة الى رفض هذا الانخراط نتيجة ما أفرزته المشاركة من احراج للقطاعات في الضغط على الحكومة لتحقيق مطالب اجتماعية فضلا عن الحصيلة السلبية للعمل الحكومي و التي يتحمل فيها الاتحاد جزء من المسؤولية باعتباره شريكا في وثيقة قرطاج التي أفرزت الحكومة الحالية وهو ما يرى فيه البعض احراجا للمنظمة وتورط لها في حكم فاشل خاصة والجميع على دراية بدوره في تعيين بعض الوزراء و الفيتو الذي يرفعه ورفعه في وجه أخرين مما يجعله يتحمل نتائج الأداء الحكومي بشكل أو بأخر .
لكن التوجه الذي اختاره الاتجاد العام التونسي للشغل لا يقف حد دعم حكومة فاشلة أو المشاركة في توافق وطني منقوص يضم المتناقضات و تعصف به الصراعات الحزبية و أيادي مرتعشة في المجال الاجتماعي و التنموي وحصيلة سلبية على جميع الأصعدة رغم ما تجده الأحزاب والمنظمات الممضية على وثيقة قرطاج من مشروعية وسند لتواجد الاتحاد معها على نفس طاولة الحكم واستثمار ذلك لصالحها ...
التوجه الذي اختاره الاتحاد متماه مع طبيعة المرحلة التي تمر بها تونس ، فالأزمة الاقتصادية الشاملة دفعت لتوريط تونس مع صندوق النقد الدولي وفي تبعات التداين في شكل املاءات وشروط لها انعكاس على الاقتصاد أولا و على الوضع الاجتماعي و على الأجراء و على المقدرة الشرائية للمواطن وعلى قدرة الدولة على ادارة التوتر الاجتماعي المنتظر نتيجة الاجراءات الموجعة ... وفي كل الحالات ستؤول المسؤولية في جانب منها على المنظمة النقابية في إدارة تبعات هذه الأزمة . وكما أسلفنا الإشارة فان الرد على الاجراءات الموجعة عبر الاحتجاج لم يعد مجديا في ظل حكومات ضعيفة غير قادرة على الصمود أمام الهزات الاجتماعية ولم يكن من المجدي خيار اللامبالاة والسلبية وتحميل المسؤولية للتحالف الحاكم باعتبار التوجه الليبيرالي السائد له والذي يمكن أن يعمق الأزمة بدل حسن ادارتها والتقليل من انعكاساتها السلبية ويمكن أن يسارع الى حلول سهلة لتوفير السيولة وكسب ثقة المؤسسات المالية المانحة .
خيار الاتحاد العام التونسي للشغل كان المشاركة و اعتبار نفسه معنيا بل المعني الأساسي بالاصلاحات التي يمكن أن تحد من تبعات الأزمة المالية والاقتصادية والتورط مع الصناديق العالمية و التداين المجحف و المتزايد خاصة وأن الإصلاحات لها انعكاس اجتماعي مباشر على منظوريه الأجراء وعلى عموم الفئات الوسطى و الشعبية وعلى الاستقرار الاجتماعي .
فبخصوص اصلاح المنظومة الجبائية على سبيل الذكر يدفع الاتحاد الى تقاسم العبئ الجبائي بين الأجراء و المهن الحرة و المستثمرين الخواص للحد من التهرب والتحيل الجبائيين في حين عجزت الحكومات المتعاقبة على فرض عدالة جبائية بين الفئات والقطاعات .
وفي إصلاح منظومة تمويل الاقتصاد سيدفع الاتحاد انطلاقا من توجهاته الاجتماعية الى الحد من التداين والتفويت في المؤسسات العمومية و البحث عن بدائل لتمويل الاقتصاد التونسي في الاستثمار و خلق الثروة و الزيادة في الانتاجية و خاصة في إدماج ما يزيد عن نصف الاقتصاد التونسي ضمن الدورة المنظمة بالدفع نحو هيكلة الاقتصاد الموازي ...
وبخصوص منظومة الدعم التي حادت عن أهدافها في إسناد الفئات المحدودة الدخل من طرف الدولة لدعم القدرة الشرائية للمواطن عبر دعم المنتوجات الأساسية والتي تحولت الى عبئ على ميزانية الدولة دون أن تحقق أهدافها في الوقت الذي تنادت فيه عدة أطراف للتخلي عن هذا الدعم في حين يدفع الاتحاد نحو اصلاح هذه المنظومة ليتوجه الدعم لمستحقيه دون غيرهم مع الحفاظ على هذا المكسب وعدم التفريط فيه.
اصلاح الوظيفة العمومية التي تعطل بها الانتداب منذ سنتين و التي تدفع الصناديق الدولية لتقليص كتلة الأجور بها والتوجه نحو تجميد الانتداب و تسريح الموظفين وافراغ الادارة التونسية و القطاعات الخدمية الأساسية من الإطارات الضرورية وفتح المجال أمام التشغيل الهش دفع الاتحاد الى الضغط من أجل الاصلاح في علاقة بالحوكمة في الانتداب والتوزيع والمحافظة على الاطارات وتعزيزها بقطاعات الصحة و التعليم خاصة و النظر في الانتدابات العشوائية التي أثقلت كاهل الوظيفة العمومية دون مردودية تذكر .
بخصوص المنشأت العمومية والمؤسسات التي تسعى الأطراف السياسية الحاكمة إلى العمل على التفويت فيها و التخلص منها لتوفير سيولة مالية ظرفية يطرح الاتحاد العام التونسي للشغل اصلاحها لا بيعها و معالجة ملفاتها حالة بحالة حفاظا عليها وعلى مواطن الشغل الذي توفرة وعلى القطاعات الحيوية التي لا يمكن بأي حال قبول التفويت فيها ..
الصناديق الاجتماعية ملف خطت فيه الأطراف الاجتماعية خطوات على طريق اصلاحه و يعتبر الاتحاد نفسه شريكا أساسيا في انتشال هذه الصناديق من أزمتها بعد أن أشرفت على الافلاس وانعكست على منظومة التقاعد والمنظومة الصحية و منظومة الضمان الاجتماعي وغيرها .
إضافة إلى الإصلاحات القطاعية على غرار إصلاح الادارة و المنظومة التعليمية و الصحية وغيرها والتي يحمل الاتحاد تصورا كاملا لمعالجتها بالشراكة مع بقية الأطراف الاجتماعية المعنية فهذه الاصلاحات ذات البعد الاستراتيجي تتجاوز الظرفية السياسية الحالية و الأغلبيات السياسية الحالية و الحكومة الراهنة لتتجاوزها إلى التأثير على مستقبل تونس على المدى المتوسط والبعيد وبالتالي ترك المكان شاغرا يعتبر مجازفة بمصالح الأجراء و الشغالين وعموم المواطنين رغم ما لهذه الشراكة من انعكاسات على إدارة الشأن النقابي في الفترة الحالية وثنائية المشاركة والمعارضة وثنائية النقد والدعم التي يصعب إدارتها .
فالمشاركة في وثيقة قرطاج الأولى والثانية كان الهدف منها المشاركة في محاولة الحد من الأزمة الشاملة وخاصة الشراكة في الإصلاحات و لعل التوتر الحالي مع حكومة يوسف الشاهد مرده محاولة الحكومة كسب مساندة الاتحاد في شؤون الحكم اليومي وفي الملفات المتراكمة و في حل بعض النزاعات الاجتماعية و في المقابل التفرد بموضوع الاصلاحات وهو ما دفع المنظمة الى إعلان الاستنفار في مختلف القطاعات و الجهات و الدفع عبر المشاورات الحالية لتغيير الحكومة و تكليف حكومة أكثر قدرة على العمل التشاركي مع المنظمات الاجتماعية و في مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل و تعي معنى الخطوط الحمراء التي يضعها الأجراء أمام كل من اختار ادارة الشأن العام وجعل موضوع الاصلاحات الكبرى في مقدمة الأولويات .
الاتحاد العام التونسي للشغل احد أطراف الحكم القوية والمؤثرة و الطرف المعارض الجدي لانحرافات الحكم وصاحب البدائل في علاقة بالاصلاحات الكبرى جعلت منه الرقم الصعب في المعادلة التونسية و الضامن الأساسي للاستقرار الاجتماعي و المحافظة على مكاسب الدولة التونسية والطرف الذي تحمل و يتحمل المسؤولية في انقاذ تونس من أزمتها الحالية .







اخر الافلام

.. وقفة احتجاجية في مخيم الركبان تطالب بفك الحصار


.. الإمارات.. قوانين جديدة لتنظيم إقامة المتقاعدين الأجانب والم


.. بصراحة: خوارزميات لتوظيف العمال | صنع في ألمانيا




.. مسح أممي: مليار شخص يعيشون فقراء


.. القوى العاملة تنهى الروتين بـ-الضربة القاضية-