الحوار المتمدن - موبايل



أرضُ الجُنون

سامي عبد العال

2018 / 4 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


الآن... كما لو غدت سوريا غير حقيقيةٍ، متناثرة، هائمة. حيث تحولت إلى " فضاء حرب " استقطب كلَّ أشرار العالم لممارسة الصراعات الدموية دون توقف. عندئذ لا يصح التساؤل عن أبرز القوى في سوريا، بل: أية قوى الآن هي خارج سوريا ؟! ربما لا توجد هناك. وإذا صح ذلك، فالسؤال المنطقي: من يحارب داخل سوريا فعلاً ؟

الوضع يدفعنا لاعتبار سوريا بمثابة مجازات التاريخ وصراعته مكثفة في بؤرةٍ واحدةٍ( أي العقدة الدرامية للفوضى في الشرق الأوسط). الدولة السورية ساحة لعمليات مبارزة من كل حدب وصوب، من الشرق والغرب، من الشمال والجنوب، من دول علمانية ودول لاهوتية، من دول ممانعة ودول مقاطعة ودول مائعة، أصناف القوى قاطبة كجزء لا يتجزأ من خيوط اللعبة داخل البلاد.

إذا استخدما لغة التعميم مؤقتاً، فالمحاربون والمحاربات هم أعتى أنماط الكراهية والأيديولوجيات والعقائد السياسية، كل المذاهب، جميع التكفيريين، أغلب الأقطاب العسكرية ( أمريكا، روسيا، ايران، فرنسا، انجلترا )، أبرز الأطماع الاقليمية والجيوسياسية والدولية، كل الامبراطوريات الناطقة باسم الإله شيعية وسنية، كل حفريات الديانات الابراهيمية وغير الابراهيمية ( اليهودية، المسيحية، الاسلام، الزرادشتية، الأيزيدية )، الأحلاف والمنظمات السرية، الطوائف والكتل العرقية، القوميات والجماعات المهمشة، حيث تُستعمل كلُّ أصناف الأسلحة القذرة( أرضية، جوية، كيماوية، تقليدية )... الجميع يقاتل الجميع!!

سوريا أرض الجنون بامتياز عندما باتت ملعباً فرعياً لوكلاء الحروب ومصاصي الدماء، وفناء خلفياً لنفايات الصهيونية والخطط الأمريكية والفرنسية والانجليزية. العجيب بتلك الحالة أن أصبحت المعارك معلنة، يتابع المشاهد أخبارها دون تصديق، ويراقب السلطة المخيفة للخطابات والمؤتمرات والتحذيرات، كأن أصحاب الأرض( السوريين ) غير موجودين أصلاً. وبدا الوضع ساخراً لدرجة أن المواقف المتناقضة تتناطح لتسفر عن تدمير المدن وقطع الطرق وتأجيج الطائفية وتحريك الجماعات الإرهابية باتجاه أو آخر.

سوريا هي " وثيقة مؤامرات " حية من كافة الدول الخليجية وغير الخليجية، فلم تتورع عن اشهار ألاعيبها تحت بصر القاصي والداني. بل غدت الورقة الجوكر التي يقش بها المتآمر نفوذاً ما كان ليجنيه لولا تحريكه لجحافل الارهابيين أو ميلشيات مسلحة تابعة على الأرض كما حدث مع قطر والسعودية. لقد جاء اليوم الذي لا يتنصل فيه القاتل من جريمته، إنما يزهو بتعقيد الأوضاع الصعبة على الشعب المسالم. ويسعى بكل مكر وخبث للتواجد بين رفاة الأحداث لجني أكبر قدر من الأرباح والمكاسب. وهو يعلم – وبخاصة دويلات العرب- أن ذلك يخدم الصهيونية الرابضة على الحدود. ألم يتشدق العرب طوال تاريخهم بالقومية والعروبة؟ ألم يتغنوا أمجاد يا عرب أمجاد؟ هم حالياً يدمرون بعضهم البعض، يخدمون ما اسموه عدواً تاريخياً كم نسجوا حوله الخرافات والأساطير والمعلقات الألف بعد الألف!!

سورياً هي " سوق حر " لكل صفقات المنطقة وغير المنطقة على هذا الكوكب. بالأمس القريب اعلن دونالد ترامب أنه سيسحب قواته من سوريا، وإذا أراد أصدقاؤه العرب بقاء القوات عليهم أن يدفعوا التكاليف!! وبالطبع خرَّ شيوخ قبائل( دول) العرب سجَّداً بين يديه، وقد أراقوا تحت أقدامه ما يطلبه من نقود وصفقات وخدمات أخرى. وذهب إليه الواحد تلو الآخر يسترضونه بما يرغب، يلعقون أصابعه بما يقبل، يربتون على ظهره بما يشتهي، يصمتون أمامه خانعين ليسمعوا منه سيلاً من الغمز واللمز حول الارهاب وتورطهم فيه. ثم يتعابثون بملابس عصرية أمام الكاميرات فكانت المشاهد هزلية كالجمال التي تلبس سروالاً عصرياً، وكالهجن التي تخطو بافتعال رشيق على مسرح للعُري السياسي.

سورياً هي " طريق عابر" لغنائم الحرب مثل البترول والآثار والموارد البشرية والطبيعية. تلك التي نهبها السلطان العثماني ( أردوغان ) بأبخس الاثمان من الإرهابيين. اعلن أنه يحارب الإرهاب ليخادع العالم ثم يشتري النفط السوري ويعطي الدواعش عملات أجنبية بحسابات مجهولة في البنوك الدولة والتركية. وقد ساعدهم ذلك في شراء الأسلحة وتجهيز جيوش الانتحاريين وتجنيد المجاهدين من كل أصقاع العالم.

وليس هذا فقط، بل فتح لهم السلطان العثماني مطابع دولته ومصانعها لأغراض دولة الخلافة الاسلامية على منهاج النبوة: كيف صنع الدواعش عملات ورقية وفضية وذهبية تحمل شعارات الخلافة؟ كيف صنع الدواعش ملابس الجند والكتائب والمعدات التي تحمل رموزهم؟ من أين جلبوا السيارات الحديثة التي تستعمل في الكر والفر عبر الصحراء؟ كيف يتوافد الارهابيون إلى دولة الخلافة عبر تركيا إن لم تكن جميع مشكلاتهم محلولة ومتفق عليها سلفاً؟

سوريا تحولت إلى " ماخور دولي " لجهاد النكاح والمغامرات الجنسية ومعاقرة الملذات وتدريب المجاهدات التبادل الجنسي والتنازل عنهن لصالح الأخوة والمرابطين. وكل ذلك بفتاوى وعهود موثقة في ذاكرة الدولة الإسلامية. وسوريا بهذا هي الأرض التي تطأها الأقدام تمهيداً للملذات الكبرى في الآخرة.

سوريا هي أرض لإنتاج آلاف وآلاف اللاجئين من الثكالى والمشردين والفاقدين لممتلكاتهم، وهي المصدرة لعار العرب الذين لم يرحموا شعبها، ولم يستقبلوهم استقبال ضيافة لا كرم على الأقل. فكان منهم إلا أن تزاحموا على الموت عبر البحار وداخل علب مضغوطة اسمها سيارات تهريب اللاجئين، ليعثر عليهم أمواتاً من قطع النفاس والتزاحم اللاآدمي.

سوريا هي أرض معلقة بين الدنيا والآخرة، فالجهاديون يقصودها كمحطة أخيرة يأكلون فيها من أموال الخليج قبل المغادرة إلى النعيم المقيم، وهي أرض الخيال الدموي لجهاد الذبح والقتل على الهوية الدينية والطائفية والعرقية. أرض السبي لكل من يخالف الارهابيين حيث يذهب أحدهم ليحمل على كتفيه رقاب من جاهد ليقطعها صعوداً إلى الجنة!!

ماذا بقي من ذاكرة سوريا الوطن؟! حتى جاءت الضربات الثلاثية لأمريكا وانجلترا وفرنسا على سوريا الوطن ضربات وقحة لا تضيف جديداً. وليس هناك مبررات مهما كانت تدفعنا لاحتمال وقوعها على أي بلد، فما بالنا بكونها تدمر مقدرات بلد هو الخد الملاصق لدولة الكيان الاسرائيلي.

مما يعكس على الأوضاع مزيداً من ظلال الحرب الخفية لتصفية قضايا الجولان والحيلولة دون قلاقل للنائمين بجوارها. وبخاصة أن أرض سورياً ليست تحت ضربات الثلاثي المذكور، بل تمرح فيها الأجهزة العسكرية والمخابراتية الإسرائيلية دون رادع، وكذلك الأجهزة المخابراتية والحربية التركية على الغرار نفسه، وهناك ايران وروسيا بحجة الدعم وتأييد النظام كما نوهت.

في هذا كله يعد الخاسر الوحيد هو الشعب السوري. والغريب أن موقف الدول الثلاث ( أمريكا وانجلترا وفرنسا ) كان منحازاً- كما قيل - لتعطيل آلة الأسد الكيماوية تجاه شعبه. لكن يبدو أن هناك أهدافها بعيدة، فقد ورد من خلال مؤتمر البنتاجون كون الضربات الجوية لها آثار شاملة. لا تجعل الأسد غير قادر على استعمال السلاح الكيماوي فقط بل ستفشل مستقبلاً البرنامج النووي السوري من الأساس.

1- لأن اخلاء المناطق الحدودية لإسرائيل هي أولوية لسياسات أمريكا في المنطقة. وقد ابتعدت إسرائيل بنفسها عن المشهد حتى ينجز الثلاثي مهمته بنجاح. ونظراً لحساسيات تاريخية بينها وبين العرب فضلت التنسيق السري بينها وبين الثلاثي على أنْ تصبح متحكمة في الأوضاع لاحقاً.

2- لنلاحظ أنه لأول مرة تجتمع الدول الثلاث( أمريكا وفرنسا وانجلترا) على بلد ربيعي مثل سوريا. ففرنسا اسرعت بضرب ليبيا بمفردها كما نفذ ذلك ساركوزي ثم تأخرت انجلترا قليلاً وتأخرت امريكا كثيراً. وانجلترا حين كانت سباقة دعمت أخوان مصر تدعيما قوياً أثناء الثورة المصرية، ومازالت تحتضن قياداتها سامحة لبطن الدولة البريطانية أن يستوعب أموالاً إخوانية وفضائيات وجمعيات خيرية ودعوية ندر ارباحاً كبيرة. وأمريكا سمحت للوهابية بضرب اليمن ونزع روابطه وتشريده في الفيافي وعلى الحدود ومطاردته حتى فضل الكوليرا عن الارتماء في احضانها واللجوء إلى أراضيها.

3- ادعاء أمريكا بحماية الشعب السوري أمر هزلي. لأنه أشبه بمن يريد أن يكحل العيون بالسم، فما كان منه إلاَّ أن عماها تماماً( جه يكحلها عماها). فالسوريون أولى بالحماية الفعلية بتوفير كل سبل الحياة ولملمة الفوضى غير الخلاقة بالمرة، وقطع دابر الدويلات التي تؤجج صراع المذاهب والطوائف بدلاً من توسيع نطاق جراحه.

4- الثلاثي اسقط نفسه في بئر التناقض الوقح، فكيف يدعم الإرهابيين ضمن دول أخرى وفي سوريا أيضاً عن طريق الوكلاء، بينما يزعم حماية الشعب السوري. من يُرد أن يحمي الشعب السوري فليحمه من جميع المخاطر سواء من بطش النظام المستبد أو من المليشيات. وعدم خلق خريطة جديدة لتقسيم البلاد عبر تشجيع بعض القوميات على البروز والغلبة.

5- العدوان الثلاثي سيقوى مواقف النظام الحاكم ولن يضعفه، لأن الكراهية التاريخية لأمريكا ستثبت أقوال الأسد بشأن مؤامرات أمريكية للإطاحة به خدمة للصهاينة. كما أنها ستزيد علاقاته بروسيا وايران، أحداهما كملجأ عقيدي خاص بلاهوت المقاومة(إيران) والآخر كملجأ عسكري خاص بعلاقات تاريخية بين سوريا وروسيا.

6- العداء الأوسع بين روسيا وأمريكا سيصب لصالح الأسد وليس لصالح روسيا فقط. لأنه إذا كانت سوريا أرضاً لحروب وساطة، فإن النتائج ستعود على أصحابها ( والنظام السوري هو الحاكم الرمزي إلى الآن ).

7- أثبت العدوان الثلاثي أن ما كان مخفياً طوال سنوات، من كون تلك القوى تعمل لأجل أهدافها. وهاهم أتوا بالأصالة عن أنفسهم هذه المرة، لم يعد لينفع جيش النصرة أو جند الخلافة أو ميلشيات الجيش الحر أو سوريا الديمقراطية. لأن هناك احتمالاً يرتبط بسؤال أبعد من حدود سوريا. فطالما استعمل النظام السلاح الكيماوي ضد شعبه، فما المانع من استعماله ضد دولة اسرائيل ( الطفل المدلل للغرب)!!

8- يتم تصنيف الثلاثي على النحو التالي: انجلترا دولة الوعد بدولة اسرائيل كوحش رابض على التخوم السورية وفوق الجولان، فرنسا كانت دولة احتلال لسوريا في يوم من الأيام، بينما أمريكا فدولة وعود وحماية ورعاية ورسائل شخصية لأعدائها وأحبائها في شكل التنكيل بسوريا.

بعد أن خابت أغلب الآمال، يبقى هناك أملٌّ وحيد هو عودة الشعب السوري إلى ذاكرته الحية لا الهروب تجاه الصراعات والموت واللجوء. الشعوب هي تجسيد تاريخي عضوي للإنسانية المتجددة في أي عصر من العصور. والشعب الذي استطاع أن يقيم حضارات متنوعة الابداع على شاطئ المتوسط لن تُمحى آثاره بسهولة. الشعب السوري بإمكانه أن يضمد جراحه ولا يترك مجالاً للإرهابيين والقتلة من الداخل والخارج ليعبثوا بأجياله اللاحقة. الأمل أنْ يشيد السوريون مجتمعهم دون تفرقة ولا إقصاء. وكما شكلوا فسيفساء دولتهم سابقاً أنْ يقيموا نظاماً سياسياً مدنياً يلفظ قبح الديكتاتورية والإرهاب. فالجراح الوطنية رغم قسوتها تحيي أعماقاً من الحياة الأصيلة وتبتكر طرقاً فذة للبناء والتطور.







اخر الافلام

.. عموري يتعرض لإصابة خطيرة على مستوى الركبة


.. مرآة الصحافة الثانية 21/10/2018


.. قضية خاشقجي.. هل يقبل الغرب رواية الرياض؟




.. إنتخابات البرازيل.. واتسآب يتحول لمنصة أخبار وهمية!


.. الارتباط بإمرأة جميلة يقصر العمر هكذا اكدت دراسه حديثة...