الحوار المتمدن - موبايل



من ورزازات إلى أكادير : البحث عن المتعة والحياة

عبد الله عنتار

2018 / 4 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



قبل أن أتوجه غربا وأشد الرحال صوب أكادير عبر الطريق الوطنية رقم 10، أتقدم بتحية إلى ساكنة درعة التي تقاوم بشموخ عنف الطبيعة، إذ يلاحظ المرء شيوخا تشتعل رؤوسهم شيبا، يقفون كالنخل برؤوسهم العارية بلا خوف من الحرارة الحارقة، كم أنت عظيم أيها الإنسان الدرعي، ورغم الجفاف يلخصون حياتهم وسط الواحة ويحتمون من خلالها من الزوابع الرملية التي تغطي السماء ولا يخشون الفيضانات المفاجئة التي تقع بين حين وآخر، إنهم متمسكون بالأرض ويحبون الوطن، لم يفوتني أن أراهم منشغلين بالمناوشات الأخيرة بين المغرب وجبهة البوليساريو متمنين أن يعيش الوطن في سلام ويتحد الإخوة المغاربيون في مغرب كبير، في طريقي عودتي سمعت الآهات والآمال في العيش بسلام،《 في ماذا أفادت الحرب البشرية ؟ فقط الويلات والخسائر، فليتعقل الزعماء المغاربيون والعرب ويفكرون في شعوبهم، كم من الأموال ستضيع وكم شركات تبيع السلاح سوف تستفيد 》 يقول أحد المسافرين، ويضيف : 《فلتتعقل الجزائر وتكف عن دعمها للبوليساريو، ولتمد يدها إلى المغرب للتعاون وتشكيل الوحدة 》 هذه من الكلمات الجميلة، التي لن أنساها مهما حييت في كل الرحلات التي قمت بها . فإلى متى الصراع، ألم يحن الوقت بعد لتشكيل المغرب الكبير ؟ وإلى متى تظل الحدود مغلقة بين الأشقاء؟ ومن الطرائف التي لفتتني خلال مكوثي بورزازات هو أنني رأيت رجلا يردد بقوة : 《عاش الوطن 》 حتى أغمي عليه وسقط، فهل هناك حب الوطن أكثر من هذا ؟ فمتى يتعقل الزعماء المغاربيون ويحترمون سيادة الدول المجاورة ويفكرون في مصلحة شعوبهم ؟ متى تكف الجزائر عن دعم الانفصاليين وهي تعرف أن المغرب امتد تاريخيا حتى نهر السينغال ؟ ألم يدعم المغرب المقاومة الجزائرية؟ فلماذا هذا النكران للجميل وأنا على مسافة قصيرة من معركة بوكافر حيث خلد الدرعيون ملاحم لن ينساها التاريخ ؟ إن الهدف من دحر المستعمر والنضال في سبيل الاستقلال هو بالدرجة الأولى من أجل الشعوب المغاربية لا غلق الحدود ! وهذه من المسائل التي أرقتني وأنا في طريقي إلى أكادير أكتب أبرز الملاحظات والمشاهدات التي شدتني في هذه المسافة الطويلة .كان الخروج من ورزازات عبر الطريق الوطنية رقم 10 حوالي الساعة 3 والنصف زوالا، أول ما صادفنا على يسارنا قرية تيكيرت ذات المنازل المتناثرة أسفل منحدر يطل على وادي المالح الذي يجري بلا توقف نحو الجنوب، فيصب في وادي درعة، تنقسم تيكيرت إلى 7 دواوير منها تزنتوت والمزاحرة و آيت زينب . تنتشر هذه الدواوير على طول وادي المالح الذي يشكل سهلا فسيحا. إذ تنتشر المنازل الطينية التي شيدت غير بعيد عن الحصى الذي خلفته فيضانات الوادي . يرافقنا هذا الوادي مسافة ثلاثين كلم حيث ينبع من منطقة تدعى تدزي بالأطلس الكبير، يا لها من رحلة ملتوية وطويلة قبل أن ينساب نحو صحراء درعة، فيتبخر ويتلاشى، إنه درس في العدم !طيلة مسافة 50 كلم، لم يلفتني غير البراري الواسعة والجروف الصخرية ونبات الشيح، وبعد برهة من الزمن لاح بعض الرعاة الذين يسيرون خلف قطعان الماعز . ومن ثمة نكون قد وصلنا إلى أنزال وهي عبارة عن قرية صغيرة يغرس أهاليها الزيتون وسط أرض جافة، ربما كانت في وقت من الأوقات نزالة لمحلة سلطانية، يوجد بها فندق يدعى سيروا أي نسبة إلى جبل يوجد بالأطلس الصغير وطوله حوالي 3304 متر، نقطع حوالي 30 كلم، تستقبلنا تغدوت بعد موجة من التعرجات والالتواءات الخطيرة، هذه هي تغدوت منازل متجمعة ككتلة واحدة . ننحدر عميقا ونصادف سهل تزناخت الواسع، كلاب على حاشية الطريق . هذه هي أرض الرعاة الرحل .تعرف هذه القرية بصناعة الزرابي التقليدية التي ينتجها الرعاة الرحل، وغير بعيد عنها هناك مغارات استقر فيها الإنسان منذ 7 آلاف سنة قبل الميلاد، وتعتبر تزناخت ملتقى الطرق لا تختلف عن مراكش رغم صغرها، إنها صلة وصل بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب، إذ دأبت القوافل التجارية في الماضي على المرور من تزناخت محملة العاج والرقيق والحبوب والتمر والملح والسكر والشاي وغيره من المواد، وقفنا لبرهة في هذه القرية، التحق بالحافلة شاب وجلس جواري في مقتبل العمر، كانت معي بعض الحلويات، قاسمته إياها وكانت طفلة صغيرة بجواري منحتها بعض الحلويات شعرت بحبور كبير . كانت تلعب حذرة، ها أنا أراها تبتسم . لن أنس هذه الابتسامة مهما حييت، فمن سلوك بسيط، يمكن للإنسان أن يصنع المعنى . قطعنا حوالي 10 كيلومترات وخرجنا من قرية كركودة ذات المنازل الخربة، فبدأت معالم المنطقة تتغير جذريا ولامست خدودنا رياح رطبة قادمة من المحيط وبدأنا نرى معالم المنطقة تتغير .إذ يزرع الأهالي الحبوب، ولاحظت أنها تنبت ببطء، بينما نبات الشيح صار أكثر اخضرارا . سألت الشاب عن تأخر زراعة الحبوب، فقال لي أنه لا يعرف الزراعة كليا. وسألني عن موطني وأجبته أنني أسكن بالدار البيضاء، فأقوم بجولة في الجنوب الشرقي، فرحب بالفكرة، وقال لي أنه يتحدر من أكادير وأن جذوره من ورزازات ويسكن بتنغير، ويشتغل فيها، إنه رجل تعليم، وأنا كذلك (قلت له )، فتفرس ضحكة عميقة تنم عن انشراح واسع، وقال بإعجاب : 《حتى أنت! 》 وقلت : 《حتى أنا 》 وضحكت ضحكة لم أضحك مثلها كأننا نشترك في سر مشترك، وتكسرت آخر هوة بيننا وبتنا نتحدث عن واقع التعليم وعن تجاربنا في العمل وعن مستقبل التعليم العمومي وقضايا كثيرة في التاريخ والاجتماع والفلسفة والوعي والثقافة وغيرها من القضايا . شعرنا نحن معا كالإخوة نمضي في سفينة واحدة، إنه لقاء أخوي لم يكن في الحسبان وكسر رتابة الطريق . ووصلنا إلى تالوين نضحك ونمرح كأطفال يفيضون حيوية ونشاطا، عند نقطة ايغري نغادر منطقة درعة وندخل إلى سوس، تستقبلنا تالوين بقرابين أشجار الأركان الجميلة، إذ تتميز هذه المنطقة بالطابع الجبلي والفلاحي وتختص بزراعة الزعفران وشجرة الأركان والأعشاب الطبيعية، كما تتوفر على سد يفصل بين جبال الأطلس الكبير و الأطلس الصغير والرعي والفلاحة واستغلال المنتوج الغابوي، وتتميز المنطقة كذلك بصناعة الزرابي البلدية وتربية المواشي . وخلال برهة من الزمن نصل إلى أولوز، نتركها على يميننا إلى جانب تخوشت، تتمركز أولوز في جنوب شرق تارودانت بحوالي 82 كلم ينتشر جانبها أشجار الأركان ويعبرها وادي سوس الذي سرنا على ضفته اليسرى ومن أحياء اولوز نجد : تمكوت نوزرو ، تمكوت نوعرابن ، حي تبرسمومت ، حي أندا ، حي اسراكن ، حي أكادير، نسكتي ، حي تكاديرت حي زاوية البور((يبلغ عدد سكانها الان أزيد من 100 أسرة أسسها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن ناصر أواخر العقد التاسع من القرن الحادي عشر الهجري حوالي 1085ه واستقر الشيخ بهذه الزاوية إلى أن توفي عام (1109 موافق 1698م)هذا الحي من أقدم أحياء أولوز يوجد به مسجد ينسب إلى "الشرفاء" الناصريين الذين بنوه منذ قرون عديدة و الآن قد تكفلت به إحدى الجمعيات في الحي وبدأت ترممه وتقوم بشؤونه وقد أضيف إليه حمام ومسجد للنساء ومسكن للفقيه والطلبة، نترك على يميننا سيدي واعزيز، ثم أولاد إدريس وغيرها من الدواوير . لكن كل الشوق سوف ينصب على مدينة تارودانت المدينة الشامخة وسط سهل سوس، سورها التاريخي شاهد على عظمتها وعمقها الحضاري، لقد وقفت مندهشا مذهولا أمام جلالها العظيم، لقد أسستها قبائل هشتوكة وجزولة ما قبل دخول الإسلام إلى المغرب كما يقول أبو القاسم الزياني، لكن سنة 1515 سوف تتحول تارودانت إلى عاصمة للسعديين، وفي هذه السنة سوف تدخل المدينة التاريخ، فالأسوار تعود إلى ذلك العهد الغابر . نخرج من تارودانت ويلفنا ظلام دامس، وبعد حوالي 70 كلم نكون قد دخلنا إلى أغادير وأنا أشم رائحة المتعة والحياة .
---------------
ايخوربان: خراب أم بناء ؟

بقلم : عبد الله عنتار

دأب علم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان ) منذ ظهوره في القرن 19 على الاهتمام بالمجتمعات 《البدائية 》 أي بتلك المجتمعات التي تعيش على هامش المدينة وبالضبط تلك الجماعات التي تتحيز في الريف أو القرية، هذه الجماعات توجد على تخوم المدينة، مهمشة ومستبعدة، وفي الغالب يسيطر عليها الشفوي وذات ثقافة أصيلة يتم إعادة إنتاجها من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، المسجد... )، لكن هذه الثقافة الأصيلة باتت مهددة بفعل الأدوار التي تلعبها قنوات أخرى كالإعلام والأنترنت والمدرسة وغيرها من القنوات ذات الترسانة التنشئوية المغايرة للأسرة ويعتبر دوار اخوربان أحد الدواوير التي تنطبق عليها هذه المفارقة، يتموقع هذا الدوار شرق مدينة أكادير- المغرب بحوالي 26 كلم، تعني الكلمة الأمازيغية ايخوربان الخراب والدمار ومن خلال ملاحظة أولية يلاحظ الزائر أن هذا الدوار قديم جدا، فهناك منازل حجرية متناثرة هنا وهناك ذات أبواب واسعة، وكانت هذه الأبواب تتميز في الماضي بجمال زخرفتها و تناسق ألوانها و هو ما كان يجعل منها شبه لوحة فنية تجسد مهارة الصانع المحلي عبر تاريخ المنطقة، لكن الآن لم تبق سوى الأطلال و الأسوار المتآكلة التي هدتها ضروب الإهمال وعوامل التعرية والزمن، ومن الملفت الإشارة هنا إلى القصبة التاريخية لايخوربان التي يرجع تأسيسها إلى سنة 1850 التي تعاني من الإهمال، مع العلم أنه من اللازم التعريف بها وصيانتها حتى يصبح الأهالي على علم بتاريخها ومؤسسيها، ويصير السياح على دراية بها ونحن نعلم أن الدوار على مقربة من مطار المسيرة حيث يأتي السياح من مناطق مختلفة من العالم. يستوطن الدوار شرق المطار وسط غابة الأركان ويتكون من خليط متعدد من السكان، فهناك الأمازيغ والعرب والصحراويون وسكان من مناطق مختلفة من المغرب، وينقسم إلى عدة أحياء منها : الحي القديم الذي يسمى بايخوربان حيث توجد القصبة والمسجد العتيق والمقبرة والسوق والمنازل البنية القديمة المبنية بالطين والأحجار المحلية، وهناك أيضا حي العرب الذي يسمى بحي أكدال أي حي المرعى حيث كان في وقت من الأوقات عبارة عن مرعى لرعي قطعان الماعز والأغنام، إذ مازالت ساكنة ايخوربان ترعى الماعز في غابة الأركان وتقيم لها زرائب تتكون من نبات السدر الذي ينتشر وسط الغابة، إضافة إلى ذلك يوجد كذلك حي ايملالن أي حي الرمال . يمتهن سكان ايخوربان الزراعة السقوية، إذ يغرسون الليمون و الخضر بأنواعها المختلفة من البطاطس والطماطم والفلفل والقرعاء ويزرعون الذرة والشعير والقمح...هكذا تكون ايخوربان قرية للخراب بفعل تدمير بناياتها القديمة التي كانت توحي بنشاط ديني يرجع في أصله إلى الزاوية التيجانية والناصرية، فإنه على الرغم من ذلك مازالت هاتان الزاويتان تقومان بنشاط ديني من حين لآخر وخاصة في رمضان والأعياد، وتبعث الحيوية في هذا الدوار المهمل حيث يتطاير الغبار هنا وهناك، وعلى الرغم من ذلك، فايخوربان تبقى قرية ناشطة وفاعلة جمعويا وتنمويا بفعل وعي أهلها وخاصة على المستوى الرياضي، فالبنية التحتية مرممة جيدا، وأهاليها طيبون، فمنذ أن عرفتها أول مرة سنة 2007 سمعت فيها أخبار طيبة منها نجاحاتي الدراسية والمهنية، لقد ظلت هذه الأخبار محفورة في ذاكرتي وجعلتني أتعلق بهذا الدوار أكثر من ذي قبل، طيلة 11 سنة من معرفتي لهذا الدوار لم أر سوى شخصين يتعاركان ذات مرة في المحطة الطرقية . وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على السلام الأبدي الذي يحظى به هذا الدوار، لكن كل ذلك لا يضاهي الشعور الذي ينتاب الزائر وهو يجلس تحت شجرة الأركان! إن هذه الشجرة العظيمة تعلمك معنى الصبر والصمود ..
إنها شجرة نادرة للغاية، تتواجد فقط بجنوب المغرب وخصوصا بمنطقة سوس وبعض مناطق في الجزائر في تندوف وجهات من مستغانم وكذلك بفلسطين المحتلة، ويشتهر بزيته الذي هو أندر الزيوت في العالم لكثرة فوائده. كنت منذ 11 سنة أجلس تحت هذه الشجرة، أتعلم معنى التأمل، فأنغمس في الماضي محاولا فهم جدلية الحياة والموت، وديالكتيك البناء والهدم الذي يحكم دوارا يعاني التهميش والإبعاد . تلك هي مهمة الانثروبولوجيا باعتبارها صوت من لا صوت له .
ع ع / أكادير / 14 أبريل 2018 .







اخر الافلام

.. ظاهرة طبيعية فريدة في حضرموت


.. الحصاد- اليمن.. التراث الإنساني في خطر


.. الحصاد- سوريا.. تساؤلات التهجير




.. مشروع أممي لإعادة الاستقرار بعد داعش في العراق


.. قوات النظام السوري تسيطر على معظم مناطق القنيطرة