الحوار المتمدن - موبايل



المحاكاة بين الفن والهويه في العالم العربي

عبدالله احمد التميمي

2018 / 4 / 16
الادب والفن


يتناول هذا البحث طبيعية مفهوم الفن كاوسيلة تعبيرية عن الهوية من خلال المحاكاة، وما يثار حول هذا المفهوم من جدلية فيما يخص تطابق مفهوم الفن مع الهوية ، او مفهوم الهوية كامصطلح حداثي محاكي في ضل المتغيرات الحاصلة على الساحة العالمية من صعود ثقافة القطب الواحد الى تسارع التطور التكنولوجي ، الى فكرة استيعاب الاخر المتطور على جميع الاصعدة وما يحوي من ثقافات قد لاتتناسب مع قيم العالم العربي ، هذا الصراع بين الشرق والغرب على مفهوم الهوية يتضح لنا في كتاب الاستشراق للمفكر ادورد سعيد ، "والذي اعتبر الاستشراق برنامجاً استعمارياً للهيمنة والسيطرة على الشرق، وامتلاك السيادة عليه" ، عن طريق تسويق الصورة ، وكما قال الشاعر محمود درويش في قصيدة طباق "لا الشرق شرقا تماماً ولا الغرب غرباً وأن الهوية مفتوحة للتعدد" ، هذا بالتأكيد ينعكس بلاشك على قضية أصالة الموروث الحضاري للامة العربية ، فهل يمكن اعتبار الرجوع الى الخلف ومحاكات التراث الحضاري للامة ضرورياً للتقدم والنهوض من جديد ، اما اعادة صقل الهوية العربية من خلال تبني هوية الاخر والبناء عليها بطابع عروبي ، وهذا قد يترتب عليه مسخ للتراث العربي بكل مايحوي من فن و قيم وعادات وتقاليد ، هذا التراث الذي يعتبر سمة مميزة للهوية العربية ، وفي هذا السياق لا يسعنى الا أن نأتي ببعض من التحليل لهذه الاشكالية بين الفن والهوية في العالم العربي واثر الاستشراق على الذاتية العربية

الكلمات المفتاحية ( مصطلحات البحث)
( الفن ،المحاكاة ،الوطن ، الهوية ، الاصالة ، الاستشراق)
الفن : هو ذلك السجل التعريفي للإنتاج البشري والذي يجب ان يتميز بالأبداع والخصوصية والتفرد التعبيري التعريفي بأي حضارة إنسانية على وجه الأرض
الهوية : هي عبارة عن الوعاء للضمائر (هوا ، هي ، نحن ) والذي يمثل ذلك التكتل الإنساني الجمعي ، وكل ما يحتوي من قيم ثقافية وفنية وعادات وتقاليد موروثة وعقائد فكرية تاريخية ، مُحاكية ليتشربها الشخص مع الزمن ، وتكون بالنهاية سمات مميزة للشخصية والتي تعكس المشاعر والاحاسيس والسلوك المتفاعل لهذا الفرد الذي يعتبر جزء لا يتجزء من المكان مع الحفاظ على كيانه المرتبط به مشكلاً الهوية بخصوصية ذاتية متفردة

المحاكاة : تعني التقليد للنموذج الذي يعتبر مثالي ، وبالتالي فأن المحاكاة تصطدم مع مفهوم الابداع البشري لانها تعيد تشكيل المظهر بصورة مطابقة مع تهميش للجوهر" فولف2018"
الوطن : هو المكان الذي يقيم فيه الشخص ويشعر بارتباطه به وانتمائه اليه رغم بُعده عنه وأن لم يكن يعيش فيه ، ويضل حاضراً بالوجدان
الاصالة : وهو مصطلح ذات دلالة تعريفية للشيئ السابق للحالة القائمة حاليا في ما يتعلق بالسلالة والعرق
الاستشراق : هو أسلوب غربي لمعرفة الشرق مع محاولة السيطرة والهيمنة علية

مشكلة البحث
تنبع مشكلة البحث من دراسة مدى تأثير الغزو الثقافي الغربي على طروز الحركة التشكيلية الفنية في الساحة العربية ، بالإضافة الى جدلية إستيعاب فكرة الانتقال من هوية الى هوية من خلال المحاكاة ، او المزج بينهما بهدف توليد هوية عربية عصرية تواكب هذا التطور الحاصل في ضل توسع مفهوم الفن وتعدد أشكاله ، ويعتقد الباحث ان هنالك فرق بين الاساليب الفنية وبين الهوية على إعتبار ان هذه التيارات الفنية هي جزء بسيط من مفردات الهوية ، فلا يمكن أن نختزل حضارة أمة من الامم بالفن فقط ، ومن هذا المنطلق أن مفهوم الهوية مبني بالاساس على اللغة والمعتقدات والتقاليد والعرف الموروث وهو بذلك أكبر من أن نلصق مفهوم الفن بالهوية ، اذاً لا وجود لشيئ أسمه هوية فنية بل هناك تيارات ومدارس فنية وجدت في حقبة زمنية نتيجة للظروف السائدة في تلك الفترة ، والهوية العربية التي قامت على أساس العرق المرتبط بالمكان والزمان والذي يمكن التعرف علية من خلال اللغة والدين والعادات والتقاليد والاعراف السائدة والمحاكية للموروث في تلك المناطق لتتشكل بذلك صورة الهوية العربية بناء على ما ذكر وليس على اساس الفن فقط ، خصوصاً اذا اعتبرنا ان الفن الاسلامي هو فن جمعي مبني على الزخرفة والخط العربي وليس فن فردي
ولنا بالحالة التركية اكبر دليل على مفهوم الهوية فاعندما تنازلت الدولة التركية "العثمانية" عن هويتها المبنية على اساس الدين الاسلامي والحرف العربي والقبم الاسلامية ، الى نظام الدولة المدنية العلمانية التركية ، فهي بهذه الحالة تنازلت عن الهوية المعتمدة على الدين الاسلامي اساساً والقائم على الحرف العربي والدين الاسلامي والتراث الحضاري العربي


فرضيات البحث
- ان فكرة محاكاة العالم العربي للفن الغربي بكل ما يحمل من تفاصيل مرتبطة بمجموعة من التناقضات السياقية للحقب التاريخية التي مرت بها اوربا ، يعتبرذلك اعلاناً لموت التراث العربي وذوبان للتراث الفني العربي في مستنقع الامبريالية العالمية
- لذلك يفترض الباحث انه يجب ان يكون هناك علاقة ترابطية بين توسع مفهوم الفن المعاصر في العالم الغربي وبين الهوية العربية على اسس التراث الحضاري العربي العظيم
اهداف البحث
- التعرف على اثر مفهوم المحاكاة على الفن والهوية
- التعرف على مدى تأثير الحضارة الغربية على العالم العربي
- محاولة فهم طبيعة المحاكاة الفنية في الوسط العربي ، للفن الغربي وأثر ذلك على تشكيل الهوية العربية الثقافية
- تسليط الضوء على أهم التحديات التي تواجه الهوية الثقافية العربية
أهمية البحث
تبرز اهمية هذا البحث من كونه يركز على العلاقة بين مفهوم الفن الغربي المعاصر ومدى تأثيرة على الساحة التشكيلية العربية ، مع التركيز على أثر المحاكاة التي تتجسد بالتبعية وجدلية العلاقة بين الاصالة والمعاصرة في مفهوم الهوية العربية وراتباط ذلك بالموروث الثقافي العربي الاصيل .
وعلى الرغم من أن مفهوم الفن مرتبط بالهوية المرتكز على الصوت والحرف كالغة تواصل حضاري للامم ألا ان الهوية بمعناها الشمولي المبني على العرق واللغة والدين والموروث أكبر من ربطها بالفن بالمفهوم الابداعي الانتاجي للبشر .

أسئلة البحث
- ماهو دور الفن الاسلامي واللغة العربية والقيم والعادات والتقاليد في بناء الهوية الثقافية العربية .
- ماهي العلاقة بين الخصوصية الفنية والهوية .
- هل يمكن إعتبار التراث العربي الاصيل ذات خصوصية مميزة يمكن البناء علية من اجل إعادة صياغة هوية حديثة تواكب العصر .
- ما دور وسائل الإتصال الحديثة ( الانترنت ) في تشكيل الهوية العربية المعاصرة
- هل يمكن إعتبار الامبريالية هي شكل من اشكال الهيمنة على الهوية
منهج البحث
لقد تم اتباع المنهج الوصفي التحليلي المقارن بهدف خلق نوع من الحوار حول موضوع الهوية والفن والاصالة والاستشراق والتأثر والتأثير بين الحضارة العربية والغربية بصورة محٌاكية


الإطار النظري / العرض والتحليل
إن أول ما يتبادر لنا عن مفهوم الهوية والفن هو العلاقة الترابطية بين الفن والهوية، وهنا وجب علينا التوضيح الى ان الهوية التعريفية لأي مجتمع تنحصرفي كل الافرازات الحضارية المنتجة والمتراكمة مع الايام ، من موروثات وقيم ثقافية وفلسفية وفكرية للأمة ، حيث يتفاعل فيها الفرد مشكلاً بذلك سمات مميزه لشخصيته تنعكس على كل حقول الثقافة والادب والفن ، فالهوية والفن حقيقة وجودية واحدة وهما عنصران متوازيان لبعضهما البعض لتكوين الذات الجوهرية لشخصية الفرد والمجتمع والتي تتصف بالخصوصية مع تميزه بها بعلمه او بدون علمة ، اذاً لا هوية بلا فن اذا اعتبرنا ان الفن لغة تواصل تستند عليه الامة ولا فن بلا هوية تحدد ذاتية وخصوصية ذلك الشعب ، ومن هذا المنطلق يمكن لنا البناء على هذا المفهوم اذا اعتبرنا ان الفن هو جزء لا يتجزء من التراث الحضاري للأمة الذي يتميز بالخصوصية عن غيره من الامم ، والعالم العربي يقع الان بإشكالية إعادة صقل الهوية الثقافية بناء على التحديات العصرية المتسارعة في مجال الحداثة التكنولوجية وما يترتب عليها من صراعات على كل الاصعدة الحياتية ، والتي تتعارض مع كثير من قيم تلك الامم ، في المضمون والشكل وهي شكل بذلك ازمة فكرية في بناء الهرم الجمعي للهوية الشخصية العربية ، حيث كان للحداثة الغربية دور بارز و متصاعد في التأثير على الهوية الثقافية العربية على وجه التحديد مما نتج عن ذلك إضطراب إجتماعي ثقافي تمثل في كثير من الاحيان بالإزدواجية في التعاطي مع كثير من القضايا القومية والوطنية بالتوازي مع تصاعد الفكر الرأسمالي المهيمن على تسويق المنتج الاعلامي من خلال المحاكاة و ثقافة الصورة وإنتشار مفهوم العولمة ، وما يتضمن من مفاهيم وقيم إمبريالية تفرض نفسها من خلال الواقع الإفتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي ، وتمثل الصورة أحد أهم أشكال السلع الإستهلاكية في العالم حيث يتم برمجتها وإعادة انتاجها بالمناقلة والتدوير من خلال وسائل الاعلام والانترنت، وهذا بدوره يساهم في هيكلة الفكرة الغازية على هيئة أجزاء من الصور المقطعة والتي يتم بناءها بهدف التشويش والتسويق الإمبريالي ، والتي تعمل بدورها في تغير أساليب وأنماط الحياة في العالم مع تغير في شكل الهوية والفن بلا شك
وهنا يجب أن نؤكد ان لهذة المحاكاة جانب سلبي اتجاة الهوية والتراث الثقافي والفني للامة ، الى أن يصل حد التهميش وإحلال الهوية الغربية مكان الهوية الوطنية للفرد عن طريق فرض المنتج اللغوي وثقافة الصورة على الشعوب ، وهذا سينتج عنه بلا شك إنفصام أيدلوجي بشخصية الانسان العربي مما يضعهُ أمام تحديات الثنائية مع فقدان للهوية وتميع للتراث والقيم بهدف مجاراة التطور المعولم من الجانب الغربي إتجاه الحضارة العربية والتي تهدف ايضاً الى طمس وإنهيار للموروث الثقافي والفني مع مرور الايام ، وهنا يعتقد الباحث أن هذا السبب يعود الى ضعف التخطيط المستند للعلم وقصور على صعيد الوعي الفردي والمجتمعي وتدني مستوى الدعم المقدم للبحث العلمي وعدم الاهتمام بالموروث الثقافي المستند للغة والفكر المعتقد لذلك لابد من إعادة صقل الهوية العربية بالماضي والبناء علية ، هذا يعني الرجوع خطوة الى الوراء من اجل التقدم خطوات الى الامام .
وفي دراســة نشرت في العام (1996) بعنوان" the west unique not universal الغرب مـتفـرد ولـيس عالميا" لـلـمـفــكـر الأمـريــكي صـمـوئيـل هـنـتـنـجـتـون من مجلة شؤون خارجية حيث يقول " ان الشعوب الغير غربية لا يمكن لها الذوبان في الحضارة الغربية حتى لو استهلكت المنتج الغربي من خلال الافلام والموسيقى فالحقيقة الروحية لأي حضارة هي اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد ذلك هو المكون الاساسي للهوية الثقافية "ويعتبر ان الحضارة الغربية الحديثة هي وريثة الفكر اليوناني والروماني والدين المسيحي ، ويضيف صموئيل ان فكرة النمو الاقتصادي والعولمة لا يمكن ان تحدث أغتراب في الهوية الثقافية ، طبعاً هذا الطرح فيه نوع من المغالطة ، فالعالم الغربي يسعى جاهدأً الى اذابة وتهجين الهوية العربية من اجل فرض السيادة والهيمنة والاستبداد على تلك الشعوب من خلال الصورة وما تحوي من خداع بصري وفكري ، جوهرها بالتأكيد التركيع للهوية الغربية عن طريق وسائل الاعلام و التواصل الاجتماعي والتي تأخذ دورها في الوقت الحاضر في بناء هوية الانسان العربي والعالم بصورة عامة ، اما الكود التعريفي لهذة الحالة يهدف الى تغير في الهوية والمعتقدات والتقاليد العرفية السائدة في تلك المجتمعات ، تحت ما يسمى ميلاد الحضارة الكونية العالمية في نهاية القرن العشرين ، والذي نتج عنه صراع المصالح الاقتصادية ، مع ذوبان مبرمج للعرق والقومية ، وتبدو هذه القوى جبارة الى حد التسارع الذى لا يمكن فيه وقفها ، ولا يمكن مقاومتها في نفس الوقت ، حيث يمكن إعتبار هذه الحالة أعلى درجات النفوذ الرأسمالي الغربي مع إنسياب السيطرة الثقافية الى التبعية المطلقة بأشكال متعددة أبرزها تغليف التفوق الحضاري بالتبعية الكاملة من اجل السيطرة ونهب للثروات وانتهاك للهوية الوطنية على الارض ، وفي المحصلة ولادة انسان بلا هوية يتصف بالخنوع والإستسلام للأله الرأسمالية الإمبريالية وهذا طبعا يتعارض مع حق تقرير المصير وحقوق الانسان والقانون الدولي
وبالرجوع الى مفهوم الفن والهوبة على الساحة العربية في الوقت الحاضر ومدى تأثير هذا الغزو الثقافي الغربي على طروز الحركة التشكيلية الفنية ، سنجد ان هناك جدلية في استيعاب موضوع الانتقال من هوية الى هوية او المزج بينهما بهدف توليد هوية عربية عصرية تواكب هذا التطور الحاصل في ضل توسع مفهوم الفن وتعدد اشكاله ، وهنا يجب ان نؤكد بواقعية ان طبيعة الفنان العربي مائلة نحو المكان حتى هذه اللحظة فنجده يعيد اجترار الفن من الماضي بصور واشكال متعددة ، فنجد المدرسة الفنية العراقية حاضرة بخصوصيتها برسم مواضيع (الشناشيل والابل والصحراء والطبيعة والوجوه) مما يوحي بالخصوصية في هوية الفنان العراقي ، ونشاهد ايضاً هوية الفنان الفلسطيني مازالت حاضرة بطرحها لمواضيع تحمل الهم الوطني والقضية الفلسطينية ضمن هذا الاطار، اما فناني بلاد الشام ومصر والمغرب العربي فا تنحصر اعمالهم في مجال الحياة اليومية والبيئة والمخزون التراكمي من التراث والموروث الثقافي المكاني لكل بلد، وفي دول الخليج العربي تلعب الحروفيات والخط العربي مدار اهتمام الفنان في كل من السعودية والكويت بالاضافة الى مواضيع الحياة اليومية والبيئة المحلية، وعلى الرغم من استمرار هذا الحضور للهوية العربية حتى الان ، الا ان توسع مفهوم الفن الغربي المعاصر قد أنعكس على الساحة التشكيلية العربية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والافلام والاعلام مع سهولة الاطلاع على اخر المستجدات الفنية على الساحة الفنية الغربية عن طريقة شبكة الانترنت ، ولكن هناك تغير بسيط ذات بصبغة غربية في بعض مجالات الفنون ، نظراً للاحداث الاخيرة التي مرت على بعض البلدان العربي بما يسمى الربيع العربي وتداعياتها فقد أخذت الهوية الغربية بالتأثير على الساحة الفنية العربية فنجد ان هناك تقبل واضح للمنتج الفني الغربي ، حيث استطاع الفنان العربي اختزال بعض الرموز الغربية بطابع عربي مستفيد من تطور مفهوم الفن في الساحة العالمية ، دون ان ينسلخ من الموروث التاريخي والتي يتولد غالباً عن طريق استدعاء الذاكرة التاريخية للحضارة العربية والبناء عليها مع الاستفادة من الجانب الايجابي الغربي في مجال الفن وبذلك نسطيع بلا شك التجديد دون ان نفقد سمات هويتنا عن طريق التعايش والتفاعل مع المنتج العصري ، ومن اجل اعادة صقل الهوية العربية لابد لنا من المصالحة والعمل على اعداد مشروع وحدوي نهضوي شامل يقوم على العلم و اللغة والفكر لكي يكون لنا بصمة تاريخية في هذا العصر ، فمهما بلغت الحضارة الغربية من تطور في جميع الاصعدة ، لا يمكن لها البقاء دون باقي الامم .
والمواطن العربي يواجه بطبيعة الحال العالم الغربي منذ ولادته ، لذا فهو مجبر أن يتعامل معه طيلة حياته مع ادراكه ان هذه العلاقة نفعية بالدرجة الاولى ، فهو في هذه الحالة الجبرية يفرض هويته العربية مقابل الاخر بصورة الانسان المطالب الباحث عن فرصة ، وتارة اخرى يعرض هويته من موقع المتلقي للمنتج الغربي بصورة الخاضع المتوسل ، وهنا يحصل التبادل النفعي مع الفارق بينهما لتؤلف في النهاية الخصوصية المعلنة من طرف المنتج الغربي ، في الوقت الذي يعلن فيه العالم العربي عن قصوره بعدم القدرة للتعبير عن هويته او حتى عدم القدرة على مجاراة الألة الرأسمالية بصورة أعم للحاجة النفعية لهذا التفوق المغلف بالتبعية، مما ينتج فقدان فرصة التعبير الحقيقي بكل جزئيات الموروث العربي مع تقادم الزمن لتضيع الاصالة بواقع الحال وليس الهوية لان الهوية العربية مازالت مرتبطة باللغة والدين
الدراسات السابقة
الاستشراق والهوية العربية
وفي تحليلي المتواضع لكتاب ادورد سعيد "الاستشراق" اعتقد ان ادورد سعيد حاول الجمع بين التوافق والتناقض في كثير من الامور فيما يخص موضوع الهوية العربية ، مثلا في احد الفصول يرفض النظريات الأصولية الغربية التي ترى في الأصل الغربي الأوروبي مصدر الإشعاع الثقافي الذي أثّر على سائر الثقافات الأخرى في العالم خلال مرحلة التوسع الاستعماري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وتاره اخره يضع الاستشراق في إطاره التاريخي الثقافي متوافقا مع المنهج الغربي ، كما يعتبر الاستشراق برنامجاً استعمارياً للهيمنة والسيطرة ومؤسسة دولية للتعامل مع الشرق ، اذا أن الاستشراق باختصارهو الأسلوب الغربي لمعرفة الشرق مع السيطرة والهيمنة وأمتلاك السيادة عليه أو حتى ابتلاعه وهضمه ثم أعادة اخراجه ككائن اخر دوني ، حيث يقول:"ويستطيع الاستشراق أيضا أن يعبر عن قوة الغرب وضعف الشرق من وجهة نظر الغرب، بصورة توازي هذه الصورة البالغة التزييف لسلسلة القيادة البشعة" (إدوارد سعيد: الاستشراق، ص104)
ومن ناحية اخرى فقد تم إعادة صياغة اللغة والصورة من خلال الاعلام المرئي والمسموع ، وبذلك يرث المواطن العربي اللغة والتاريخ والعرق من السلاله الغربية ، وبعد ذلك يتم الانتقال إلى الاستشراق المعاصر على اساس انه محطة تناسخ للحضارة ، حيث تم تحويل صفة الامتيازمن العقل الأوروبي إلى العقل الأمريكي كمعيار، وإعادة استنساخ المعيار الامريكي بالحقل الاجتماعي بديلا عن الاروبي ، كل ذلك يتجسد طبعاً في محاكمة العروبة و الإسلام من وجهة نظر برنارد لويس ، اذ يعطي الحق لمن يمتلك المعرفة والتكنولوجيا حقاً للتدخل السياسي والثقافي مع فرض للهوية العصرية في العالم العربي ، وتكمن هنا مدى أهمية الاعلام بصفته الشكل التكنولوجي للتنوير والتحضر والديمقراطية الغربية والغاء الاخر من خلال أدلجة الإعلام من خلال الصورة
جاء ذلك على اعتبار أن الوعي الاجتماعي الغربي هو نتاج لعملية صياغة وصقل تتم من خلال ادوات متعددة ، طبعاً كلمة السر في التأثيرعلى العالم تكون من خلال غزارة الصورة التي تنقل المعلومة بشكل مستمر، بشكل انتقائي ، تأخير، ترتيب، حجب، تمويه وهذا يعني قدرة في التأثير على الاهتمام الشعبي بالقضايا السياسية والثقافية ، والتأثير في ما يفكر الناس فيه.
ويجري تناول الإعلام في كتاب سعيد ، "بصفته شكلاً تكنولوجيّاً ينتج معرفة أو ينقلها، أو الحالتين معا، ويمارس حالة من الضبابية مع الواقع الذي ينقله واقعاً وسائطيا من خلال نقل الأحداث والتطورات التي ليس في مقدورنا الوصول إليها شخصيا" وبذلك يلعب دوراً محوريا في صياغة الهوية العالمية ، كما يتحدث إدوارد سعيد في كتاب : الثقافة والأمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، 1998 ،ص70(. ، عن شاشات التلفزيون والصحف وألانترنت ، ويقول انها ليست إلا تصورات للواقع كما يصوغها ويتصورها أصحاب هذه الوسائل الإعلامية، وبالتالي فإن الواقع الوسائطي هو انعكاس للرؤية التي يمتلكها أصحاب رؤوس الأموال المهيمنون على النتاج الثقافي والاجتماعي ( نفس المصدر)
وهذا مؤشر على عملية تصنيع الصورة وكيفية ترويجها عبر الإعلام، من دون أن تجد هذه الصورة أي شك او تفكير من المتلقي في مدى صحّة هذه الصورة ، كل ذلك بتمويل وتحالف بين السلطة وبين الإعلام ، بل إن بعض الصور التي تبث فيها من الهشاشة والتزوير الرقمي ما يكفي من التضليل والانتقائية وتغليف الباطل بالحق بغطاء حضاري بلا ضمير، وهنا تبرز مظاهر الاحتقار والتضليل، في الرؤية
نتائج البحث
- ضرورة اعادة صقل الهوية العربية بتراث الامة من خلال إعداد خطاب نقدي مجدد وازالة الشوائب التي تتعارض مع العصر الحالي بهدف النهوض ومواكبة التقدم المتسارع في جميع المجالات

الخلاصة
عندما نستعرض أزمة الفن على الساحة الاوربية في فترة سبعييات القرن الماضي ، سنجد ان الفن المعاصر بشكلة التقليدي على أسس المدارس الفنية ، قد دخل حالة من الانهيار والتخبط الى درجة اعلان الاقلاس الفني ، ففي فرنسا وحدها أغلقت العديد من صالات العرض بعد عام 1997 معلنة بذلك بداية مرحلة جديدة بعد هذا التاريخ (معنى الحداثة في اللوحة العربية) نينوى للدراسات والنشر، سورية ، دمشق ،2006 ،الطبعة الاولى (ص 225.73)
والسبب في ذلك يعود الى تراجع مستوى الذوق العام اتجاه مخلفات المدارس الفنية القديمة ، والتي أصبحت تقليدية بالمقارنة مع توسع مفهوم الفن نحو الفن الرقمي ودخول البرمجيات الحديثة في علم الطباعة والتصميم ، محل اللوحة المنتجة يدوياً مع منافسة شديدة وذات جماليات علية وباسعار زهيدة وهذه الحالة ان دلت على شيئ فأنها تدل على تغير انثوبولجي نابع من منطلق محاكات المشهد المتسارع للذات ، نحو العالم والهوية الفنية للإنسان بشكل عام .
وقد استعراض الباحث مفهوم الفن المعاصر وأثره على صياغة وبناء الهوية المؤدلجة بالتبعية للمنتج الغربي ، يتضح لنا ان هناك تأثير لهذا التطور التكنولوجي على مفهوم الفن كفن منتج من خلال ألالة والبرمج الحوسبةالحديثة، بهدف تعويم الهوية الغربية على شعوب العالم من عن طريق تسويق الصورة مما يفتح الطريق امام عودة الامبريالية بشكلها المعاصر المغلف بالتبعية للمنتج الفني الغربي ، وذوبان الموروث والتراث لهذة الأمم ، اما تدعيات هذه الحالة على العالم العربي ، فقد تولدت بعض الحركات المنادية بالعودة الى التاريخ الحضاري للعالم العربي وإعادة قراءته على شاشات التكنولوجية الحديثة وبث الروح فيه ، خصوصا فيما يتعلق بفنون الزخرفة والخط العربي بقالب عصري ، وما محاولة ربط الهوية الغربية بالابداع يحتم علينا استيعاب هذا التطور التقني وتنمية ملكة الادراك للموجودات التكنولوجية والعمل على اضافة نوعية عليه مع إعادة فهم مفهوم الابداع من خلال تطوير العملية التعليمية وربطها بالارث الحضاري الموروث والاخذ بعين الاعتبار ان يكون التجديد بالشكل الغير مقترن بسياسة الغاء الحاضر
مراجع البحث
مجلة شؤون خارجية (foreign affairs) 1996 ديسمبر https://www.foreignaffairs.com/articles/1996-11-01/west-unique-not-universal
- الجادري ، رفعت (مجلة المستقبل العربي ) الهوية والخصوصية في الفن والعمارة 1996
- عرابي ، اسعد ( معنى الحداثة في اللوحة العربية ) نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ،2006
- جودي ، محمد (أراء وافكار جديدة في الفن وتأصيل الهوية) دار صفاء للنشر والتوزيع ،
عمان ،1999
- سعيد، ادوارد ( الاستشراق ، المفاهيم الغربية للشرق)، ترجمة : محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 ،1996
- محمود درويش، مجلة ‘الكرمل’، عدد78، 2004
- فولف، كريستوف(انثربولجي التعليم)دار المناهج للنشر ، عمان ، الاردن،2018
- عرابي ، أسعد (معنى الحداثة في اللوحة العربية) نينوى للدراسات والنشر، سورية ، دمشق 2006 ،الطبعة الاولى







اخر الافلام

.. محمد بندق عاشق للسينما ويعرض أفلامها القديمة -ببلاش-


.. ما وراء الخبر- ما وجاهة الرواية السعودية الجديدة بشأن خاشقجي


.. ترمب يدعم الرواية السعودية بشأن مقتل خاشقجي




.. مجريات قضية خاشقجي تتعارض مع الرواية السعودية


.. مشرعون أميركيون يدعون ترامب لعدم التسليم بالرواية السعودية