الحوار المتمدن - موبايل



صور حب جامعية

سمير عبد الرحيم اغا

2018 / 4 / 16
الادب والفن


صور حب جامعية
سمير عبد الرحيم اغا
حبيب


طلبت من زميلي " حبيب " ان يسمعني عن مستقبله الدراسي ، وادرك بذكائه الفطري اني اعاني من امر لا يحتمل ، فاستمع لي وخال اصغائه وتركني اتكلم ، سألني في النهاية عما اريد وببساطة قلت له انني اريد منه ان يكون امينا معي ، وان ينفذ وعده ، ويحقق لي الامنية التي دفعتني لترك حقيبة الدراسة ، وفوضت نفسي تحت امره ، استمع لي ايضا ثم سألني وكانه لا يعرف ما اريده بالضبط فقلت : انت تعرف .. اريد " انقل "
- ما تعرف " تنقل "
- ما اعرف " الا تعلمني "
- " النقل " ما يحتاج علم .... الي يريد ينقل ... ينقل
بدأت المح انه سيعود الى مراوغتي ، فاعتدلت اكثر ، وبلهجة حادة اعني كل حرف فيها ، رحت اعيد قولي ، واطلب منه ان يساعدني في تحقيق املي ، لأحسم (مستقبلي الدراسي ) بدون تعب ، وانظم نهائيا له ، واصبح " غشاش" والا فما معنى : انه يستصغر شأني ويضحك علي ، ويسبقني في الدراسة ، لأقوم بخدمته ، عض شفتيه تألما ، اغلق عينيه ثم عاد يفتحها وقال :
- تريد ان تكون "غشاش" وتنقل في الامتحانات وتعمل شيء لا يفعله الطلاب الناجحون ............
- نعم اريد ان انقل بكل الدروس ، احسن ما انقل بدرس ، وتبقى انت احسن طالب واسمك في قائمة المتفوقين
لولا اني احسنت انه لا يهزل ، وإنما يتكلم جادا لثرت ، وتركته في الحال ، ولم لا ، فكرت في اعتراضه للحظة ، هززت راسي هزة يائس لا اعرف ماذا اقول ،
-طيب راح اخليك تعرف كيف " تنقل " وتأخذ الشهادة " بالغش "
انتفضت واقفا من الفرحة انتفاضة خبطت راسي في باب القاعة وكادت ان تفقدني الوعي ، وهتفت والالم يعصف بي :
- صحيح
مضى "حبيب " يتكلم عن الجد ، وان الحكاية ليس لها هزار ، وسيكون له شان ، مثل بعض الطلبة الذين يقولون انهم " شطار " ، وسوف لن يكون تلميذ " خايب " قلت له :
ان تنقل في الامتحانات فسوف افتن عليك وهذا وعد مني ، تركته في محنته وفي وضع الاستعداد ، ولأول مرة في حياته يجد نفسه يستمع لدرس يلقى عليه وهو يسمع ، واصابعه تفعم وانفاسه تعي ما يجب عليها ان تفعله ، واخيرا يتلقى اسرار " النقل " عن جدارة ، اما الشيء الذي لمحته وجعل العرق البارد ينبع من جسدي كله ورقبتي ويملا بسريانه الملموس قناة ظهري ، الشيء الذي رايته وقلب نشوتي الى رعب بارد لا رحمه فيه ولا هوادة .. هو البراشم التي لمحت "حبيب " يطبق عليها ويخفيها عن ثيابه ، البراشم التي اطاحت براس " سرمد " وفصلته من الدراسة ، تستعد اليوم بالإطاحة براسي ، اذا فشلت فيما انا مقدم عليه ، فجأة احسست من نومي وكأنني كنت طوال الوقت بأحلامي في واد ، وجسدي في واد آخر ، وانه قد ان الاوان .. لكي انقل جسدي وكياني لأرض أحلامي.


(صورة التـــــخرج )

ركضت سريعا .... أحاول ان احصل على مكان جميل, بين زملائي , مكان ارى الجميع منه, نرسم " يوم سعيد, نادت الأصوات : البنات في الصف الأول وقوفا ، في يد كل منهن وردة ....ردد آخر : الطلاب في الصفوف الخلفية , الكل يتجمل .. الملابس . الشعر, اسعد يركض يحاول ان يحصل عل مكان .. لمياء لازالت ترتب مكياجها, روباك تبحث عن مكان بجنب أختها "اشتي " ولا ترضى إلا بهذا المكان, وصباح يريد ان يقف مع لمياء, لحظات تمر مسرعة, نرتب نفسنا والمصور يعيدها, أسعد يركض في وسط الصف, ونحن أكثر من خمسين طالبة وعشرين طالب .. يجب ان تجمعنا الصورة .. العيون كلها تنظر, لقطة .. ابتسامة .. نظرة . ذكرى, اليوم رمينا الأقلام والكراريس ، تركنا كل شيء , ولم يبق في جيوبنا إلا الابتسامة نحملها قلوبنا ... لصورة التخرج .. يقف المصور, يراجع الصفوف واحدا... واحدا يتكلم مع اسعد وسمير وسعدي ولمياء بأسلوب مهذب ولطيف .. الوجوه كلها سعيدة تحاول ان تتكلم ، وتقول .... احبك . .. لحظات ... صمت ينطلق صوت المصور :
سكوت .. سكوت "راح نصور " استعدوا
وبين همسات الطالبات ونظراتهن على ترتيب شكلهن .. تطلق الكاميرا فلاشها .. : استعدوا لقطة أخرى .... شكرا ، ثم تتعالى (الهلاهل )....نتفرق وسط التعليقات والصراخ العالي ، في اليوم التالي, تأتي الصورة أعلقها على جدار غرفتي ... انظر إليها وتنظر لي اسلم عليها وتسلم علي . وبمرور الأيام تصبح ذكرى .



أنا ونبيل وسؤدد

أنا ونبيل وسؤدد.... نتمشى في ساحة الكلية مثل جميع الطلاب ساعة الاستراحة, ننظر الى اشجار السدر العالية, الى اوراقها الخضراء على مدار السنة ، ثمارها اللذيذة, مثار عشقنا, الكلية مثل قلعة صغيرة, بوابتها الكبيرة مغلقة النوافذ, تطل على الشارع الكبير, والمبنى غارق في الخضرة والزهور الجميلة, يلوح في الحديقة هدوء مرسل, تمتد ايدينا الى سور الحديقة الخشبي نهتف :
أهلا حجي
.. ولكنه يمضي متأملا الارض ثم لا يلبث ان يختفي بعيدا,
قال نبيل : من هذا ..؟
انه الحجي
رد احمد : لا يحب احد ان يكدر صفو تفكيره,
قلوبنا مولعة بأخلاقه, باجتهاده في الدراسة, يفوقنا نبلا ، نتحسس وده, نراه من بعيد, ويرانا من قريب, نحب السدر وثمارها, يخيل الي انه رمى الي بثمرة, انحني على الارض لالتقطها ,, ارفع راسي بسرعة فأجده امامي, اقص القصة على بسام, فيرمقني بنظرة خاطفة, أترقب السر وراء لقب "الحجي" فلا اعرف, اعرف انه اشطر طالب في الثانوية , وتلك الاوصاف لا تنطبق الا عليه, وجهه يشع احمرارا, ومن شدة حبي له اثمل بنوره وخاطر طيب يقول لي:
انه صاحب المكان وولي امرنا,
ودود بخلاف الاخرين, اقتربت منه ثم اقول :
اني احب السدر
لم يتحرك .. فأتوهم انه يسمعني أكرر الصوت, صوته الرخيم يقول :
يا سلام يا سمير ..! سالته عن لقبه (الحجي) فلم يجب,, اعاني بلاء التعرف والسر وراء اللقب, هل حج بيت الله حقا ...? هكذا افكر فلماذا لا يجيب ، درجاته لا تقل عن المائة ابدا, رجعت الى زميلي "سؤدد " سالته عن السر وراء اسم الحجي, فسرد القصة قال : انه لعب ذات يوم مع مجموعة من الطلبة .. كرة السلة ولعبه كان جيد معهم .. ولعدم معرفتهم باسمه, اطلقوا عليه اسم الحجي, واصبح الاسم "رؤية " استقرب في قلوب محبيه .

















الجامعة حرم آمن


هكذا تروى الحكاية, والتفاصيل لا تتاح إلا لمن شهدها, مما يحكى انه .. روى لي احد الفضلاء المعاصرين في مدينة بغداد, إن الحيرة دبت في رؤوس المعاصرين الذين كلفوا بالعمل في تأسيس " جامعة بغداد " وتدوين قانونها, وكانت أول جامعة تؤسس في الشرق .... واجهتهم مشكلة .. اشتد "فيها النقاش وطال الجدال ، كيف يعبرون عن " الحرية الجامعية " بنص جامع دال على شتات نواحيها دلالة إجمال وتصريح وإشارة ... استرشدوا بكبار العارفين ... العيون انتشرت كالرمل, مضت تبحث, اشتد النقاش, لم يجدوا في القاموس كما طلب منهم, وان الذي اهتدى إلى تلك الرائعة من خزائن الأدب والقانون كان المرحوم الأستاذ " منير القاضي " عميد " كلية الحقوق وهو يومئذ وزير المعارف, حتى استقر الرأي أخيرا واستمد الــــنص الحقوق " من الينابيع الإسلامية واقتبس النص الجامع الرائع " الجــامعة حرم آمن " (وهو المادة الثالثة من قانون جامعة بغداد الأول) من قوله تعالى في سورة القصص الآية 57
( أو لم نمكن لهم حرما أمنا يجبى اليه ثمرات كل شيء )
ومضت الجامعة بنص يجعل مادة في قانون تؤسس جامعة يتلقى فيها العلم, ويشرع العاملون في العمل, ويتوالى الزمن .... وتعلو سنوات البناء في ثبات وإصرار, وأنشئت الجامعة علمها, وملأ الأمل في النفوس رضا وبهجة وسرورا, .. وتمضي جامعة بغداد فتصبح رمزا للحياة الجامعية وتنضم إلى تاريخ حياتنا . غير ان كثيرون من اهل بغداد يفخرون بذكريات التأسيس وملاحم البناء ويتشرفون بها .




صورة حرب

بعد انتهاء سنوات الحرب , قلت لنفسي : لابد ان أعود إلى الحياة, بحثت في دفاتري لم اجد شيئا ، بحثت في صوري القديمة , لم اجد شيء ، وجدت صورة "التخرج " لا تزال معلقة على جدار غرفتي , ذكريات لا تفارقنا على مدى الحياة ، أفتش في قاموس الأسماء, تأملت زملائي , كنت على حافة البكاء ، لأننا لم نبق على اتصال ، صفوف الصورة خمسة ، كأن الذاكرة غيرت مكانهم .. طبعا الصفوف ألأولى جلوسا للبنات, ما عاد وجوههم حاضرا أمامي .. من بين الصفوف اخترت الصف الثالث وقوفا من الصورة, هناك أشخاص ليست لدينا القدرة على نسيانهم مهما فعلوا ، عشرة طلاب اعرفهم كما اعرف أولادي , كلانا واقف أمام الكاميرا ، كانت كالحلم .في حياة كل منهم أيام جميلة أتذكرها جيدا ... انتقلنا بعد التخرج مباشرة, من حدائق الجامعة ... ليس إلى بيوتنا او مدن خيالية بل الى خنادق القتال, ابتدأت الحرب للتو, تدربنا, وتعارفنا مع كل المتخرجين من الجامعة, ضحكنا, لعبنا, احتضن بعضنا البعض, أفراحنا توقظ العصافير, مضى شهر وأكثر, دخلنا جبهات القتال, أسمائنا في أوراق التخرج مكتوبة في أسفل الصورة , وأسمائنا في خنادق القتال مكتوبة على قطعة معدن معلقة بصدورنا, غابوا عني لسنوات, بدأت ابحث عنهم, ولكن إلى متى ابحث ؟ مرت سنوات ولم اعرف مصيرهم, وخيل إلي ان وقتا طويلا مر دون ان اعرف أحوالهم, وفي كل مرة اطرح على نفسي سؤالا تقليديا :
هل ماتوا ... هل لا زالوا على قيد الحياة.. ؟"الموت عادة لا يأبه بالأسماء, الحزن يأتي فجأة, لابد أن القدر عرف مكانهم و ملك الموت سجل أسمائهم في سجله, وما شعرت بنفسي إلا وأنا واقف إمامهم . قال لي أحدهم : ثمانية منهم ماتوا في معركة لم اعرف تاريخها ... لكنني اعرف إنها كانت تسمى " معركة الفاو " انظر إلى الصورة واعرف أن الذي بقي من العشرة هو أنا والعاشر لازال مصيره مجهول .





















افتخار..!
افتخار جالسة لا تسئ إلى احد ... لاتزال يدها براس القلم ،وجسمها يرتعش مغطى بالخوف, وليس في عقلها سوى رغبة ملحة لا تنتهي وتتزحزح .... ان تفتح الورقة وتنقل ما بها من معلومات الى الدفتر, انه الطريق الوحيد الذي لا تعرف سواه, كانه بالنسبة لها مثل المقدر والمكتوب, كيف يمكن لها ان تنجح ..? كيف باستطاعتها ان تعود الى حياتها الماضية, لابد ان تكون من قافله الناجحين .لا حل للموقف كله لا ان تفتح الورقة .... وتستريح ولكن الغريب ان السؤال كلما وصل الى هذا الحد يعود يطل براسه ويؤكد : انها لن تنجح وانها سيكون لها مصير آخر,
تعبت افتخار من التفكير الطويل, الوقت يمر سريعا, أحست بالصمت الملغم المستتر .. سكتت, بقيت على جلستها قرب الباب.. باب القاعة, تنتظر ان تفعلها وتنتهي, كل ما كانت ترجوه بينها وبين نفسها ان لا تأخذها الغفلة وتنكشف, بطريقة او بأخرى سوف لن يرحمها احد, فلم يعد في جسمها ذرة واحدة قادرة على تحمل الفضيحة واي فضيحة :ـ افتخار غشت في الامتحان
حاولت ... مرة واكثر, صحت على همهمة رجالية منخفضة مكتومة كادت ان
تجف ... غير مصدقة
ـما بك يا افتخار
ـ لاشي
لم تعد قادرة على مسك الورقة, والمراقب قد يضبطها متلبسة ، هاهو " الفشل" جاء يمسكني , إلا أنها حين فتحت فمها ترجوه .. أتاها هاتف الخوف مسرعا ، ورمت الورقة في جيبها . .......................................................................


الماجستير


اللهفة للدراسة غدت شانه, غير انه ليس على عجل من أمره, هو لم يقل شيئا بعد, أنا اعرفه واكن احتراما كبيرا له ..كامل فقير صاحب عائلة يموت أبوه فيحل مكانه, يمارس حياة قاسية هادئة ...تخرج حديثا من كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة بغداد كان يحضر لزيارتي من يوم إلى آخر ، نزهته الوحيدة ... سماع الإخبار في المقهى, كان يمتلك صبر صياد, مشكلته انه يريد أن يقول كل ما عنده دفعة واحدة، يسألني وانا جالس على النهر لقد قررت ان أدرس الماجستير، أجبته ورائحة النهر تسيطر على حواس,: جميل .. يسعدني نجاحكـ ، لا اعرف ماذا أقول. ـماذا تعرف عنها ..? − من هي ..؟ الماجستير ـما أكثر ما يقال عنها ... ولكنني متأكد من ذكاء "كامل" بعد ان حاز على البكالوريوس بدرجة "جيد جدا " اعرف نواياه وطيبة خلقه, يحكم دشداشته فوق خصره ويقول : ـ أنها صعبة ومكلفة, ـ هل تنوي حقا الدراسة ؟.. اغرق في الضحك .. وكيف حال والدتك .؟ ـ الحمد الله .. يتصاعد التحدي,.. ـ انه مشروع يستحق التحدي ...لعل الكثير لم يتقدم لها أصبحت أتقاسم معه التحدي ، ارتبكت .. فكرت ... ربما يحظى بها ..ويكون أول من يدرس الماجستير في قريتنا, جلست افكر وانتظر بشي من القلق ، وما استطعت ان اجلس حتى أقبل علي "كامل" بشير الوجه والصوت : ينبئني بان كتابا وصل من الجامعة يقول بأنه قبل في الماجستير .




ورقة انتصار


أعطتني زميلتي "انتصار" ورقة صغيرة في أيام الامتحانات النهائية ، وقالت : أنها هدية ، وقفت إمامي تنظر بعيون ساحرة، لأول مرة أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة مطوية بهيئة قلم رصاص لا يظهر عليها أي كتابة من الخارج ، ورقة بيضاء ناصعة يكفي كل من ينظر إليها يعرف أنها ورقة " حجاب " ، قالت بجدية واضحة :
- خذها وضعها في جيبك
سرى خيط الاستهزاء إلى ذهني وقلت :
ـ ما هذه الورقة ..؟ ردت بسرعة :
ـ ستعرف بعد الامتحان !
أمسكت الورقة ووضعتها في جيبي ، سحبتني إلى أيامنا التي تعد بالأصابع ، كانت موانئ معمورة بالأحلام ، انتصار ، هادئة خجولة تصنع النجاح لنفسها ولغيرها ، خصلة .... احتفظت بها ، تقرا الأفكار في عيون زملائها، تتمنى أن أتخطى عتبة الامتحان النهائي، وأنا أريد أن أتمسك بأي شيء لأنجح ، شعرت بشي غريب يزاحم أفكاري ، أفسحت له مكانا بحجم هيكله الصغير ووضعته في جيبي ، حدقت في الورقة استغربت : هل هناك شيء ما يربطنا بهذه الورقة ..؟ كنت مع كل عبارة اذكرها انتظر منها ردا أو ضحكة قالت :
الورقة ..!
أضرم الخجل شباك قلبي ، أصبح من المستحيل إلغاءه يقولون: أن للزمالة في الكلية دور في ارتباط الأحبة تحت سقف واحد ... ما قلته لها في آخر لقاء : أنني رسمتك على خارطة الارتباط فما رأيك ...؟ ترد بهدوء : كم صيف مر وأنا ما زلت خالية اليدين ، تعلل وتقول : ليس في سمائي هلال ، همست ورحت اقلب افكاري
، في قاعة الامتحان جلست مرتبكا خائفا من شيء وضعته في جيبي وفي نفس الوقت في قلبي , امتد نظري إلى انتصار والى ما موجود في الورقة هل كتبت فيها مواد من مقررات الامتحان ..؟ رهبة المكان جعلتني ارتعد ، حتى فقدت السيطرة على مفاصل جسمي، فتحت الدفتر وقلبي محاط بالارتباك ..زملائي في القاعة ينظرون نحوي ، المح انتصار من بعيد جالسة في مقدمة القاعة قلت لها في نفسي :
كفى جنون .. لو رآني المراقب انظر إليها سيطارده الشك بالغش ولو للحظة واحدة .
أضع يدي على الورقة وأتذكر انتصار، موجة خوف تجرفني إلى شاطئ الارتباك ، قرأت الأسئلة والصمت يلف القاعة الكبيرة ، جدرانها تحتفل بكتابات ورسوم الطلبة كأنها لوحات فنية رسمت بدقة لفنانين كبار ، كتبت أجوبة أحس أنها كانت مغلقة صعبة وانأ غير مصدق ، كل ما حولي يتأرجح من الخوف ، ولو جاء المراقب ووجد ما في جيبي لكنت في خبر كان ، الورقة التي دستها انتصار في جيبي دهست تفكيري وأنا لا اعرف ما بها ، أنا لم أقرا الورقة ، توالت كتابة الأجوبة وانأ غير مصدق ، اكتب بسرعة ، مرت مدة طويلة ، و لم يرفع احد من الطلاب يده يطلب السؤال لماذا لا يسال احد ..؟ خيل إني سمعت احدهم يقول : أنها ستكون عنوان نجاحه الذي سيرفعه إلى التخرج ... تردت في فتح الورقة لأعرف ما بها فاصطدمت بالمراقب الذي ينتظر أن افعل أي شيء مخالف لكي يطوي دفتري ويطردني! وضعت أجوبتي في مكانها ، وجدت فيها حلاوة " انتصار " هواجس كثيرة تناسلت في ذهني ، ورقة بيضاء صغيرة منزوعة من كراس جامعي تفوح منه رائحة عذبة أنستني الخوف الراكد في قلبي خرجت من القاعة بفرح قوي ، رأيت الطلاب أمامي وعيون تخفي ورائها نجاح أكيد ، بحثت عن انتصار في ممرات وحدائق الكلية قلت بصوت عال:
انتصار ... انتصار
بقيت أنادي حتى... خرجت من الكلية ،لم اعرف ما قال لي ، لأنني كنت ساهما وعيناي مسمرتان بالأرض كأني أضعت شيئا ثمينا ، رسمت في خيالي صور عديدة لما موجود في الورقة : أجوبة لأسئلة : رسالة حب " حجاب من الحسد " خبأت الورقة عن زملائي بين تلال صدري مارست إغفاءة بسيطة استعدادا لمواجهة ما فيها أتكات على الجدار الخلفي للكلية أخرجت الورقة ، قربتها من وجهي.. فتحتها قرأت السطور برائحة زكية وبابتسامة ناعمة :
ـ أنا موافقة على الارتبــــــاط بك ..













انا وظلي


ثلاثة أشهر مرت من الدراسة وأنا أتقدم نحو نفسي بتأن ، كنت أتصور أن عقد الحب قد انفرط ، قلت ربما أغدو حبيبا وربما هذا قدري ، رغم أنني غير مولع بالأقدار يكفي أن احلم لتصادق الحياة على فشلي، أكثر من مرة رسبت بامتياز ، وفي أول امتحان وبالذات في درس الإحصاء .
قررت بيني وبين نفسي أن أتدارك الخلل ، قمت من نومي متعبا ، ولم أكن قد توصلت إلى قرار ، الأمور لم تعد تطاق ، بل ضاقت إلى ابعد الحدود ، أحسست أن كل شيء غدا في ثقل الجبل ، الكتب والشوارع والبيوت وزملائي وهواء آخر الليل ، في مكتبي الصغير كنت أدرك أنني اغرق في نهر مجهول ..... إنني شاب من أبناء الزمن الجديد الذي يقولون عنه انه لا يصلح لحمل أكياس القطن ، وأنا الذي عشت زرقة السماء الصافية في قريتي ، وخضرة النخيل الزاهية ، وسمرة الأرض ، وسمعت صوت الريح في ليالي الشتاء ، وان الاستيقاظ في الصباح ، يعني ميلاد جديد ، مشكلتي أن الفشل يقطع الطريق أمامي وأبدى العداوة لي وأمس أشاد بقوته ...على إتيان ما لم يأمر به الله ، خرجت من أعماق سريري ، لم يكن هناك شيء اعمله، كنت أحس بطعم الفراغ لزجا على طرف لساني ، فتحت نافذة غرفتي ، كان الأمر محيرا ، كل من حولي من زملائي ، على ما يرام ، خسرت كل صداقاتي السابقة ، أحيانا اعذرهم فانا ليس جديرا بهذه الصداقة ، يجب أن يكونوا بحاجة لي وليس أنا بحاجة لهم أغلقت نافذة غرفتي الصغيرة ، أحضرت مرآة كبيرة مشروخة من المنتصف تماما ، .. وضعتها أمامي وجلست ، رحت أناقش كل الأمور ، مع الجالس أمامي ، كان بين أصابع كل منا قلم ودفتر وتحت يده ورقة .. ارتفع صوت كل منا :
- لا تغضب ... فـأنا لم افشل .
بحثنا ودرسنا سبب الفشل ، هكذا نحن في الحياة ، نتعلم من الفشل ، دونا بعض النقاط الهامة ، خلال الحديث الدائر ، حسبت الأمور في ذهني ، استرقني تفكير ما قاله لي ،كان صادقا فيما يقوله أتسال : كيف سحبني الفشل بهذه الطريقة ..؟ قال لي : ابحث عن السبب ، ابحث عن عنوانه ، كل هذه مجتمعة ، بدأت ابحث ، ثمة شيء يشدني إليه ، اتخذنا القرار تعاهدنا على تنفيذ كل شيء بدقة ، قمت ، ابتسمت ، حييت الجالس أمامي ، بادلني التحية ، وكان هو الآخر قد ابتسم لي ومسكني من يدي وقال :
ـ لنركض إلى النجاح ....
، لم يمد احدهما يده لكي يصافح الآخر استأذنته في العودة إلى مكاني ، فعل مثلما فعلت قررت أن أصارحه دائما ، وبدت لي المصارحة موقفا معقولا إلى ابعد حد ، وضع يده محاولا أن يوضح الأمر لي قلت له :
- ما الذي أوصلك الى هذا الحال .







اخر الافلام

.. -حرروا الكلمة-.. شعار مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان


.. صباح العربية | أم كلثوم في بعلبك بعد 5 عقود


.. الموسيقى والتراث على منصات مهرجان جرش الأردني




.. مهرجان بعلبك يكرم أم كلثوم في افتتاح موسمه الجديد


.. الفلكلور الشركسي.. تراث تتناقله الأجيال