الحوار المتمدن - موبايل



قمر الجزائر 5

أفنان القاسم

2018 / 4 / 16
الادب والفن


الفصل الثاني

نهض سعدي من النوم حوالي الساعة الخامسة مساء، والجزائر قمرها السراب. كان تعبًا، وحَسْ لم تزل تحتل كل أفكاره. عمل لنفسه قهوة، قهوة سوداء وقوية جدًا، وقرر الذهاب إلى مقهى اللوتس ليرى صديقه صلاح. وهو يقود السيارة، كان يفكر فيما سيقول له. كان يحقد على نفسه، لأنه خبأ عنه قصته مع حسيبة. "اسمح لي ما لم أقله لك، سيقول له، كان عليّ أن أكلمك عن هذا من قبل. أعرف بنتًا من القصبة. لكني لم أكن أفكر في أن تتخذ الأشياء هذا الوجه". كيف ستكون استجابة صديقه؟ "أنت مغرم ببنت من القصبة ولا تقول لي شيئًا!". سيجيبه عندئذ بالنفي قائلاً إن ذلك لم يكن غير حب عابر، إن خيال المرأة الشابة خلف البرادي، جسارتها، جرأتها، قد شدته. سيحكي له عن السلم، السطح... "السلم؟ السطح؟ - نعم لأنها بسرعة جدًا تعودت على تدلية سلم لي، فأصعد على السطح كلص، وأقبلها. فقط أقبلها، لا شيء غير. حتى اللحظة التي قررت فيها فجأة كل شيء. أقسم لك!". لن يصدقه صلاح. صلاح الدين اسمه الحقيقي. أو على التحديد أكثر صلاح الدين بن خير الدين بن جمال الدين بن لست أدري ماذا الدين، ليكون الانتهاء باسم العائلة، بن ناصر، مضافًا إليه الكنية عديمة الجدوى "المزابي". كان اسمًا كثير التطويل وكثير التعقيد، وللتبسيط إذن، كانوا يدعونه صلاح بلا زيادة. لكن خلال الخدمة العسكرية، وقت المناداة، كان الضباط يلقون اسمه كله، مما كان يأخذ وقتًا جنونيًا. كان ذلك يقرع دين، دين، دين... وكأنهم عن عمد كانوا يفعلون ذلك، وكأن ذلك كان يغبطهم. كان سعدي قد تعرف على صلاح في الجيش، حيث كانا قد أمضيا عامين في قطع الشجر. عامان! عامان طويلان لا شيء تفعل فيهما غير قطع الشجر. في كل بلدان العالم يزرع المجندون الشجر، هنا يقطعونها: عبقرية، أليس كذلك، الخدمة العسكرية؟! كانوا يجعلونهم يقطعون الأشجار، قصة أن يطبخوا الشبيبة جيدًا على نار خفيفة كما يلزم في الطنجرة الحربية! كان سعدي والعربي، صديق طفولته، ضد هذه الطرق. ما كانا يريدانه، استعمال السلاح. سعدي حبًا للبزة النظامية، مع الأمل الخفي في أن يصبح يومًا ما ضابطًا. العربي لأن أباه كان يملك بندقية صيد، ولأنه لم يدعه أبدًا يلمس هذا "السلاح الخطير"، حتى ولو مرة واحدة. لكن قطع الشجر! مع ذلك، كان سعدي يبرع في هذا الشأن. ولد شجاع، كان العربي يقول. عندما لم يكن هناك من الشجر ما يقطعونه، كانوا "يلعبون" لعبة حرب الاستقلال. أنت فَِلْلاق، أنا حَرْكي، هو جاوْرِي. إضافة إلى ذلك، لم يكونوا يخلفون أية صلاة – نعم، كان عليهم أن يقيموا الصلاة في الجيش خمس مرات في اليوم-. لم يكن الدين شغل سعدي الشاغل، فلم يكن أبوه يصلي إلا في المناسبات الكبرى – العيد الصغير، العيد الكبير، المولد النبوي، رأس السنة الهجرية، عاشوراء... -. كان العربي، ابن الشيخ، يعمل الإمام، لأولئك الشبان المؤمنين "المؤطرين" جيدًا حسب المبادئ السنية للدولة. وأحيانًا، كان يعظ. زيادة على ذلك، بما أنه كان قويًا في الرياضيات، غالبًا ما كان يقوم بالمحاسبة في مكتب رئيس المعسكر. كان إذن مشغولاً جدًا، ولم يكن سعدي يراه إلا نادرًا، فغدا صلاح صديقه الحميم، واعتاد على قول كل شيء له. لكن قصته مع حسيبة، رح اعلم لماذا، خبأها عنه. مع ذلك، ليس لأنه كان يخجل منها. امرأة محجبة، هذا لا يعني كونها بشعة أو جاهلة. لا، في الواقع، إن سها عن باله، فلأنه لم يعتقد عن حق بهذا الحب الليلي.
بما أنه لم يجد مكانًا قرب الجامعة، ركن سعدي سيارته أمام ثانوية باستور. اقترب منه "مجنون الجامعة"، أستاذ متمرد كانوا قد أشبعوه ضربًا ومن الضرب غدا مجنونًا، وقال له إن ثريا تبحث عنه. كانت ثريا زميلة جامعة، لكن لم تكن هي من يريد أن يرى اليوم. لم تكن في رأسه سوى فكرة واحدة: أن يرى صلاح. ولم يكن صلاح في اللوتس. ثريا كذلك – فماذا تريد منه؟ خرج من المقهى، وقرر الذهاب ليلقى صديقه في حي باب الواد. في الواقع، عندما لم يكن يجد صلاح في المقهى، فهذا لأنهم كانوا قد أمسكوه بشكل عام أكثر مما هو متوقع في حانوت العائلة. غير أن سعدي تردد قبل أن يعود إلى أخذ سيارته، مفكرًا في النباهة أكثر التلفنة أولاً، فلا يضيع المشوار سدى، لكن كل صناديق الهاتف كانت مخلوعة. كان في حاجة إلى المشي، إلى النظر إلى الناس، إلى الاسترخاء الفكري. قطع بسرعة شارع ديدوش مراد. لو كان علي لابوانت بطل أبطال، لكان ديدوش مراد بطل أبطال آخر. بدافع التحدي، كانت السيارات تسير بسرعة، مرهبة حتى أولئك الذين كسعدي كانوا يستعيرون ممر المشاة. سلك طريقًا مختصرًا لتحاشي السائقين الرعناء، ووجد نفسه مقابل آخر خط الحافلات، حيث يتدافع الناس على الصعود، بدلاً من عمل الصف بانصياع وانقياد يصلان بهم إلى نفس النتيجة. لم تكن الحافلات في وقتها أبدًا. كان السائق يهبط بلا مبالاة، ويختفي في مكتب صغير. كان يأخذ كل وقته ليسجل اسمه، ساعة وصوله، رقمه، دون أن تشغله على الإطلاق ساعة قيامه. كان يبتسم لهذا، يمزح مع ذاك، يثرثر بخصوص غدائه عند منتصف النهار، أو عشائه في المساء، دون أن يقلق أقل قلق بالركاب الذين يراوحون نافدي الصبر منذ مدة طويلة. لم تكن للوقت لديه أية أهمية، ولم يكن يمثل شيئًا... خلال ذلك، كانت عناقيد البشر تتشكل، بالعشرات: رجال، نساء، أطفال، مستسلمون، لكن غير صابرين. كان هذا النوع من التدافع فرصة ذهبية للصوص علي لابوانت، أولئك الأوغاد الذين هم من حثالة الناس والذين هم في خدمة النذل "خويا الكبير". كانوا ينشغلون بشغلهم الخسيس. كانوا يتهامسون: "هذه، أنا أتركها لك، لا تلك. تلك، لي! – لقفاها الجميل ربما! – حزرت كل شيء! – وتلك؟ - مَنْ؟ المحجبة؟ أنا لا أمس المحجبات! – أنا بلى. – أنا لا. – أنا بلى، أقول لك. – حرام! – هذا بالضبط لأنه حرام. انظر كيفها ملتفة في حجابها! – وذاك، انظر كيفه محشو في فرنساه. هذا، أنا لا أتركه لك...". كان الرجل نحيفًا، ويرتدي بدلة: كانت محفظته على التأكيد محشوة جيدًا... وتتساقط النقود كالشلالات، وتستلقي النساء عاريات بالمئات، كلهن بيضاوات، كلهن ممتلئات. لقبلاتهن طعم العسل، لمداعباتهن نعومة أيادي الله، لعطرهن رائحة جنات عدن. نساء. وأيضًا نساء. ثم، يغدو الحلم كابوسًا.
بدا كل هذا لسعدي غريبًا. لم يكن يقدر على فهم أن ناس الشعب هؤلاء يمكنهم الاستبسال هكذا على ناس شعب آخرين. لم يكن يصل إلى قبول ثورة الترهيب هذه التي لم تتوقف أبدًا منذ بداية البدايات، والتي تتواصل على الدوام منذ الزمن الفينيقي حتى أيام الاستقلال العسكري، مرورًا بالعهد الإسلامي والعهد الكولونيالي. أمام كل هذا الجمع البليد، هذه الملائكة التي كانت تتعذب بصمت، والتي كان يبدو عليها أنها تجد الَّلذة في عذابها، كان حائرًا. هذه المرأة التي تترك نفسها للنكد والإزعاج ولا تقول شيئًا، أو هذا الرجل الذي يترك نفسه للسرقة والسلب ولا يرى شيئًا. كان ذلك غريبًا بالفعل... فجأة سمع أحدهم يوبخ بعض الذين يتضاربون بخصوص كل شيء ولا شيء: "كفوا عن التضارب، عصابة السوقيين! أنتم جميعكم أخوة، عندما كنتم صغارًا شربتم من الحليب نفسه. هل نسيتم حليب "لحظة"؟ هذا المسحوق الذي صار نادرًا، صار غاليًا، صار غاليًا جدًا، حتى لوزرائنا، هؤلاء السارقون! نعم، أخوتي، أصدقائي، أنتم كلكم أبناء لحظة...". تلقى الرجل لكمة في صميم وجهه. "ابن قحبة!".
كانوا أخوته هو كذلك، أبناء القحبة هؤلاء، لأنه في زمن طفولته الصغيرة، كان سعدي قد شرب منه أيضًا، من هذا الحليب الفوري. "أخوة أعداء بالأحرى"، قال لنفسه على مشهد هذا الصدام حيث يعم اللكم والرفس. أخوة بلا أب! أدعياء! كانوا كلهم أدعياء من "الأم" نفسها! فقرر سعدي الابتعاد. مَشَاهد من هذا النوع كانت يومية، ومُرَوِّعَة. هذا هو إرهاب الدولة. عندما لا يكون ترهيب "الجماهير الشعبية"، تمارس الجماهير الشعبية الإرهاب على نفسها. تلتهم الكبد. لأجل حليب بودرة لم يعد يوجد حتى. لأجل أي شيء. يظهر إرهاب الدولة في كل مكان. عَبْر قصة هذا الحليب الغير الموجود الذي نتقاتل لأجله. عَبْرَ قصص أخرى تشبهها ولا تشبهها عن أشياء لا قيمة لها نتناحر لأجلها.عَبْر هذه السيارات التي تسير بأقصى سرعة، صناديق الهاتف التالفة، سائق الحافلة المطيز، القهوة السوداء المختلطة بالحمص المحمص. إنه انعكاس المنتجات الغالية جدًا والنادرة جدًا. السطح، السلم، الساقان المفتوحتان، المُقَدَّمَتان تقديم سيقان العاهرات، المحتلتان للعقول احتلالاً يفوق في جبروته كل الأساطيل. كل هذا، إرهاب الدولة. لم يبدل وجهه منذ مولد هذا الشعب الملعون هذا الشعب اللعين. لم يتبدل شيء، لا قبل ولا بعد الدم الأسود لشهر أكتوبر الأسود أكتوبر كل الشياطين. ست وعشرون سنة بعد الاستقلال العسكري، في شهر أكتوبر الحزين هذا، كانت هناك ما اتفق على تسميتها "ثورة الخبز". لكن هذا لم يبدل شيئًا. كان هذا يذهب من سيء إلى أسوأ. هل كان هذا إذن بالون تجارب؟ كان عليهم إعداد المرحلة التالية، أولئك الجنرالات الطغاة، العمل على أن يكون الكل على جزماتهم، المرحلة الأكثر إرعابًا، الأكثر إرهابًا. أما حسيبة، فلم تكن تعمل شيئًا كبيرًا في تلك اللحظة، مرمية، مبصوقة، مقتلعة، مرهقة تحت عبء الخطيئة. ستكون توبتها أن تراه، لترتكب من جديد، عن وعي، هذا الفعل الذي تخالف به قوانين القصبة، قوانين غدت إلهية تقريبًا. أن تعود إلى رؤيته حالما يهبط الليل، أن تأخذه بين ذراعيها، أن تنيمه على جسدها الدنس. النقاء الملوث لجسدها، الوضوح المضبب لنظرتها، سيكونان قدر سعدي، الذي سيكون محيَّرًا إلى الأبد في كيانه. هذه المرة، لن يحاول الهرب. سيأخذها كما هي عليه، امرأة محجبة بالسواد وبالآيات، مغطاة بالقذارة وبالفضيحة. لن يقتلع نفسه من جسدها. سفالة كريهة أو عبودية ساذجة سيقبلها كشيء لا مفر منه. سيبدي لها كم هو من الآن فصاعدًا مشغوف بها حبًا، يا بيت البغاء! عرص لن يكون أكثر منه إخلاصًا. جنرال لن يكون أكثر منه وفاءً. لص متسكع لن يكون أكثر منه صدقًا. يا بيت بغاء كل بيوت البغاء! هذه القذرة، نعم، ستكون قدري. كانت قدره دون أن يقبل ذلك بالفعل. الآن وهي لم تعد عذراء، ألم تدمغه إلى الأبد؟ هو الأبله، الأخرق، القواد! هو الجبان، الرخو، نصف الرجل. هو الغائط! غير أنه لن يكون راضيًا أبدًا. سَيُثبت لها أنه لم يتخل عنها، لكنه سيغرق في الحزن وفي اليأس. سعدها، سعدها السادي، رجلها، جلاد قلبها لم يكن سوى صورة زائفة لما كانه بالفعل. خدعة.







التعليقات


1 - ستتأخر الحلقة السادسة يومين تلاتة
أفنان القاسم ( 2018 / 4 / 17 - 12:49 )
لأني مسافر... ميرسي.

اخر الافلام

.. انا وانا - لقاء الفنانة سلوى خطاب - الجمعة 20 أبريل 2018 - ا


.. كمال يلدو: اللقاء بالفنان التشكيلي ومدرب الرقص الفلكلوري الش


.. مسرحية تركية أبطالها أطفال تثير غضب النمسا




.. أنا و أنا - رد فعل غير متوقع من الفنانة سلوى خطاب عند سؤالها


.. أنا و أنا - رأي الفنانة سلوى خطاب في الديانة البوذية