الحوار المتمدن - موبايل



سجن الرّوح -13-

نادية خلوف

2018 / 4 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ثقافتي الأولى كانت من كتاب الصّف الرّابع الابتدائي، وحتى اليوم أمتنّ لذلك الكتاب الذي علّمني، وإلى معلّمات جيل الخمسينات. كانت ثقافة ذلك الجيل تعتمد على الحساب، والأدب والفنون، والرّياضة، وبعد ذلك التّاريخ لم يتطوّر المخزون الثّقافي عندي. بل تراجع، ووصل إلى حدّ الاضمحلال. حتى يكون ذهنك منفتحاً عليه أن يكون محايداً، وذهني لم يكن كذلك، الانتماء الإيديولوجي هو مشكلة قد تتسبّب لك بالألم فيما لو كفرت بالإيديولوجيّة، وقد تكون مؤمناً متحمّساً تبصم على الأوراق المقدمة لك، ويعطيك الإيمان الأمان حتى لو كان الشّك يعيش داخلك.. أمان فيه نكوص لشخصك وانحدار.
كانت الإيديولوجيا القومية، أو ما تدعى بالأممية، أو الدّينيّة، لكلّ منها كتابه المقدّس، والفرق أنّ الكتاب الديني هو نصوص يمكن العودة لها، أمّا كتاب الإيديولوجيا السّياسيّة فهو أراء الزّعماء المتقلّبة وفلسفتهم حسب المكان والزّمان. كان انتمائي للشيوعية وراثياً، ثم أصبح عائلياً، وكنت أحاول أن أقرأ مؤلّفات لينين، ولم أفهم منها شيئاً، لذا وضعت الكتب فوق سقيفة منزلنا، واكتفيت بقصص الأطفال في المكتبة، لكنّني كنت دائمة التّفكير في هويتي الدّاخليّة لذا اشتريت كتاب رأس المال لماركس، كي أستوعب ما قيل، قرأته دون فهم، فهو كتاب أكاديمي فلسفي اقتصادي علمي، لا يمكن أن يفهمه من لا يفهم في المحاسبة والرّياضيات، وهو فعلاً أبدع في بعض ما فهمته منه، وليس هناك علاقة للشيوعية في الاتحاد السّوفيتي من قريب أو بعيد برأس المال، هي تشبه الأنظمة العربية البعثية. هم أخذوا بعض المفردات من ماركس، وطبقوها على طريقة المؤمن الذي فهم من آية لا تقربوا الصّلاة بأن لا يصلّي.
حتى لو لم تفهم الأمور الحسابية فإنّه يمكنك أن تقرأ رأس المال بمتعة لو كانت الترجمة جيدة، فقد فصّل صراع الطّبقات تفصيلاً حقيقياً، ولا زال كتاب رأس المال مهمّاً في دراسة الاقتصاد. لم يكن ماركس قائداً ، أو ثورياً .كان أكاديميّاً وعالماً في الفلسفة والاقتصاد، و لم يقل أنه كتب نصّاً مقدّساً.
من ضمن ما يقول ماركس أنّه لا يمكن أن تخترقَ الطّبقة الأعلى حتى لو امتلكت المال إلا إذا كسرت الحاجز، وكسر الحاجز صعب جداً، وقد يحتاج لأجيال. هي صياغتي لما فهمت منه وليس جملة حرفية.
في تلك الفترة قرأت لجبران، والجاحظ، وأبي العلاء، وبعض الكتب التي كانت متوفّرة وأغلبها كتب أدبية، وكنت أتمتّع بقراءتها، لكنّني أبحث عن العالم أيضاً وليس عن عالمي العربي فقط، وعملت على تعلم الإنكليزية، والفارسية لكنّني نسيت أغلب الفارسية لأنّني لم أستعملها مثل الإنكليزية، ولأنني كنت مبتدئة فيها.
. . .
فهمت من كتاب رأس المال أن ثقافتنا هي ثقافة الطّبقة الحاكمة، وقد يكون فهمي محدوداً للموضوع، فقد قلت سلفاً أن الكتاب كان صعباً ويحتاج لأكاديمي متخصّص، لكن قست وعلى حسب ما فهمت على واقعنا السّوري. نظرت لنفسي في المرآة فرأيت فيه وجه الأسد ،صدام، عبد الناصر، وياسر عرفات، ومحمود درويش، مارسيل خليفه، ونزار، وحدث ما شئت عن الأشخاص والأفكار. نظرت إلى أصابعي . ليس عليها بصمات أنثى فلا طلاء أظافر، ولا خواتم. نظرت إلى قلبي رأيته عليلاً من الحاجة والنّقص ففي داخلي أنثى ترغب في الحضور.
ناقشت نفسي كثيراً في موضوع الموت من أجل شيء ما، ورغم أنّني أعتبر أنّ حياتي كانت نكتة سمجة لكنّني لم أكن أؤمن بالعمل الفدائي، أو الجهادي يوماً، وعندما كانت الأحزاب ترسل الفدائيين إلى لبنان فيقتلون كنت أبكيهم لأنّهم في النهاية لم يبلغوا سنّ الرّشد، وأكثر ما آلمني في إحدى المرات قتلت حماس عدة فلسطينيين مراهقين بتهمة الخيانة، وأمام أعين أمهاتهنّ ، كانوا يتخبّطون كما الديدان فوق بعضهم البعض، والجماهير تصفق للقتلة. بكيت يومها لفترة طويلة. ليس من أجل فلسطين بل عليهم. كنت أسأل نفسي دائماً عن القضيّة الفلسطينية وأرى أنّها لا تتجاوز الشّعارات رغم الحقوق المشروعة التي يطالب فيها الزّعماء كنوع من التمويه على الاستبداد. . مات أصدقاء لي في ثلاثة حروب ، المرة الأولى في عام النكسة والثانية في حرب تشرين، والثالثة في الثورة السّورية، ورأيت أمامي الدّماء تسيل في حماه، حلب، ملعب القامشلي، وفي سجن الحسكة. كنت شاهداً على كلّ تلك الجرائم.
حاولت أن أكتب دون جدوى، فلو شعرت بالحقيقة يوماً تعشّش فيك لا تتحدّث بها في مجتمع تربى على فكر الاستبداد حيث كان الشعراء والكتاب يستخدمون مصطلحات وشعارات مواربة حتى يرضى عنهم ذوو السّلطان، فالثوري العراقي امتدح دكتاتور سورية، والثوري السّوري امتدح دكتاتور العراق ، وحقّقوا ثمن معيشتهم ، وكذلك شهرتهم، وهم اليوم من المقدّسات لكل من الثوريين والنّظام. ليس صحيحاً أنّ بشار هو فقط من يفلسف الأمور، فهو قد تعلّم الفلسفة من المدرسة الأسدية فقلّدته النّخب، ونحن تعلّمنا الفلسفة الأسدية من النّخب بمن فيها النّخب الثورية، وليس عبثاً أن إحدى صفحات الفيس بوك الشّابة كانت قد سميت بصفحة التنظير. ليس هذا فقط. بل إنّ بعض من قضوا زهرة عمرهم في سجون النّظام يخرجون علينا اليوم بوطنيات تشبه وطنيات الأسد، وكأنّ السّجن لم يمرّ على قلوبهم.
الحقيقة أنّني أقلعت عن قراءة الكتب المحلّية. لم أر فيها شيئاً، وقد كنت في فترة من الفترات أواظب في الدوام في مكتبة الأسد في دمشق، فلم أجد كتاباً أتمتّع به سوى كتاباً طبيّاً يتحدث عن معالجة الصّلع عند المراهقين، ولأوّل مرّة قدّم لي كتاب معلومة مهمّة، وهي أن التّوتر النفسي عند المراهق يجعله عرضة للصلع والأمراض الجلدية.
. . .
بحكم عملي كنت أنظر إلى قضايا الطّلاق، وأرى ذلك التخلّف في عيون النّساء، بحثت بيني وبين نفسي عن السّبب فرأيته واضحاً. النساء يطاردن الرّجال من أجل الزواج ويقدمن لهم مكافأة الدخل والبيت وكل الأشياء، فينتشي الزّوج وتنتهي المهمة فيرسل ورقة الطلاق للمرأة التي منحته نفسها دون أن تضمن حقّها، وعندما غادر أتت لتطلب نفقة بخسة لا تغني ولا تسمن من جوع بعد أن كانت شابّة، ومتعلّمة، وربما عاملة. أتحدث عن طبقة المتعلّمات هنا.
تبلغ المرأة سن الشيخوخة بعد مجيء الطّفل الأوّل، ويراقبها الزوج، ثم يفر بعد عشر سنوات ليحتفي بشبابه في أزمة منتصف العمر، وليست كلّ أنواع المغادرة هي طلاق. قد يكون الطلاق هو أفضل الحالات، فالطلاق العاطفي مدمّر للأسرة والحياة، وهذا لا يعني أنّ الرّجل أفضل حالاً من المرأة هو أيضاً ضحية الثقافة الذكورية، وقد سألت أحد الرجال عندما زرته في المستشفى وكان مريضاً على حافة الموت، وقد كان أمضى جلّ عمره في مطاردة النساء، وإهمال أسرته. قلت له: هل تمتّعت بحياتك؟ أجابني: كنت من أتعس البشر. لم أتمتّع بحياتي لحظة، ودار بيننا حديث طويل حول طفولته الأولى وتربيته، وبينما كان يسرد علي سيرة حياته كانت دموعي تسيل رغماً عنّي.
ربما تراجعت حقوق المرأة على مستوى العالم رغم الحملات النسائية، لكنّ وضع المرأة في سورية هو الأصعب . هي ذليلة مهانة ، وقد تكون المرأة السّعودية أكثر تحرّراً في بعض الحالات. أكتب بشكل عام ولا يدخل ضمن ما أكتبه الاستثناءات القليلة.
. . .
بالأمس علّق أحدهم على نص لي مترجم بأنني مع الإرهابيين لأنني ضدّ الأسد، والنّص المترجم هو لعدّة أكاديميين يتحدثون عن موقف بلدانهم من الأزمة السّورية ، وقد ترجمته، وصححت الترجمة، وقرأته حتى استوعبت ما كتبوا، أي أنّني قرأت النص فأعجبني ثم أعدت قراءته عدة مرّات لأعرف رسالتهم. لقد كتبوا بشكل محايد نسبيّاً . سألت نفسي هل عليّ أن أترجم فلسفة بشار مثلاً، وهل بالضّرورة أن يطابق رأيي رأي كاتب المقال؟ أعتقد أنّ المعلّق قرأ العنوان وبضع كلمات، أو أنه لم يستوعب ما كتب لأنّه وظّف عقله في أمرواحد وهو: أنّ من هو مع الأسد هو ضد الإرهاب، ومن هو ضد الأسد هو مع الإرهاب ، وهذا ما عصب عينيه عن الرؤية السّليمة.
خلقنا بغريزة حبّ البقاء، وحبّ الذّات لكنّنا حتى تلك الغرائز لا نمارسها لذا قاربت على الاختفاء لدينا .لقد انصهرنا مع أفكارنا لدرجة أنّنا لا نستطيع أن نرى إلا من يوافق على آرائنا المستمدّة من تداول المجموعات الموالية للاستبداد لتصدير الفكر المناهض لدين معيّن فقط، فدين الشّخص الشّتام علماني بامتياز ، لكن لو حاولت المساس بشعرة خيانة لطائفته لحلّل قتلك.
أبناء الطّائفة هم يد عليا ويد دنيا، واليد العليا هم دائماً للموالين للأنظمة الدكتاتورية لأنّهم يملكون السّلطة والمال، وهما الشّرطان الضروريان ليكون يدك عليا ، أو سفلى في أيّة طائفة دينيّة. وأغلب من يكفرون بالدين في داخلهم إيمان شديد ، لكن عن طريق القياس على الموجود يعتقدون أن كفرهم هو نوع من الاحتجاج على السّلوك الدنيوي للنخبة ، ولا يمكن أن تشرح لإنسان بسيط أن مصلحة زعماء الدين تلتقي مع مصلحة زعماء السّلطة.
. . .
بالنسبة لي لم أر سورية في حالة رخاء يوماً، وربما لم أرى غير الفقراء، وهذا لا يعني إنّني أتّهمكم بالفقر-لا سمح الله- وأنا أراكم تتحدّثون عن السّيارات الفخمة التي تمتلكونها، وأراكم أيضاً وأنتم تركضون خلف المساعدات الإنسانية وراء رغيف الخبز.
أعتقد أنّه الجيل الثالث بعد أول استبداد هو الذي أطلق الثورة في الوطن العربي، سواء كانت ثورة نابعة من الفكر، أو من الجامع. أطلقها احتجاجاً على الموروث في التّصفيق للعبوديّة ، أما الأجيال الثلاثة فهي أجيال عبد الناصر الذي كانت شعاراته ارتجالية وابنة ساعتها، ومع هذا فقد كان السّوريون حتى على أيّام الوحدة يلهثون وراء الرّغيف، لكنهم يلهثون من أجل المعرفة أيضاً، وأكثر النّاس كانت تحاول أن تجد عملاً، وبعدها تكمل دراستها في الجامعة حيث كان أساتذة الجامعة حقيقيون في أغلبهم، كان جيلاً متحمّساً للحياة. حتى من انتسب للشيوعية، أو البعث، أو القومي . كان بينهم إضافة للتنافس السّياسي تنافس على العلم أيضاً، وكان من يحمل درجة علمية ينال احترام الجميع، والجيل الثاني هو جيل ما بعد الأسد حيث كانت بداية إفساد ضمير العامّة وليس المتحالفين مع السّلطة، وكان أكثر ما يثير استغرابي كيف يكون الإنسان ضد الأسد ومع حزب الله، وفي إحدى المرّات كان بيننا نقاش حول حزب الله وكنا مجموعة من الأقارب والأصدقاء، فقلت: لا أجد فرقاً بين الإخوان المسلمين وحزب الله. فنظر أحدهم وكان في عمر أولادي، وقال لي تستحقين السّجن، تشبهين الثورة الِشيعيّة اللوثرية بابن تيميّه وكان جاداً، و" جميع" من لي علاقات معهم من الأصدقاء والأقارب في دمشق كانوا يحتفظون بأعلام حزب الله في بيوتهم من أجل أن يخرجوا بها في المناسبات، ويوم مقتل الحريري-ولم اكن في حال حياته أحترمه لأنّه كان صديق الأسد-وزعوا الحلوى، وأعلنوا أنهم هم من قتله-أعني حزب الله- وقلت لإحداهنّ في دمشق لا يمكن أن يكون القتل حلاً. قالت لي: فطس غير مأسوف عليه .
على فكرة. لم أكن أعرف من هو ابن تيميّة قبل ذلك الحديث.
جيل ما بعد باسل الأسد، وهذا الجيل أصبحت الطّفولة لديه تمتد أحياناً حتى الثلاثين. هناك قلّة جادة تحاول أن تدرس أو تعمل، والباقي طريقته في الحياة هو السّهر في الليل والنوم في النّهار، التدخين، والمشروب، أو التطّرف في التّدين، وكنت أسأل أحياناً من أين لهم ثمن هذه الأشياء. هذا الجيل الشّاب الذي وجد نفسه عاطلاً عن العمل، مضطهداً، وليس لديه فرص للحياة هو من تجاوب مع الثورة السّورية، وكان قد اجتمع على شعار اسقاط النّظام، وقد استعاد الشّعور بالحياة، وغامر في الذّهاب إلى المظاهرات السّلمية، وعلينا أن لا نبحث هنا عن المحرّض الأوّل للثورة إن كان خارجياً أن داخلياً، فالمحرّض الوحيد هو الشّعور بالظّلم، وطلب الحرّية، وهذا الجيل الشّاب قد تلقى ضربة قاصمة أفقدته حياته ، أو وضعته في السّجن، أو صنعت منه معاقاً. الثورات دائماً عفوية، ويشارك بها المضطهدون، فمن المؤكد أن من يكون لديه استقرار مالي وعائلي لا يغامر بحياته. بل يرحل على الفور إلى مكان آمن. من يدفع الضريبة هم المهمّشون ، وعلى أنقاضه يرقص السّياسيون .
مع الجيل الثّالث، ومع انتشار ثقافة علي الدّيك انتشرت الدّبكة في " المناسبات الوطنيّة والثوريّة" وكانت أغلب الدبكات على أنغام على الديك ، أو وفيق حبيب، لكن على الطّرف الآخر كانت الأحزاب الشيوعية تدبك، وكذلك الأحزاب الكردية كنوع من النّضال، وقد أتت ابنتي في الثانوية وكانت أمريكا دائمة التهديد لسورية لدرجة أنني لا أعرف بأيّة مناسبة ، لكنها قالت لي يمكنكم المجيء غداً بلباس جميل وضعوا المكياج سوف تكون مظاهرة ضد أمريكا ، وقد أصبحت أشّك أن أمريكا تهمس في أذن الأسد نحن سوف نقول ، وأنت العب.
ثقافة الدبكة الشّعبية استبدلت بثقافة السّينما والمسرح، وكلما كانت أصلية انتمت الأغاني للهجة العلوية ، أو اللبنانية لدرجة أن عاملة الحصاد أصبح اسمها حاصودٍيوهو تجديد في الأدب الشّعبي " الهرائي" الذي اقتنعنا به بالتدريج وأصبحنا نطرب على أنغامه ، وللحديث بقيّة. . .







اخر الافلام

.. ترامب يرحب بتعليق كوريا الشمالية للتجارب النووية


.. الزعيم كيم جونغ أون يتخلى عن حلم أبيه وجده ويعلن وقف التجارب


.. سد النهضة .. الخيارات المصرية




.. إسرائيل وإيران .. احتمالات المواجهة العسكرية


.. داعش والقاعدة في إفريقيا.. تهديد متصاعد