الحوار المتمدن - موبايل



الأمّة و القوميّة و النسويّة - أمير حسنبور

شادي الشماوي

2018 / 4 / 17
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


الفصل الرابع : الأمّة و القوميّة و النسويّة
أمير حسنبور

( العنوان الأصلي " الأمّة و القوميّة " وهو عنوان الفصل 11 من كتاب :
" الماركسيّة و النسويّة " ، تجميع و نشر شهرزاد موجاب ، كتب زاد ، لندن 2015 )

( تعريف بالمؤلّف بالصفحة 375-376 من الكتاب :
أكاديمي ماركسي رائد في الدراسات الكرديّة ، درّس بالجامعات الكنديّة بما في ذلك في قسم حضارات الشرق الأدنى و الأوسط ، جامعة تورنتو ( 1999- 2009) . إهتماماته البحثيّة و التدريسيّة تشمل دراسات التواصل و وسائل الإعلام ، و اللسانيّات و علم الاجتماع ، والسياسة و التاريخ في الشرق الأوسط و كردستان . ألّف " القوميّة و اللغة في كردستان ، 1918ـ 1985 " ( 1992) ، و نشر عدّة مقالات باللغة الكرديّة و بالفارسيّة و ساهم في التزويد بالمراجع لأعمال مثل " موسوعة التلفاز " (1997، 2005 ) و " الموسوعة الإيرانيّة " ( 1988ـ 1989 ، 1995 ـ 1997) ، و " موسوعة آسيا المعاصرة " (2002) ، و " منجد غروف الجديد للموسيقى و الموسيقيين " (2201) ، و " موسوعة الشرق الأوسط المعاصر " (2004 ) ، و " موسوعة النساء و الثقافات الإسلاميّة " (2005) ، و " موسوعة الشتات " (2004) و " موسوعة الإبادة الجماعيّة و الجرائم ضد الإنسانيّة " (2005). و قدّم الأستاذ حسنبور دروسا عن قوميّات الشرق الأوسط و الحركات الإجتماعيّة ، و النظريّة و المنهجيّة في بحوث الشرق الأوسط . و في دراساته ، يخوض في مروحة كبيرة من المواضيع منها الإبادة الجماعيّة و إنتفاضات الفلاّحين و الطبقات الإجتماعيّة و التقاليد الشفاهيّة . )
------------------------------------------------------------------------------------------------------------
تشدّد الماركسيّة على الطبيعة الطبقيّة للأمم و القوميّات ، محدّدة إيّاها في صعود البرجوازيّة في سيرورة الإنتقال من الإقطاعيّة إلى الرأسماليّة .(1) و يغيب الجندر عن هذا التنظير . و تسلّط النسويّة [ نظريّة المساواة بين الجنسين ] الضوء على الطبيعة الجندريّة للأمم معتبرة إيّاها شكلا من التنظيم البطرياركي / النظام الأبوي للمجتمع .(2) و في هذا التنظير يتمّ التغاضى عامة عن الطبقات .
و تبحث الماركسيّة عن إلغاء الأمم و القوميّات في سيرورة الثورة الإشتراكيّة المفضية إلى المجتمع الشيوعي الخالى من الطبقات . و بينما تشدّد النسويّة على الطبقة البطرياركيّة الرأسماليّة ، ليس تفكيك البطرياركيّة عادة مقدّمات منطقيّة لتفكيك الأمّة .
التنظير الماركسي
تكمن مصلحة الماركسيّة في التنظير للأمّة و القوميّة في مشروعها للتغيير الراديكالي للعالم و تعويض المجتمع الطبقي المنقسم إلى عدّة أمم ، بالشيوعية التي تعتبر مجتمعا إنسانيّا خاليا من الطبقات و لا تفصل بين أفراده قوميّات و حدود قوميّة.
و تبعات الأمّة و الإثنيّة و كذلك الدين و القبيلة و الموطن و اللغة و الجندر تعالج كمآزق المجتمع الطبقي و قد أطلق عليها ماركس نعت " ما قبل التاريخ " ( ماركس 1970 : 22) . و الوعي و الهويّات أو الخصوصيّات المتجذّرة في هذه الإختلافات تربط بالعلاقات الطبقيّة و تخدم إعادة إنتاج هذه العلاقات داخل التشكيلة الإقتصاديّة ـ الإجتماعيّة التي إليها تنتمى ( مثلا ، الإقطاعيّة و الرأسماليّة و الإشتراكية ). الأمم إرث من الماضي و ليست عمادا للمجتمع الجديد .
و بالتالى ليس مفاجأ أن يمقت الماركسيّون الأمّة ( القوميّة ) إيديولوجيّا و نظريّا . و مع ذلك ، سياسيّا ، تقيّم الحركات القوميّة وفق الإعتبارات الثلاثة المتداخلة التالية : أـ هل تهدف إلى الإطاحة بالعلاقات ما قبل الرأسمالية و الإقطاعيّة و القبليّة و العبوديّة إلخ ؟ ب ـ هل تناضل ضد الإضطهاد القومي؟ ت ـ هل تعرقل أم تشجّع مشروع البروليتاريا في الإطاحة بالرأسماليّة ؟ بصفة مبكّرة منذ 1848 ، كتب ماركس و إنجلز في " بيان الحزب الشيوعي " :
" و يتّهمون الشيوعيين ، عدا ذلك ، بالرغبة في إلغاء الوطن و القوميّة .
ليس للعمّال وطن ، فليس في الإستطاعة إذن سلبهم ما لا يملكون . و بما أنّ على البروليتاريا أن تستولي أوّلا على السلطة السياسيّة ، و أنّ تشيّد نفسها بحيث تغدو الطبقة القائدة للأمّة ، و أن تصبح هي الأمّة ، فهي لا تزال بعد إذن وطنيّة ، و لكن ليس بالمعنى البرجوازي لهذه الكلمة ".( ماركس و إنجلز 1976 : 502 -503 ؛ بالعربيّة : الصفحة 70 من " مختارات ماركس و إنجلز " في أربعة أجزاء ، الجزء الأوّل ، دار التقدّم ، موسكو ؛ " بيان الحزب الشيوعي " ).
و هم يقرؤون بطريقة غير جدليّة ، كثير من المعلّقين على الماركسيّة لا يفقهون لماذا يجب على البروليتاريا التبرّأ من الأمّة و في نفس الوقت ، التشكّل كأمّة . في تعليق له على الإستشهاد بماركس ، أشار لينين ( 1972: 166ـ 167) إلى أنّ جملة " ليس للعمّال وطن " تعنى أـ أنّ الموقع الاقتصادي ليس قوميّا بل عالميّا ، ب ـ أنّ عدُوّهم الطبقي عالمي و ظروف تحريرهم عالميّة و ت ـ أنّ الوحدة العالميّة للعمّال أهمّ من وحدتهم القوميّة . و مع ذلك ، تتكوّن الطبقة العاملة و هي منحصرة سياسيّا داخل حدود الدولة ـ الأمّة . و قد أشار ماركس و إنجلز إلى أنّه : " بالرغم من نضال البروليتاريا ضد البرجوازيّة ليس في أساسه نضالا وطنيّا ، فهو مع ذلك يتّخذ هذا الشكل في بادئ الأمر . إذ لا حاجة للقول إنّ على البروليتاريا في كلّ قطر من الأقطار أن تقضي قبل كلّ شيء على برجوازيّتها الخاصة ." ( ماركس و إنجلز 1976 : 495 ؛ بالعربيّة : الصفحة 61 من " مختارات ماركس و إنجلز " في أربعة أجزاء ، الجزء الأوّل ، دار التقدّم ، موسكو ؛ " بيان الحزب الشيوعي " ). و هكذا تقع الطبقة العاملة المنقسمة جرّاء الحدود القوميّة ، تحت الحكم الاقتصادي و السياسي و العسكري لبرجوازيّتها " الخاصة " ، و يجب على نضالها أن يتوجّه أوّلا و قبل كلّ شيء ضد عدوّها الطبقي الخاص . وعليه ، مفهوما جدليّا ، القومي و العالمي ، كالبرجوازية والبروليتاريا المتجذّرين فيهما ، يمثّلان " وحدة وصراع الأضداد " ـ أي يعتمدان و ينفيان بعضهما البعض .
و بينما يتخذ تشكّل الأمم أشكالا مختلفة ، تحدّد النظريّة الماركسيّة ظهور الأمم بصعود الرأسماليّة ـ ظهرت الأمم في إطار سيرورة التفكّك الاقتصادي و السياسي للمجتمع الإقطاعي المجزّأ و التشكّل صحبة السوق الموحّد ، إستنادا إلى تقسيم العمل. و تشمل هذه السيرورة تشكّل الأرض المشتركة ( الوطن ؛ السوق القوميّة ) التي يمكن فيها للرأسمال و العمل التحرّك بحرّية. و جذبت السوق الرأسماليّة الفلاّحين المرتبطين بالأرض و حوّلتهم إلى عمّال مأجورين ( البروليتاريا ) و من ثمّة إختلط السكّان و تطلّبت هذه السيورة لغة قوميّة تتجاوز اللهجات الجهويّة و تيسّر إنشاء الروابط القوميّة ومنها الحياة الثقافيّة، على أنّها لا تزال مختلفة طبقيّا . قبل الحرب العالميّة الأولى ، عندما كان إشتراكيّو أوروبا الغربيّة و روسيا و منهم روزا لكسمبورغ و كارل راداك و اوتو باور و ف. إ. لينين و ج . ستالين يناقشون المسألة القوميّة ، لخّص ستالين الموقف الماركسي ـ اللينيني : " الأمّة هي جامعة أناس ثابتة تألّفت تاريخيّا ، نشأت على أساس جامعة اللغة و الأرض و الحياة الإقتصاديّةو الخصائص النفسيّة التي تتجلّة في جامعة الثقافية " ( ستالين 1970 : 68 ، التشديد في النصّ الأصلي ؛ بالعربيّة : " الماركسيّة و المسألة الوطنيّة " ، دار الطبع و النشر باللغات الأجنبيّة ، موسكو سنة 1952).
لا يصبح شعب أمّة إلاّ إذا توفّرت فيه الخصوصيّات الأربع جميعها . (3) و وجود دولة ليس من متطلّبات الأمّة رغم أنذ القوميين يجتهدون من أجل الدولة ، و وفق لينين " الميزة النموذجيّة و الشيء الطبيعي في المرحلة الرأسماليّة هو قيام الدولة القوميّة " (4) ( بالعربيّة : الصفحة 146 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو . مقال" حقّ الأمم في تقرير مصيرها " ).
وهكذا النظريّة الماركسيّة للأمّة مختلفة عن الفهم التقليدي الذى ترفعه عاليا النظريّة الديمقراطية للأمم " الإثنيّة "(الثقافيّة ) و " المواطنيّة " ( السياسية ).(5) و على الرغم من أنّ الأدب بهذا الشأن يعتبر اللغة و الثقافة كمميّزات إثنيّة ، لكنّهما ، في النظريّة الماركسية ، ظاهرة إجتماعيّة ـ تاريخيّة بدلا من كونها مظاهر كامنة أو أوّليّة للأمم . و تختلف النظريّة الماركسيّة أيضا عن نظريّات " الأمّة المواطنيّة " التي تساوى الأمّة بالهياكل السياسيّة التشريعيّة مثل " الديمقراطيّة الشعبيّة ( أو الليبراليّة أو " الديمقراطية البرجوازية " )، و بالقيام بذلك تخلط بين الأمّة و الدولة ( من أجل نقد لهذه النظريّات ، أنظروا مثلا ، ياك 1999).
تتطوّر الرأسماليّة و أممها تطوّرا غير متكافئ مفرزة عالما منقسما تراتبي متكوّن من صغار و كبار ، من أمم متطوّرة و أخرى في طريق النموّ ، أمم مستعمِرة و أخرى مستعمَرة ، أمم مستقلّة وأخرى تابعة ، أو أمم مضطهِدة وأخرى مضطهَدَة. و في ظلّ ظروف تطوّر غير متكافئ ، هناك أمم أكثر من الدول، وغالبيّة هذه الدول كيانات متعدّدة القوميّات . كان تشكّل الأمم و دولها في بداية العصر الرأسمالي تقدّميين طالما أنّ الدول القوميّة ساعدت على تفكيك الإقطاعيّة . وفي الوقت نفسه، كان على الرأسماليّة ، لا سيما في تطوّرها اللاحق ، أن تحطّم الحدود القوميّة ، وهو وضع يعبّد الطريق للإشتراكيّة : " الرأسماليّة تعرف في تطوّرها إتجاهين تاريخيين في المسألة القوميّة : الأوّل هو إستيقاظ الحياة القوميّة و الحركات القوميّة ، و النضال ضد كلّ إضطهاد قوميّ ، و إنشاء دول قوميّة . و الثانى ، تطوّر شتّى العلاقات بين الأمم و تكاثرها المتزايد ، و هدم الحواجز القوميّة ، و إنشاء وحدة الرأسمال العالميّة ، و وحدة الحياة الإقتصاديّة بصورة عامة، و وحدة السياسة و العلوم ، إلخ ..
و كلا الإتّجاهين هما قانون عالمي للرأسماليّة . فالأوّل يسود في بدء تطوّرها ، و الثاني يميّز الرأسماليّة الناضجة السائرة نحو تحوّلها إلى مجتمع إشتراكي . و برنامج الماركسيين في المسألة القوميّة يأخذ هذين الإتّجاهين بعين الإعتبار ، إذ يدافع أوّلا عن المساواة بين القوميّأت و اللغات في الحقوق ، و عن إستحالة القبول بأيّة إمتيازات بهذا الصدد ( و عن حقّ الأمم في تقرير مصيرها أيضا ... ) ، و إذ يدافع ثانيا عن مبدأ الأمميّة و النضال العنيد الحازم ضد تسميم البروليتاريا بسمّ التعصّب القومي البرجوازي ، مهما رقّ و نعم . " ( لينين 1971 (أ) : 15 ، التشديد في النصّ الأصلي ؛ بالعربيّة : الصفحة 67 من المجلّد الخامس من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو . مقال " ملاحظات إنتقاديّة حول المسألة القوميّة " ).
و يقيّم ماركس و إنجلز و الكثير من أتباعهما الأمم و القوميّات و الحركات القوميّة إنطلاقا من مساهمتهما في الثورة و معارضتهما لها . و ينظر الماركسيّون إلى الأمّة ( و القوميّة ) كمكوّن للرأسماليّة و كلاهما ، تاريخيّا ، قد عفا عليهما الزمن . و حسب لينين ، " إنّ التعصّب القومي البرجوازي و الأممية البروليتاريّة شعاران متناقضان تماما ، لا يمكن التوفيق بينهما أبدا ، شعاران يمثّلان المعسكرين الكبيرين الطبقيين في العالم الرأسمالي بأسره و يعبّران عن سياستين ( بل عن مفهومين عن العالم ) في المسألة القوميّة . " ( المصدر السابق : 14 ؛ بالعربيّة : الصفحة 66 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو. مقال " ملاحظات إنتقاديّة حول المسألة القوميّة " ) . و في الآن نفسه ، يعارض الماركسيّون الإضطهاد القومي ليس لدوافع أخلاقيّة و إنّما لأنّه يحول دون دمقرطة الحياة السياسيّة و يعرقل النضال من أجل الإشتراكيّة . فوفق ماركس ، " أيّة أمّة تضطهِد أمّة أخرى تصنع قيودها الخاصة ." ( ماركس 1971 : 163 ) و أكّد لينين كذلك : " ليس بماركسي ، حتّى و لا بديمقراطي من يقرّ بالمساواة في الحقوق بين القوميّات و اللغات و لا يدافع عنها، و من لا يناضل ضد كلّ إضطهاد قومي و ضد كلّ عدم مساواة قوميّة " ( لينين 1971 (أ) : 16 ؛ بالعربيّة : الصفحة 68 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو. مقال عنوانه " ملاحظات إنتقاديّة حول المسألة القوميّة " ) . و في الدفاع عن السياسة البلشفيّة في دعم حقّ الأمم المضطهَدَة في تقرير المصير ، أعرب لينين عن " طالما تناضل برجوازيّة الأمّة المضطهَدة ضد الأمّة المتسلّطة ، فنحن معها دائما و أبدا ، في جميع الظروف ، بعزيمة تفوق تأييد الآخرين جميعا ، لأنّنا ألدّ أعداء الإضطهاد ، نكافحه بجرأة و إستقامة . و طالما تعمل برجوازيّة الأمّة المضطهَدة في سبيل تعصّبها القومي البرجوازي ، فنحن ضدّها ، أي أنّنا نقاوم إمتيازات الأمّة المتسلّطة الظالمة و أعمالها العنيفة من جهة ، و لا نتسامح مطلقا مع سعي الأمّة المضطهَدة وراء الإمتيازات ." ( لينين 1971 (ب) : 55، و التشديد في النصّ الأصلي ؛ بالعربيّة : الصفحة 166 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو . مقال " حقّ الأمم في تقرير مصيرها " ).
الإضطهاد القومي حاجز أمام الثورة الإشتراكيّة لا سيما لأنّه يقسم الطبقة العاملة حسب الإنتماءات القوميّة و يحوّلها إلى " جيش إحتياط " لدى برجوازيّتها " الخاصة " . و في حين يعارض القوميّون الإضطهاد القومي ، ينتفعون منه طالما أنّه ييسّر التعاون الطبقي باسم الدفاع عن " الوطن " و " الأمّة " أو " الشرف القومي " . و البديل هو الأممية : " إنّ الماركسيّة لا تتّفق مع التعصّب القومي ، مهما كان " عادلا " و " صافيا " و ناعما و متمدّنا . بل إ،ّها تستعيض عن التعصّب القومي ، أي تعصّب ، بالأممية ، بإندماج جميع الأمم في وحدة عليا تتطوّر و تنمو تحت أنظارنا كلّما مدّ خطّ حديدي جديد ، وأنشئ تروست عالمي جديد، و تأسّست جمعيّة عمّاليّة جديدة ( عالميّة بنشاطها الاقتصادي ، ثمّ بأفكارها وميولها أيضا ) " ( لينين 1971 (أ) : 22 ؛ بالعربيّة : الصفحة 76 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو. مقال " ملاحظات إنتقاديّة حول المسألة القوميّة ").
هذا الرأي حول الظروف المساعدة على الأممية قد أدخل الإضطراب على عديد نقّاد الماركسية الذين عادة ما يستشهدون بماركس نفسه بشأن مستقبل الأمم : " ها هي الفواصل الوطنيّة و التناقضات بين الشعوب تزول يوما بعد يوم تبعا لتطوّر البرجوازيّة ، و حرّية التجارة ، و السوق العالميّة ، و تشابه الإنتاج الصناعي و شروط المعيشة الناجمة عن ذلك . " ( ماركس و إنجلز 1976 : 503 ؛ بالعربيّة : الصفحة 70 من " مختارات ماركس و إنجلز " في أربعة أجزاء ، الجزء الأوّل ، دار التقدّم ، موسكو ؛ " بيان الحزب الشيوعي " ). و تقوّض هذه التطوّرات في القوى المنتجة المكاسب القوميّة و الحدود و الوحدة الترابيّة و الإستقلال . و بالفعل ، التقدّم في " وسائل الإتصال و النقل " قد سمحت مبكّرا ، مع أواسط القرن التاسع عشر ، كما كتب ماركس في الغرندريسي ، ب" مَحقِ الزمان للمكان " ( ماركس 1973 : 524 ) ، إلى درجة أنّ : " هذا الإنقلاب المتتابع في الإنتاج ، و هذا التزعزع الدائم في كلّ العلاقات الإجتماعيّة ، و هذا التحرّك المستمرّ و إنعدام الإطمئنان على الدوام ، كلّ ذلك يميّز عهد البرجوازيّة عن كلّ العهود السالفة ، فإنّ كلّ العلاقات الإجتماعيّة التقليديّة الجامدة ، و ما يحيط بها من مواكب المعتقدات و الأفكار ، التي كانت قديما محترمة مقدّسة ، تنحلّ و تندثر ؛ أمّا التي تحلّ محلّها فتشيخ و يتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها . و كلّ ما كان تقليديّا ثابتا يطير و يتبدّد كالدخان ، و كلّ ما كان مقدّسا يعامل بإحتقار و إزدراء ...
و بدافع الحاجة الدائمة إلى أسواق جديدة تنطلق البرجوازيّة إلى جميع أنحاء الكرة الأرضيّة . فينبغى لها أن تدخل و تتغلغل في كلّ مكان ، و توطّد دعائمها في كلّ مكان ، و تقيم الصلات في كلّ مكان ." ( ماركس و إنجلز 1976 : 487 ؛ بالعربيّة: الصفحة 51 – 52 من " مختارات ماركس و إنجلز " في أربعة أجزاء ، الجزء الأوّل ، دار التقدّم ، موسكو ؛ " بيان الحزب الشيوعي " ).
و مع ذلك ، ديناميكيّة رأس المال " التوسّع أو الموت " لا تؤدّى إلى تفكيك الأمّة و النظام العالمي للدولةـ الأمّة . و الظروف السياسيّة ـ أي وجود الدولة الرأسماليّة و سياساتها القوميّة و كذلك هيمنة إيديولوجيّأت القوميّة و الشوفينيّة القوميّة أو الفاشيّة ـ لن تسمح بالتفكيك العفوي أو السلمي للدولة ـ الأمّة . و تحرس البنية الفوقيّة القاعدة الإقتصاديّة و في حال شعرت البرجوازيّةبالتهديد ستلجأ إلى الأمّة و القوميّة و الوطن و البلد و الوطنيّة و الفاشيّة و كره الأجانب و العنصريّة و الكراهيّة الدينيّة و الحرب و الإبادة الجماعيّة لأجل تدمير أيّة فكرة تعايش و سلم و أمميّة . و نظرة ماركس لظهور الظروف الماديّة لإضمحلال الأمم يقف برهانا على صحّتها ، ضمن تطوّرات أخرى ، تشكّل الإتّحاد الأوروبي بكلّ من نجاحاته و إخفاقاته . و من الدال أيضا أنّ أفتحاد الأوروبي قد قام على أنقاض الحربين اللتين تركّزتا في أوروبا و دمّرت القوى الإمبريالية قارتها و ، إلى جانب دول أخرى ، دمّرت الكثير من بقيّة العالم . و تجربة أخرى لها دلالتها هي حلّ الأممية الثانية للأحزاب الإشتراكية بعدما إلتحقت جميعها ، بغستثناء البلاشفة ، ب " الحرب الوطنيةّ " لبرجوازيّة كلّ منها إبّان الحرب العالميّة الأولى . و هكذا ، سيادة السياسة القوميّة أو الأممية لا يمليها الاقتصاد الرأسمالي . إنّها ترتهن بالأحرى بالنظرة السياسيّة و الإيديولوجيّة للأحزاب الشيوعيّة ؛ و بكلمات أخرى ، الصراعات في البنية الفوقيّة ، بدلا من مستوى التطوّر الرأسمالي، تحدّد كيف تتمّ معالجة التناقض بين السياستين و الطبقتين .
مصمّمين على عدم الإلتحاق ببرجوازيتهم " الخاصة " في الحرب العالمية الأولى ، حوّل البلاشفة الحرب الرأسماليّة إلى ثورة ضد الرأسماليّة و أطاحوا بالنظام القيصري و أرسوا أسس الإشتراكيّة في ظلّ ظروف مجاعة و دمار و تدخّل عسكري للقوى الإمبريالية . لقد كانت ثورة في أوسع بلد عالميّا ، روسيا المتعدّدة القوميّات و التي كانت حسب لينين " سجن الأمم ". كان هذا هو التحرّر من " الضرورة " المنادى به في إنسجام مع الجدلية الهيغليّة و إنجلز ، الإعتراف بالضرورة و وفق ماو تسى تونغ تغييرها أيضا ( ماو تسى تونغ ، 2007 (ب) : 183).
لقد كان الحزب البلشفي متسلّحا بالإعداد النظري لتحقيق ما سمّاه إنجلز ، في إطار مختلف ، صعوبة " القفزة من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرّية " ( إنجلز 1976 : 367). و قبل الثورة ، أكّد لينين على أنّه " من غير الممكن القضاء على الإضطهاد القومي ( أو أيّ إضطهاد سياسي آخر ) في ظلّ الرأسماليّة " يستحيل القضاء على الإضطهاد القومي ( والإضطهاد السياسي ، بعامة ). ولهذا كان من الضروري القضاء على الطبقات ، أي إقامة الإشتراكيّة . " و لكن الإشتراكيّة ، مجتمع طبقي بحدّ ذاتها ، ليس بوسعها إلاّ أن " تخلق إمكانيّة القضاء على الإضطهاد القومي قضاء تاما . " ( لينين 1971(ت) : 116 ؛ بالعربيّة : الصفحة 92 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو. مقال" خلاصة المناقشة حول حقّ الأمم في تقرير مصيرها " ، و التشديد في النصّ الأصلي ) . بكلمات اخرى التحرّر من الأمّة كان مسألة إنتقال ليس من الرأسمالية إلى الإشتراكيّة و إنّما من الإشتراكية إلى الشيوعية . و قد إتّخذت عدّة خطوات لتوفير إمكانية هذا التغيير . و من المواضيع الكبرى في النظريّة و الممارسة ، إمكانيّة بناء الإشتراكية في بلد واحد أو مثلما إقترح ماركس ، على نطاق البلدان الرأسمالية المتطوّرة في أوروبا . و في غياب الثورات الإشتراكية المظفّرة في أوروبا ، و آخذا بعين الإعتبار التغيّرات الناجمة عن تحوّل الرأسماليّة إلى إمبرياليّة منذ أواخر القرن التاسع عشر ، تبنّى الحزب مشروع " الإشتراكية في بلد واحد " . والبلد الوحيد في العالم يحمل إسما غير إثني و غير مرتبط بمنطقة كان إتّحاد الجمهوريّات الإشتراكية السوفياتي، المتشكّل من جمهوريّات تميّزت و سمّيت حسب القوميّات الكبرى فيها ، كالأرمن و الجورجيين و الطادجيكيين و جميعهم إنخرطوا في طريق التشكّل القومي بضعة عقود فقط قبل 1917. وكجزء من مشروع إلغاء الإضطهاد القومي ، في 1917، إعترف الحزب بإستقلال فنلندا و منح الدستور القوميّات السيادة و المكانة المتساوية مع حقّ تقرير المصير بما في ذلك حقّ الإنفصال. وكان واضحا ، في العمل النظري للينين أنّ حقّ تقرير المصير مثل " الأجر المتساوي للعمل المتساوي " " حقّ برجوازي" يعيد إنتاج لامساواة العلاقات الرأسمالية . و لنضرب مثالا آخر ، في الثقافة و الفنون ، وقع تشجيع سياسة " شكل قومي و مضمون إشتراكي ". و رغم أنّ العداء القوميّ قد خفّ ، تحوّلت كافة هذه الخطوات إلى محاور صراع طبقي بين الشيوعيين و القوميين . بلغة جدلية ، الشيوعيّون و القوميّون أو البروليتاريا و البرجوازيّة ، بعيدا عن أن يكونا منفصلين ، يوجدان في وحدة و صراع .
و ليس مفاجأ أنّ الشيوعيين أنفسهم دافعوا عن سياسات كانت قوميّة و برّروا ذلك ب " الضرورات " من مثل فرض الحصار الرأسمالي و الحرب العالمية الثانية أو الحرب البادرة . و قد وجدت القوميّة تعبير عنها بطرق متقنة حينما ، مثلا، كان يتوقّع من الأحزاب الشيوعية عبر العالم أن تساند " مركز قيادة الثورة العالميّة ، افتحاد السوفياتي ، حتّى على حساب التخلّى عن الثورة ضد برجوازيّتهم الخاصة . و أيضا كان مدمّرا التعويل على القومية إبّان الحرب العالميّة الثانية و حتّى النقل القسري لبعض القوميّات من مسرح عمليّات الحرب غربي إلى وسط الجمهوريّات الآسيويّة . و قبل أقلّ من عقد بعد تشكّل " الكتلة الإشتراكيّة " التي إمتدّت من الصين إلى ألمانيا ، فتح نيكيتا خروتشاف ، بواسطة إنقلاب سنة 1957 ، الطريق للعلاقات الرأسماليّة وبعد بضعة سنوات ، سيشخّصه الحزب الشيوعي الصيني الوضع على أنّه " إعادة تركيز للرأسماليّة " أدّى إلى تحوّل الإتّحاد السوفياتي إلى بلد " إمبريالي- إشتراكي - أي إشتراكي قولا وإمبريالي فعلا ". و ملخّصا تجربة كلّ من الإتّحاد السوفياتي و الصين ، أشار ماو إلى أنّه في سيرورة الصراع الطبقي في ظلّ الإشتراكية ، تظهر " برجوازيّة جديدة " داخل الحزب الشيوعي الحاكم و خطّها الإيديولوجي و السياسي يفضى إلى إعادة تركيز الرأسماليّة . و قد حدث هذا أيضا نتيجة إنقلاب في الصين سنة 1976 أسفر عن صعود " أتباع الطريق الرأسمالي " إلى السلطة و إعادتهم لتركيز الرأسماليّة و قوميّتها .
بينما في المواقف النظريّة ـ السياسيّة الملخّصة أعلاه لا إحالة على التناقض التاريخي بين الجنسين ، سمحت الماركسيّة كنظريّة جدليّة عامة للمجتمع بنظرات ثاقبة في التقسيم الجندري للمجتمع . من أوغست بابل ( " المرأة و الإشتراكية " 1879، و إنجلز " أصل العائلة و الملكيّة الخاصة و الدولة " ، 1884 [ 1985] ) في القرن التاسع عشر ، إلى قادة الحركات النسويّة على غرار كلارا زتكين و إنيسا آرمندا و ألكسندرا كولنتاي في بدايت القرن العشرين ، وفّر الماركسيّون كمّا من المعرفة النظريّة و العمليّة بشأن العلاقات الجندريّة ، قسّمت الوعي و الممارسة النسويين إلى تيّارين طبقيين ـ تيّار ليبرالي و تيّار إشتراكي / شيوعي . و في إرتباط بنظريّات الأمّة ( القوميّة ) ، تهدف النسويّة الليبراليّة إلى بلوغ المساواة في إطار الأمّة الرأسماليّة و هيكلتها السياسيّة ـ التشريعيّة ـ أي الديمقراطية البرجوازية . و على العكس من ذلك ، تؤكّد الماركسيّة على أنّ المساواة الجندريّة لا يمكن بلوغها في ظلّ الرأسماليّة و ذلك لأنّ الرأسماليّة لا تسمح إلاّ بالمساواة القانونيّة بين النساء و الرجال و في غياب المساواة الإجتماعيّة و الإقتصاديّة يُعاد بطريق الحتم إنتاج لامساواة النظام البطرياركي . و قد حاجج ماركس عند التعاطى مع الحقوق المتساوية للعمّال ، بأنّه نظرا لكون العمّال كأفراد لهم حاجيات متباينة ، يظلّ الحقّ المتساوى ، حتّى في ظلّ الإشتراكيّة هو " من حيث المحتوى ، حقّ قائم على عدم المساواة ، ككلّ حقّ ". ( ماركس 1972:16 ؛ بالعربيّة " نقد برنامج غوتا " ، دار التقدّم ، موسكو ، الصفحة 15).
و على خلاف النسويّة الليبراليّة و أجندتها المركّزة على الأمّة ، أطاحت النساء الإشتراكيّات رمزيّا حدود الدولة ـ الأمّة حينما في 1911 أطلقن 8 مارس كيوم عالمي للمرأة العاملة . و بعد سنتين من ثورة أكتوبر ، سلّط لينين الضوء في 8 مارس 1920 ، على منعرجات غير مسبوقة وتقدّميّة بإتّجاه المساواة القانونيّة في العلاقات الجندريّة في الإتّحاد السوفياتي، منبّها إلى أنّ هذا مجرّد خطوة ضروريّة لكن غير كافية بإتّجاه المساواة الحقيقيّة ( غير القانونيّة ) . و أكّد أنّ حتّى الإشتراكية ليس بوسعها أن تجتثّ الهيمنة الذكوريّة ( لينين 1982: 85 ). و بدلا من مواصلة خلق ظروف إضمحلال الأمّة و البطرياركية ، أعلن الحزب الشيوعي السوفياتي في ثلاثينات القرن العشرين ، مخالفا النظريّة الماركسيّة ـ اللينينيّة ، أنّ العلاقات الطبقيّة و البطرياركيّة قد زالت .
التنظير النسوي
وُلدت النسويّة بالمعنى البسيط للوعي و المعرفة بشأن العلاقات الجندريّة و تحرير النساء ، ولدت مع القوميّة و دولتها ـ الأمّة الأولى ( مثلا ، هولندا و بريطانيا و فرنسا و الولايات التحدة ) في عصر التنوير . و إكتشف الجيل الأوّل من النسويّات أنّ الدولة الديمقراطيّة البرجوازيّة لا تنوى معاملة الرجال و النساء كعناصر متساوية للأمّة . و لم تسمح المواطنة كمكسب للثورات الديمقراطية الممدوح كثيرا ، بالعضويّة الكاملة في ألمّة إلاّ إلى الرجال ذوى الأملاك أو الدافعين للأداءات ، و أنكرت حقوق المواطنة للنساء و العمّال الرجال و الأقلّيات الدينيّة و الإثنيّة و العرقيّة . لم يدرك الذكر روبيس بيار وحده كممثّل للجناح الراديكالي للبرجوازيّة ، بل أدركت أيضا النساء المثقّفات أنّ نداء الثورات من " الحرّية ، المساواة ، الأخوّة " لم يكن أكثر من وعد . و فى منتهى الدلالة أنّ أولمب دى جوج ( 1748 - 1793 ) ، وهي امرأة أرستقراطيّة ، رفضت فورا السمة المميّزة للثورة الفرنسيّة أي " إعلان حقوق الرجل و المواطن [ الذكر ] " و أصدرت بدلا عنه " إعلان حقوق المرأة و المواطنة ".
و واصلت النسويّات و الناشطات من النساء النضال من أجل الرفع من مكانة المرأة بتوجيه مطالبهنّ إلى الدولة و العمل ضمن إطار الأمّة . غير أنّ الدولة ـ الأمّة كانت متردّدة في إصلاح الهيكلة التراتبيّة للأمّة . و قد إستغرق الأمر زهاء القرن لتتمكّن النضالات الفكريّة و السياسيّة للمُ]طالبات بحقّ لإقتراع النساء من أن تفرض على الدولة حقّ الإقتراع و الترشّح . و مع ذلك ، لم تتغيّر الطبيعة الجندريّة للدولة ـ الأمّة بصورة قابلة للملاحظة نتيجة الإصلاحات ـ حتّى أفصلاح الأبرز ، بلوغ النساء الجهاز المركزي للحكم الديمقراطي ، البرلمان . معارضة العسكراتيّة الذكوريّة و عنف الدولة ـ الأمّة في أوج الحرب العالميّة الثانية ، كتبت فرجينيا وولف ( 1882ـ 1941 ) عن العلاقة العدائيّة بين النساء و الأمّة . و قد لاحظت أنّ امرأة تتساءل : " ماذا تعنى لى أنا الغريبة كلمة " بلادنا " ؟ و للإجابة ستحلّل معنى الوطنيّة بالنسبة لها . ستستعلم عن موقع جنسها و طبقتها في الماضي . و ستستعلم عن كمّية الأرض و الثروة و الإزدهار بحوزة جنسها و طبقتها الخاصين في الحاضر ـ كم من " أنجلترا " تملكه فعلا ... " بلادنا " ستقول ، " عبر معظم الفترات التاريخيّة قد عاملتنى معاملة العبيد و حرمتنى التعليم أو أي قسط من أملاكها ... في الواقع كإمرأة لا أملك بلدا . كإمرأة لا أرغب في أي بلد . كإمرأة بلدى هو العالم بأسره " . و حتّى إن حسم العقل الأمر ، سيظلّ هناك بعض الشعور العنيد ، بعض الحبّ لأنجلترا المزروع في أذن الطفل القادم من الشامات و في شجرة الدردار من قبل دفقة أمواج على الساحل ، أو أصوات تهمس بأغانى أطفال ، هذا قطرة من الشعور النقيّ ، و إن كان غير عقلاني ، سيجعلها تقدّم لأنجلترا أوّلا ما ترغب من سلام و حرّية للعالم بأسره " ( إستشهد به في وست 1997 : XI ).
و لم تكن دى جوج و وولف وحدهما في تسليط الضوء على هذا النزاع . ستّة عقود بعد وولف ، كبلان ، مثلا نسويّة أخرى ، لاحظت أنّ " النسويّة و القوميّة مواقف إيديولوجيّة تقريبا غير منسجمين دائما داخل الإطار الأوروبي ؛ و بالنتيجة تنافرتا و كانت نسويّة غرب أوروبا " تتبع أحزاب اليسار " ( كابلان 1997 : 3 ). و على عكس " النسويّة الليبراليّة " الأمريكيّة أو نسويّة الأمم الصناعيّة الغربيّة خارج أوروبا ، نسويّة غرب أوروبا " تنزع إلى أن تكون أكثر جذريّة و متميّزة أكثر بلغة و أفكار الماركسيّة و اللينينيّة و الشيوعية و الإشتراكية ..." ( المصدر السابق : 22).
و مع ذلك ، سيكون من المناسب عدم خلط النزاع بين النساء و الأمّة ( القوميّة ) مع النزاع بين النسويّة و الأمّة ( القوميّة ) . النسويّة هي المكوّن الواعى و المصاغ نظريّا و سياسيّا ضمن نضال النساء من أجل التحرّر ؛ وهي متكوّنة من تنوّع في المواقف تمتدّ من أجندا النسويّة الليبراليّة لإصلاح العلاقات الجندريّة في إطار الدولة ـ الأمّة إلى أرضيّة النسويّة الماركسيّة الساعية إلى تفكيك الأمّة البطرياركيّة . و عادة ما يحدّد الوعي أجندا الحركات النسائيّة . في المدّة الأخيرة ، سلّطت بعض النسويّات في الغرب الضوء على النزاع بين النساء و الأمّة بوسائل نظريّة فاقت جوج و وولف . و على سبيل المثال ، يوفال ـ دافيس شخّصت ثلاثة أنماط لإعادة إنتاج النساء للأمم ـ البيولي و الثقافي و الرمزي . بيد أنّ إعادة الإنتاج البيولوجيّة ، في هذه الدراسة ، تقلّص إلى مسألة حقوق الإنجاب ـ أي " حقّ النساء في إختيار إن كانت ترغب في إنجاب أطفال و كذلك عددهم و متى ..." ( 1997: 22). مقارنة بالإقتراح الماركسي للطبيعة الثنائيّة للإنتاج (6) ، هذه المقاربة محدودة أكثر في المدى و الدلالة . و في الواقع ، تسعى بعض النسويّات إلى معالجة النزاع بين جعل القوميّة أكثر مساواة عبر إصلاح نظام الحقوق . فوست مثلا ، تقدّمت ب" نظريّة النسويّة القوميّة " المتمثّلة في " حركات إجتماعيّة متزامنة تبحث عن الحقوق النساء و حقوق القوميّات داحل أطر إجتماعيّة و إقتصاديّة و سياسيّة متنوّعة ". ( 1997 : XXX)
و في سياقات غير غربيّة ، كذلك ، تهدف النسويّات كما يهدف القوميّون إلى تسوية النزاع . و غالبا ما يحاجج الجانبان بأنّه يجب على النساء أن لا تدفع من أجل المساواة و العدالة الجندريّة طالما أنّ الأمّة برمّتها واقعة تحت الإستعمار أو الإضطهاد الخارجي ( أنظروا ، ضمن أدب واسع النطاق ، جيوردينا 1986). و عادة ما تعرقل هذه التسوية بحطّ بديلها ـ أي لا أولويّة للمطالب القوميّة نسبة لمطالب النساء ـ إلى مستويات " بديل البيض " و " العنصريّة " أو " الغرب " ( أنظروا مثلا ، يوقال ـ ديفيس 1997: 117 ـ 118 ). و بينما العنصريّة موجود فعلا على مستوى الغرب ، فإنّ التسوية بين القوميّة و النسويّة عالميّة، تجدونها في كلّ من الغرب و الشرق وهي تمثّل موقفا طبقيّا : تفضيل البرجوازيّة للإبقاء تحت المراقبة لجميع النزاعات الإجتماعيّة و السياسيّة و الإقتصاديّة صلب الأمّة و ضمان ولاء النساء للدولة ـ الأمّة . و في هذه التسوية ، للقوميّة و دولتها اليد العليا .
و في غياب تسوية مشابهة لتلك في حركات التحرّر الوطني ، إستطاعت لحركات الإجتماعيّة للستّينات في الغرب ، لا سيما حركات النساء و النسويّة ، أن توسّع من منظومة الحقوق . و مع نهاية القرن العشرين ، في عدّ بلدان غربيّة تمّت جملة من الإصلاحات رفعت عديد الحواجز أمام المساواة القانونيّة بين الجنسين . و ترتئي الحركات النسائيّة و النسويّة على الدوام حقوقا جديدة و اليوم الحقوق الممنوحة من الدولة أوسع نطاقا من تلك التي كانت تتأمّلها الأجيال الأولى من النسويّات . و بهذا المعنى، من اليسير أن نبيّن أنّ المساواة الدستوريّة و القانونيّة قد تمّ تحقيقها في بعض الدول ـ الأمم حيث يمكن للمرء أن يزعم أنّ النسويّة الليبراليّة قد أنجزت مهمّتها . وبينما يمكن دفع الدولة أكثر لتمنح مزيدا من الحقوق ، يحاجج الماركسيّون أنّ المساواة القانونيّة، بعيدا عن إلغاء اللامساواة غير القانونيّة ، تساهم عمليّا في إعادة إنتاجها . و رغم أنّ بعض نزعات النسويّة غير الماركسيّة لا سيما الفوضويّة و الراديكاليّة ، تواصل الشكّ في الدولة ، فإنّ بدائلها للرأسماليّة و الأمّة ( القوميّة ) تميّزها عن الماركسيّة . و النظريّة الماركسيّة تعتبر الدولة و نظامها القانوني منبعا من منابع إعادة إنتاج التناقض بين الجنسين . و قد إستطاع نظام الحقوق كنتاج للتنوير و الثورات الديمقراطية البرجوازية لأواخر القرن الثامن عشر ، أن يفكّك النظام السياسي - التشريعي للديمقراطية البرجوازية . و مثل هذا النظام غير قادر ، حتّى في شكله الأكثر تهذيبا و الأكثر جذريّة ، على تفكيك رأسماليّة اليوم و بطرياركيّتها . ( لوتا و دونيا و ك . ج. أي 2009 ).
التنظير النسوي ـ الماركسي : المتطلّبات و العراقيل
لقد رأينا في العقدين السابقين مساهمات هامة من قبل كلّ من النسويّات الماركسيّات و غير الماركسيّات ، في فهمنا للعلاقات الجندريّة إبّان صعود الرأسماليّة ز و على سيبل المثال ، سلفيا فردريتشى،" كاليبان و الساحرة : النساء و الجسد و المراكمة البدائيّة " (2004) و فيه تربط المراكمة البدائيّة بتملّك عمل النساء غير مدفوع الأجر بما في ذلك الإنجاب ، بدلا من العمل المأجور فقط . و كتاب ليوبلدينا فرتوناتى ،" ممرّ الإنجاب : العمل المنزلي و البغاء و العمل و رأس المال " (1995) يحاجج بأنّ الإنجاب يخلق قيمة و بما هو كذلك يجب أن يعامل كإنتاج . و كتاب مارى موراي ،" البطرياركيّة في المرحلة الإنتقاليّة من الإقطاعية إلى الرأسماليّة " (1995) يتطرّق إلى العلاقات بين البطرياركيّة و الملكيّة و القرابة في ظهور الدولة في أنجلترا خلال المرحلة الإنتقاليّة إيّاها . و مع ذلك ، لم تركّز هذه الدراسات التي ألهمتها الماركسيّة على ظهور الأمم في سيرورة المرحلة الإنتقاليّة . وبالعكس ، عملُ دانا نلسون غير الماركسي " الرجولة القوميّة : المواطنة الرأسماليّة و الأخوّة المتخيّلة للرجال البيض" (1998) يعالج الجندر و الأمّة و العرق و كيف أنّ " رجولة البيض " قد شكّلت الأمّة ألمريكيّة من الحرب الثوريّة إلى أواسط القرن التاسع عشر .
و توفّر الدراسات التجريبيّة النظريّة الواعية رؤى عميقة في تشابك العلاقات الاجتماعية للرأسماليّة و البطرياركيّة و القوميّة حتّى و إن لم تستهدف بوجه خاص تطوير التنظيرات النسويّة – الماركسيّة عن المّة . و يقتضى مثل هذا الهدف عملا نظريّا في حدّ ذاته ، لكن النظريّة ، بعيدا عن أن تكون تلخيصا بسيطا أو تعميما للإكتشافات التجريبيّة محور صراعات سياسيّة و فلسفيّة و إيديولوجيّة . و الماركسيّة شأنها في ذلك شأن النسويّة نتاج لمثل هذه الصراعات على الجبهتين – خارجيّا ، ضد المنافسين ( النظرات البطرياركيّة و الرأسماليّة ؛ و داخليّا ، في صفوف المواقف المتنازعة في حقلها ذاته . و على سبيل المثال ، طوّ{ت الماركسيّة نظرة ماديّة ، في نزاع مع المثاليّة ، و في الوقت نفسه في تعارض مع الماديّة الميكانيكيّة . و مع ذلك ، ليست المواقف النظريّة و السياسيّة مثلما الطبقات الإجتماعيّة منفصلة ، تفصل بينها جبال : تشكّلت الجدليّة الماركسيّة أكثر بجدليّة هيغل المثاليّة من جدليّة الماديين التي كانت أقلّ تقدّما . و على الرغم من أو كذلك بسبب هذا التداخل في المواقف، إرتأت الماركسيّة أن تميّز نفسها ب‘تبارها النظرة العالميّة لطبقة ، الطبقة العاملة عوض إنتقائيّة الأفضل .
و من البداية ، كانت الماركسيّة و النسويّة منفصلتين كموقفين طبقيين متنازعين رغم أنّ التنظير الماركسي للبطرياركيّة أمسى مكوّنا من مكوّنات المعرفة النسويّة . و كان من الواضح أنّ في بدايات الماركسيّة ( مثلا ، لدى إنجلز ) لم يكن الجندر مكوّن طبقيّ و مع ذلك قلّص الإقتصاد الماركسيّ ، لا سيما في الإتحاد السوفياتي أواخر عشرينات القرن العشرين ، الجندر إلى طبقة و قلّص الإضطهاد الجندري إلى إضطهاد طبقي . و مع بدايات ثلاثينات القرن الماضي ، أعلن الحزب الشيوعي أنّ الصراع الطبقي و إضطهاد النساء و الإضطهاد القومي قد إنتهى في الإتحاد السوفياتي .
و قد دفع هذا الزعم البلاد و قسم كبير من الحركة الشيوعيّة العالميّة إلى إتّجاه يميني و محافظ بتبعات سياسيّة جدّية . و فيما من البديهي بالأحرى أنّ في النظريّة الماركسيّة الجندر مختلف عن الطبقة و أنّ الإضطهاد و الإستغلال مختلفين (7) ، من المعلوم أيضا أنّ مشاريع إلغاء الإضطهاد الجندري أو الإضطهاد القومي سياسة و سياسات ذات طابع طبقيّ .(8) و هكذا ، يمكن أن نقول أنّ فكرة لينين القائلة إنهّ افضطهاد الجندري و القومي لن يتمّ إجتثاثهما في ظلّ الإشتراكيّة من ناحية و زعم ستالين في ثلاثينات القرن العشرين – بالكاد في بداية الإشتراكيّة – إنتهيا إلى موقعين طبقيّين حتّى و إن نبعا من الحزب ذاته.
و نظرا لجدّية الصراعات السياسيّة حول العلاقات الجندريّة ، من غير العسير شرح إخفاقات مشاريع " الزواج " بين النسويّة و الماركسيّة . لقد كانت الماركسيّة تحدّيا جدّيا للنسويّة الليبراليّة في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ، و في ستّينات القرن العشرين و سبعيناته أعادت صياغة المعرفة النسويّة . إلاّ أنّه منذ أواخر القرن العشرين ، بينما شهدت النسويّة " إنفجارا معرفيّا " ( كرامارى و سبندار 1992) ، عانت الماركسيّة من تراجعات لا سيما عقب إعادة تركيز الرأسماليّة في الصين ( 1976) و قبلها في الإتحاد السوفياتي (1957) ، و إنهيار الكتلة الشرقيّة (1989- 1992) ، و هيمنة الليبراليّة الجديدة و نموّ الإصلاحيّة في الأكاديميّات ( أنظروا أدناه ) . و تعرف الماركسيّة ، في إطار الأزمة الإقتصاديّة الراهنة ، إنتعاشا جديدا على أنّه ليس بوسعنا تبنّى ما كانت عليه في القرن العشرين دون تجديد واسع النطاق في النظريّة ، خاصة في مقاربتها للعلاقات الجندريّة . و يمكن أن تشمل المعرفة الواسعة التي أنتجتها النسويّات بالطريقة نفسها التي عانق بها ماركس و إنجلز بحماس و بصفة نقديّة ، الخطوات المتقدّمة في المعرفة غير الماركسيّة كنظريّة داروين للتطوّر و إكتشافات هنرى لويس مورغان و نظراته الثاقبة بشأن المجتمعات ما قبل الطبقيّة .
تهدف الماركسيّة و النسويّة كلاهما إلى تغيير الواقع ( المجتمع الطبقي و البطرياركيّة ) و تعويضه بأنظمة علاقات إجتماعيّة بديلة . و هذا الهدف السياسي يميّزهما عن النظريّات الملتزمة بالأعراف و العادات مثل ما بعد البنيويّة التي ترفض التحرير على أنّه " روايات كبرى " و تقلّص الوعي و العمل الإنسانيين إلى " هنا و الآن " . و لا شكّ في أنّه بينما لا يمكن إيجاد تسوية للنزاع بين الماركسيّة و تيّارات " ما بعد " ، فإنّ بعض المواقف النسويّة تنزلق بسهولة إلى مابعد البنيويّة . (9)
تتقيّد النسويّة بنسختها ما بعد البنيويّة بمواقف أبستيمولوجيّة متنوّعة . فمثلا ، خشية أن تسرق جوهريّة [ أسنسياليزم ] ما بعد البنيويّين لفائدة كتل بنائهم الكبرى لنظريّة مناسبة ، مفاهيما حيويّة ك " البطرياركيّة " و " المرأة " ( أنظروا أدناه ) ، و تحدّ من مساهمتهم في النضالات السياسيّة . و تاثير هذه الحركيّة مضعف للغاية بحيث أنّ بعض مناهضي الجوهريين ينخرطون في خدع نظريّة و عوضا عن الإعتراف بالجواهر و نبذ الجوهريّة ، ينبذون الجواهر و يعقدون تحالفات " مؤقّتة و إستراتيجيّة " مع الجوهريّة .(10) و من أجل فسح المجال للمساهمة في سياسات المقاومة و التضامن ، يتخفّون وراء " إستراتيجيا الجوهريّة " و " إستراتيجيا الكونيّة " ( بردن 2012 ) و حتّى " إستراتيجيا النسبيّة " ( ريان 1995 : 582).
و تقرّ الماركسيّة بوجود الجواهر التي دونها سيكون من العسير التمييز بين الظواهر في المجتمع و الطبيعة غير أنّها تعدّ الجواهر تاريخيّة و مثلها مثل كلّ الظواهر ، تتغيّر . بالنسبة للجدليّة ، الحركة مطلقة و السكون نسبيّ . و الإعتقاد في الجواهر لا يجعل من أي إنسان جوهري إلاّ إذا فُهمت الجواهر على أنّها لا تتغيّر أو أنّها أبديّة . و تمسى التنظيرات الماركسيّة " للأمّة" و " للبطرياركيّة " أو أيّة تشكيلة إجتماعيّة أخرى حتّى أكثر تعقيدا و مناسبة طالما تُفهم عبر ألصناف الفلسفيّة ك " الحرّية و الضرورة " و " الضرورة و الصدفة " و " الجوهر و الظاهر " و " المادة و الوعي " و " العام و الخاص " و " الحركة و السكون " و " النسبيّ و المطلق " و " الممكن و الواقع " و " الملموس و المجرّد " .حينما يستخدم غير الماركسيين هذه الأضداد ، إن إستخدموها أبدا ، يتعاطون معها كأشياء متضادة ، ثنائيّات . و بالنسبة للجدليّة الماركسيّة ، الجانبان في علاقة " وحدة و صراع " – يعنى يرتبط الواحد بالآخر لوجودهما و في ظلّ ظروف معيّنة يمكن أن ينفى أو يتغيّر الواحد إلى الآخر. و وفق وجهة نظر الماركسيّة ، مثلا ، تنوّع " الأمم " أو " البطرياركيّات " حتميّ إعتبارا لطبيعتها الإجتماعيّة – التاريخيّة ، فكلّ منها يتشكّل أو يوجد في ظلّ ظروف معيّنة و الفكر الإنساني المتسلّح باللغة قادر على إدراك العام في الخاص. لكلّ بطرياركيّة خصوصيّاتها بطريق الحتم بمعنى أنّها تظهر في إطار تاريخي مختلف بفعل التنوّع في الوعي و الثقافة و الجغرافيا و النظام الطبقيّ و التشكيلات الاقتصادية – الإجتماعيّة و اللغة و الدين و الدولة و القوميّة و الإثنيّة و هلمجرّا . و بداهة ، لم تخلق المجتمعات الإنسانيّة ، وبعضها منعزل بحواجز ماديّة كالمحيطات و القارات ، العلاقات الجندريّة وفق أي مخطّط لنظام عالمي. و من الممكن أن ندرك العام في خاص البطرياركيّات . البطرياركيات الفرنسية و الكري [ هنود حمر بالكندا ] و الإسبانيّة و الإيرانيّة بطرياركيات متباينة لكن ببساطة يمكن رؤيتها كأنظمة علاقات جندريّة قبل ، لنقل ، أنظمة دينيّة و طبقيّة أو قرابة . و زيادة على ذلك ، يُشكّل العام و الخاص علاقة جدليّة ، و بعيدا عن أن يكونا صنفين أو ميزتين كامنتين ، يمكن إدراكهما كعلاقات ترابط متبادل و تغيّر الواحد إلى الآخر ، في مكانتهما ، كعام و خاص ، حسب الظرف : " و بسبب أنّ أنواع الأشياء لامتناهية و أنّ تطوّرها غير محدود ، فإنّ ما هو عمومي في حالة معيّنة يصير خاصا في حالة معّينة أخرى . و على عكس ذلك فإنّ ما هو خاص في حالة معيّنة يصير عموميّا في حالة معيّنة ثانية ." ( ماو تسى تونغ 2007(أ) : 85 ؛ بالعربيّة : الصفحة 478 من المجلّد الأوّل من " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، درا النشر باللغات الأجنبيّة ، بيكين ).
و هكذا البطرياركيّة ( نظام ممارسة الذكر للسلطة في إطار علاقات جندريّة منظّمة تراتبيّا ) ، فيما هي دائما خاصة ، تشكّل شيئا عاما ضمن المجتمعات الطبقيّة من العصر القديم إلى العصر الحديث ( توجد في جميع هذه المجتمعات ) ، و إن ظهرت كشيء خاص على إمتداد التاريخ ، من التشكيلات ما قبل الطبقيّة إلى بداية التشكيلات الطبقيّة .
و تخلط ما بعد البنيويّة بين التناقضات الجدليّة و الثنائيّات و حلّها لذلك هو إستبعاد مظهر من الضدّين ، العام ، و دون قصد لكن بصفة منهجيّة ، تقدّم المظهر الآخر ، الخاص ، على أنّه عام . و إليكم مثال لفهم الجوهريّة و إستبعاد العام لفائدة الخاص : " رغم القيمة الإرشادية للبطرياركية في التنظير للهياكل الإجتماعيّة التراتبيّة ، بالنسبة للنسويّات ، تقلّص فائدتها إلى جوهريّتها و وفقها الهيمنة الذكوريّة على النساء إجابة حتميّة على الإختلافات الطبيعيّة . تغذّى فرضيّات من هذا القبيل مفاهيما لاتاريخيّة عن " المرأة " و " الرجل " كأصناف عامة ، و تتجاهل الإختلافات العرقيّة و الطبقيّة و غيرها . لا فائدة للبطرياركية كمفهوم نظري يتمّ النزاع حوله في هذه المواضيع ." ( كود : 2000: 379).
هنا المفهوم الأهمّ في النظريّة النسويّة ، " البطرياركيّة " ، وُضع جنبا لأنّه يستخدم جوهريّا داخل إدعاءات غير موثوق بها عن " طبيعة الإختلافات ". و في الواقع ، النظريّة الماركسيّة و الكثير من النظريّة الإجتماعيّة غير الماركسيّة قد نبذا الحتميّة البيولوجيّة . و هذه الإعتراضات لا تسمح للنسويّة ما بعد البنيويّة بأن تنظّر تنظيرا مناسبا للأمّة ( القوميّة ) ، وهي مهمّة تستدعى سجلاّ مفهوميّا بما فيه " التحرير " و " الإستقلال " و " السيادة " و " الحرّية " و " حقّ تقرير المصير " و " الإمبرياليّة " و " الأممية " وهي مفاهيم بعدُ منبوذة على أنّها " روايات كبرى " أو جوهريّات .
في إطار العولمة و الثورة التكنولوجيّة الجارية ، ينشر ألدب غير الماركسي أفكار تآكل الحدود و تبخّر الأمّة (- الدولة ) إلاّ أنّ نظريات " ما بين القوميّة " و " الكونيّة " و " ما بعد القوميّة " أو " القوميّة النسويّة " تخفق في أن تأخذ بعين النظر كيفيّة إعادة الأمم إنتاج نفسها من خلال ، ضمن إجراءات إخرى ، تعزيز الحدود القوميّة حتّى وهي تتآكل .
يشير النزاع بين الماركسيّة و النسويّة حول مسلة الأمّة ( القوميّة ) المعروض بإقتضاب في هذا الفصل ، إلى الحاجة إلى تفاعل بنّاء بين هتين النظرتين الكبيرتين للعالم . و في حين أنّ الظروف الماديّة لإضمحلال الأمم موجودة لفترة طويلة ، تواصل الأمم ممارسة سيادتها ، جزئيّا عبر السلطة البطرياركيّة ، جاذبة مئات ملايين النساء إلى السوق الرأسماليّة و مطلقة " حربا ضد النساء " لا تفتأ تتوسع أبدا . و تعدّ معالجة هذه التناقضات تحدّيا نظريّا و سياسيّا كبيرا في زمننا هذا . و تدافع النظريّة الماركسيّة عن إضمحلال الأمم و كافة المؤسسات و العلاقات الإجتماعيّة للمجتمع الطبقي ، عبر صراع طبقي طويل ألمد . أمّا الشغل الشاغل الأساسي للنسويّة فهو إلغاء التراتبيّة الجندريّة داخل حدود الأمّة .
-----------------------
الهوامش :
1- يركّز هذا الفصل على التنظير للأمّة ( القوميّة ) في الماركسيّة " الكلاسيكيّة " ، و قبل كلّ شيء أعمال ماركس و إنجلز و لينين .
2ـ ب " النسويّة " أقصد ، عدا عندما تلحق بالماركسية ، نسخها غير الماركسيّة المتنوّعة جدّا ، و بعضها مشخّص هنا ك " ليبراليّة " و " ما بعد البنيويّة ".
3- نقد هذا الموقف يخفق في الإستيعاب الجدلي للترابط بين هذه المكوّنات الأربعة للأمّة ، و يرفضها على أنّها " لائحة تسوّق " ستالين . (مثلا ، يوفال – دافيس 1997:19) . و الأطروحات النظريّة الكامنة وراء هذا التحديد هي :
أ- الأمم ليست ظواهرا أبديّة و لا أولّية و إنّما بالأحرى لها بداية و لها نهاية ؛
ب- إنّها إفراز للرأسماليّة ( " الحياة الإقتصاديّة المشتركة " )؛
ت- ليست الأمم تشكيلات عرقيّة أو قبليّة بل هي تتشكّل من عدّة إثنيّات و خلفيّات عرقيّة ؛
ث- الأمم مجموعات مستقرّة من الناس عوضا عن " مجموعات عرقيّة ورخوة الترابط " مثل الإمبراطوريّات ما قبل الرأسماليّة.
ج- لا يمكن للناس الذين يعيشون في مجموعة مستقرّة دون لغة مشتركة أن يشكّلوا أمّة رغم أنّه يمكن لأمم مختلفة أن تملك نفس اللغة و مثال ذلك الأنجليزية في زيلندا الجديدة و أستراليا و الولايات المتحدة ؛
ح- اللغة المشتركة لوحدها كالأنجليزية في أنجلترا و الولايات المتحدة لا تؤدّى إلى تشكيل أمّة ( مستعمرات بريطانيا و إسبانيا منفصلة عن بريطانيا و إسبانيا و إن كانت لديها لغة واحدة )؛
خ- أرض مشتركة ضروريّة " للتجمّع الطويل و النظامي " الذى يرتهن بالناس الذين يعيشون معا جيلا بعد جيل .
د- الأرض المشتركة و اللغة المشتركة لا يوجدان لوحدهما أمّة ؛ الوحدة العرضيّة لمقاطعات في ظلّ ملك لا تخلق أمّة ؛ و
ذ- تتميّز الأمم التي تتكلّم اللغة نفسها بثقافة مشتركة ( ستالين 1970 : 66-69).
4 ـ لاحظ لينين أنّ " السعي إلى إقامة دولة قوميّة تستجيب على الوجه الأكمل لمتطلّبات الرأسماليّة الحديثة هذه ، هو أمر ملازم لكلّ حركة قوميّة . و تدفع إلى ذلك أعمق العوامل الإقتصاديّة . و من هنا يبدو أنّ الميزة النموذجيّة و الشيء الطبيعي في المرحلة الرأسماليّة هو قيام الدولة القوميّة في أوروبا الغربيّة كلّها بل في العالم المتمدّن كلّه ."( لينين 1971 (ب) 40-41، بالعربيّة : الصفحة 146 من المجلّد 5 من " المختارات في 10 مجلّدات " ، دار التقدّم ، موسكو . مقال" حقّ الأمم في تقرير مصيرها " ، و التشديد في النصّ الأصلي) .
5- من أجل نقد غير ماركسي لثنائيّة المواطنة / الأثنيّة ، أنظروا مثلا ، ضمن أدب واسع النطاق ، سبنسر و وولمان (1998).
6- من الأعمال الأولى مثل " الإيديولوجيا الألمانيّة " (1846) إلى " رأس المال " (1867، المجلّد 1 ) إلى آخر الأعمال و منها " أصل العائلة و الملكيّة الخاصة و الدولة " (1884) [ 1985] ، إعتقد ماركس و إنجلز أنّ الإنتاج هو المظهر المميّز الأهمّ لنوعنا وهو يتمثّل في مكوّنين إثنين لا يمكن الفصل بينهما بالنسبة للفهم المادي ، العمل المحدّد في التاريخ هو ، في نهاية المطاف ، إنتاج و إعادة إنتاج الحياة المباشرة . و لهذا ، مرّة أخرى ، جانبان : فمن جهة الغذاء و الملبس و السكن و الأدوات الضروريّة لذلك الإنتاج ؛ و من الجهة الثانية ، إنتاج البشر ذاتهم ، إستمرار العنصر البشري " ( إنجلز 1985 : 71).
و بينما يمكن لهذا البريق النظري أن يرسي أساس التنظير الجندري ، لم يمضى ماركس و إنجلز فيه بعيدا ، و أخفقت الأجيال الماركسيّة اللاحقة في إستيعاب دلالته و قد عارضه البعض ( من أجل عرض غير نسويّ للصراع حول هذا الموقف النظري في النظريّة الماركسيّة ، أنظروا غوره [ 1988] ؛ و أنظروا كذلك ساير [ 1987: 77-82] ).
7- من أجل نقد لخلط الإقتصاد الماركسيّ بين الطبقة و الجندر ، أنظروا موجاب ( آت قريبا ) .
8- النساء مصدر و محرّك النضال ضد العلاقات الجندريّة البطرياركيّة . و مع ذلك ، في التاريخ الثريّ لهذا النضال ، من طلب التحرير إلى حقوق الإجهاض ، ساندت بعض النساء النظام البطرياركي و كذلك فعل بعض العمّال / الإشتراكيين . و هذا قبل كلّ شيء قضيّة سياسيّة كمجال للوعي و إستقلاله عن موقع المرء في الطبقة و الجندر و الأمّة .
9ـ من أجل نقد للملتزمين بالعادات و التقاليد من النظريّات النسويّة المعاصرة ، أنظروا ، ضمن آخرين ، أبارت (1996) و إيزنشتاين (2009).
10- أنظروا ، مثلا ، معضلة نشطاء حقوق السكّان ألصليين : " في سياسة الدفاع عن حقوق السكّان الأصليين في الندوة العالميّة، وُجدت خطابات و ممارسات تحدّد إستراتيجيا عالم المعاني و العالم الذى يبحث عن تحديد ما هي ما هي تقاليد و ما هو تاريخ و ما هي الذاكرة الجماعيّة و النظرة للعالم و ما هي الظروف الحاليّة ، و أنماط حياة و التطلّعات المستقبليّة للسكّان ألصليّين . أحاجج أ،ّ مفكّرى و نشطاء السكّان ألصليّين يصوّرون فكر السكّان ألصليّين الجوهري على أنّه إستراتيجي لإصباغ الشرعيّة على مطالب العدالة و الحقوق الإجتماعيّة ، و هكذا ، هذا الوصف لا ينبغي أن يُفهم ببساطة كجوهريّة غير نقديّة و رجعيّة . بناء و إعادة بناء الشعوب يعنيان التفاوض حول المفاهيم التي تستخدمها الدولة – الأمّة و في نفس الوقت ، إعادة رسم واعية و مستمرّة للحدود الثقافيّة " ( أسكر سيغا 2010 : 3).
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
المراجع بالأنجليزية :







اخر الافلام

.. #الفن في خدمة التغيير.. عروض فنية وسط الاحتجاجات الشعبية في


.. الحكومة البريطانية تشن حربا إلكترونية على جماعات اليمين المت


.. -عزم-.. حركة شبابية لتأطير الحراك الشعبي بالجزائر




.. تواصل المظاهرات الحاشدة في الجمعة الخامسة للحراك الشعبي بالج


.. اشتباكات بين قوات الشرطة ومتظاهرين في الجمعة الخامسة لاحتجاج