الحوار المتمدن - موبايل



طبيعة الإنسان -2-

إبراهيم الوراق

2018 / 4 / 30
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


طبيعة الإنسان
-2-
ومن هنا، فإن وصف الإنسان بالكائن العاقل، ليس على إطلاقه، إذ يتطلب ذلك جدلا، أو استدلالا، أن نجد ماهية للعقل الكلي الجامع للأشياء المعقولة في سمط الحقيقة المطلقة، ثم نبني على مداره ما نصطلح عليه بالعقلانية؛ وهي كل ما دل على مفهوم الإنسانية بمعناها الفلسفي، والتاريخي، وعبر عنها بما يشكلها من مظاهر الرخاء، والتسامح، والتمدن، والحضارة، لأننا إذا أدركنا ذلك المعنى الجامع لكينونة الوحدة، وحددناه بتقنيات المنطق، وأدواته في رص المعاني التالدة، يكون استفهامنا موجها إلى حيثياته بناه المعنوية، والمادية، إذ هي التي تصرح بامتداداته، وتمظهراته، وتوضح لنا كيف تتجدد معالم النشاط في الإنجازات البشرية، وكيف ترتبط مع بعضها في سياق كلي متفاعل بين النسب المركبة للمفهوم الماهوي، لأن نسبيتها كامنة في اتصالها بالأسباب، والعلل، وارتباطها بالأحكام التي تصف أعراضها بالصلاح، أو الفساد، إذ ذلك هو ما يضمن ثنائية صيرورتها المندفعة بين أحدية جوهرها، وفاعلية تلاقي نظر السماء وفكر الأرض في حقيقة كثرتها، لأنها قيمة ذاتية في المعنى الدال عليها، وميزة عرضية في الفعل المحايث لها، إذ دلالتها على ذاتها المجردة، لا يعني أنها منفصلة عنها في التركيب، بل هي متصلة بالنقيضين اللذين تكون منهما مظهر الكون، وتجمعت فيهما كل العناصر المكونة لماهية الوجود. ولذا، يكون سؤالنا: هل هذا المعنى، على اعتباره قيمة معيارية، مطرد في كل ما يستفتح به الإنسان عالم خفائه، ويستظهر به حقائق غيبه؛ وهي غرائزه التي ينطلق منها إلى ما يريده برغبة حادة، وأفكاره التي يرسم بها خطط كسب ما يحتاجه من آلات البناء، والنماء، ومواقفه التي تظهر تقلبات أحوال أنظمته النفسية، والاجتماعية، لاسيما إذا واتت الفرصة، وكانت الظروف مناسبة، واتصلت بالأهواء، وارتبطت بالمخاوف، والتأمت بالأوجاع، واستطاع أن يتجاوز لحظات الضعف بما يبرمه عقله من تسويغ الاحتيال، والخداع، والمواربة.؟
إننا إذا أيقنا من جهوزية ذلك للفعل المتيقظ الوعي، والمتفتح المعرفة، تتكون لدينا حقيقة الإنسان، وطبيعته التي يفارق بها غيره من الأجناس الأخرى القريبة منه، لأنها لا تنفصل عنه إلا في تجاوز لحظة الاتصال برغبات الجسد، وتعاليها على ما يقوم به تشابه الفعل في الكسب الحيواني من تدمير للمعنى الخالد؛ وسواء العجماوات، أو الناطقات، إذ ما يصيِّر أحدهما فاعلا حقيقيا في محكمة الحقيقة الأبدية، هو وعيه بما يريد، وقصده فيما يجيد، لأن تمام الوعي بالشيء المدرك بالنظر، وعموم القصد بالفعل المدبَّر، هو الذي يفرز الشعور المتناقض بين الرجاء واليأس عند الإنسان، ويرغمه على الاستسلام لضعفه، وعجزه، ويلزمه بالاستكانة إلى قوته، وجبروته، ويربكه بالخوف من المجهول لفكره، ويسدده بالأمن في المعلوم لعلمه، ويفرض عليه الحذر مما هو مستحيل لقدرته، ويدفع به إلى المغامرة فيما هو ممكن لطاقته، إذ إحساسه بذلك النقيض، ومدى حريته في اختيار الخيار الأوفر حظا، والشعور بمحاولاته التي يبديها للتخلص من كل مأزق وجودي، أو نفسي، أو اجتماعي، هو الذي يخصب مجال عقله، وينميه بالتجربة، ويرقيه بالملاحظة، لأن ذلك لا يتأتى إلا بضوابط معرفية، وشروط موضوعية، وهي ما تجمع في قاموس الأخطاء والصواب في الذاكرة البشرية، وتواطأت المعارف التجريبية على اعتباره صحيحا، أو عليلا.
وإذا استطاع عقله الفاعل أن يدرك كيف عبدت سبل الحركة في الصمت، والصخب، وكيف تسرع فيها نوق الهمم إلى المعالي الشامخة، توطَّن محور فكره دائرة الفعل الدال على الوجود الكلي، إذ هو كل معنى يعاصره الكد، والبدد، ويطيق الوعي بطرق إجادته أن يبني مكانة الغد المأمول بتأمل، وتبصر، لأن قيمة العقل المكنون في الإنسان المثالي، ليست من كونه حيا قادرا على أن ينطق بفرحه، أو قرحه، بل في كونه يستطيع بقدرته أن يحول اليقين إلى حيرة، وتردد، والبدهي إلى مركب معقد، إذ يعني ذلك ثنائية الفعل في الإيالة الإنسانية، وتنوع دوافعه، وتعدد غاياته، لأنه كما يطلب لنتيجة في ذاته، فإنه ينظر إليه من زاوية إشراقه على الوجدان بالآمال الوديعة. وتلك هي قوته التي تنقاذ له، فتمنعه من الركون إلى الأشياء الفانية، ما دامت لا تستجيب لمراده، ولا تفيده في مرامه، إذ حقيقته في كونه غير جامد الإحساس على رغبة البدن، بل يسير بجريان روحه في كل ما يحيط به، لكي يواصل الخطوات إلى صناعة واقع جديد، يهبه لمن سيحدث فيه وضع الخوف أمانا، ووقع الفقر غنى، ووجع المرض شفاء، وشؤم الجهل عرفانا، لأن استمرارية الإنسان، وما يرتبط به من حيوية، وانطلاق، وانشراح، وانبساط، وإثارة، ومغامرة، وإحساس بقيمة نبض الأشياء، ونضج معانيها، وخصوبة دلالاتها، لا يكون حقيقة مثلى، إلا إذا كانت المتعة المعنوية سبيلا إلى القوة المادية، وحصنا لها من الانفلات، والطيش، والرعونة، إذ ذلك ما يضمن تمازج الأزمنة والأمكنة في وحدته، وكليته، ويسعف الذات بأريحية البناء للمستقبل الإنساني. وإذا كان هذا معنى ذهبيا مقدسا في العقل، وقد شرف به الإنسان الفاعل برغبة بقاء حكمة الوجود، وفلسفته في الكون، والطبيعة، فما هي انعكاسات هذه التوظيفات للطاقة البشرية على كمال الصيرورة، وتجلياتها في المظهر الخارجي، وعلاماتها على سداد الفكرة، ونجاح الرؤية، وبلوغ الأمل إلى الضالة المفقودة، والجوهرة المنشودة؛ وهي كل ما يريد الإنسان أن يختبئ وراء أشجاره الوارفة، ويتوارى خلف ظلاله الرائقة، لكي يخفي اهتزاز مقوماته التي يشاطرها مع غيره من الحيوانات، والكائنات، ويظهر سمو صوته السجين بين أناته الباطنية، وآهاته الخارجية.؟
وفي ظل توارد الأفكار، وتوارد الأحوال، وتناظرها، وتعارضها، وعدم قدرة الإنسان على حصرها، وضبطها، نقول: إن تجاوزنا لهذه الأسئلة المتجددة مع كل اضطراب يقع في شخصية العاقل، يجعلنا نوقن بأن ما يمكن أن يعتبر تعقلا في محصلات مقيدة بعوامل مركبها الفسيولوجي، قد يكون على عكس ذلك في دوائر أخرى. وربما تكون الصورة واحدة، وهي مستنسخة من الأولى، ومتكاملة معها في الطبيعة. لكنها وإن أظهرت التشابه في كثير من عناصرها، والتآلف على مجموعة من أوضاعها، فإنها لا تصرح بالخلفيات التي تكشف عن آليات السيطرة على الفعل، وأساليب التحكم في الهدف، ووسائل الترويض لمنطق اللسان الناطق بالمشروعية؛ وهو في خداعه لذاته، وتزييفه للحقيقة، لا يضمر في وعيه، أو لاوعيه، إلا شهوة الإخضاع، والاستعباد، والتباهي الكاذب، والاستعلاء الماجن، إذ هو الكائن الوحيد الذي يتقن فن الخداع بمظهر يعبر عن مراده بنقيضه، لأن ما تتكون منه هويته الخارجية، وتتلاحم فيه أفكاره، وآراءه، وقناعاته؛ هو عصارة تجربته في ميادين الصعود، والهبوط، وخبرته في اكتساب ما يستجيب له، أو يند عنه، ويبقى متبوعا لنظره الشرس، إذ لو لم يكن محكوما بحاجاته الضرورية، وما تفرضه كمالياته من تعب، ونصب، لاكتفى بوظيفته الأولى في الصيرورة، ولأحس بأن جذوة الفعل كامنة فيما يطرد عنه الضياع بين المناظر السوداء، ويبعد عنه اليأس بين الآفاق الجحيمية، ويصرفه عن الاحتياج إلى القوة الطائشة، لأنها تخضع منطق الإرادة عند التفاوت لمزيد من التفاني في الإذلال، والاحتقار .
ولذا، لا ينضبط السلوك الخارجي في كثير من أحوال العالم البشري، إلا للحيلولة دون اكتشاف النيات والتصورات الباطنية، لأنها هي المحددة للفعل العقلاني المتسم بالصدق في التوجه، والوجهة، ولو انتهى في الخارج إلى عكس المراد المقصود به إطلاقا، فصار مع الإخفاق غصة أليمة، أو حرقة أثيمة، تقابل بين مظهرين متشاكين في الطبيعة؛ وهما الفرح عند الظفر، والقرح عند الهزيمة، إذ الإنسان في العادة التي اعتادها لأوجاع تاريخية، أخرجته من كهف مخاوفها كائنا متوحشا، ومتغولا، لا يظهر حقائق سلوكه بتجرد، لكي يتحقق فيه الواجب الكانطي بإيقان، وإيمان، بل يصحبها ما في عالم الباطن من أحلام، وأوهام، ويرافقها القصد المسكون في جرحه، ونزيفه، لأن موضوعيتها من بنائها بمنطق الفعل السوي؛ وهو ما يضمن في الماهويات الإنسانية جمال صورة الزمان، والمكان، إذ ما يحدثه الفعل الرديء، لا يتأذى به صانع جُرمه، بل يسري على كليات الوجود، فيفسد العلاقات، ويهدم الصلات، ويربي في النفوس خوفا، وفي العقول حيفا، ويغذي في الأمل كمدا، وفي الأفق سوادا. وأحيانا كثيرة، وليست قليلة إلا بالنسبة لما هو مغروس في الذات فطرة، وخلقة، يحتاج ذلك الفعل الأخلاقي إلى تربية، وتعليم، وتثقيف، وتهذيب، وشدة مران، وقوة مراس، ويفتقر إلى كمال الذات في بناها الفوقية، والتحية، لكي يصل إلى ما يقابل انتصارها من صفاء الذات، وسموق همتها، وشموخ هامتها. وهذا لا يتأتى وجوده الحقيقي بالتلقائية، أو الفجائية، إلا إذا كان الواجب سمة نفسية، وخاصية ممتزجة بالماهية، ولا علاقة له بمقولة مسبقة، ولا بفكرة مقدمة، بل هو الذات في جبلة كينونتها الباطنية، إذ لا أثر فيه للكسب، والتحصيل، ولا صلة له بما يواجهه من اتصال، أو انفصال، لأن ما يتحصل لنا عن طريق الرياضة؛ وهو كل ما نواجه به قصورنا عن بلوغ ذواتنا إلى الكمالات السامقة، سرعان ما يزول لرافد أقوى، ودافع أجدى، يستحوذ على الذات بمنطقه المعاكس، فيتحول مع طول التجربة إلى عادة مكتسبة، تنقل الصورة إلى الخارج بما يكمن في أقيسة العقل من يقينيات، وظنيات، وتوجهها ببعدها الانفعالي إلى الفاعلية المرتكزة على الضرورة القائمة وراء الكبد الغائي، ثم تكون مع اجتياز مرحلة الصراع الداخلي، هي الذات المضطردة في ترجمة أعراضها الجوانية، والبرانية.
وإذا كانت جمالية الأخلاق في تلقائيتها، وكونها نابعة من الذات بلا تأثير خارجي، وسواء كان ذلك نسقا إيديولوجيا، أو سياقا اجتماعيا، لأنها إذا كانت إلزاما ذاتيا، تحولت إلى نفاق، ومداجنة، ومداهنة، وذلك ما يبعدها عن صيرورتها المثالية، ويحتم وضعها في خانة الجزاء، والعقاب، فإن لازم ذلك، هو أن نحدد ماهية لكل العقول الذي تتحدث باسم الإنسان، وأخلاقياته المثلى، ونجمعها في عقل كلي، ونحصر سموه فيما ينطبع على مرآة الموجودات المتكاثرة، لئلا يختلط المعنى بما يكتسبه من مخالطة غيره من المعاني، ومجاورة ما يلزم ذلك من تناقض الحال، والمآل، إذ هذا العقل الذي يعتبر شريعة للعلوم المنطقية، والرياضية، والحكمية، سيصير بحكم انتمائه إلى عالم المثل التي نادى بها الأنبياء، والحكماء، والأولياء، والشهداء، هو الحاكم لها، والقاضي عليها، لأنه سيضبط صواب العقول المتوافرة من خطئها، واعتدالها من انحرافها. وإذ ذاك، سيوجهها إلى كل ما هو إثيقي، وكمالي، لأن قيمومته بالفعل المجرد، هو الذي يدخل الإنسان إلى رحاب الطهرانية الحقة؛ وهي ما ينبع عن الذات المتزنة بالكياسة، ويدل على عشقها للمطلقات الجميلة، إذ هي المعراج الأسنى للوصول إلى مغاني القدس، وزهور جبل الطور، وواحات وادي طوى. لكن هذا المعنى الإشراقي؛ وهو لا يفصل بين كل الأفكار الإنسانية التي اجتازت قيمها مراحل الزمن الطويل، وما زالت وإلى يومنا هذا مرفأ للحيارى، والنوحى، ومخطوفي الإدراك الظاهري، ولو تم إيجاد محضن له في التاريخ البشري، لم يبشر في عودته إلا بميلاد اتجاه جديد في الحياة، يريد أن يطفئ نيران الصراعات، ويقيم معبد أبولو، بدلفي، ويكتب عليه "اعرف نفسك"، وينهي زمن الموت اللعين، ثم يبتدئ ذلك العهد المتسامي في بؤرة الحياة السعيدة؛ وهو كل زمن متعال عن الاختلاف باسم المطلقات، أو المشتركات، لأن ما يدل عليه من عشق الإنسان للحن كونه، وشوقه إلى نغم وجوده، لم يجعله سببا لحشد الفقراء ضد الأغنياء، وجمعهم في صعيد واحد للمناداة بعزل الإنسان، وخلعه، وإرغامه على تسليم مقاليد الأرض للسماء، بل كان صوتا مخنوقا في جوف الثوار التائبين من خيانة الضمير الفردي، والغاضبين من مسايرة رديء الأخلاق الجماعية، لكي يهتفوا بلسان واحد، ويقولوا جهرا على ربوة الحلم الوردي، "لا للعبودية".
ومن هنا، فإن ما سمي عقلا في زمن منفلت من قبضة الجبارين، والمتغطرسين، والإقطاعيين، قد اختلط النظر حوله في زمن آخر، واختلف القصد معه، واستحال حربا شعواء، أردت العقل البشري، وأهانت كل الكائنات المعذبة تحت صقيع السماء، والمتألمة بنيران الرمضاء، لأن حدود العقل التي اكتفت بتقنيات اللغة، ومقدرتها على التعبير عن الشيء الواحد الذي لا يدرك إلا بوجود ذاته، وحضوره البارز في حينه، وظهوره بمظهر لا يليق بغيره؛ على اعتبار أن ما وصلنا إليه من حدود ثابت القضية، وراسخ النتيجة، ولا يحتمل الند، والضد، ولا يقبل التغيير، والتحوير، ينفيه تطور المكاسب العقلية، واختلاف المواضيع التي نصفها بالعقلانية، إذ الخرافة كانت علما متعقلا في لحظة من اللحظات، ثم تحولت بما فيها من أساطير إلى معرفة متطورة، لأن أساس كثير من العلوم المرتبطة بالحياة الإنسانية، والثقافة البشرية، هو النقيض، والمخالف، والمعارض، إذ من التعدد اجتزنا إلى التوحيد، ومن الخيال وصلنا إلى الحقيقة، ومن السحر سرنا إلى الطب، ومن الخرافة تحولنا صوب المعرفة، ومن البداوة انتقلنا إلى المدنية، ومن التوحش ارتحلنا نحو الحضارة، لأن ما تفيده الأضداد، هو الخلاص للمعنى الواحد، وإذا زال عنه الند، صفا المكان للإدراك الخالد.
وهكذا كل ما يجعله الزمن باهر الصورة، وكاسر الدهشة، فهو في لحظة من عمر الكون المنسي، كان منطويا بين تلافيف الخفاء، ثم دهمه الزمن بالجلاء، فصار صفة كمال للإنسان، ومجلى لظهور جياد غروره، وكبريائه. لكن، هل يمكن لنا اليوم أن نزيل اللثام عن الوجه البائس لكل ما اغتر به هذا الكائن العاقل، ونقول بأنه ما تعالى فجورُه إلا بشيء يلغ من عرق الإنسان، وكده، ودمه، وموته.؟ لو حرص هذا الكائن المخادع على الاعتراف بحقيقته التي تعذبه بالخوف كثيرا، وبالفرح قليلا، لما فصل أجزاء كتب التاريخ عن بعضها، لكي يحصر عظمته فيما يستر به عورة لحظته الآسنة، وهو لا يختبئ إلا وراء هزائمه، ونكساته، وانكساراته، إذ الحقيقة الجلى، وهي لا تقبل التراشق بالألفاظ، والمراوغة بالمعاني، أن ما اصطلح على تسميته بالحيوان الناطق، هو أتعس مخلوق عاش على وجه البسيطة، ونال فيها جم المتاعب والمشاق العسيرة، لأنه لم ينته في كده إلا إلى ما يزيل عينه، ويحرق جرمه، ثم ينهي مصيره بين متاهات النسيان، وعذابات الزمان، وخيانات المكان، إذ لو أحس بالحياة الخالدة، وشعر بأنه موصول الفعل إلى ما لا نهاية، لكان زجاجة شفافة بالشفقة، والرحمة، لكنه غيب عن ذهنه قيمة ما يصنع به سعة الآمال الإنسانية، فقصر الفعل على ما يقيه من سعار هلعه، ورهاب وجله، وبتر الصلة فيما بينه وبين الإنسان الأول، والأخير. وهنا استحال وحشا كاسرا، وضاريا، وغولا قتالا، وسفاحا، إذ لا يرى حقيقته إلا في سفور مظهره الخارجي، وتبرج معلمه الظاهري، لأنه نتاج حضارة المظاهر الداعرة، وخلاصة الفلسفات التي ألهت الآلة الصماء، وقدست الإنتاج، والاستهلاك، وأهانت الإنسان المثخن بجراح الكذابين، والأفاكين، وفصلته عن تاريخه، وحضارته، إذ حضارته ، هي ما ينجد الإنسان من سعادة يعيشها مطمئن الحناب، وهادئ الرحاب.
وهكذا نشأت العلوم والمعارف من أضدادها، وتركبت من نقائضها، ثم صارت مع طول التجربة قادرة على خلق معنى الإبهار، والدهشة، وكأنها في تطورها المرافق للخبرات التي تؤكدها الملاحظة الدقيقة، والاستدلال بالمشهود على الغائب، والاستفهام للمجهول لحصر المعلوم، تدل على ذاكرة الإنسان في التاريخ البشري، وما صاحبها من تعقل للمعاني المتعارضة، وتمكن من إدراك أدوات ما تتحدد به الحدود، والرسوم، ولو كان ذلك مرتبطا بزمنه الخارق لحجاب عقل الإنسان، ومتصلا بتاريخه المستشرف لآفاق ما هو محروم منه قوة، أو ما هو مطلوب له طبيعة. لكن، ما يجعل ذلك متحركا في صيرورة الزمان، والمكان، هو قبوله للتغير الذي يحدث في قوالبه المتعاندة، ورضوخه للتحول الذي يطرأ على علاقاته المتشابكة، فيحدث مزيجا من التصورات، والقناعات، لأنها هي التي تهب قوة الإدراك للكائن العاقل، وتمنحه حدة الوعي بالحاضر، وشدة الفهم لوسائل ادخار رصيد التجربة للأجيال اللاحقة، إذ ذلك، ومهما تبدى ساكنا، وراكدا، فهو متحرك بطريقة تلقائية، واعتباطية، وكأنها عشوائية، وفوضوية، لكن لا مصادفة فيها، ولا مصارعة فيها، لأنها سلسلة حلقات متصلة ببعضها في نظامها الكوني، إذ لا تنقطع فيها صلة من الصلات، إلا وتخلفت عن سنة اللحاق بما يكمن في جب الزمن الغائر، واستوطنت ركنا قصيا في عقل الوجود الثائر، لأنه مع جبروته لا يكشف عن سره إلا في أوانه، ولا يعري عن وجهه إلا بشروطه؛ وهو كل ما يتقيأه الكون والطبيعة والحياة من حقائق، ودقائق، ورقائق، تخالف ما درج عليه الكائن العاقل في القديم، ولكنها في ديمومتها الزمانية، والمكانية، تضمر علة الاستمرار في الحدث، وفعل الإمداد في حرارته، إذ دينامية ذلك، هي من كونها تحمل الاستعداد الفطري، وتنقل التجربة من سياق إلى سياق آخر.
وتلك هي قابليتها في التغير، والتبدل، وفاعليتها التي أنجزت تاريخ العقل، والفلسفة، والعلم، والمعرفة، والأدب، والفن الجميل، لأنها تؤكد مسارات الحيوات النفسية، ومساحات الأفعال الاجتماعية، وما يتكلفه هذا الكائن المغترب من عبء في إحداث التوازن بين دورات الحياة، لكي تصل إلى مرحلة الرشد، والسداد، فيعيش فتوة المعاني التي لم يظفر بها عند قيام أهوائه، وأوهامه. وأنى له أن يصل إليها فيما سيأتي من مُشكَلات ظروف عيشه، وكبده، إذ ما يجري به زمن موت الإنسان الأصيل، وعودة صورته المهجنة إلى أدغاله الأولى، حيث كان يفتقر إلى أدوات تفكيره، هو الذي يغلق كثيرا من أبواب الأمل في الكائن البشري الأمثل، ويفتح زوايا لمناقشة نهاية العالم، وميلاد كائن خارق؛ هو هذا الوحش الإمبريالي الذي خرب الديار بأساطيره، ودفن سكانها بخرافاته، إذ في كونه قويا على الأخذ، والعطاء، وقادرا على أن يحرق الإنسان في حروب جائرة، لم يكن إلا ضحية لنسيان روح ما بين يديه من صناعة، وحضارة، لأنها محصلات لما توارى خلف جبة الأمس من همم متوقدة، وذمم متوردة. ولذا، يكون وجودنا مع وحشيته، ولو غازلنا بأنوثة إنسانية، وسافحنا بدعوى الدفاع عن حقوقنا، هو ما سنصير إليه من مآلات بائسة، ومغبات يائسة، لا نكاد نخرج من تيه إلا إلى تيه، ومن فتنة إلا إلى فتنة، إذ لسنا إلا مجبرين على أن نوغل في مداراته، ونمعن في مجاراته، لأنه لم ينلنا من حضارته إلا البؤس، والشقاء، ولم يصلنا من مدينته إلا الضجيج، والضوضاء، وأنى لنا أن نغتر بهذا الإنسان الذي كتب حدود اسمه بدمائنا النازفة على أراضينا المغتصبة، ونحن في نهاية جهدنا، لا نحصد إلا ما زرعه أجدادنا، ولا نلبس إلا ما نسجته جداتنا، بل هكذا نعي كل ما نستهلكه بإغراء، وإطراء، ولم نوجد فيه إلا لرغبة المتعة، والإثارة، والفرجة.!!!







اخر الافلام

.. شاب أردني يستلهم أفكار أجداده لصنع مجسمات فنية


.. أخطر 4 قيادات بتنظيم القاعدة في اليمن


.. نافذة من إسطنبول 2- تغطية خاصة لتطورات قضية خاشقجي ???? ???




.. وزارة العدل السعودية: ستتم محاسبة المقصرين في قضية خاشقجي


.. عادل الجبير لفوكس نيوز: -ما حدث لخاشقجي خطأ فادح ولا دخل لول