الحوار المتمدن - موبايل



أيَّامٌ في دَنْدَرَة..

السيد إبراهيم أحمد

2018 / 5 / 2
الادب والفن


لن أحدثك عن دندرة الضاربة في التاريخ شهرة ووجودًا وعالمية طاغية في السياحة والآثار، لكنني سأحدثك عن "دندرة" التي تكتسي بالبياض الذي يسري كالضياء بين شوارعها وحاراتها وأزقتها ليل نهار ولمدة ثلاثة أيام في موعد يتكرر مرتين في كل عام، أما الأول فهو الذي تأتي انطلاقته مع ليلة الإسراء والمعراج في الأواخر من شهر رجب ويطلق عليه "المؤتمر القُطْري"، أما الموعد الثاني فهو ما اصطلح على تسميته بــ "المؤتمر العام" وتنطلق فعالياته مع ذكري المولد النبوي الشريف على صاحبه الصلاة والسلام.



ستعقد لسانك الدهشة حين ترى هذا الإيثار من أهل دندرة الذين يتركون بيوتهم ـ الأغلب منهم ـ ليسكنها القادمون من جنبات مصر في الاجتماع القُطْري وبعض الشخصيات العربية، وكل هؤلاء مضاف إليهم بعض الشخصيات التي تمثل مراكز دندرة الثقافية العالمية، ومازلت منبهرًا حين حللتُ ضيفًا ومعي رائد من رواد العروض الرقمي العالمي الأستاذ فوزي محمود على شقة حديثة الإعداد لعروسين لم يمضِ على زواجهما أكثر من تسعة أشهر!

ستصيب الدهشة عين وعقل من سيحضر لأول مرة أول ليلة في الساحة المُعدة للقاء الأمير هاشم بن الفضل بن العباس الدندراوى أمير قبائل وعائلات الأسر الدندراوية وعدد من أعضاء تلك الأسرة وقد كان عددهم ـ وقت أن حضرت ـ يربو على الأربعة الآف رجل وامرأة وشاب وطفل وفتاة من مجموع يصل إلى الأكثر من ثلاثة ملايين دندراوي داخل مصر تقريبًا، ويصلون إلى أكثر من ذلك إذا أضفنا لهذا الرقم الدندراوية في الدول العربية والإسلامية. تقام المحاسبة والمراجعة في هذه الليلة بين الأمير والأسرة كلها فيما أسموه "الوقفة مع النفس".. وتبدأ بالوقفة من قِبل الأسرة تجاه أميرها قبل أن يرتقي المنصة، ثم منه إليهم بعد أن يرتقي المنصة، وهي محاسبة حقيقية بعيدة عن الشكلانية والتصنع؛ فإن لم يجد الأمير من يسأله أو يحاسبه سأل هو نفسه وأجاب عنها فيما يُظن أنه تقصير منه فيوضح الحقائق.

يُبدي من يحضرون مؤتمرات أو ملتقيات الأسرة الدندراوية إعجابهم بالدقة البالغة في التنظيم والإعداد الجيدين، والواقع أن هذا دأب هذه الأسرة من ساحاتها إلى مؤتمراتها وهو ما كان في حياة الأمير الفضل ـ رحمة الله عليه ـ وعهد الأمير هاشم ـ حفظه الله ـ وقد يحدث الكثير من التطوير هنا أو هناك غير أن المرتكزات الأساسية واحدة ليس في النظام وحده بل في فكر هذه الأسرة التي لها من الثوابت الاستراتيجية التي لا تخضع للتغيير أبدًا لا في المفاهيم ولا في المتن، وتقف "الوثيقة البيضاء" خير شاهد على هذا حيث كانت لفظة "الوثيقة" مُختاَرَة بعناية وقصد؛ إذ كل كلمة فيها وردت بنص لا يجوز تبديله بعبارة تبدل مضمونها، كما ذكر ذلك الأمير الفضل الدندراوي.

فِكر الأسرة الدندراوية لا يتعامل مع المرأة بجفاء أو إقصاء أو قهر لوجودها؛ فهي تحتل مكانة متميزة بالمشاركة في التنظيم والاستقبال بأزياء موحدة راقية، وتشارك في الاجتماعات وفي تقديم الفقرات وتقديم الشخصيات، وإدارة الحوارات التي يخصصها المؤتمر بل تشارك كضيفٍ عليها، كما تشارك بالحضور كذلك بعدد وفير وتعرض ما تم إنجازه إذا كانت مسئولة في إحدى الساحات الدندراوية التي وصل عددها إلى (62) ساحة ومركز ثقافي، ولقد أولاهنَّ الأمير هاشم عناية فائقة في الاستماع إليهن وتشجيعهن، وتصويبهن بأدبٍ جم، وتوجيههن إلى الأفضل بدعمٍ منه، غير أن الأسرة الدندراوية تراعي الأدب الإسلامي والأعراف والتقاليد في وجوب فصل النساء عن الرجال في أماكن مخصصة ومعدة بعناية وتأمين لهن وخدمة مقدمة لهن تماما كالرجال.

إن ما يثير الخيال في عقل المستمع حين تصطف كلمة "أسرة" مع كلمة "أمير" فيحيلها إلى أمير جماعة إسلامية من تلك التي شوهها تصرفات بعض الجماعات مع مُشهيَات الحبكة السينمائية والتليفزيونية ومحاولة إسقاطها على الأسرة الدندراوية وأميرها، والفارق جلي، والبون شاسع بين تلك الجماعات وبين تلك الأسرة، وهو ما سأوضح بعضًا منه في هذا المقال على أن أوضح أكثر في مقالات قادمة إن شاء الله.

الأمر الذي يجب الانتباه إليه أن "الأسرة الدندراوية" لا تدعو إلى "مذهب معاصر" ينضوي تحت لوائه المسلمين، كما أنها ليست "طريقة صوفية"، ولا تعمل بالسياسة رغم علمها بالسياسة ولذا فهي ليست جماعة قومية أو حزبًا، وليست جمعية خيرية إقليمية؛ فالهدف الذي قام من أجله الفكر الدندراوي لا يقوم على الإقصاء أو الذوبان وإنما التفرد في كيان الأسرة، والاتساع في ضم وجمع إنسان محمد صلى الله عليه وسلم، أي أن الأسرة الدندراوية كيان يجمع المذاهب الإسلامية وأصحابها، ومن ينتمي للطرق الصوفية، ومن يعمل بالجمعيات الاجتماعية والقومية مع الاستفادة من مميزات هذه الكيانات وخصائصها، غير أن "الأسرة الدندراوية" نفسها ليست كيانًا من هذه الكيانات الطائفية أو الطبقية أو القومية أو الإقليمية، وإنما هي كيان اجتماعي يجمع الأفراد المشتتة والتجمعات المتفرقة في وعاء الأسرة الواحدة، فجمع "إنسان محمد" صيحة نداء لجميع المسلمين أيًّا كان مذهبهم السلفي أو طريقتهم الصوفية أو تنظيمهم السياسي أو جمعيتهم الخيرية بأن يتجاوزوا حواجز الفرقة، وأن يتألفوا تحت ظل الزعامة المحمدية الجامعة.

على الرغم من أن الفكر الدندراوي نشأ على يد مؤسس الأسرة "محمد الدندراوي" الملقب بـ "السلطان" وهو أحد أفراد قبيلة "الأمارة" المشهورة والمنتشرة في صعيد مصر حيث نزح من المغرب العربي في القرن السابع عشر الميلادي ويمتد نسبه إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه، إلا أن تسمية "الأمير" التي تسبق اسم عميد الأسرة الدندراوية ليس لها علاقة بهذا النسب، حيث أن القيادة في الكيان الدندراوي "إمارة" لأن الإمارة بيعة؛ فإن صَلُح الأمير استمر وبقي وإن فسد أو حاد تم خلعه، ذلك أن القيادة في الأسرة شورى لكن القرار واحد بيد الأمير باعتباره حامل المسؤولية القيادية لقبائل وعائلات الأسرة الدندراوية.

إن الأسرة الدندراوية ليست كأوروبا قارة عجوز يقل فيها الشباب عددًا بل أن العناصر الشابة من الجنسين التي تتولى كافة أوجه الأنشطة والانتشار في الساحات وفي أيام المؤتمر القُطْري وهو ما يعطي مؤشرًا قويًا على البقاء والتقدم والتواصل والانتشار، كما أن أهم ما يلفت الانتباه هو أن الأمير الرابع في تاريخ الأسرة الدندراوية كان بمثابة الأخ الأكبر لهم وهذه مكانته في الأساس بالنسبة للأسرة ككل، غير أن هذا الأمير ليس "سلطويًا" يعطي القرارات أو يمارس دوره بفوقية بل هو أميرًا "مشاركًا" ـ إن صح التعبير ـ ومتواضعًا لا تجده يأمر أحد بفعل شيء يريده بل يتقدم هو بفعله على مرأى ومسمع دون تصنع أو افتعال أو لفت للأنظار.

إن الأمير هاشم الدندراوي صُنع على عين أبيه؛ فأعده لمثل هذا اليوم إعدادًا يبدو في كل لفتة من لفتاته، وفي كل تعامل صغير أو كبير، وفي خطاباته التي تصل إلى الجميع؛ فلم يكن "نخبويا" في انحيازه لجماعة أو طبقة الصفوة وأهمل العامة، والواقع فيه من الدلالات والسياقات التي تفند كل هذا، كما أن كلماته الغير طويلة تتسم بالمودة والحكمة، والصراحة المسئولة، والتنبيهات الحازمة يغلف هذا كله لمسات حانية، وبسمات من روحه التي يشع من جنباتها خفة الظل النابعة من لطف الأخلاق، ولين الجانب، والبعد عن ترويع من حوله بهدوئه الذي يضفيه على المكان، وحسن استقباله لعلماء الدين من المسلمين والمسيحيين، وأساتذة الجامعات والأدباء والشعراء، وكل الطوائف دون تمييز أو فرز، ذلك أن سمو الأمير يعرف للناس أقدارهم مثلما يعرفون له قدره تماما بتمام.

حين كنت أسير في جنبات قرية "دندرة" الوادعة كأنما كنت أسير في الأراضي المقدسة أو انتقلَ بعضًا من جوها في نفوسنا وفي الأمكنة؛ فلا صخب ولا سباب ولا شتم ولا عراك بل سلام يسري من القلوب يعم تلك الموجات البشرية السعيدة السائرة في حب تجاه لقاء يسعون إليه بلا تأفف أو ضجر، تسري الصلوات على الحبيب صلى الله عليه وسلم في كل لمحة ونفس تنظيرًا وتطبيقا .. الكون كله حولنا يلهج بذكره وبحبه وبسيرته صلى الله عليه وسلم من المزروعات الخضراء إلى النيل المنساب والأطيار التي تعانق الأشجار.. فَعدتُ وقد ملأ الضياء جنباتي، والنور أعماقي، واليقين كلماتي وسكناتي وحركاتي.. ولا عجب؛ فأيام دندرة التي عشتها سأظل أحكيها.. ولن تحسها ـ قارئي ـ حتى تأتيها فتعيشها أيامًا خالدات في روزنامة أو أجندة أيامك، والتي بدونها ستفقد كثيرًا من معانٍ رائعاتٍ في حياتك؛ فهي أيام ليست كباقي الأيام، وليس من ذاق كمن عرف.







اخر الافلام

.. تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه


.. الشروق| «البروفة».. المسرحية الثانية لفريق 1980 وانت طالع عل


.. هذه الأداة وراء أصوات أفلام الرعب المفضلة لديك




.. روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه


.. أفلام بدقيقة واحدة عن حقوق الإنسان في مهرجان -موبايل فيلم في