الحوار المتمدن - موبايل



اللغة الأولى -3-

إبراهيم الوراق

2018 / 5 / 7
سيرة ذاتية


اللغة الأولى
-3-
تلك معادلة صعبة، يشعر بها من أدرك أن لغة الإحساس، هي ما تحت الصدى، وما تحت الظاهر، وما تحت الجدار. شيء، يبدو إحساسا فينا، إنه هو الألم، هو الخوف، هو الضجر، هو السآمة، وأحيانا تفضي بنا الرتابة تحت صقيع الحيرة، والفراغ، إلى أن نقيم مجزرة للمعنى، فنقطع الأوداج بلا رحمة، والغلاصيم بلا شفقة، ثم نقول: انتهى كل شيء. إنها اللحظة المأساوية في عمر الأبطال، لا تفارقهم شوكتها إلا إذا صهرتهم بنيران الكمد، والبدد، وأسقتهم زقوم الغربة، والاغتراب، لكي تركب صوتهم بين هدوء الأشجار، ونسيم الهواء، وعليل المناخ، وهدوء الطبيعة، فإذا صرخوا بما أدركوا في تلك من سناء، فليصرحوا بين ظلالها الصامتة، وأفيائها الباردة، لأنها الأم الغامضة، والجوف الذي يمكن له أن يبتلغ الإنسان، وأسراره، وكل ما يحمله في جرابه من أمان، وأمالي، ثم ينهي دوره من الوجود إلى أجل غير معلوم.
فالفراغ، يقتل الحقائق، ويميت المعاني، ويهدم الكيان، ويحول البيان إغرابا، والعلم طلاسم، والدين تعاويذ، والفلسفة عنطزيات، لأنه الداء الذي يخرق الذات، ويمزقها، ويصب في قاعها سما زعافا، يهد كل ناظر، وكل شاخص، ويحول الكون من شدة غضبه إلى لكمة في يد عفريت مجنون. شيء ما جعل الفراغ عدوا للإنسان، مع أنه يحس بنا، ويتألم لنا، ويشفق علينا، ويرحمنا بما يفعله، لأنه يتذمر، ويتحسر، وهو المناضل الذي أراد أن يعلمك أن خلاصك فيك، لا فيمن تراه محركا لجسدك، وهو ما حركك، إلا حين تحرك بك. فحركته بك، وفيك، ولن تدركها إلا في قاعك، حين تزول الأوهام والأحلام الكاذبة، وترى ذلك الشره والجشع طعاما لما نتن في ذاتك، وفسد استعماله في عقلك، وصار ضرره أتم إدراكا من نفعه. فلم الكذب يا رجال الاقتصاد حين تعدوننا بأن نعيش في أكنافكم آمنين.؟ أليس هذا الذي تكتبون صك موته بيده، هو الذي يهبكم الحياة، فلا تقتلوه ببرودة أعصاب، وبأسمج ما في لغات العالم من رداءة، لكي يكون أجلد على منحكم معنى الحياة..؟ أليس من العار أن تشربوا ريق الإنسان صباحا، وعرقه مساء، ودمه ليلا.؟
شيء تافه، أن لا يكون فراغ هؤلاء الذين يحسون بالألم فيما يدهمهم من تابع السوق، وتابعته، هو السبب فيما يحيطون به ذواتهم من الأمل، والأماني الواعدة، إذ الفراغ من النبل الجماعي، ومن العطاء حين يكون رحمة بالإنسان، هو جرابنا الذي نملأه بسقطات شهواتنا، ورغباتنا، وهو الكيس الذي نحمل فراغه بين الدروب، والأزقة، والشوارع، ونحن نشعر بثقل شيء على أعناقنا، ولكن ليست فيه قوة أكتافنا، وهو الرجاء الذي نسافر به حين لا يكون لنا اتجاه، ولا قصد، ولا هدف. فلم ننسى أن في الفراغ منة عظيمة؛ وهي أنه يعلمك كيف تزن ذاتك، وكيف تكون في ظلها آمنا، وكيف تكون حين تفق أمام مرآتها الصقيلة متثائبا من الحزن الآبد. ففي الفراغ يلتقط الحكيم كل معاني التشظي، والشتات، وكل مفاهيم التيه، والضياع، لكي يركب منها مركبا متفاعلا مع معناه، يحمل صفاته التي تتناهى إليه في صورة إحساسه، حين لا يرى بين عينيه شيئا يحق له أن يكون منجدا، أو منقذا، إلا هذا الإله الذي يعرفه الإنسان حين يصير بين أحشاء البأساء، والضراء.
شيء جميل أن نقبل بهذا الصوت، لأنه تفكير مبدع في عقل المنصهر بالألم، وله غايات محمودة في سيرة الكون، وطبائع الإنسان، إذ لو أدرك المتحاربون أن فيه سر الجمع بعد الفرق، لعلموا ضرورته في تأسيس مهاد للسعادة، والفضيلة. وهل نعاني ضررا أشد علينا إيلاما من الفرقة.؟ إنها هي التي خربت العقول، والحقول، ومزقت العرض الشريف، وقد كان حريا به أن يكون مستورا، فصار من شدة قسوة المكر مكشوفا، ومذعورا؛ وهو الذي نستره بأكفاننا، حين نحمل إلى عالم آخر، حيث لا نرى وجاهة إلا للحق. لكن، لم يرعو ابن آدم، ولم يستح مما يفعل، ولم يعف فيما يقول، فخال الانتصار في هدم هذا التائه الذي ضاعت منه مفاتيح الأرض؛ وهو في غفلته، أو في غرته، لا يبحث إلا عن مفتاح يلج به عالم أمنيته الطفولية، حيث تنتهي همومه، وغمومه، وكروبه، فيصدح بذلك النفس المكتوم في صدره، ويرتاح لحظة، ثم ينتهي دوره، وتزول عينه بين الأعيان. لو قيل ذلك الصوت الذي يخفيه كل عراب باسم الأفكار الكبرى، وفي جملة من الأحاسيس والمشاعر الممتزجة بنخوة العثور على الخلود، لانتهى كثير من آلام الإنسان، وعناء مساربه، ومسالكه. فماذا جنينا مما صنعاه من بؤر التوتر في العقل البشري.؟ ها نحن اليوم نعيش بؤس العالم، وفقره؛ وهو النبع الفياض بالخيرات المتناسلة، ونحيى بين غيله خائفين، وحذرين، لا ندري متى نهايتنا، أو نهايته. أليس هذا معطلا لكل الطاقات المبدعة في كوننا.؟ أليس هذا مضرا بالأبناء، وهم يحتاجون في سعار شهوات الإمبريالية إلى حام يحمي دويرتهم، بعد أن اخترقتها عيون التقنيات، وجواسيسها، ليروا في حضنه كل أحلامهم التي ينظرون إليها بعيون بريئة.؟
هذا الصوت المكتوم، هو الذي جعل الإنسان يرتحل بين الأماكن، رغبة في الحصول على لحظة سارحة، لا يقع عليها البصر، ولا يصلها النظر، وإذا وجدها، واستطاب ما فيها من مقام، واستلذ ما لان فيها من مرام، كانت هي المضغة التي أنجبتها أمه من رحمها، لكي تعلمها كيف تظفر على ما فقدته من منال الحياة. إنها زمن الولادة، وما يفور به من أحلام الآباء، والأجداد، وزمن الانطلاقة من الطين إلى العوالم الخفية في المعاني، والحقائق، وزمن البداية الصعبة لكل الأحلام التي تسكن الفؤاد، وتنقبض عنها الأكف، وتنحصر عنها الإرادات، ويموت معها الاختيار، والحريات.لكن، ماذا يمكن لتائه مثلي، وهو عاجز عن رص معاني الأسماء إلى جانب ذواتها، أن يركب من هذه الصورة، وهي خطفة اختطفتها من وراء الشجرة لتلك اللحظة، إذ لو حاولت، فأنا ما زلت لم أتحرر من ثقل اللغة، لكي أكون فصيحا بما أريد أن أصافح به هذا الإنسان، وأعانقه، وأقول له: كفاك حربا، فقد أوجعتنا مواجع هذه البشرية، وأفزعتنا أخبارها التي تحكيها الأماكن الراكدة، والجامدة. فلا تثقل علينا، فإن ما تحدسه في قعرك، لم نكنه، ولن نكونه، لأنه لا وجود له إلا فيك. فأنا، أنا، وأنت، أنت، وليس لنا إلا أن نتحد، ما دمنا لن نأكل من ثمار هذه الشجرة إلا بحفرنا للقناة التي تمر من ديارك إلى ديارنا.
كلا هذه الإمبريالية التي طعمتنا بالجفاء في الفعل، والسلوك، قد أضاعتنا، وأضاعت فرصة بسمتنا في جوف فلذات أكبادنا؛ وهم أرواحنا التي نرفرف بها حول عالم التسامي، إذ بهم ندرك أننا حقيقة مكلفون برعاية الفراش المحوم حول الحدائق الوردية. أجل، قد أضاع معه كثيرا من ساعات الزمان، ولحظات المكان، وأفقدنا فرصتنا في أن ننعم بكوكب بلا حروب، ولا ندوب. أجل، قد فقدنا تلك الساعة الضابطة لمراحل سيرنا بين الدروب الطازجة بأحلام الصغار، والكبار، وغدونا نسير بلا دليل، ولا مرشد، ولا آمر، ولا محرض، إذ فقدنا الهدف المشترك، واستحال كل واحد منا غولا ينطق بلهجته الصارمة، ويقول: أنا، أو الطوفان. شيء غير مرض لنا إذا أردنا أن نتعايش هنا بسلام، لأننا إذا لم نطق أن لا نتجبر بقولنا: العالم يتوقف مصيره على حرصي، وألمي، ويستمع الكل للجزء، ويدرك أنه له حرية في التعبير عن ذاته، فإن ما نؤسسه من غد الإنسانية، لن يكون إلا دمارا، إذ لا ننفرد بأنانيتنا المريضة، ولا نتعالى بها بين شموخ الأخلاق الفاضلة، لأنها سفاهة في مجمع النبلاء، وحماقة في كراريس طلاب الحقيقة، بل نتميز بكوننا نستوعب الآخر، وما يتعلق به من حق تقرير المصير الخاص، والمشترك. وإذا ألممنا بهذا الحق في كل ما ندبره، أو نسيره، فلا محالة ستنضج فكرة الحرية، ولا محالة، ستثمر مجتمعا متسامحا، ومتعايشا.
لكن، لم يقع ذلك إلا نادرا، إذ لا يبعث الأنبياء، ولا يصرح الحكماء، ولا ينطق الأولياء، ولا ينذر العقلاء، إلا إذا أحسوا بأن وراء الأكمة ماردا لعينا، يريد أن يفتك بسحره عروش هذه الهامات السامقة؛ وهي لا تكون وسيمة المظهر، إلا إذا تلون الإيوان بما يكتمه المخبر. وهنا، لحظة جميلة، وهي زمن ولادة تلك الإشارة التي تكون رسالة السماء إلى الأرض، وإشارة حصيد الخبرة الإنسانية في عالم الطبيعة، إذ لا يمكن للصلاح أن يتخلى عن مكانه، ولا للخير أن يتجاوز معدنه. وإلا وقع التحريف في كتاب الوجود. وإذ ذاك، سنحتاج إلى أن ندفن جميعا، لكي ننسى ما كتبناه من عهود، وعقود، ثم نبعث من جديد، فنشرب نخب الحضارة على شاطئ العشاق، حيث لا يجد فتياتنا إلا الاختباء وراء الأشجار، لكي يرسلوا القبل إلى صدور أفجعها القدر بغياب عقل الآباء، وموت ضمير الجنمتع، وسكوت أهل النصح عن النصيحة، لأن صمتنا المريب عن الوقت الذي يهدر للتخفيف عن أحزاننا، لن يجعلنا قادة، ولا موجهين، ولا مربين، إذ لا تحتاج البشرية إلى هذا الصوت الذي نتآكل روحيا بالتلويح عنه، إلا حين تتضايق اللغات من التعبير عن الآلام النامية بين أحشاء البائسين، والمحرومين، فيصير صوت من يدلك على الطريق بين الظلمات الكثيفة، هو الأمل الذي يعيد الطيور إلى أكنانها، ويرجع زقزقتها إلى صباحات الأمل الجديد. لو دفناه، ونسينا أنه كان موجودا، فهل سنتساءل بسؤال اليوم.؟ إنه ما دام ذلك مستحيلا علينا أن ندركه في واقع ما ندرسه من ماديات، فإن ما نتحاور به من أدوات الخطاب، هو ما يجعل ضرورة الإرشاد فينا قائمة، إذ لو أدركنا أننا في سفينة، وأن ربانها لا نجاة لهم إلا بنجاتنا، لجعلنا الهم مشتركا، وإذ ذاك تزول عنا رغبتنا في ظهور المخلص؛ وهو كل ما نستفتح به مداخل غابات الحيرة، والخسارة.
فالحكيم لا يركب مركباته إلا لهذه الغاية، إذ حين يكون جامعا لما شتتته سنة الفرق، يكون متصفا بصفة الجامع؛ وهي الصفة التي يدركها الإنسان حين يكون السلوك في كل سبيل مشابها، ومماثلا. إذ لا يتم القصد إلا من سبيل واحد. ومن صدق في أدبه، منح ما فيه من مننه. ولذا، يجمع الحكيم ما تناثر من أمل الإنسان، وألمه، ويأسه، ولم يجد له خيطا ينظمه، ولا حبلا يوثقه، فيعقده في حزمة انفعالات، وانطباعات، تكون هي التوجيه للعقل إلى موارد السؤال، والاندهاش، لأن ما لا نجد له خيطا في الوجود، هو بداية الحياة التي نريد أن نصل إليها بالعقل، فتأبت، وأرادت أن تكون خضوعا، وتسليما، فكانت كما أرادت، فانتهى بها الألم، ولو لم تبق لها بقية في اليد. إذ هناك انتهت لغة العقول، لكي تظهر لغة القلوب. وهناك، يبزغ ذلك النور المتسلل من كوة الكون، وينبجس ذلك البريق الذي يضيء الأكوان الإنسانية. وهناك، تمتلئ الجوانح بشيء جميل، هو لطيف، وجلي، وبدهي في الإحساس الذي يدرك حدود المعاني، ولكنه في التعبير عن طبيعته، وصفاته، لا تطيقه العبارات الدالة بألفاظها على معاني القواميس.
شيء جميل سمه أملا، أو تخديرا، أو جنونا، أو أي شيء تريد أن تصفه به، ولا تبالي بقبحه، أو بجماله، إنه شيء له نكهة في الكيان، ونشوة في الذات، وسمه بما تريد أن يدل عليه، ولو لم يواصله في الطبع، والسليقة، إنه الفراغ حين يصنع في مصنع الإحساس لعبة تجمع كل الصور المستحيلة الوجود، والإمكان، فيحدث في صلابتها وصلادتها ممكنا، ومطاقا، ومحمولا، إذ المستحيل لا يمكن دركه في باب الماديات، والرياضيات، لأنها مفصولة عن الفعل إلا في ذاتها المنفعلة مع الماهويات، بل ندركه في خشوع القلوب لما يرد عليها من لوائح الإيمانيات، وطوالع الإلهيات، حيث نوقن بالإله الجامع، ونتوسل إليه بكل الأرواح المعذبة في أقفاصها الآدمية، وبكل القلوب التائهة في سعير عشقها، وبكل العقول الساهمة عن رؤية أشجار زمنها، وبكل النفوس الخاسئة تحت صقيع الشهوات، وبكل الذوات التي جعلت اللامبالاة شعارا، والفوضى دثارا، وبكل الماهويات التي طفت منها نظرة، فرأت الوجود واحدا في عينه، وبكل شيء، هو شيء، واستحق أن يكون بداية، ونهاية، أن يهبنا من مكنون النور معجزة، تكون قدرتها رحمة، تصير المستحيل ممكنا، وتحول توحش الإنسان، وتغوله، وتلاعبه بالمصير البشري على هذا الكوكب، إلى عطفة يد، تمس جراح الحزين بحنان، ولطافة، ودماثة.
هنا تكون المعجزة مقبولة، وإن كنت رفضتها في زمن قريب النجعة، وصارحت بها جلاسي الذين يصرون على أن في جعبتي شيئا يغري تطفل أعماقهم الهاربة من النظام إلى اللانظام، لأن زمن ربطي للحلم بخيط رقيق، كنت أجرع به زقوما في سربي، كانت له أذواق، وأتواق، وما تراءى ممكنا، قد يغدو مع انصهاري بألم الوجع مستحيلا. فلا حد هناك للألم، ولا للأمل، لكن، حين ابتلعت مر الطعام، وهو ذل السؤال، وما أقبحه في زمن السقوط، حيث تنهار الأشياء الشاخصة، ولا يبقى إلا ما تحتويه في عمقك، فتبذله بسخاء، لكي تنجو من رجة الزلزال، وأنت كاره لما تجره من ذيل كرامتك، ليراه قميء، وحقير، فيعثر عليه، لكي تسقط في حفرة النهاية، في تلك اللحظة، رأيت في مشكاة النور التي لا تنفتح إلا إذا أغلقت في وجهها كل الأبواب المفتوحة، أن كلمة المستحيل، هي مجرد أكذوبة في التاريخ، لأن الذين صنعوها، إنما كانوا يريدون أن يقتلوا قوة الإنسان في ذاته، وماهيته، لا في كبده، وكده، إذ هو قوي بما هو قائم به من روح أزلية، ولا يحتاج إلى أن يدخرها، ما دامت تزداد بالإنفاق منها، والحرص على استثمارها فيما ينفع البشرية، ولو استغلت كما أوجدها القدر فاعلة، ومنفعلة، لانطفأت المصابيح ليلا، لكي ينعم سكان المدن بالظلمة أياما، ثم يحسون بأن عهد اللصوص قد انتهى. لكن الذين صنعوا إلها أسموه المستحيل، هم الذين أفسدوا الأرض، وجعلوها ممكنة في يد، ومستحيلة في يد أخرى. وهنا نشأت المعاصي، والآثام، والجرائم، والقبائح التي ارتبكها الإنسان لمضاهاة قانون الإله في حرية الفعل، والابتكار. وهنا اقترف الإنسان أكبر مجزرة شهدها التاريخ؛ وهي تلك اللحظة التي قتل فيها أخاه لمدافعة غول الجوع، والعطش، والمرض، وضيق الحال، واختلال الميزان بين القوى، والسياقات، والأفكار، وانبهار العيون الرائية إلى غموض الذهول، أو الخنوع.
المستحيل حقيقة يكون إلها، ثم يصير مستبدا مغرورا، لأنه إما أن نرده إلى عالمه في الطبيعة، وإما أن نرسمه عاجزا عن الامتزاج بمفارق له خلقة، وسلوكا، فنختار أن نجعل له شريكا اسمه المستحيل. كلا، إنه هو المستحيل بلا تزييف، إذ يحولك من نسب عالم البشريات، لكي يربطك بلا محدودية الفعل في الإلهيات. فإذا امتزجت الخمرة في الخان، وغنت القيان، وتمايلت الأرواح تطربا بالألحان، ودارت الكؤوس بين الندمان، وارتوينا بجرعة صرفة كعين الديك المحشو بالتيهان، ثم خلعنا العذار بنظيف الأسرار، ونطقنا بما أضمرناه بين الأستار، وصرحنا بما لوحنا به زمنا لكسر صفة الاغترار، ونيل مكسب إثارة الأفكار، كانت كلماتنا لها معنى على بساط القرب، ومفهوم في الدلالة على الواجب، والندب، لأنها تظهرنا بلا أقنعة نلبسها لإلهنا، وبلا أقمشة نختبئ من وراءها لباطننا، وإذ ذاك سنكون ناطقين بماهيتنا التي هي نحن، حين يكون طبيبها المداري لأسقامها، هو ما تشربه من دواء الافتتان. حيث نحن، والذات، وهي نحن حين لا نرى سواها، فنخاطب أنفسنا، ولا يسمعنا سوانا.
هنا ندرك أن فناءنا في إله المستحيلات، هو الأمل لنا جميعا بين دروب الفراغ، لا بصيغة الجمع الذي نحرص دائما على تدارك عجزنا بقوتها، بل بالإفراد الذي عظم ما ينفرد به المقام، فكانت الكثرة وحدة، والمعنى القريب بعيدا، وصار الهوان عزا، وكرامة. هنا نرتقي من مقام إلى مقام الانصهار، لكي يحصل الصفاء في مزج المعايير، ويسمع الخطاب، ويحصل الطلب، وتأتي المعجزات لابسة لباس الملائكة الطاهرات، وهي الكرامات في قوم، والآمال التي تحققت في قوم، والأماني التي يحملها الإنسان، ولما يجد لها أرضا لإنبات ما فيها من سيقان، وعروش، والإخفاقات التي رافقت الإنسان في انكسار مجاديفه للعواصف الهوجاء. فالمعجزات، هي اللطف، هي الرقة، هي الدقة، بل هي البسمة للزوجة، للأبناء، للإنسان، للكون، بل هي البسمة لكل ما حواه الوجود من طبيعة، وطبائع، وعناصر. إنها الشفافية التي عبر عنها الحلاج، والجيلي، وابن عربي، والسهروردي، وغيرهم، وبها قطت أطرافهم عند السجان. هي المرآة حين يزول عنها غبار العجز، والخوف، والألم، هي المعاني في ملكوتها، وفي قدسها. هي الغيبوبة عن الزمان، والمكان، والحضور فيما يحدث بينهما من وئام، وانسجام، هي الوجود في الذات، وفي الأشياء. هي الإله، وانتهى الصراع حول المصطلحات.
فلا تتعبوا عقولكم بدرس الإلهيات، فما هو بوطيء، ودنيء، فتدوسه أقدام الأقزام، والمتعفرتين بالأوهام التي يسفونها مع فحيح الأماكن المغالية في تأليه العقل، وتصنيمه حين يكون هو الفيصل فيما لنا، أو فيما علينا. فما أبلههم، وهم يخبون على أطراف الأنامل، ويختلسون النظرة من هنا، وهناك، وإذا تراءت لهم كسرة خبز، تسللوا إليها خلسة، لئلا يشاركهم فيها غيرهم، ثم تعود العقول إلى التحاصص، وتحدث الحروب حين لا تستطيع الفصل بين الأعلى، والأدنى، ومن الأقرب من بركة العطاء، ومن الأبعد عنها. فما أبلههم، وعيونهم عيون القطط، بل حتى حيلهم، بل حتى مشاعرهم، بل حتى ما يستدلون به على آرائهم. كل ذلك حلمه صغير، ولا يطيقه إلا عقل هر، يرضى من الطعام بما يبتلعه، لا بما هو له بالقوة الفاعلة في الأحجار الصماء، وفي البحار الهوجاء. فما أبلههم حين خالوا الإله مادة تركب، فتمنح للعقول بمقاييس، ونسب، إذ لو كان بهذا المعنى، لانهدمت قبة القداسة منذ بداية تاريخ البحث عن العلة الفاعلة، أو عن العقل الفاعل، أو عن النفس الفاعلة، لكنه لم يكن صورة في الأذهان، فتجتر المحابر مرارة الخوف على المعتقد برص قواعد الأدلة العقلية، بل كان معنى في الذات، وهو مسمى الإيمان، ولكن، لا تجعله قابلا للقياس، لتعلم بردوته من حرارته. إنه المعنى الذي تدركه في نظام الأشياء، حين تستحيل ناطقات، فتحاورك بما امتد فيها من حق، وحقيقة.







اخر الافلام

.. -ما لا تعرفه عن زياد الرحباني؟--| الجزء الأول


.. إيران تعزز حضورها غرب نهر الفرات بسوريا


.. إجلاء الآلاف من سواحل المكسيك تأهبا للإعصار ويلا




.. الفقر يستفحل في اليمن والموظف يفقد اغلب راتبه


.. انطلاق أعمال مؤتمر الإستثمار السعودي